‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القدس. إظهار كافة الرسائل

السبت، 25 يوليو 2026

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

الجمعة، 24 أبريل 2026

وتُقدّرون في إسرائيل فتضحك الأقدار في القدس

وتُقدّرون في إسرائيل فتضحك الأقدار في القدس
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

مذهل وصعب ذلك المشهد للمستوطنين، وهم يقيمون طقوسهم علنا في المسجد الأقصى المبارك، ويعلنون رقصاتهم الاستفزازية داخله مع أغنية شهيرة لهم تقول: (سيُبنى المعبد)، وذلك منذ إعادة فتحه للمصلين بعد إغلاق دام أربعين يوما، وهو الأطول منذ أكثر من ثمانية قرون.

ذلك أن فتح المسجد بعد كل هذه المدة لم يكن فعليا بقرار السلطات الإسلامية الممثلة بدائرة الأوقاف، وإنما كان بقرار شرطة الاحتلال وجبهته الداخلية، تماما كما كان إغلاقه بقرار الاحتلال المنفرد. ولذلك لم نر الفرحة في وجوه الناس.

واللافت هنا أن وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير حرص على اقتحام الأقصى بنفسه مرتين منذ افتتاحه، وكانت المرة الثانية بهدف إقامة صلاة علنية لأول مرة، وبشكل يختلف عن كل المرات التي كان فيها يقتحم المسجد سابقا.

وبالرغم من هذه الصورة السوداوية القاتمة لما يجري في الأقصى منذ أسابيع، وهي صورة حقيقية وليست من باب المبالغة، فإن جانبا إيجابيا خفيا يكمن في تفاصيل هذا المشهد.

وهذا المقال يأتي للفت نظر المقدسيين إلى طبيعة الحدث بالكامل، وإمكانية تغيير هذا الواقع البائس وقلب الطاولة على الاحتلال، وإعطاء المرابطين فكرة عن قدراتهم الحقيقية الكامنة.

هناك عدة ملحوظات سنشير إليها تتعلق بسياق هذه الأحداث، قد تعطينا صورة مختلفة، أو فكرة مغايرة عما كان الاحتلال الإسرائيلي يريد إيصاله:

أولى هذه الملحوظات، أن الوجود الإسلامي في المسجد ازداد بعد فتح المسجد بشكل جلي، وكأن المقدسيين أدركوا خلال الأربعين يوما التي أغلق فيها المسجد ماذا يعني أن يعيشوا دون الأقصى، وهذا أمر لم يعتادوه أبدا، ولعلهم لم يكونوا يتوقعون أن يروه حقيقة ماثلة طوال الستين عاما الماضية.

ولهذا ربما جاء الإغلاق بنتيجة عكسية على إسرائيل، فبدلا من أن ينجح الاحتلال في ترويض المقدسيين وتعويدهم على فقدان الأقصى، دون أن يكون جزءا من حياتهم، فقد كان الإغلاق صفعة أيقظت المقدسيين ونبهتهم لما يمكن أن يحدث، وما يمكن أن تكون عليه الحياة في القدس دون المسجد، مما زاد بالتالي ارتباطهم به بشكل أعمق.

ولذلك لاحظ المراقبون زيادة واضحة في أعداد المصلين المقدسيين، خاصة في صلاتي الظهر والعصر اللتين كانت الأعداد فيهما قليلة نسبيا قبل إغلاق المسجد، مقارنة بهذه الأيام.

كما لوحظ أن الانتشار المقدسي الشعبي داخل المسجد، وتكثيف الوجود في ساحاته في مختلف الأوقات، أصبح واضحا بعد إعادة فتحه، في مقابل غياب هذا المشهد قبل الإغلاق.

وبينما كانت بعض أوساط جماعات المعبد المتطرفة تراهن على أن هذا المشهد مؤقت ولن يتجاوز بضعة أيام، إلا أنه ما زال مستمرا حتى لحظة كتابة هذه السطور، مما يبين أن الارتباط العاطفي والديني بين المقدسيين والأقصى ليس من السهل فكه أو إضعافه بالقوة القاهرة، كما كان الإسرائيليون يأملون.

ملحوظة أخرى تظهر في هذا الشأن؛ وهي أن اقتحام الوزير المتطرف إيتمار بن غفير المسجد الأقصى في المرة الثانية- والذي أدى فيه صلاة علنية- لم يكن فيه منفردا كعادته، وإنما لوحظ الوجود الشعبي المقدسي على مسافة قريبة جدا منه، إذ كان المقدسيون يقفون أعلى درجات ساحة قبة الصخرة المشرفة، ورفضوا الابتعاد مسافات كبيرة عن بن غفير وحراساته، رغم تنبيهات شرطة الاحتلال.

إضافة إلى ذلك تناهت إلى مسامع بعض المراقبين أن الاحتلال حوّل بعض موظفي دائرة الأوقاف إلى التحقيق، ومنع بعضهم من دخول الأقصى، فقط لأنهم تناقلوا خبر اقتحام بن غفير المسجد، زعما أن تداول هذا الخبر قد يشكل خطرا على حياته، وعلى الأوضاع داخل المسجد! وذلك بالرغم من أن الاقتحام كان معلنا ومصوّرا.

وهذا الأمر يعني أن الاحتلال ما زال يشعر بعقدة الخوف من الأقصى، وأن الحاجز النفسي بين الاحتلال والمسجد ما زال موجودا بالرغم من أن بن غفير كان يتبجح قبل أيام فقط بأنه "يشعر بأنه مالك المكان" في مقابلة مع أحد الحاخامات من جماعات المعبد المتطرفة داخل المسجد.

والآن، نجد بن غفير يخشى على نفسه من انتشار خبر دخوله المسجد الأقصى، فهو نفسه لا يستطيع أن يسيطر على المكان ولم يتمكن من تقليل أعداد المسلمين فيه، على الرغم من كل إجراءاته وأفعاله في المنطقة.

وتحضر هنا ملحوظة أخرى، وهي أن الاحتلال ما زال حتى اللحظة يحاول بكل وسيلة أن يبدو مسيطرا على إدارة المسجد بالقوة عبر رفع أعلامه وصوته، ومحاولة تخفيف صوت الأذان في الأقصى.

وحتى في احتفالات ما يسمى "يوم الاستقلال"، حاول بعض المستوطنين رفع الصوت عاليا عما جرى سابقا، ولكنهم لم يتمكنوا- بالرغم من كل جهودهم هذا العام- من إبداء نفس الصورة التي أبرزوها العام الماضي في الأقصى، خلال حرب الإبادة على غزة.

وهذه الإجراءات فعليا تعني أن إسرائيل تعاني من عقدة معاندة الواقع والحقائق التاريخية والسياسية والاجتماعية في القدس، والتي يشكل المواطن المقدسي عنوانها.

فقد تبين لنا أن المقدسي برغم صمته الذي ربما كان نتيجة طبيعية لصدمة الترويع التي تسببت بها أعمال الاحتلال في حرب الإبادة على قطاع غزة، وجرائم بن غفير بحق الأسرى في السجون، فإنه لم يترك المسجد وحده في هذه المعركة، وما زال الأقصى هو الهم الأكبر لديه ومسؤوليته الأولى، ومركز حياته في القدس.

هذه الفكرة هي التي تظهرها لنا الأحداث الأخيرة، وهذا ليس من قبيل المبالغة، إذ إن الكثير من هذه الملحوظات التي تظهر بين السطور تحمل الكثير من الحقائق التي تفسر لنا ما يجري، وتبين ما وراء الأحداث.

فالسؤال الذي يطرحه البعض حول سبب عدم تمكن إسرائيل حتى اللحظة من إعلان سيطرتها الكاملة على الأقصى والتعامل معه بوصفه "ملكية إسرائيلية"، بالرغم من التقدم الهائل الذي حصلت عليه في مجال السيطرة على إدارته، وتهميش دائرة الأوقاف الإسلامية، فالسبب ببساطة: أن هناك عائقا وحاجزا نفسيا يسيطران على الاحتلال حتى اللحظة.

وهنا ينبغي أن نشير إلى نقطة مركزية خطيرة يجب على شعوبنا العربية والإسلامية فهمها جيدا؛ فمسألة حصرية الملكية الإسلامية للمسجد الأقصى هي محل إجماع فلسطيني وعربي وإسلامي.

ولكن الدخول والصلاة في المسجد حتى اليوم ليسا محل إجماع لدى الأطياف الإسرائيلية ولا سيما الأحزاب والقوى الدينية اليهودية، خاصة الحريدية والمراجع الدينية اليهودية التقليدية التي تحرّم على اليهود دخول الأقصى، ولا سيما الحاخامية الكبرى لإسرائيل، حتى تحقيق الطهارة الدينية المنتظرة برماد البقرة الحمراء المفترضة.

وحتى البقرات الحمراء الثلاث الباقية في مستوطنة "شيلو" التي جاء بها الحاخام المتطرف تساحي مامو من تكساس بالولايات المتحدة، لم تحظ حتى الآن باعتراف وموافقة المراجع الحريدية والحاخامية الرسمية، وذلك لأنها لم تولد "في أرض إسرائيل"، حسب النصوص الدينية التي تؤمن بها هذه المرجعيات.

إذن، قضية الاقتحامات والسيطرة الكاملة على المسجد ليست مسألة إجماع في إسرائيل على الأقل في الوقت الحالي، بالرغم من وجود شبه إجماع لدى المجتمع الإسرائيلي، عموما، على ضرورة ضمان ما يسمى "حق الصلاة" لليهود بشكل عام.

وينبغي هنا أن نفرق بين المسألتين، فما يريده تيار الصهيونية الدينية وحاخامات الضفة الغربية المتطرفون هو السيطرة الكاملة على الأقصى الآن وفورا كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل، والبدء ببناء المعبد الثالث المزعوم، قبل أن تنتهي الفرصة التاريخية التي يعيشونها هذه الفترة مع تسلمهم مقاليد الحكم في إسرائيل في حكومة نتنياهو الحالية، ودعم ترمب وتياره الإنجيلي، وهذا الأمر هو المسألة الخلافية الأبرز في الوقت الحالي بين الأطياف الإسرائيلية المختلفة.

وللعلم، فإن سبب رفض بعض الأطياف الإسرائيلية هذا الأمر هو الخوف من تبعاته الأمنية على إسرائيل، أي الحاجز النفسي بينهم وبين المسجد الأقصى الذي ذكرناه سابقا.

وهذا يعيدنا إلى نقطة أساسية ذكرناها آنفا، وهي أن اللاعب الحاضر الغائب في هذه العملية هم المقدسيون بلا شك، مما يرتب عليهم دورا كبيرا ومسؤولية هائلة بضرورة الحفاظ على صورة هذا السياج الذي يحمي المسجد الأقصى من إجراءات الاحتلال، بل ورفع وتيرة الردع الشعبي في وجهه بشكل يتناسب طرديا مع رفع مستوى شراسة الإجراءات الإسرائيلية في المنطقة.

فإسرائيل تراهن على ضرورة كسر المقدسيين لتتمكن من الوصول إلى الأقصى وتسيطر عليه بالكامل، وبالتالي فالكرة تبقى دائما في ملعب المقدسيين لتأخير مشروع الاحتلال بالوقوف في وجهه بحزم لحماية المسجد، والوقت اليوم أصبح في صالحنا وليس في صالح الاحتلال، فليفهم شعبنا الفلسطيني هذه المعادلة.

وكما قال أبو العلاء المعري:

تقفون والفلك المسخّر دائرٌ…وتقدّرون فتضحك الأقدار



التطبيع الحلو والتطبيع المر

التطبيع الحلو والتطبيع المر

 
وائل قنديل


 تبدو المسافة أبعد من بعد المشرقين بين موقفي الحكومات والشعوب العربية، بشأن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني، إذ ثمّة اندفاع هستيري للأنظمة العربية في هذا الاتجاه، يقابله امتناع شعبي طاغٍ عن تعاطي هذا الدواء القاتل الذي تريد الحكومة اللبنانية، كمثال، تجرّعه، بوصفه العلاج الوحيد المُتاح لقضايا الاقتصاد والسياسة.

كلّ هذا مفهوم وتُدركه الحكومات والشعوب معاً، أمّا غير المفهوم حقًاً فهو هذا الإصرار من بعض وسائل الإعلام على ممارسة التطبيع، بالمعنيين، الحرفي والاصطلاحي، له، من خلال استضافة وجوه صهيونية على شاشات عربية للاشتباك معها حول مسألة أنّ الشعوب ترفض التطبيع،

فهل يستقيم منطقاً أن تحارب التطبيع بممارسة التطبيع؟

يبدو أنّنا سنضطر إلى تعريف التطبيع للمرّة الألف، ربما، ولنتخذ مثالاً ما استقرّت عليه نقابة الصحافيين المصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي حدّدت موضوع التطبيع في: 

التطبيع المهني والنقابي: 

ويشمل تبادل الزيارات بين أعضاء النقابة وأعضاء المُنظّمات أو الروابط الصحافية الإسرائيلية. ... 

الممارسات الصحافية المباشرة: 

يُمنع إجراء مقابلات صحافية مع مسؤولين إسرائيليين أو التعاون مع وسائل إعلام تابعة للاحتلال. ... الزيارات الميدانية: يُحظر على الصحافيين زيارة الأراضي المُحتلة بتأشيرة إسرائيلية أو عبر قنوات رسمية تابعة للاحتلال.

 ... المشاركة في فعاليات مُشتركة: 

يمتدّ الحظر ليشمل حضور مؤتمرات، أو ورش عمل، أو مهرجانات تشارك فيها جهات إسرائيلية رسمية، حيث يُعتبر ذلك نوعاً من إضفاء "الصبغة الطبيعية" على وجود الاحتلال. ... أن يستضيف مذيع عربي شخصية صهيونية، ويتبادل معها المناقشات والقفشات ثم يهلّل بعضهم: 

الله عليك، يا أستاذ، لقد أحرجته. لقد أفحمته!

السؤال هنا: 

هل يختلف مفهوم التطبيع من فترة إلى أخرى، وبالتالي يختلف الرأي فيه باختلاف المراحل والأشخاص؟ 

الشاهد أنّ الكيان الصهيوني كما هو، بل ازداد إجراماً وتوحّشاً وعنصرية، والاحتلال توسّع وانتقل من الحدود التي كان يقف عندها عندما افتتح العرب (مصر أنور السادات) مسار التطبيع، إلى حدود جديدة في عمق لبنان وسورية وفلسطين، ويحلم بالمزيد. وبالتالي، تنتفي مبرّرات التعاطي معه بالتطبيع الإعلامي، بزعم كشفه أو فضحه، عبر استضافته وإلقاء الأسئلة والاتهامات عليه، فهذا بالضبط ما يتمناه الصهيوني، أن يكون وجوده معك عاديّاً، حتى لو هزّأته وسخرت منه وهزمته في الجدال.. وفي نهاية اللقاء تبتسم، ساخراً أو مُنتشياً وتشكره على وقته معك. 

هذا تطبيع بائسٌ ورخيص لا يزال مستمّراً على شاشات عربية، منها "الجزيرة مباشر" التي استضافت صهيونيّاً وقحاً تكلّم عن اصطفاف دول عربية، منها "الشقيقة مصر"، بحسب ما قال الإسرائيلي، ضدّ إيران ومحور المقاومة، ليدخل معه المذيع في وصلة من التحدّي العبثي بأنّ الشعب المصري يرفض التطبيع، ويأبى أن يصف متحدّث صهيوني مصر بالشقيقة... 

يا له من بؤسٍ تطبيعيٍّ زاعق، غير أنّ الأكثر بؤساً أن يساير بعض الجمهور هذه اللعبة ويصيح: 

الله عليك، يا أستاذ، لقد أفحمته ولقنته درساً، وكأنّه يصفّق لأسوأ أشكال التطبيع وأخطرها.

سيُقال لك، في هذا الصدد، إنّ هذا يخدم قضية الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال عن طريق دحض مزاعم العدو وأقواله. 

هذا هراء آخر، حيث لا يوجد فلسطيني عاقل، يتمسّك بحقّه في التحرّر من الاحتلال ومقاومته، يمكن أن يوافق على وجود وجوه وأصوات قاتليه على منصّات الإعلام العربي. 

وهنا يمكن الرجوع إلى أدبيات حركات المقاومة الفلسطينية ووثائقها في هذا الخصوص، حيث اجتمع ممثلون للفصائل الفلسطينية والمؤسّسات الصحافية في غزّة في 20 فبراير/ شباط 2021 ووقّعوا ميثاق شرف لمواجهة التطبيع الإعلامي، نصّ على التعهّد بعدم الظهور على أيٍّ من المنصّات التابعة للاحتلال تحت أيّ مُبرّر، وعدم استضافة أو دعوة أو التعامل بأيّ شكل مع أيّ ممثّل رسمي أو غير رسمي للاحتلال على أيٍّ من الوسائل الإعلامية، وتجريم مشاركة الصحافيين والمؤسّسات الصحافية والعربية في مؤتمرات وندوات وورش عمل مع الصحافيين والإعلاميين والمؤسّسات الإعلامية الإسرائيلية.

مؤسفٌ أنّ المواقف من التطبيع باتت تتباين بحسب فاعله، فيكون حلوًاً إن مارسه من ننحاز له، ومُرًاً لو جاء ممن نقف ضدّه. ومرّة أخرى: بالفطرة، وبالمنطق، وبالمعادلات الحسابية البسيطة، فإنّ كلّ خطوة تقرّبك من الكيان الصهيوني، تبعدك عن فلسطين، وأيّ مساحات ممنوحة للصهيوني كي يقوم بتسويق روايته، هي في اللحظة ذاتها مساحات مُقتطعة من الفلسطيني المُعتدى عليه وصاحب الحقّ.

الجمعة، 6 فبراير 2026

قُبّةُ سليمان… هدوءُ الحجر حين يُصلّي

 قُبّةُ سليمان… هدوءُ الحجر حين يُصلّي


تنهض هذه القبة في هدوءٍ مهيب شمال المسجد الأقصى، كأنها نقطة تأمّلٍ خارج ضجيج الزمن، تحيط بها أشجار الزيتون إحاطة الحارس الأمين بالذكرى، وتفتح عينيها على السماء بوقار القِدم ورصانة المعنى.
ليست قبةً عالية الصخب، ولا مبهرة اللمعان، لكنها عميقة الدلالة، تنتمي إلى طبقة الأبنية التي تُخاطب القلب قبل البصر.
هي بناءٌ مثمّن، يتوسّطه صخرٌ طبيعي ثابت، صخرٌ لم يُنقل ولم يُشكّل، كأنه شاهدٌ على أن هذا المكان لم يُنشأ ليُغطي الأرض بل ليحفظها.
ومن هنا جاءت تسميتها عند بعض المؤرخين بـ«قبة الصخرة الصغرى»، لا من باب المشابهة المعمارية وحدها، بل من باب المشاركة في المعنى: صخرةٌ تُصان، لا تُستعمل.
تبدو القبة من الخارج كحوارٍ هادئ بين الحجر والفراغ؛ أقواسها تحوّلت إلى نوافذ، والنوافذ إلى فتحات ضوء، كأن المعمار هنا يتخفّف من ثقل الجدران ليمنح الداخلين إحساسًا بالانفتاح والسكينة. ست عشرة نافذة توزّع الضوء باعتدال، لا إسراف فيه ولا حرمان، فتغدو القبة في النهار أقرب إلى فانوسٍ حجريٍّ يتنفس النور.
وفي بساطتها تكمن عظمتها؛ لا زخرف زائد، ولا ارتفاع متكلّف، بل تناسبٌ محسوب، وتوازنٌ يوحي بأن الجمال قد يكون أحيانًا في الاكتفاء. قبة سليمان لا تنافس غيرها من معالم الأقصى، لكنها تكملها، كما تكمل الهمسةُ الصادقةُ نشيدًا طويلًا.
إنها شاهدٌ على تعاقب العصور لا بصخب التحوّل، بل بهدوء الاستمرار؛ قبةٌ تقول إن في الأقصى معالم لا تُعرَف بالكثرة، بل بالثبات، ولا تُقرأ بالعين وحدها، بل بالبصيرة.

الاثنين، 19 يناير 2026

القدس عام 2025م في الميزان

القدس عام 2025م في الميزان

من المؤلم والمسيء للعالم العربي والإسلامي أن يكون كل عامٍ يمر على القدس وعلى المسجد الأقصى المبارك أسوأ من الذي سبقه من حيث كمية وحجم ونوعية الاعتداءات «الإسرائيلية»، فقد بات التقييم السنوي للأحداث في القدس والمسجد الأقصى يبدأ كل عامٍ تقريباً بعبارة «أسوأ عامٍ يمر على القدس حتى الآن»! 
حتى بات من المتوقع لكل عامٍ قادمٍ أن يكون أشد وأعنف مما سبقه حتى قبل أن يتبين شكل وحجم الاعتداءات المتوقعة فيه.

دوافع التصعيد.. بن غفير والحمى الانتخابية


ولا شك هنا أن وجود المعتوه إيتمار بن غفير على رأس وزارة الأمن القومي يعد واحداً من أهم الأسباب التي جعلت التصعيدَ السمةَ الأساسية التي تصبغ السنوات المتقادمة على القدس منذ عام 2022م حتى اللحظة، ففي السنوات الثلاث الأخيرة، وحتى قبل «طوفان الأقصى» وبدء حرب الإبادة على قطاع غزة، كان بن غفير يعمل جاهداً لإرساء دعائم التغيير الشامل في المدينة ومواقعها المقدسة وعلى رأسها بالطبع المسجد الأقصى المبارك.

ولم يكن عام 2025م استثناءً، فقد شهد ذلك العام تصعيداً لافتاً في شكل وحجم الاعتداءات على مختلف نواحي الحياة في القدس بهدف خنقها بالكامل وتحويلها إلى شكلٍ جديدٍ غير معهود، يريد منه الاحتلال أن يلغي الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة بالكامل ويحوله إلى وجود مؤقتٍ صغير لا يؤثر في مسيرة تهويد المدينة ومواقعها المقدسة.

وهو في ذلك يضع مقدمات الحسم الذي يريد تنفيذه في عام 2026 أو 2027م على أقصى تقدير، خاصة أننا بدخولنا العام الجديد ندخل عاماً انتخابياً، تدخل فيه دولة الاحتلال حمى الانتخابات مع ما يرافقها من شعبويات بن غفير، وسموتريتش، ونتنياهو، ويتنافس فيها اليمين الصهيوني الديني والقومي على حد سواء في استعراض قوته في الشارع كلٌّ حسب منطقة نفوذه.

وكما أن الضفة الغربية –باستثناء الخليل– تعتبر منطقة نفوذ سموتريتش، فإن القدس والخليل تعتبر منطقة نفوذ بن غفير المهووس بالاستعراضات الشعبوية الإعلامية، وبناءً على هذا الفهم، يمكننا تقييم الأحداث التي جرت العام الماضي في مدينة القدس وفي المسجد الأقصى في مختلف الملفات.
سياسة الهدم والاستيطان.. خنق القدس جغرافياً

فإذا تابعنا، على سبيل المثال، ملف هدم منازل المقدسيين، نجد أن هذا العام كان أحد أكثر الأعوام من حيث عدد المنازل الفلسطينية التي أقدم الاحتلال على هدمها في المدينة المقدسة، حيث وثق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة هدم 257 منزلاً ومنشأةً فلسطينية في القدس خلال عام 2025م، ليسجل بذلك الرقم الأعلى في تاريخ الهدم في القدس في عامٍ واحدٍ خلال 15 عاماً، وركزت هذه العمليات على أحياء تحيط بقلب المدينة المقدسة والمسجد الأقصى ولا سيما سلوان وجبل المكبر جنوباً، وبيت حنينا والعيسوية شمالاً.

كما أصدرت قوات الاحتلال خلال هذا العام، حسب تقريرٍ لمحافظة القدس، 551 قرار هدمٍ في المحافظة التي تشمل القدس ومحيطها، وذلك بالإضافة بالطبع إلى تشديد سياسة منع تراخيص البناء والترميم عن المقدسيين لدفعهم لترك المدينة وفقدان حق الإقامة فيها.

كما شهد العام مصادرة أكثر من 29 ألف دونم أراضي المدينة لصالح الاستيطان، وخاصةً مع إقرار تنفيذ مشروع «E1» الاستيطاني الخطير الذي سيقسم الضفة الغربية نصفين معزولين تماماً عن بعضهما.

وشهد هذا العام استشهاد 23 فلسطينياً ضمن حدود محافظة القدس الفلسطينية، حسب تقريرٍ للمحافظة، ووثقت مؤسسة «مرصد شيرين» منهم 11 فلسطينياً استشهدوا في القدس وضواحيها فقط، منهم 5 شهداء داخل أحياء مدينة القدس، و5 أطفال ومسنة واحدة، واحتجزت قوات الاحتلال جثامين 6 شهداء مقدسيين هذا العام.

ووثقت محافظة القدس إصابة أكثر من 330 مقدسياً برصاص الاحتلال خلال العام، هذا بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 700 مقدسي بتهمٍ شتى، ووضع بعضهم قيد الاعتقال الإداري فيما حكم على البعض بالإقامة الجبرية المنزلية ولا سيما من الأطفال.

المسجد الأقصى.. عدوان كمي وتحول نوعي

وكان للمسجد الأقصى النصيب الأكبر من الانتهاكات «الإسرائيلية» هذا العام من حيث الكم والنوع؛ فمن حيث الكم، شهد هذا العام أكبر عدد للمقتحمين على الإطلاق منذ اقتحام «الأقصى»، مع أكثر من 73 ألف مستوطنٍ اقتحموا «الأقصى» على مدار العام، في مقابل إصدار أوامر منع من دخول المسجد الأقصى لأكثر من 165 مقدسياً لفتراتٍ مختلفة تراوحت بين أسبوع إلى 6 أشهر قابلةٍ للتجديد.

لكن لعل نوعية الاقتحامات كانت من أخطر الملفات التي تطورت بشكلٍ لافتٍ في «الأقصى» خلال عام 2025م، فبالإضافة إلى زيادة عدد المقتحمين للمسجد خلال الأيام العادية وخلال مواسم الاقتحامات المختلفة، لاحظنا أن طبيعة الوجود الاستيطاني في «الأقصى» بات يتسم بالطابع الديني البحت القائم على إقامة طقوس وشعائر دينية محددة.

ولعل أحد أخطر الإجراءات في هذا الموضوع السماح بارتداء ملابس الصلاة مثل «التيفلين» و«الطاليت» وملابس «كهنة المعبد» البيضاء خلال الاقتحامات، وفي الأيام التي يحيي فيها المستوطنون شعائر دينية محددة تتعلق بالمعبد المزعوم، أما فكرة الانبطاح على الأرض، أو ما يسمى «السجود الملحمي»، فقد بات عملاً يومياً تقوم به قطعان المستوطنين بشكل جماعي مع الحرص على رفع الأصوات بالصلوات والغناء المقصود بذاته.

وفي هذا الصدد، تأتي فكرة محاولة أداء القرابين الحيوانية داخل «الأقصى» لتتربع على رأس أبرز الاعتداءات على حرمة المسجد وقدسيته خلال العام.

فبالرغم من فشل عملية أداء القربان داخل «الأقصى» في «عيد الفصح»، فإن الملاحظ أن هذه المحاولات لم تتوقف، بل توسعت لتشمل محاولاتٍ لأداء هذه القرابين في غير أوقاتها الشرعية المعمول بها لدى المراجع الدينية لهذه الجماعات.

ولعل محاولة إدخال قرابين إلى «الأقصى» وذبحها فيه من باب الأسباط يوم 8 نوفمبر الماضي تعد من أخطر هذه المحاولات، وذلك لأنها جاءت في يومٍ لا يحمل أي دلالةٍ رمزيةٍ دينية أو قومية لدى هذه الجماعات، بما يؤكد أنها انتقلت بفكرة أداء القرابين إلى مرحلة الإصرار على التنفيذ مهما كلفها الأمر وفي أي وقتٍ ودون الالتزام بأية قيود دينية.

وكانت تلك المحاولة هي الثالثة خلال عام 2025م التي نجح فيها المستوطنون بالفعل في إدخال القرابين إلى داخل حدود «الأقصى»، بعد محاولتهم الأولى خلال مناسبةٍ دينية هامشية تعرف باسم «الفصح الثاني»، في 12 مايو، ومحاولتهم الثانية خلال الاحتفال بما يسمى «عيد نزول التوراة/ الأسابيع»، في 2 يونيو، حين تمكن أحد المستوطنين من الوصول إلى ساحة قبة الصخرة قرب قبة السلسلة وهو يحمل كيساً يحتوي لحمَ ودماءَ قربان مذبوح، وذلك بهدف سكب هذه المكونات تحت قبة السلسلة التي يدعي المستوطنون أنها مكان المذبح في المعبد المزعوم.

هذه التطورات في الشكل والحجم تنبئ عن عامٍ ساخنٍ نتوقعه في القدس وفي المسجد الأقصى، وجميع المؤشرات على الأرض تبين أن عام 2026م لن يكون سهلاً على المدينة المقدسة وعلى المسجد الأقصى.

فإقرار بن غفير تعيين صديقه المتطرف أبشالوم بيليد قائداً لشرطة الاحتلال يعد واحداً من أهم إشارات التوجهات المتطرفة لحكومة الاحتلال تجاه القدس و«الأقصى»، حيث جاء هذا التعيين على خلفية الخلاف الذي حصل بين بن غفير وقائد الشرطة الأسبق أمير أرزاني،؛ إثر رفض الأخير السماح للمستوطنين بإدخال أدواتٍ دينيةٍ كالرفوف والطاولات إلى «الأقصى» خلال اقتحاماتهم، خوفاً من اضطراب الأوضاع في المسجد، خلافاً لإرادة بن غفير الذي كان يريد ذلك.

وهذا يعني أننا قد نشهد في الفترة القادمة سماح قائد الشرطة الجديد بيليد للمستوطنين بإدخال أدواتهم الخاصة إلى «الأقصى»، بما يعني أننا أمام تكريسٍ لسياسة التعامل مع المسجد على أنه معبد حقيقي قائم معنوياً، والسعي لتحويل هذه الكينونة إلى حقيقة مادية.

ولا يمكننا هنا أن ننسى أن عام 2025م انتهى مع وعدٍ قطعه نائب رئيس الوزراء وزير العدل ياريف ليفين، خلال الاحتفالات بـ«عيد الأنوار» (الحانوكاه) في ساحة البراق، بالسعي لتمديد ساعات اقتحام المسجد الأقصى المخصصة للمستوطنين وبالذات في ساعات المساء، بهدف زيادة أعداد المقتحمين.

وهذا يعني تجديد التزام حكومة الاحتلال بسياسة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً، وسعيها بالتالي إلى الانتقال إلى تقسيمه مكانياً، كما يؤكد أن ما يجري سياسة دولةٍ لا مجرد إجراءات تقوم بها قلةٌ متطرفة معزولة كما يدعي البعض في أروقة السياسة والإعلام.

لسنا على بُعد سنواتٍ من محاولة حسم ملف القدس والمسجد الأقصى، بل نحن على بُعد شهورٍ فقط، والواجب علينا التنبه إلى ما يجري والعمل بمستوى خطورة الحدث، فالمسجد الأقصى كان دائماً شرارة انفجارٍ يخشى الاحتلال من العبث بها، وإن شعر الاحتلال بالأمان في التعامل مع ملف المسجد «الأقصى»، فهو يعني باختصار ضياع القدس والمسجد الأقصى من أيدينا، والتاريخ لا يرحم.

الخميس، 15 يناير 2026

27 رجب ذكرى تحرير القدس من الصليبيين

27 رجب ذكرى تحرير القدس من الصليبيين 


27 رجب ذكرى تحرير القدس والأقصى من الصليبيين، وهي ذكرى تجدد الأمل كل عام، بأن يوم تحريرهما من اليهود الغاصبين آتٍ لامحالة، وأن المسألة مسألة وقت فقط.


بعد أن نجح صلاح الدين في استكمال بناء الجبهة الإسلامية من الموصل إلى مصر، على مدى 14 عامًا من العمل الدائب (569-583هـ) ، بادر بالدعوة إلى الجهاد، فتدفقت الجيوش إلى معسكره بدمشق، من سائر إمارات الدولة، فاجتمع حوله، ثلاثين ألف مقاتل، وجموع غفيرة من المتطوعين.

وفي نهار الجمعة 14 ربيع الآخر583هـ، زحف على رأس جيوشه باتجاه فلسطين، وعسكر بالقرب من طبرية، الواقعة بمنتصف الطريق بين دمشق والقدس، بينما احتشد الصليبيون قرب الناصرة عند قرية صفورية، وكانوا قد جمعوا أكبر جيش منذ مجيئهم إلى الشام، قوامه بين 30- 60 ألفا، فعمل صلاح الدين على استدراجهم إليه في طبرية، بحيث يصلون إليها، وقد قطعوا مسافة طويلة وأنهكهم التعب. ولنجاح هذه الحيلة، زحف على مدينة طبرية، ودخلها عنوة، الأمر الذي أثار فزع الصليبيين، لكون طبرية خط الدفاع الرئيسي عن المملكة الصليبية. وتحرّك الصليبيون نحو طبرية، في ظروف سيئة، نتيجة لحرارة الجو وقسوة الطريق وندرة الماء.

وعندما سمع صلاح الدين بذلك، استبشر خيرًا، وقال: "جاءنا ما نريد"، وأسرع بالتحول إلى منطقة أفضل من الناحية الدفاعية، فعسكر في تل بغربي طبرية، عند قرية "حطين". وبعد مسيرة يومين وصل الصليبيون إلى طبرية وضربوا معسكرهم على سطح الجبل المشرف على تل حطين، وكانوا منهكين، والعطش قد استبد بهم، لشدة الحرارة وركود الهواء في ذلك اليوم، وقضوا ليلتهم فوق سطح الجبل يئنون، والمسلمون تحتهم يهللون ويكبرون، وفي خلال الليل أخذ الهواء يتحرك باتجاههم، فأمر صلاح الدين، بإشعال النار في الأعشاب والأشواك التي تكسو الجبل، فحمل الهواء الدخان وحرارة النار إلى أفواههم الملتهبة من العطش، فزاد ذلك نكدا على نكد، وباتوا بشر ليلة، وبات المسلمون بخير ليلة.


المعركة


عندما أشرقت شمس يوم 24 ربيع الآخر 583هـ، أمر صلاح الدين بالهجوم الكبير على الصليبيين، واصطدم الجيشان في معركة طاحنة، وكان المسلمون قد وطنوا أنفسهم على أن لا خيار لهم اليوم إلا النصر أو الشهادة، ولذلك فقد قاتلوا باستماتة، وصيحاتهم "الله أكبر"، تشق الفضاء، وعندما حمي النهار، تراجعت القوات الصليبية نحو بحيرة طبرية للتزود بالماء، ولكن الجيش الإسلامي حال بينهم وبينها، وكبدهم خسائر فادحة، فأخذوا يتراجعون باحثين عن مخرج، وقد بلغ بهم الانهاك والعطش كل مبلغ، لكنهم كانوا يجابهون بحملات ضارية من المسلمين أينما توجهوا، فقد كان الحصار حولهم محكمًا.

 

وبعد شهرين من معركة حطين كان جيش المسلمين، يحيط بمدينة القدس، فأدرك الصليبيون، أن مقاومتهم لهذا الجيش ستكون عبثية، فرأوا أن من الخير لهم الإذعان للصلح

وكانت سهام المسلمين تهوي نحوهم كالجراد المنتشر، فكثر جرحاهم، واكتظت الأرض بقتلاهم، ولم يبق أمامهم ملجأ إلا قمة الجبل، فصعدوا إليها، يتقدمهم ملكهم، والمسلمون يطاردونهم، وحناجرهم لاتزال تصدح بالتكبير، مزعزعة قلوب الصليبيين،

وفي غضون ذلك سقط أسقف عكا صريعًا، ووقع من يده صليب الصلبوت، الذي يزعمون أن المسيح صلب عليه، وكانوا يعدوه ضمانة نصرهم، فاستولى عليه المسلمون، فأصاب ذلك الصليبيين بالإحباط، وأيقنوا بالهلاك، واستمروا في صعود الجبل والقتال بيأس، وصلاح الدين مستمر في الدفع بجموع المسلمين لمطاردتهم، وكان وجوده بينهم، أكبر حافز لهم على متابعة القتال دون هوادة، ومازال القتل والأسر يعملان في الصليبيين، حتى كانت المعركة الأخيرة عند خيمة ملك الصليبيين في قمة الجبل، التي لم تلبث جموع المسلمين أن تكاثرت عليها حتى أسقطتها، ورمت بقية القوات الصليبية المدافعة عنها أسلحتها على الأرض، واستسلمت، وكان ذلك ما ينتظره صلاح الدين بفارغ الصبر، فلما سقطت الخيمة أيقن أنه النصر، وسجد شكرًا لله وبكى من الفرح. وانتهى أمر الجيش الصليبي كله، بين قتيل وأسير وعلى رأسهم ملكهم وجل قادتهم.

 

الطريق إلى القدس


بعد هزيمة الصليبيين في حطين، لم يتوجه صلاح الدين إلى القدس مباشرة، ورأى أن الطريق إليها يمر بمدن الساحل، وذلك للأسباب التالية:

1. قطع شرايين الاتصال التي تربط الصليبيين في هذه المدن بوطنهم الأم وراء البحار، ومنع تلقيهم لأي مدد عن طريقها من الغرب الأوروبي، وبالتالي، تضييق الخناق على بقية الغزاة في القدس.

2. تأمين الاتصال البحري بين هذه المدن الساحلية، وبين مصر، لاستقبال المدد منها عند اللزوم عبر الأسطول المصري، وبخاصة عسقلان وعكا.

3. أنه لو بدأ بتحرير القدس، لربما أخذت النشوة الجيوش الإسلامية، وفتر حماسهم، وتكاسلوا عن تحرير هذه المدن بعد ذلك، وربما عادوا إلى بلدنهم، بعد أن قرت أعينهم بتحرير القدس والأقصى.

4. أنه لو بدأ بتحرير القدس، فلن يستطيع بعد ذلك استثارة حماس المسلمين في الداخل لنجدته، لتحرير هذه المدن، على عكس عندما يكون الأمر متعلقًا بتحرير المدينة المقدسة.

وقد تداعت مدن الساحل في السقوط في يد صلاح الدين إحداهما بعد الأخرى، مثل عكا وقيسارية وحيفا وصيدا وبيروت وجبيل وعسقلان وغزة وغيرها. ولم يتبقَ من الموانئ التابعة لمملكة بيت المقدس سوى صور التي لجأ إليها الناجون من المعركة، والتي أيضًا وصلتها نجدة بحرية.

 

وأمر صلاح الدين جنوده بألا يقتلوا أحدا، ولا يهاجموا بيتاً، واتخذت الإجراءات لخروج الصليبيين منها سلمياً، فأغلقت جميع أبواب المدينة، ووضع بها الحراس والأمناء للإشراف على خروج الصليبيين

وبعد شهرين من معركة حطين كان جيش المسلمين، يحيط بمدينة القدس، فأدرك الصليبيون، أن مقاومتهم لهذا الجيش ستكون عبثية، فرأوا أن من الخير لهم الإذعان للصلح، فأرسلوا أحد قادتهم ويدعى "باليان"، للتفاوض مع صلاح الدين حول شروط التسليم، وتم الاتفاق على أن يخرجوا من المدينة بأموالهم وممتلكاتهم في مـدة أربعـين يومًا، على أن يدفع الرجل منهم عشرة دنانير، والمرأة خمسة، والولـد اثـنين.


تحرير القدس


وتسلّم صلاح الدين المدينة من قادة الصليبيين، ظهيرة الجمعة 27رجب583هـ الموافق (2 أكتوبر1187م.)، وكان بها 60 ألف صليبي، من المقاتلين والنِّساء والولدان، وكانوا قد تجمعوا بها من سائر النواحي القريبة من القدس، فاكتظت بهم الكنائس والشوارع.

وأمر صلاح الدين جنوده بألا يقتلوا أحدا، ولا يهاجموا بيتاً، واتخذت الإجراءات لخروج الصليبيين منها سلمياً، فأغلقت جميع أبواب المدينة، ووضع بها الحراس والأمناء للإشراف على خروج الصليبيين، وقبض الفدية المقررة، فخرج الصليبيون من المدينة في ثلاث قوافل، إحداها لفرسان المعبد، والثانية لفرسان الاسبتارية، والثالثة يقودها البطريرك.

وكلها خرجت في حراسة القوات الإسلامية، ومعهم أموالهم، دونما إراقة قطرة دم واحدة. فكان هذا المشهد مناقضاً للمشهد الذي شهدته القدس عندما دخلها الصليبيون قبل 90 عاما، بل إن صلاح الدين، أعفى كثيرا من الصليبيين الفقراء وكبار السن من الفدية، وسمح للنصارى الأصليين في المدينة من العودة إلى مساكنهم، كما سمح بشراء المواد التي عرضها الصليبيون للبيع، قبل خروجهم. وخرج الصليبيون باتجاه الإمارات الصليبية في طرابلس وصور وإنطاكية، ولكنهم وجدوا أبوابها مغلقة دونهم.

واهتم صلاح الدين، بتطهير الأماكن المقدسة من دنس وأقذار الصليبيين، وإعادتها إلى سابق عهدها قبل عدوانهم عليها، ونالت منطقة الحرم القدسي الشريف اهتمامًا خاصًا منه، فقد كان الصليبيون قد أقاموا كنيسة وقاعة للطعام ومساكن لفرسان المعبد ومستودعا لأسلحتهم، واسطبلا لخيولهم، في المسجد الأقصى، فأزيلت كل هذه المباني والمساكن ونظف المسجد وساحاته من الأقذار والمخلفات، كما أمر صلاح الدين، بإزالة الصور والرسوم من قبة الصخرة، وإزالة الصليب المزروع فوقها، وعين أمامًا للأقصى وأقيمت فيه صلاح الجمعة في 4 شعبان، بحضوره وخطب فيها القاضي محيي الدين بن الزكي، خطبة بليغة طويلة مؤثرة خالدة.


الخميس، 18 ديسمبر 2025

الحاجة إلى تثبيت موقف سياسي حول القدس

الحاجة إلى تثبيت موقف سياسي حول القدس

د. عبدالله معروف

أستاذ مساعد في جامعة طيبة بالمدينة المنورة

 ليس من عادتي أن أتكلم عن المؤتمرات أو الندوات وما شابهها من أحداث ذات طابع سياسي، وخاصة في وقت تظهر فيه الحاجة لعمل فعلي على الأرض مثل هذا الوقت الذي تمر فيه غزة بواحدة من أبشع حملات الإبادة الجماعية المستمرة برغم الإعلان عن وقف إطلاق النار منذ شهرين تقريباً.


لكن من ناحية أخرى، ينبغي لنا عدم إغفال ضرورة الالتفات من فترة لأخرى إلى أهمية إبداء المواقف السياسية المعلنة الصارخة الواضحة في ظل تحركات عالمية تقودها الإدارة الأمريكية الحالية لإنقاذ حكومة بنيامين نتنياهو من الهوة السحيقة التي أوقعت نفسها فيها خلال عامين من حرب الإبادة المعلنة على أهلنا في قطاع غزة، وهجمات المستوطنين اليومية في الضفة الغربية، والاقتحامات المتوالية، وعملية تغيير الوضع الراهن المحمومة في المسجد الأقصى المبارك.


حملات تبييض صورة الاحتلال ومعركة الوعي العالمي

فهذه التحركات التي بدأت مع وقف إطلاق النار باتت تظهر بشكل واضح على شكل حملات الإعلام الموجه بقوة في جميع أنحاء العالم، وأصبحت معنية بشكل صريح بإنقاذ صورة دولة الاحتلال التي ظهرت بشكلها الحقيقي البشع خلال العامين الماضيين.


وفي مقابل حملات العلاقات العامة التي تدفع فيها «إسرائيل» وداعموها بكل ثقلهم المادي والسياسي والمالي وراء محاولة كيْ الوعي العالمي، يصبح إعلان الموقف الموحد واجباً لا يقل أهمية عن الوقوف في وجه آلة الاحتلال المستبدة على الأرض الفلسطينية.


فإعلان مواقف سياسية محددة وثابتة ونشرها في الإعلام يعتبر واحدة من ركائز العمل السياسي الإعلامي الداعم لصمود الشعب على الأرض، وإفشالاً لمحاولات العبث بالوعي الشعبي لدى شعوب الأرض، ولا سيما في البلدان الغربية، التي استيقظت أخيراً على الحقيقة المفزعة حول حقيقة مشروع دولة الاحتلال وما تمثله من قيم لا أخلاقية، تتعارض تماماً مع كافة القيم والمعايير التي تتبجح بها أمام الخلق.


مؤتمر «إرادة».. إعادة بناء الموقف السياسي في لحظة التحوّل

وفي هذا الصدد، نشير إلى مؤتمر عقد في إسطنبول، في 6 و7 ديسمبر الجاري، شاركت فيه هيئات وشخصيات من أكثر من 30 دولة عربية وإسلامية وغربية، وممثلون عن شرائح متنوعة من الخلفيات الأيديولوجية والدينية والعرقية واللغوية والفكرية المتعددة؛ شرقيون وغربيون ومسلمون ومسيحيون ويهود وقوميون ومتدينون وعلمانيون ويساريون ويمينيون، تحت عنوان «إرادة».


هذا المؤتمر ذكّرني في هيئته وطبيعته ورسائله التي بثها بمؤتمر مشابه كنت قد تابعته عام 2007م في أول زيارة لي في حياتي لمدينة إسطنبول، حيث شهد ذلك المؤتمر حشداً من 4 آلاف مشارك قدموا رسالة سياسية قوية تتعلق بالقدس وعدم الاعتراف بمشروع الاحتلال الذي أعلنه بخصوصها في ذلك الوقت، لاستكمال تغيير معالم المدينة وديمغرافيتها بحلول عام 2020م.


وكانت هذه الرسالة في غاية الأهمية على الأرض وقتها، إذ اعتبرت هذه الرسالة في تلك الفترة مقدمة لعدة مشاريع على الأرض بدأت بناء على الرسالة السياسية الموحدة التي أسندت أهل القدس مثل الرباط في المسجد الأقصى، على سبيل المثال.


ما يستحق الإشارة له في هذا المؤتمر الأخير في نظري هو تركيزه على بناء رسالة سياسية تتعامل مع الواقع الجديد الذي أفرزته حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة وعموم الأراضي الفلسطينية، وبالذات فيما يخص القدس والمسجد الأقصى الذي كان وما زال أحد أهم عناوين هذا الصراع في هذه الفترة الحرجة.


«الأقصى» في قلب مشروع الحسم الصهيوني

فالاحتلال منذ بدء حرب الإبادة سعى لتغيير الواقع في المسجد الأقصى على الأرض بشكل جذري كما هو معلوم، وهذا الأمر وإن لم يكن وليد حرب الإبادة، إلا أن الاحتلال سعى إلى استغلال صدمة الترويع التي أحدثها في الأراضي الفلسطينية بمجازره غير المسبوقة لينفذ أكبر قدر ممكن من مشروعه في المسجد الأقصى وبأقصى سرعة ممكنة، قبل أن يستفيق الشعب الفلسطيني من صدمة بشاعة حرب الإبادة التي نفذها الاحتلال وبشاعة جرائمه في السجون على مدار العامين الماضيين.


ولذلك، رأينا الاحتلال يسارع خلال العامين الماضيين إلى تثبيت وقائع جديدة على الأرض كان أبرزها قرار الوزير الإرهابي إيتمار بن غفير بالسماح للمستوطنين بأداء الطقوس الدينية كافة وعلانية في المسجد الأقصى المبارك.


ومع نهاية العام الجاري، أقدم هذا الوزير على تعيين أحد المقربين منه –ويدعى أبشالوم بيليد– قائداً لشرطة القدس بعد خلافه مع القائد الأسبق أمير أرزاني على مسألة السماح للمستوطنين بإدخال أدوات طقوسهم الدينية كالكراسي والطاولات والكتب وغيرها إلى المسجد الأقصى المبارك، حيث يصر بن غفير على السماح بذلك فيما كان أرزاني يتخوف من تبعات هذه الخطوة.


وهذا يدلنا على أننا أمام ربيع ساخن في المسجد الأقصى بدءاً من شهر رمضان القادم، الذي سيكون قريباً جداً لعيد الفصح العبري الذي يشهد كل عام محاولة تنفيذ آخر الطقوس الدينية للمستوطنين في المسجد وهي أداء القرابين الحيوانية، فضلاً عن المحاولة الدائمة للحاخام المهووس بـ«البقرة الحمراء» تساحي مامو إجراء طقوس ذبح بقراته الحمراء يوم الثاني من نيسان العبري الذي يصادف هذا العام أيضاً عيد الفطر المبارك.


من إسناد الفلسطينيين إلى مسؤولية الشعوب

هذه الأحداث كلها، وحرب الإبادة التي يشنها الاحتلال منذ عامين على غزة التي لطالما دافعت عن المسجد الأقصى المبارك، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن جهود الشعب الفلسطيني لحماية هوية المسجد الأقصى لم تعد كافية؛ لأن الاحتلال وصل في رده عليها حد ارتكاب الإبادة الجماعية بحق هذا الشعب، وبالتالي فلا بد من انخراط جميع الشعوب العربية والإسلامية بشكل مباشر في الدفاع عن المسجد الأقصى وهويته، لا الاكتفاء بدور الإسناد والدعم من الخلف.


ولعل هذه النقطة كانت أبرز النقاط التي لفتت نظري في بيان هذا المؤتمر؛ وهي مسألة تنقل الدفاع عن المسجد الأقصى إلى المربع الحقيقي الطبيعي وهو الشعوب العربية والمسلمة بأجمعها لا الشعب الفلسطيني فحسب.


إن وقوف أكثر من 300 شخصية من تيارات مختلفة معاً متناسية اختلافاتها وخلافاتها الكثيرة لإعلان وقوفها مع القدس وفلسطين هي حركة سياسية في غاية الأهمية لا بد من استثمارها والاستفادة منها، فلا يخفى على متابع اليوم الضغط الهائل الذي تمارسه إدارة ترمب على الطرف الفلسطيني والعربي بهدف الحفاظ على التفوق «الإسرائيلي» وترميم ما أفسده نتنياهو على كيانه خلال عامين من الحرب.


والواجب أن يتم استغلال الضعف الذي أظهرته دولة الاحتلال في حربها المجنونة، والانكشاف الذي حصل لها على المستوى الدولي، لزيادة عزلتها ومنعها وحليفتها من محاولة استعادة صورتها السابقة، أو السماح لها بإظهار أي صورة نصر مزعوم قد تستفيد منه في استعادة الروح المعنوية لمستوطنيها.


فقد اهتزت هذه الروح المعنوية أيما اهتزاز على مدار العامين الماضيين، وتعمق الشرخ الداخلي في دولة الاحتلال إلى حد غير مسبوق، وفقَدَ المستوطنون الثقة في جيشهم وحكومتهم ومشروعهم.


وبالتالي، فإن أي خطوة سياسية قد تساهم في تعميق هذا الشعور الداخلي بالهزيمة لدى دولة الاحتلال لابد من إحسان استغلالها، فالمعركة لا تجري على الأرض فقط، وإنما في كل جانب ومكان حتى في كواليس الإعلام والسياسة.

السبت، 12 أبريل 2025

معركة تحرير القدس

 معركة تحرير القدس


د. تيسير التميمي 

 قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس

في يوم الثلاثاء 15 رجب من عام 492هـ الموافق 7-6-1099م وصل الصليبيون أسوار القدس بعد أن أرهقهم المسلمون على طول الطريق التي عبروها للوصول إلى القدس، 
فقد كان عدد الذين حاصروها 1500 فارس من أصل 7000 انطلقوا من أوربا، وعدد المشاة 12000 من أصل 20 ألفاً، سقطت القدس في أيدي الغزاة ففر أهلها إلى المسجد الأقصى،
فلاحقهم الجنود الهمج فقضوا عليهم بساحاته في مذبحة وحشية أسقطت سبعين ألف شهيد من المدنيين. انتشر الصليبيون فيها يسلبون الذهب والمال والخيول وينهبون البيوت،
تراكمت في الساحات عشرات آلاف الجثث التي بدأت تتحلل بسبب حرارة الجو فحرقها الصليبيون في جريمة نكراء جديدة تترجم حقد قلوبهم على الإسلام وأهله،

     ظلت القدس في أيدي الصليبيين عقوداً طويلة، وتعاقبت أجيال عديدة على محاولة تحريرها، وكان الشهيد عماد الدين زنكي مؤسس الدولة الزنكية ممن نذروا أنفسهم لهذه الغاية،

فقد ظهر في وقت كانت فيه الشام ممزقة يقودها أمراء متنازعون كثيراً ما تحالفوا مع الصليبيين ضد بعضهم لتحقيق مصالحهم السياسية بعيداً عن مصالح شعوبهم،

أما مصر فكانت تحت الحكم الفاطمي الذي استنصر بعض وزرائه المتناحرين هم الآخرين بالصليبيين ضد بعضهم لحفظ عروشهم وبعيداً عن مصالح شعوبهم،

أقام عماد الدين إستراتيجيته على أساس جمع شمل الأمة ونبذ الفرقة التي حذَّر الله منها بقوله سبحانه

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الأنفال 46،

     وحَّد عماد الدين زنكي ولايات الشام، ثم وحَّدها مع مصر ليقينه بأن طريق التحرير تبدأ من مصر وخير أجناد الأرض كما تبدأ من الشام خيرة الله في أرضه،

وبعد استشهاده آل الحكم لابنه نور الدين محمود فسار على دربه وانتهج نهجه في التوحيد والقضاء على الفتن، فاستردّ كثيراً من المدن والحصون الإسلامية.

وأعد الخطة للتحرير بل بنى المنبر ليكون هديته للمسجد الأقصى المبارك يوم تحريره لكنه توفي قبل أن يرى هذا اليوم ويفرح به.

فكَّ قيود الأقصى من أيدي الصليبيين
     لكن لا يأس ولا قنوط من رحمة الله، فبعد وفاة نور الدين قيَّض الله عز وجل للقدس والمسجد الأقصى المبارك مَن فكَّ قيود إِسارِهما من أيدي الصليبيين بعد ثمانية وثمانين عاماً،

فقد سار صلاح الدين الأيوبي على درب مربيه ومعلمه وملهمه نور الدين،
فدخل القدس محرراً في يوم الجمعة 27 من شهر رجب عام 583 هـ في ذكرى الإسراء والمعراج الخالدة،
حدث ذلك بعد أقل من مائة يوم من انتصاره المؤزّر على الصليبيين في معركة حطين التاريخية الفاصلة.

    كانت الحشود العسكرية الإسلاميَّة التي شاركت في معركة حطين ما زالت في فلسطين،

واستغلَّ صلاح الدين وجودها لتحرير مدن وموانئ ساحل فلسطين والشام وصولاً إلى تحرير القدس،
ولإنجاح هذا الهدف حرص على استنفار المسلمين في كل العالم الإسلامي للجهاد ضد الصليبيين،
فثارت عزائم المسلمين على الانطلاق إلى الجهاد والاشتراك في تطهير تلك البقعة المقدَّسة من الأرض المباركة مهوى أفئدتهم وقبلتهم الأولى ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم،

فانضم إليه العلماء وطلاب العلم من أقطار العالم الإسلامي من مصر والعراق والجزيرة والشام وحلب وغيرها.

     سار صلاح الدين بجيشه الذي ضم المسلمين من العرب والكرد والتركمان وغيرهم واتجه نحو القدس فوصلها في منتصف رجب،

فوجدها محصّنة بستين ألف مقاتل دونها أو أكثر كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن تعود للمسلمين،

ويرى أن بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظها،

فحصَّنوها بما وجدوا إلى ذلك سبيلاً وصعدوا على أسوارها بحدهم وحديدهم مجمعين على الذب عنها بجهدهم،

مظهرين العزم على المناضلة دونها،
وكان صاحب القدس يومئذٍ باليان بن بازران ومعه الناجون من معركة حطِّين من فرسان الداوية والإسبتارية،

حول أسوار مدينة القدس
     استمر صلاح الدين خمسة أيام يدور حول أسوار مدينة القدس ليختار أضعف نقطة للمهاجمة من خلالها،

فاختار هو ناحية الشمال من السور لأنها أوسع للنِّزال والمواجهة مع العدو، ثم سلم إلى كل طائفة من الجيش ناحية من السور وأبراجه،
وضرب حصاراً عليها استمر 12 يوماً، وكان قد أحضر معه المجانيق والنقَّابين ليقوموا بإحداث الثغرات في السور مما سيسهّل اختراقها على المسلمين لدخول المدينة

     قاتل الصليبيون دون القدس قتالاً ضارياً وبذلوا أنفسهم وأموالهم نصرة لدينهم وأهدافهم الاحتلالية الخبيثة،
تقدَّمت وحدة عسكرية من طليعة الجيش الإسلامي نحو الأسوار بقيادة الأمير جمال الدين شروين بن حسن الرازي رحمه الله،
فخرجت إليها وحدة صليبية من حامية المدينة فقاتلتها وهزمتها وقتلت أميرها.

     قرَّر صلاح الدين أن يشنَّ هجوماً حاسماً على المدينة، فكثَّف رمايات المجانيق بحجارتها الضخمة نحو الأسوار والحصون،

وأمر الرماة بإطلاق وابل من السهام والنبال نحو جنودها المتمركزين على الأسوار،

وذلك ليشل مقاومتهم وليغطي تقدُّم المهاجمين المسلمين، فتراجع المدافعون الصليبيون عن مراكزهم،

بينما تقدَّم المسلمون واجتازوا الخندق الخارجي المحفور حول السُّور ثم الْتَصَقُوا به وأحدثوا فيه نقباً،

ثم اشتد قصف المجانيق وتوالى رمى السِّهام والنبال من الرُّماة المتقدِّمين خلف المهاجمين يحمونهم،

ونجح المهاجمون المسلمون في فتح أكثر من أربعين ثغرة في السُّور

استشهاد بعض أمراء المسلمين أثناء الحصار
     أوشك السور أن يصبح ملكاً للمهاجمين المسلمين؛ إذ إن إحدى الثغرات كانت كبيرة لدرجة تمكن المسلمون معها من النفاذ خلالها ورفع راياتهم عليها،

إلا أنَّ الصليبيين ما لبثوا أن احتشدوا وأبعدوا المسلمين عن السور، وعلى الرغم من ذلك فقد أيقن المدافعون الصليبيون أن لا جدوى من دفاعهم وأنَّهم مشرفون على الهلاك حتماً إن استمروا في صودهم الوهمي،

فتزاحم الناس في الكنائس للصلاة والاعتراف، وأخذوا يضربون أنفسهم بالحجارة ويرجون الرحمة من ربهم،
وقطَّعت النساء شعور بناتهن حتى يثور الرجال لحمايتهن من سبي المسلمين.

     استشهد أثناء الحصار بعض أمراء المسلمين، فغضب كثير من الأمراء الآخرين والصالحين والمجاهدين وأبلوْا في ميدان الجهاد بلاء حسناً،
وعيون أهل الإيمان تنظر إلى الصلبان منصوبة في المدينة وإلى الصليب الكبير فوق قبة الصخرة،

فكلما راوْا ذلك ازداد غضبهم وثارت حميّتهم وواصلوا القتال فكان يوماً عسيراً على العدو،ثم بادر السلطان بأصحابه إلى الزاوية الشرقية الشمالية من السور، فنقبها وحشاها بالنيران وأحرقها فسقط ذلك الجانب وخرَّ البرج برمَّته،فلما شاهد الفرنج الانهيار الفظيع للبرج أدركوا أنها الهزيمة المحققة.

لا أفتح القدس إلا عَنوة
     قابل أكابر الصليبيين صلاح الدين وتشفَّعوا إليه أن يعطيهم الأمان فامتنع من ذلك وقال [لا أفتحها إلا عَنوة كما افتتحتموها أنتم عَنوة،

ولا أترك بها أحداً من النصارى إلا قتلته كما قتلتم أنتم مَن كان بها من المسلمين… وجزاء سيئة سيئة مثلها]

فطلب صاحبها باليان الأمان ليحضر عنده فأمَّنه، فلما حضر بين يديه ترقَّق للسلطان وذل له ذلاًّ عظيماً وتشفَّع إليه بكل ما أمكنه،

فاستجاب السلطان لهذا العرض حقناً لدماء الأبرياء بعد مشاورات ومداولات بينه وبين قادته وأمرائه

     تمَّ الاتفاق بين صلاح الدين وباليان على تسليم المدينة، وكتبت وثيقة الصلح وتضمنت الشروط وهي التي سبق عرضها عليهم من قبل ورفضوها،

لكنهم قبلوا بها اليوم وهي:
أن يبذل كل رجل من الصليبيين عن نفسه عشرة دنانير وعن المرأة خمسة دنانير وعن كل طفل دينارين،ومَن عجز عن ذلك كان أسيراً للمسلمين، وأن تكون الغَلاَّت والأسلحة والدُّور للمسلمين،
وأن يغادروا إلى مأمنهم وهي مدينة صور، وأن مَن لم يبذل ما شرط عليه إلى أربعين يوماً فهو أسير، فكان جملة مَن أسر بهذا الشرط ستة عشر ألفاً.

  الاستسلام لجنود المسلمين
  دخل السلطان مدينة القدس الإسلامية المباركة بعد أن أعطى قائدها باليان الأوامر لحاميتها بإلقاء السِّلاح والاستسلام لجنود المسلمين،

وكان يوماً مشهوداً رفعت فيه الرايات الإسلاميَّة على أسوار المدينة المقدَّسة، ووقف على كل باب من أبواب المدينة أمير من أمراء الجيش ليتسلَّم الفدية من الصليبيين الخارجين منها ويحتسبها، وكان في المدينة 60 ألف رجل ما بين فارس وراجل هذا بالإضافة إلى من يتبعهم من النِّساء والولدان،

وقد قسم السلطان جميع ما قبض منهم من الذهب بين الجنود، ولم يأخذ منه شيئاً.

     دخل السلطان وجيشه القدس يوم الجمعة قبل وقت الصلاة فلم يتمكنوا من إقامة صلاة الجمعة لضيق الوقت، ونظفوا المسجد مما كان فيه من الصلبان والخنازير والنجاسات،وأُعيد المحراب الكبير إلى سابق عهده قبل الاحتلال الصليبي، وغُسِلت الصخرة بالماء الطاهر، وأعيد غسلها بماء الورد والمسك،وكان الصليبيون قد اقتلعوا منها قطعاً فباعوها بزنتِها ذهباً فتعذَّر استعادتها، وكان على قبتها صليب كبير مذهب، فتسلق جماعة من المسلمين فاقتلعوه، فلما سقط صاح الناس كلهم صوتاً واحداً حتى ارتجت الأرض من شدته:

أما المسلمون فكبروا فرحاً وسروراً، وأما الفرنج فصاحوا تفجّعاً وتوجّعاً.

إزالة الصلبان والرسوم والتصاوير الشركية
     وأمَّا صلاح الدين فبعد أن استقرَّ له الحكم في المدينة المقدَّسة أمر بإعادتها إلى ما كانت عليه قبل احتلالها،

فقد كان  كثير من المعالم الإسلاميَّة للمدينة قد تغيَّر بفعل اعتداءات الصليبيين،

وكان فرسان الدَّاوية قد بنوا مباني لهم غرب المسجد الأقصى المبارك لكي يسكنوها وأدخلوا قسماً من المسجد في أبنيتهم،

فأمر صلاح الدين بإعادة الأبنية إلى حالها القديم وبإزالة الصلبان والرسوم والتصاوير الشركية منها،

وأعاد المسيحيين الوطنيين من أهل القدس إلى مساكنهم وسمح لهم بشراء ما أراد الفرنج بيعه من ممتلكات ومتاع وأموال.

   لم يعرف التاريخ فاتحاً كالمسلمين، فقد وفَّى صلاح الدين بشروط الصلح،وتجلّت الأخلاق الإسلامية في التعامل مع أسرى العدو وفق أحكام الإسلام التي قررها القرىن الكريم والسنة النبوية المشرّفة،
فعلى الرغم من ضآلة الفدية المطلوبة منهم فهناك كثيرون لم يستطعوا دفعها فأصبحوا في عداد الأسرى،ولم يسهم أحدٌ من أغنيائهم في فداء فقرائهم،
وفي مقابل هذا الموقف المخزي ظهرت شهامة المسلمين،
فطلب الملك العادل إلى أخيه صلاح الدين أن يهب له ألفاً من الأسرى الفقراء ليطلق سراحهم تقرباً لله تعالى فأجابه،
فحرَّك هذا الموقف الإنساني مشاعر باليان فطلب من صلاح الدين إطلاق سراح أكثر من سبعة آلاف أسير من الفقراء بفدية قدرها ثلاثون ألف دينار فأجابه وأطلق سراحهم.

إطلاق كل من لم يستطع دفع الفدية لكبر سنه
   ثم أمر صلاح الدين بالمناداة في شوارع القدس بإطلاق كل من لم يستطع دفع الفدية لكبر سنه،
وأنَّ على هذه الفئة الخروج من الباب الخلفي للمدينة من طلوع الشمس إلى اللَّيل،
فخرجت منه أعداد لا تحصى. وطلب أمير البيرة إطلاق سراح 500 أرمني قدموا إلى القدس للعبادة فقط فأجابه،
وطلب الأمير مظفر الدِّين علي كوجك إطلاق سراح ألف أرمني من الرها فأجابه.
وتجمعت زوجات وبنات الفرسان القتلى والأسرى يبكين ويطلبن الرَّحمة.
فعطف عليهن وسمح لمن كان زوجها على قيد الحياة بأن تتعرف عليه وأطلق سراحه.

 أعادت معركة تحرير القدس واستلامها على يد صلاح الدين إلى أذهاننا معركة فتحها واستلامها على يد أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه،
فهو شرف عظيم أكرم به الله جل ثناؤه هذا السلطان المجاهد الفاتح،
وبتحرير القدس واسترجاعها من قبضة الصليبيين انهارت أمامه معظم المواقع التي كانت ما زالت تحت سيطرتهم في معظم أنحاء بلاد الشام،
فواصل بعدها مقارعتهم ومجاهدتهم حتى توالت هزائمهم على يديه واسترجع منهم كثيراً من تلك المدن المحتلة وأعاد إليها هويتها العربية والإسلامية قبل الاحتلال الغاشم