‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. وصفي عاشور أبو زيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. وصفي عاشور أبو زيد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 9 أكتوبر 2026

إذا أُغلقت الأبواب وبقيت الشاشة!

إذا أُغلقت الأبواب وبقيت الشاشة!

الدكتور وصفي أبو زيد -



قد يغلق المرء باب غرفته، ويطمئن إلى أنه لا يراه أحد، ثم يفتح هاتفه على عالم تتسع فيه أبواب الخير والشر، وتُعرض فيه على قلبه وعينيه أشياء لم يكن ليجرؤ على الاقتراب منها لو كان بين الناس، وربما استحيا من نظرة عابرة إلى شاشته، ولم يستحِ من نظر الله إليه!

وهنا يُمتحن صدق المراقبة؛ فإن الأخلاق التي لا تصحب صاحبها إلى خلوته هي أخلاقٌ لم تتمكن بعد من قلبه، وإن الحياء الذي يحضر أمام الناس ويغيب عند انفراد الإنسان بنفسه يحتاج إلى تربية ومجاهدة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]. آية قصيرة، لو استقرت حقيقتها في القلب، لأغلقت على صاحبها أبوابًا من المعصية، وفتحت له أبوابًا من الاستقامة لا يطلع عليها أحد من الخلق.
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة" (رواه النسائي). 
فما أجمل أن تستوي خشية العبد لربه في حضوره بين الناس وخلوته عن أعينهم، وأن يكون له من صلاح السريرة نصيب لا يقل عن عنايته بحسن الظاهر!

وليس المقصود أن يتحول الهاتف إلى مصدر خوف دائم، أو أن يحرم الإنسان نفسه مما أباح الله من المتعة والترويح؛ وإنما أن يصحب استعماله لهذا الجهاز ضمير مؤمن، يعرف متى ينظر ومتى يصرف بصره، ومتى يفتح ومتى يغلق، ومتى يمضي ومتى يتوقف.
وقد أحسن ابن عطاء الله السكندري إذ قال: "اجتهادك فيما ضُمِن لك، وتقصيرك فيما طُلِب منك، دليل على انطماس البصيرة منك". ومن أعظم ما طُلب منك أن ترعى قلبك وجوارحك حيثما كنت، فلا تنشغل بتتبع ما يُعرض عليك حتى تنسى ما يجب عليك.
إن الشاشة لا تستر عن الله شيئًا، والخلوة ليست غيابًا عن الرقابة، وإنما فرصة يظهر فيها مقدار ما استقر في القلب من تعظيم الله.
فاجعل لك مع الله أدبًا لا يتغير بتغير المكان، ولا يسقط حين تغيب عيون الناس.
#أخلاقنا_الرقمية 1
#وصفي_أبوزيد

الدكتور وصفي أبو زيد - الصفحة الرسمية


الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

غزة في ذكرى «طوفان الأقصى».. رسالة إلى أهل الصبر وأمة المسؤولية

غزة في ذكرى «طوفان الأقصى».. رسالة إلى أهل الصبر وأمة المسؤولية


أ.د. وصفي عاشور أبو زيد





يا أهلنا في غزة؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

نكتب إليكم في هذه الذكرى -ذكرى طوفان الأقصى- والكلمات تستحي من جراحكم، وتتضاءل أمام ما حملتموه من أثقال، فما الذي يمكن أن تقوله الكلمات لأم أَغمَضت عينَيْ ولدها بيديها، أو لأب عاد إلى موضع بيته فلم يجد البيت ولا بعض أهله، أو لطفل كبر في أعوام قليلة أكثر مما ينبغي لطفل أن يكبر، أو لأسرة حملت ما بقي من حياتها في حقيبة وانتقلت به من مكان إلى مكان، ثم لم تجد في المكان الجديد إلا انتظارًا آخر وخوفًا آخر؟ ماذا نقول لمن رأوا من الموت ما لم يكن ينبغي لبشر أن يراه، وذاقوا من الفقد ما تضيق بحمله النفوس، ومشَوا فوق رُكام بيوتٍ كانت بالأمس دفئًا وذكريات وضحكات ومائدة تجمع الأسرة، ثم أصبحت حجارة مبعثرة تشهد أن حياة كاملة كانت هنا؟

ولهذا لا أريد أن أبدأ رسالتي إليكم بكلمة: اصبروا؛ ففي هذه الكلمة، إذا قالها الآمن للمنكوب، والشبعان للجائع، ومن ينام في بيته لمن فقد بيته وأهله، شيء من القسوة غير المقصودة إن لم تسبقها مواساة صادقة واعتراف بحجم الألم، لقد صبرتم حتى صار الصبرُ بعض سيرتكم، وثبتّم حتى أصبح الثباتُ شاهدًا لكم، وحملتم من البلاء ما يجعل واجبنا أن نربت على أكتافكم لا أن نضع عليها حملًا جديدًا، وأن نقول لكم بكل وضوح: نحن نعرف أنكم تعبتم، ونعرف أن الجرح عميق، ونعرف أن للصبر دموعًا، وأن للثبات لحظات ضعف، وأن المؤمن قد يضيق صدرُه ويشتد حزنُه ويغلبه البكاء، ويبقى مع ذلك صابرًا محتسبًا متعلقًا بربه الكبير المتعال!

وليس الصبر في شريعة الله أن تتجمد المشاعر، ولا الثبات أن يفقد الإنسانُ إحساسه بالألم، ولا الرضا أن يكف القلب عن الحزن على الأحبة، لقد بكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنَه إبراهيم وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون"، رواه البخاري. فاجتمع في قلبه الشريف كمالُ الرضا وصدقُ الحزن، ولم يكن أحدُهما نقيضًا للآخر، ومن هنا نقول لأهلنا في غزة: لا يحملنكم حديثُ الناس عن صمودكم على أن تُخفوا وجعَكم، ولا تجعلوا صورة البطولة التي رسمها العالمُ لكم عبئًا جديدًا فوق أعبائكم؛ فلكم أن تبكوا أحبتكم، وأن تشتاقوا إلى بيوتكم، وأن تتعبوا من طول الطريق، وأن تتمنوا يومًا عاديًّا بلا قصف ولا نزوح ولا جوع ولا خوف، واللهُ الذي أمركم بالصبر هو أرحم بضعفكم من الخلق جميعًا، وهو القائل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

يا أهل غزة.. لقد علم الله ما قدمتم
قد ينسى العالم، وقد تتغير عناوينُ الأخبار، وقد تنصرف الشاشات إلى حرب أخرى أو أزمة أخرى، وقد تتحول المأساةُ إذا طال أمدها في وعي البعيدين إلى أرقام تتكرر حتى تفقد قدرتها على الإدهاش؛ ولكن هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلب مؤمن: أن الله لا ينسى. ما من ليلة خوف عشتموها إلا علمها، ولا دمعةٌ كتَمتْها أمٌّ حتى لا يراها أطفالُها إلا رآها، ولا أبٌ اقتسم كسرة الخبز بين صغاره وبقي جائعًا إلا أحصى الله جوعَه وإيثاره، ولا طبيبٌ واصل عمله بما بقي بين يديه من دواء، ولا مُسعفٌ اندفع إلى جريح وهو يعلم أنه قد يصبح الجريحَ التالي، ولا معلمٌ جمع الأطفال ليحفظ لهم شيئًا من علمهم وطفولتهم، ولا جارٌ آوى جاره، ولا امرأة تماسكت بعد فقْد زوجها لتُقيم لأطفالها ما بقي من معنى البيت، ولا طفلٌ حمل الماء لأسرته وهو أحوج إلى أن يحمل حقيبته المدرسية؛ إلا كان ذلك كله في علم الله الذي لا يغيب عنه مثقالُ ذرة.

وهنا تتجلى إحدى أعظم مواساة القرآن للمنكوبين: أن الأشياء قد تضيع في الدنيا، ولكن ما كان لله لا يضيع. قد يضيع البيت الذي أمضى صاحبُه عمرًا في بنائه، ويذهب المالُ الذي جُمع عامًا بعد عام، وتحترق الصور والوثائق والكتب والذكريات، ويفقد الإنسانُ أشياء لا يستطيع أحدٌ أن يعيدها إليه كما كانت؛ ولكن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]، ويقول: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115]، وبين كل ما يمكن أن يضيع في هذه الدنيا يبقى هذا اليقين حصنًا للقلب: أن شيئًا واحدًا لا يضيع أبدًا، وهو ما استودعه الإنسانُ عند الله من إيمان وصبر وإحسان واحتساب.

عند الله لا تتحول آلامكم إلى أرقام
إن من أقسى ما تفعله الحروب الطويلة بالإنسان أن تحوله في نشرات الأخبار إلى رقم؛ فيقال: قُتل كذا، وجُرح كذا، ونزح كذا، وهُدم كذا، وتختفي وراء الأعداد أسماءٌ ووجوهٌ وحكاياتٌ وعلاقاتٌ وذكرياتٌ وآلامٌ وآمال، غير أن ميزان السماء ليس كذلك؛ فعند الله لا يوجد إنسانٌ مجهول، ولا دمعة بلا اسم، ولا وجع يذوب في المجموع؛ هناك الأم التي يعرف اللهُ اسم ولدها ومقدار حبها له، وهناك الطفل الذي يعلم اللهُ خوفه، وهناك الأب الذي يعرف الله ما انكسر في قلبه، وهناك المريض الذي أحصى الله أنفاس ألمه، وهناك كل إنسان بما حمل في صدره وما قاله وما لم يستطع أن يقوله.

ولهذا كانت الآخرةُ ضرورة من ضرورات العدل في التصور الإسلامي؛ لأن الدنيا أضيق من أن تستوعب الجزاء الكامل على كل خير أو القصاص الكامل من كل ظلم، كم من مظلوم رحل قبل أن يرى إنصافه، وكم من أم ماتت وفي قلبها سؤال لم يجب عنه أحد، وكم من طفل غادر الدنيا قبل أن يفهم لماذا هُدم بيته أو فُقد أهله، ولو كانت الدنيا الصفحةَ الأخيرة لبقيتْ أسئلة كثيرة بلا جواب، ولكنها ليست الصفحة الأخيرة؛ ولهذا يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]، ويقول في جزاء الصابرين: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وإذا كان البشر يستطيعون إحصاء الأيامِ والخسائر والبيوت والأموال، فإن الله فتح للصابرين بابًا لا يدخل تحت قوانين حساب البشر أصلًا: "بغير حساب"؛ وحسب القلب المتعب سكينةً أن يعلم أن الذي يتولى جزاءه هو رب العالمين.

تضحياتكم لن تمر بلا أثر
ولعل سؤالًا يطرق قلب بعض أهل غزة بعد هذا الثمن الفادح: ماذا صنعت هذه التضحيات؟ 
وهل يمكن لكل هذا الألم أن يترك أثرًا يليق بما دُفع من ثمن؟ 
والواجب هنا ألا نقدم وعودًا لا نملكها، ولا أن نجزم بمستقبل سياسي لا يعلمه إلا الله؛ لكننا نستطيع أن نقول إن غزة أحدثت بالفعل تحولًا عميقًا في حضور القضية الفلسطينية داخل الضمير الإنساني. 
لقد دخلت صور أطفالها ونسائها وأطبائها ومسعفيها وصحفييها وبيوتها المهدمة إلى بيوت ومجتمعات وجامعات ومنابر في أنحاء العالم، وأصبحت الأسئلة المتعلقة بالعدالة وحقوق المدنيين وفلسطين أكثر حضورًا في أوساط وأجيال لم تكن القضية تحتل في وعيها هذه المساحة من قبل، وهذا أثر لا ينبغي الاستهانة به، وإن كانت نتائجه التاريخية الكاملة لا يمكن قياسها الآن.

إن أهل البلاء لا يرون دائمًا مدى الأثر الذي يُحدثه بلاؤهم في الآخرين؛ فالواقف في قلب العاصفة منشغل بالنجاة منها، ولا يستطيع أن يقيس المسافات التي بلغها صداها، وربما احتاج العالم سنواتٍ طويلةً حتى يدرك كيف غيّرت غزة لغة أجيال كاملة وأسئلتها الأخلاقية ونظرتها إلى فلسطين والعدالة والقوة والقانون الدولي، والتاريخ يعلمنا أن بعض التحولات الكبرى تبدأ في الضمير قبل أن تظهر في السياسة، وأن بذورًا تُغرس في لحظة الألم قد لا يرى زارعها موسم حصادها؛  ولذلك لا ينبغي أن تقاس تضحيات أهل غزة فقط بما يظهر من نتائج عاجلة؛ فآثار الأحداث الكبرى أوسع من لحظتها، وأطول من أعمار الذين شهدوا بدايتها.

لكنني لا أريد أن يكون عزاؤكم معلقًا بالتاريخ وحده؛ فالتاريخ قد ينصف وقد يجور، والبشر قد يتذكرون وقد ينسون، والمواقف الدولية تتغير بتغير المصالح، وقد يرى الإنسان ذلك في حياته وقد يتحقق بعد مماته: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ۝ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41-42]. أما ميزان الله فلا يتغير، فإذا كان لصبركم أثر في تغيير وعي العالم، فذلك خير نرجوه ونقدره؛ لكن وراء هذا الأثر أثرًا أعظم لا يتوقف على اعتراف أحد، ولا يحتاج إلى تصويت مؤسسة، ولا إلى شهادة مؤرخ: ما ادخره الله لكم من أجر، ومن هنا يصبح المعنى الأخروي في قلب المأساة ليس تعزية هروبية من الواقع، بل تثبيتًا للعدل في أوسع معانيه؛ فما عجزت الدنيا عن تعويضه، وما لم يستطع التاريخ أن يكافئ عليه، وما لم يعرف البشر أصلًا أنه وقع، محفوظ عند من ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52].

صفحات لا يكتبها المؤرخون
ربما يكتب المؤرخون يومًا آلاف الصفحات عن غزة، وتنعقد المؤتمرات، وتصدر الكتب والدراسات، وتتناول الجامعات ما جرى فيها من زوايا السياسة والقانون والاجتماع والنفس والعمران؛ لكن هناك تاريخًا آخر لن يستطيع المؤرخون كتابته: تاريخ القلوب ساعة البلاء. لن يستطيع مؤرخ أن يعرف مقدار دمعة نزلت في جوف الليل ثم مسحها صاحبها وقال: الحمد لله، ولا مقدار الصراع في قلب أم دفنت ولدَها ثم رفعت يديها إلى السماء، ولا ما دار في نفس أب حين عاد إلى أطفاله وهو لا يعرف ماذا سيطعمهم، ولا معركة إنسان قاوم اليأس في داخله كي يبقى قلبه موصولًا بالله .. 
تلك صفحات لا تلتقطها الكاميرات، ولا تحفظها الأرشيفات، ولكنها مكتوبة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

وفي هذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه"، متفق عليه. 

فإذا كان الله لا يترك ألم شوكة يمر على المؤمن بغير أثر في ميزانه، فكيف بسنوات من الخوف والفقد والجوع والنزوح والحرمان؟ نحن لا نشهد لأحد بعينه بمنزلة مخصوصة عند الله، فذلك من علمه وحده، ولكننا نؤمن بوعده العام الذي لا يتخلف: أن الصبر لا يضيع، وأن الألم المحتسب لا يذهب سدى، وأن الجزاء يوم القيامة أوسع من قدرة عقولنا على التصور، وقد قال ابن عطاء الله السكندري: "إنما جعل الدار الآخرة محلًّا لجزاء عباده المؤمنين؛ لأن هذه الدار لا تسع ما يُريد أن يعطيهم، ولأنه أجلَّ أقدارهم عن أن يجازيهم في دار لا بقاء لها"؛ ولهذا نقول لكل قلب مكلوم في غزة: إذا عجز العالم عن أن يعطيكم ما تستحقون، وإذا قصر التاريخ عن إنصاف كل واحد منكم باسمه وقصته ودمعته، فكفى بالله مُثيبًا، وكفى بالله مجازيًا، وكفى بالله عالمًا بما قدمتم.

لا نريد منكم بطولة بلا دموع
لقد أكثر العالم من الحديث عن «صمود غزة»، وهي كلمة حق تحمل من الإعجاب بأهلها ما يحمل، لكنني أخشى أن تتحول مع كثرة استعمالها إلى عبء آخر يوضع على أكتاف المنكوبين؛ فكأن المطلوب من أهل غزة أن يبقوا أقوياء دائمًا، وأن يقدموا للعالم صورة البطولة حتى وهم ينزفون، والحقيقة أن أهل غزة بشر قبل أن يكونوا رمزًا، ومن حقهم أن يتعبوا ويحزنوا ويشتاقوا إلى حياة عادية؛ من حق الأب أن يريد بيتًا آمنًا لا بطولة، ومن حق الأم أن تريد ليلة تنام فيها مطمئنة على أطفالها، ومن حق الطفل أن يريد مدرسة وكتابًا ولعبة لا خيمة وركامًا، ومن حق المريض أن يجد دواءه دون أن تتحول رحلةُ العلاج إلى معركة أخرى، وليست هذه الأمنيات الصغيرة نقيضًا للصمود، بل هي الغاية التي من أجلها تكون الكرامة ويكون العمران وتُحفظ الحياة.

ومن هنا فإن الوفاء الحقيقي لأهل غزة لا يكون بترديد الإعجاب بصمودهم وحده، وإنما بالسعي لأن لا يضطروا إلى الصمود بهذه الصورة إلى الأبد، فمقاصد الشريعة لا تقف عند حفظ الإنسان من الموت، بل تتطلع إلى حفظ حياته وكرامته وعقله وأسرته وماله وأمنه وقدرته على العبادة والعلم والعمل والعمران، وواجب العالم تجاه غزة ليس أن يطالب أطفالها بأن يصبحوا أكثر احتمالًا للجوع، ولا أمهاتها بأن يصبحن أكثر اعتيادًا على الفقد، وإنما أن يعمل ليتوقف الجوع والفقد والخوف، وأن يستعيد الإنسان حقه في أن يعيش حياة طبيعية كريمة، فإن أصدق تكريم لصمود غزة أن نعمل ليأتي يوم لا تحتاج فيه إلى هذا القدر الأسطوري من الصمود.

يا أمة الإسلام.. صبر غزة ليس إعفاءً لنا
وإذا كان الخطاب إلى أهل غزة يقتضي المواساة والتقدير والاعتراف بما قدموا، فإن الخطاب إلى الأمة ينبغي أن يكون خطابَ مسؤولية ومحاسبة؛ فقد تحمَّل أهلُ غزة ما لا يجوز أن يتحول إلى حجة لتقصير غيرهم، إن من أسوأ ما يمكن أن نصنعه أن نُعجَب بصبرهم حتى نجعلَ صبرَهم بديلًا عن فعلنا، أو أن نطالبهم بالثبات كلما اشتد عليهم البلاء بينما نخفض نحن سقفَ واجباتنا تجاههم، إن صبر غزة ليس إعفاءً للأمة من المسؤولية، بل مضاعفة لهذه المسؤولية؛ وكلما ازداد الحمل على المنكوب ازداد السؤال الموجَّه إلى القادر: ماذا فعلت مما تستطيع؟

ولا يطلب الشرعُ من أحد ما لا يقدر عليه، لكنه لا يعفي قادرًا مما يقع في وسعه؛ فللعالم مسؤوليته في البيان، ولصاحب المال مسؤوليته في البذل، وللطبيب مسؤوليته في الإغاثة والعلاج، وللمؤسسة الإنسانية مسؤوليتها في الكفالة والإيواء والإعمار، وللإعلامي مسؤوليته في حفظ الحقيقة من النسيان، وللقانوني والحقوقي مسؤوليته في استخدام الوسائل القانونية المشروعة لحماية الحقوق ومساءلة من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات، وللمربي والكاتب مسؤوليتهما في حفظ فلسطين في وعي الأجيال، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، رواه مسلم، ودقة التعبير النبوي في لفظ "تداعى" جديرة بالتأمل؛ فالجسد لا يكتفي بمعرفة أنَّ عضوًا منه يتألم، وإنما يستجيب له كلُّه، وهكذا ينبغي أن يكون معنى الأخوة: شعورًا يتحول إلى فعل، ورحمةً تتحول إلى مسؤولية.

وما عند الله خيرٌ أبقى
يا أهلنا في غزة؛ لست أزعم أن الكلمات تستطيع أن تبني بيتًا هُدم، أو تعيد حبيبًا رحل، أو تمحو من ذاكرةِ طفلٍ ليلةً من ليالي الخوف، ونستحي أن نقدم لكم الكلمات بدل الحقوق، أو المواساة بدل العمل، أو الدعاء ذريعة للتخفف من الواجب، ولكن للكلمة الصادقة وظيفة لا ينبغي الاستهانة بها: أن تقول للمتعب إن ألمه مرئي، وللمكلوم إن مصابه معلوم، ولمن طال عليه الطريق إنه ليس رقمًا في نشرة أخبار، وأن تذكّره قبل ذلك وبعده بأن الله يراه ويسمعه ويعلم ما في صدره، وأن كل ما خفي على الخلق ظاهر عند الخالق.

ولذلك فإن رجاءنا لكم لا نعلقه بوعد سياسي لا نملكه، ولا بموعد لا نعلمه، وإنما نعلقه أولًا بمن بيده الأمر كله. 
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]، وقال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، وهذه المعية ليست كلمة تقال لتسكين الألم، وإنما عقيدة يحمل بها المؤمن ما يعجز عن حمله وحده؛ فحين تضيق الأسباب يبقى رب الأسباب، وحين يتغير الناس لا يتغير الله، وحين تتبدل المواقف لا يتبدل وعده، وحين تعجز موازين الدنيا عن تحقيق العدل الكامل يبقى وراءها يوم سماه الله يوم الدين، لا تضيع فيه مظلمة ولا حسنة ولا دمعة.

يا أهل غزة؛ لقد عرفنا بلاءكم، ورأينا جانبًا من تضحياتكم، وأدركنا أن وراء ما رأيناه أضعافًا لم تره الكاميرات ولم تنقله الأخبار، وسيبقى لصبركم أثر في ذاكرة هذه الأمة، ونرجو أن يكون لما تحملتموه أثر بعيد في ضمير العالم ووعيه وموقفه من فلسطين؛ لكن فوق ذاكرة الأمة وضمير العالم وتاريخ البشر جميعًا كتاب لا يضيع فيه شيء. 
هناك تحفظ الدمعة التي لم يرها أحد، والصدقة التي لم يعلم بها أحد، والصبر الذي لم يصفق له أحد، والخوف الذي قاومه صاحبه وحده، واللقمة التي آثر بها أبٌ أبناءه، والدعاء الذي خرج من قلب أمٍّ في جوف الليل، وهناك فقط يظهر الحسابُ كاملًا، وتنكشف قيمةُ الأشياء على حقيقتها، ويوفَّى الصابرون أجرهم كما وعد الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].


فيا أهلنا في غزة، إذا أعياكم الطريقُ فتذكروا أن الله يعلم كل خطوة فيه، وإذا أثقل الفقد قلوبَكم فتذكروا أن الدنيا ليست دار اللقاء الأخير، وإذا خذلكم البشر فلا تجعلوا خذلانهم يحجب عنكم معية الله، وإذا رأيتم أن تضحياتكم أكبر من الجزاء الذي يستطيع العالم تقديمه فلا تحزنوا؛ فإن أجركم لم يُكتب في دفاتر العالم أصلًا حتى يضيع فيها، إنه عند الله، وما عند الله خير وأبقى، وقد يهتز العالم بما رأى منكم، وقد تتغير بسببه أفكار ومواقف وأجيال، وذلك أثر عظيم نرجوه؛ لكن الجائزة الكبرى ليست هنا، والجزاء الأكمل ليس في هذه الدنيا، فكفى بالله شاهدًا على ما عانيتم، وكفى بالله حافظًا لما قدمتم، وكفى بالله جابرًا لما انكسر من قلوبكم، وكفى بالله مثيبًا ومجازيًا، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.


السبت، 26 سبتمبر 2026

بعد أربعة أعوام على رحيله.. ماذا بقي من الإمام القرضاوي؟

بعد أربعة أعوام على رحيله.. ماذا بقي من الإمام القرضاوي؟

د. وصفي عاشور أبو زيد
تمر اليوم، السادس والعشرين من سبتمبر، أربعة أعوام كاملة على رحيل شيخنا الإمام يوسف القرضاوي، الذي انتقل إلى جوار ربه في السادس والعشرين من سبتمبر سنة 2022م، بعد عمر مديد امتلأ بالعلم والتعليم، والفقه والفتوى، والدعوة والتربية، والفكر والجهاد، والكتابة والتأليف، وخدمة الإسلام وقضايا أمته.
وأربعة أعوام في حساب الزمن ليست بالمدة الطويلة، ولكنها في حساب الفقد تكفي لأن تكشف لنا أي الرجال كان حضورهم عابرًا فانطفأ بانطفاء حياتهم، وأن حاجة الأمة إليه تتعاظم، وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ، وتكشف كذلك عن أيهم كانت لهم حياة تتجاوز أجسادهم، وأعمار تمتد بعد آجالهم، وآثار تزداد مع الأيام حضورًا ورسوخًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]؛ فما يقدمه الإنسان ينتهي بانتهاء فعله، أما أثره فقد يمضي بعده أجيالًا، يتسع مداه، وتتجدد ثماره، ويكتب الله لصاحبه منه ما شاء أن يكتب.
ولست أكتب اليوم عن القرضاوي مؤرخًا لحياته، ولا مترجمًا لمراحل سيرته، ولا محصيًا لمؤلفاته ومواقفه؛ فقد كتبت عن شيخي ستة كتب، وهو ما لم أكتبه عن عالم آخر، وعشت مع مشروعه العلمي والفكري والفقهي والمقاصدي طويلًا، قارئًا وباحثًا وتلميذًا ومحبًّا، ولكنني أكتب اليوم من موضع آخر أشد قربًا وأعمق وجعًا: أكتب من موضع التلميذ الذي مضت أربعة أعوام على رحيل شيخه، ثم اكتشف أن الأيام لم تنقص افتقاده له، وإنما زادته؛ حتى إنني أفتقده أكثر مما أفتقد والدي، ويخشع قلبي إلى اليوم إذا فاجأني مقطع مرئي له، أو سمعت صوته من حيث لا أحتسب، فأشعر أن الرجل الذي غاب عن الدنيا ما زال حاضرًا في ناحية عميقة من الوجدان، ومن هنا يلح عليَّ في هذه الذكرى سؤال واحد: بعد أربعة أعوام من رحيل الإمام القرضاوي، ماذا بقي منه؟
بقي عالمًا في كتبه كما كان عالمًا في حياته
أول ما بقي من القرضاوي ذلك الميراث العلمي الهائل الذي لا يكاد المرء يحيط بأطرافه؛ فقد أغنى المكتبة الإسلامية في الفقه وأصوله، والمقاصد وقواعدها، والقرآن وتفسيره، والسنة وفقهها، والعقيدة والفكر، والدعوة والتربية، والتزكية والسلوك، والاقتصاد والثقافة، والأدب والشعر، وقضايا الأمة والإنسان، ولم تكن كثرة التأليف عنده استكثارًا من العناوين، ولا تكرارًا للمقولات، بل كانت تعبيرًا عن عقل موسوعي يرى الإسلام بناء متكاملًا، فلا يستطيع أن يعزل الفقه عن الأخلاق، ولا الاقتصاد عن القيم، ولا الأحكام عن مقاصدها، ولا الدعوة عن التربية، ولا السياسة عن الرشد، ولا النص عن الواقع، ولا أحكام الفرد عن مصير الأمة، وقد انتهى هذا العطاء إلى أعمال كاملة بلغت مائة وخمسة مجلدات كبيرة، في خمسة وسبعين ألفًا من الصفحات؛ وهي في تقديري أعظم ما تركه القرضاوي لهذه الأمة، وأبقى ما يمكن أن يمتد به عمره العلمي بعد رحيله.
ومن أراد أن يتعرف إلى الإسلام في شموله وعمقه وتوازنه وسماحته وعدله، كما فهمه القرضاوي وعاشه ودعا إليه، فليدخل إلى هذه الموسوعة؛ لا ليقرأها قراءة المقلد الذي سلَّم عقله، فالقرضاوي نفسه لم يكن يريد صناعة مقلدين، ولكن ليقرأ تجربة اجتهادية امتدت نحو قرن، وعاصرت دولًا وثوراتٍ وحروبًا وتحولات فكرية واجتماعية واقتصادية هائلة، وحاول صاحبُها أن يجعل الوحي حاضرًا في كل ذلك.
وقد يسَّر الله للأجيال اليوم ما لم يكن ميسورًا لنا في بدايات طلبنا للعلم؛ فالأعمال متاحة إلكترونيًّا في موقع وتطبيق، ولا يحتاج الطالب إلى المال الذي يشتري به عشرات المجلدات، ولا إلى الأرفف التي تحملها، وإنما يحتاج إلى شيء واحد لا توفره التكنولوجيا لأحد: همة القراءة؛ ولهذا فإن من الوفاء للقرضاوي ألا نحول ذكراه إلى موسم للرثاء، بل إلى موسم للقراءة؛ فالعالم لا يخلد بكثرة الصور التي تنشر له في ذكرى وفاته، وإنما يخلد حين تظل أفكاره حية في العقول، وكتبه مفتوحة بين أيدي الأجيال.
وكان من أجمل خصائص هذه المكتبة أن صاحبها كتب الفقه بقلم أديب، وكتب الفكر بروح شاعر، وأدخل إلى جفاف الاصطلاح ماء البيان؛ كان القرضاوي شاعرًا له دواوين، وأديبًا له مسرحيات، وظل الشاعرُ والأديب يسكنان الفقيهَ والأصوليَّ والمفتي؛ فلم تكن عبارتُه مجرد وعاء يحمل الحكم، بل كانت جزءًا من قدرته على إيصاله، ومع ذلك لم تُضعف أدبيةُ اللغة دقةَ الفقه، كما لم تخنق دقة الفقه إشراق اللغة؛ فلم يكن البيان عنده زينة توضع على أطراف الفكرة، وإنما كان طريقًا إلى حسن عرضها وتقريبها، وهذه خصلة نادرة؛ فكثير من الفقهاء إذا دققوا جفَّت عباراتهم، وكثير من الأدباء إذا أشرق بيانهم تراخت دلالاتهم، أما هو فكان يحاول أن يجمع إلى إحكام الفكرة حسن العبارة، وإلى سلطان الدليل جمال البيان.
بقي الفقيه المشتبك والمفتي الذي يعالج الإنسان
وبقي من القرضاوي نموذج أعده من أهم النماذج التي قدمها الفقه المعاصر: الفقيه المشتبك مع الحياة، فلم يكن فقيهًا يجلس بعيدًا عن الناس ثم يستدعي لهم أجوبة من كتب عصور أخرى دون أن يسأل عما تغير في عالمهم، وإنما دخل بفقهه إلى الأسواق والمصارف والجامعات والبيوت والمؤسسات، وإلى قضايا المرأة والأسرة والشباب والأقليات، وإلى الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، وإلى النوازل التي صنعتها الحداثة والدولة المعاصرة والتقنية الجديدة؛ كان يشعر بأن الفقه الذي لا يجيب عن أسئلة عصره يفقد جانبًا من وظيفته، وأن العالم الذي يعرف النص ولا يعرف العالم الذي يريد تنزيل النص عليه قد يخطئ في التنزيل وإن أصاب في الحفظ والاستدلال.
ومن هنا كان وعيه بالواقع جزءًا أصيلًا من صناعته الفقهية والإفتائية؛ فلم يكن الواقع عنده خبرًا يقرأه في صحيفة، وإنما منظومة من الحقائق والعلاقات والقدرات والمصالح والمفاسد، فكان يسعى إلى الإحاطة بالواقعة من جهاتها، ثم يحقق مناط الحكم فيها، وينظر في المصالح والمفاسد، ويرتب الأولويات، ويوازن بين الممكن والمأمول، ويستشرف المآلات والعواقب، ثم ينزل الحكم في موضعه بقدر ما يراه محققًا لمقصود الشارع، ومن هنا اجتمع في منهجه فقهُ النص وفقهُ الواقع، وفقهُ الموازنة وفقه الأولويات، وفقه المقاصد وفقه المآلات؛ وهذه ليست عناوين متجاورة في مشروعه، بل دوائر متداخلة في عقل فقهي واحد، وهي أجهزة متكاملة في النظر الفقهي والإفتائي لا ينفصل بعضها عن بعض، وقد يوافقه الباحث في اجتهاد ويخالفه في آخر، لكن يصعب إنكار أنه أعاد إلى الفقيه المعاصر سؤالًا بالغ الأهمية: هل عرفت الواقع كما عرفت الحكم؟
وتجلت هذه الروحُ بأوضح صورها في فتاواه؛ فالفتوى عند القرضاوي لم تكن آلة تضع السؤال في أحد طرفيها فتخرج من الطرف الآخر كلمة: حلال أو حرام، بل كان ينظر إلى السائل وراء السؤال، وإلى الإنسان وراء المسألة، فيستحضر القرآن والحديث والفقه والأصول والمقاصد والقواعد، ثم يستدعي إلى ذلك خبرة المربي والداعية، وفهم النفس والمجتمع، وحاجة الإنسان إلى البيان والطمأنينة معًا؛ ولهذا كانت كثير من فتاواه تمنحك بعد قراءتها شعورًا بأن شيئًا في صدرك قد استقام، وأن عقلك لم يتلق حكمًا مجردًا، بل تلقى معه علته وحكمته وسياقه وحدوده، وكأن الفتوى عنده كانت تستمد شيئًا من الوظائف التي وصف الله بها القرآن: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]؛ موعظة توقظ، وشفاء يداوي، وهدى يدل، ورحمة ترفق، ومن أراد أن يعرف القرضاوي المفتي حقًّا، فلا تكفيه الاقتباسات المتناثرة عنه؛ عليه أن يقرأ فتاواه كاملة ليرى كيف كان يبنيها، وكيف كان ينتقل بالسائل من الحكم إلى الفهم، ومن الفهم إلى السكينة.
بقي موقف العالم الذي لا يؤجِّر لسانه
وبقي من القرضاوي درسٌ لا يقل قيمة عن كتبه: أن العالم لا ينبغي أن يؤجر لسانه لسلطان ولا لجمهور؛ فلم يكن استقلال العالم عنده أن يعارض الحاكم في كل شيء، كما لم يكن أن يوافقه في كل شيء؛ وإنما أن يكون ولاؤه لما يراه حقًّا، وأن يقول ما يدين الله به ولو أغضب قريبًا أو حبيبًا، حاكمًا أو محكومًا، نخبة أو جمهورًا، ومن الوقائع الدالة في حياته أنه انتقد علنًا، ومن فوق منبر الجمعة المنقول على الهواء، استقبال أمير قطر الوالد شمعون بيريز ومصافحته، وقال كلمته الشهيرة: "على من صافحوا بيريز أن يغسلوا أيديهم سبع مرات إحداهن بالتراب"، وقابله الأمير ورفع يديه للأعلى، وقال: "غسلت يدي سبع مرات إحداهن بالتراب"، ثم لم يمنع ذلك من بقاء الصلة والاحترام، والعبرة عندي ليست بطرافة الواقعة ولا بحدة العبارة، وإنما بالمعنى الكامن وراءها: أن قرب العالم من السلطة لا ينبغي أن يشتري صمته، وأن إحسان الحاكم إليه لا يسقط عنه فريضة النصيحة.
وهذا بعض معنى وراثة النبوة التي قال فيها رسول الله ﷺ: "وإن العلماء ورثة الأنبياء"، رواه أبو داود والترمذي. فالعالم لا يرث عن الأنبياء معلوماتهم وحدها؛ وإنما يرث البيان والبلاغ، والنصح والأمانة، والرحمة والشجاعة، والوقوف مع الحق بقدر الاستطاعة؛ ولهذا بقي من القرضاوي أيضًا انحيازه إلى الشعوب المظلومة، ومطالبته بحريتها وكرامتها، ووقوفه – وفق اجتهاده الذي قد يوافقه الناس فيه أو يخالفونه – إلى جانب حراكها في مواجهة الاستبداد والظلم والقهر؛ لأنه كان يرى العدل مقصدًا مركزيًّا لا هامشًا سياسيًّا، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25] بوصفه بيانًا لوظيفة الرسالات في حياة البشر، لا آية تحفظ بعيدًا عن آلامهم.
وبقي العابد البكَّاء والإنسانُ الودود
لكن القرضاوي الذي بقي في وجداني ليس صاحب الكتب والمواقف وحده؛ بقي أيضًا ذلك الرجل الأواب البكَّاء، الذي كان العلم عنده موصولًا بالقلب، والفكر موصولًا بالخشية، وقضايا الأمة موصولة بالدمعة، كان يبكي خوفًا من الله ورجاءً في رحمته، ويبكي وهو يقرأ القرآن أو يدعو، كما كان يبكي لما ينزل بالمسلمين من دماء وآلام ومصائب.
ومن عرف هذه الناحية منه أدرك أن وراء ذلك الإنتاج العلمي الغزير قلبًا شديدَ الرقة، وأن الفقيه الذي يقلب وجوه الأدلة كان يستطيع في لحظة ذكر أن ينكسر كطفل بين يدي ربه، وقد جمع القرآن بين العلم والخشية في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وذكر النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"، متفق عليه، وما أحوج العلم في زماننا إلى هذه الدمعة؛ فالعلوم التي لا تمر بالقلب قد تصنع عقلًا كبيرًا، لكنها لا تصنع بالضرورة عبدًا كبيرًا.
وبقي من القرضاوي كذلك ودُّه؛ وتلك ناحية لا تظهر في قوائم المؤلفات ولا في الدراسات التي تحصي مناهجه واجتهاداته؛ فقد كان يسأل عن إخوانه وتلاميذه، كبيرهم وصغيرهم، ويتابع مشروعاتِهم وكتبَهم وقراءاتهم، ويشجعهم، ويمنحهم من الاهتمام ما يجعل الواحد منهم يشعر أن له موضعًا في قلب هذا الشيخ الذي ملأ الدنيا علمًا وعملًا، وما أعمق أثر كلمة يقولها عالم كبير لطالب في أول الطريق؛ قد ينساها العالم بعد ساعة، ويحملها الطالب في قلبه أربعين سنة؛ ولهذا فإن بعض العلماء يبقون في المكتبات، وبعضهم يبقون في العقول، وقليل منهم يُرزقون أن يبقوا في القلوب؛ والقرضاوي عندي من هؤلاء الذين بقي علمُهم في العقل، وبقي ودهم في القلب، وبقيت نصائحُهم في الوجدان.
أما أنا.. فقد كان بوابتي الأولى
وللقرضاوي في حياتي قصة تتجاوز علاقة الباحث بموضوع بحثه، أو القارئ بمؤلف يحبه، لقد كان الرجلُ بوابتي الأولى إلى الإسلام وعلوم الشريعة ومصادر التراث والكتب المعاصرة؛ حيث كنت في بداياتي إذا اشتريت كتابًا له لا أكتفي بقراءة الكتاب، بل أدقق في هوامشه ومراجعه:
من أين أخذ هذه الفكرة؟
ومن أي كتاب نقل هذا النص؟
وإلى أي عالم أحال؟
ثم أذهب فأقتني من تلك المراجع ما تسمح به ذاتُ اليد، وكانت ذات اليد يومئذ ضيقة، فأشتري ما أقدر عليه وأقرأه، ثم يقودني المرجع إلى مرجع، والكتاب إلى كتاب، والفكرة إلى مدرسة كاملة من الأفكار؛ حتى تكوّن جانبٌ معتبر من ثقافتي العلمية بهذه الطريقة؛ ولهذا لم يكن القرضاوي بالنسبة إليَّ كتابًا قرأته، بل كان دليلًا إلى مكتبة الإسلام، وكلما فتح لي بابًا دخلت منه إلى أبواب أخرى.
ولهذا أيضًا كتبتُ عنه ستة كتب، وهو عدد لم أكتبه عن غيره؛ لا لأنني أراه فوق النقد، ولا لأن التلمذة عندي تعني إلغاء العقل، فقد تعلمنا منه نفسه أن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، ولكن لأن أثره في تكويني لا يمكنني أن أنكره أو أختصره، وبعد أربعة أعوام من رحيله أجدني أفتقده أكثر مما كنت أظن أنني سأفتقده، بل أفتقده أكثر من والدي رحمه الله؛ وإذا صادفني مقطع فيديو له خشع قلبي لصوته وصورته، واستيقظت دفعةً واحدة طبقاتٌ من الذكريات لا يملك العقل أن يرتبها ولا القلم أن يصفها، وللفقد منطقه الخاص؛ فقد يمضي الزمنُ بالإنسان بعيدًا عن يوم الوفاة، ولكنه لا يمضي به بعيدًا عن الميت إذا كان الميت قد ترك جزءًا منه في روحه.
وبقيت أسرته الكريمة، بما عرفت من برها به ووفائها له، تحمل جانبًا من أمانة هذا الميراث، وتواصل المؤسسات والمشروعات المتصلة بعلمه العمل على إتاحته ونشره وتعليمه، وقد كان من تمام نعمة الله على العالم أن يرزقه أهلًا يحفظون أثره بعد رحيله، ويصلون ما انقطع من حضوره، ويجعلون تراثه متاحًا للأجيال من بعده، وما أرجوه لهذه الجهود أن تتسع وتتجدد، وأن يظل علم القرضاوي مفتوحًا لكل طالب وباحث وقارئ.
ماذا نفعل بهذا الميراث؟
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تنتهي إليه الذكرى: ليس ماذا بقي من القرضاوي، فقد حاولت السطور السابقة أن تجيب عن ذلك، وإنما ماذا سنفعل نحن بما بقي منه؟ فالسؤال بعد رحيل العلماء الكبار لا يقف عند مقدار ما تركوه، وإنما يمتد إلى قدرة الأحياء على إبقاء علمهم حيًّا فاعلًا، ونقل خبراتهم إلى الأجيال، وتحويل تراثهم من مجلدات مصفوفة إلى معرفة مقروءة، ومن معرفة مقروءة إلى وعي، ومن وعي إلى عمل واجتهاد وإضافة، وهنا تقع مسؤولية الأسرة والتلاميذ والمؤسسات والجامعات والباحثين جميعًا؛ فموسوعة القرضاوي ليست تراثَ أسرة، ولا ملكَ جماعة، ولا ذاكرة جيلٍ مضى، وإنما مادةٌ علمية ضخمة ينبغي أن تُفتح للدرس والتحليل والنقد والاستثمار، وأن تُستخرج منها المناهج والنظريات والمفاهيم، وأن تقرأ قراءة العالم الذي نعرف فضله من غير أن ندعي له العصمة، ونحفظ مكانته من غير أن نغلق باب المراجعة والاجتهاد.
وإذا كانت بعضُ بلادنا العربية والإسلامية قد حظرت كتبه في مرحلة من المراحل، فقد شبَّت المعرفة اليوم عن طوق الحظر؛ وذابت المسافات، وتحطمت حواجزُ كثيرةٌ، وصارت المكتبةُ التي كانت تحتاج إلى جدران ورفوف تُحمل في هاتف صغير، وأصبح تراث القرضاوي متاحًا لمن يريد أن يقرأه موافقًا أو مخالفًا، محبًّا أو ناقدًا، طالبًا أو باحثًا، ومن ثَمَّ لم يعد السؤال: من يسمح بقراءة القرضاوي ومن يمنعها؟ وإنما السؤال: من يملك همةَ القراءة، وأمانة الفهم، وشجاعة الإفادة والإضافة؟
إننا حين نذكر القرضاوي لا نضيف إليه شيئًا؛ فقد أفضى الرجل إلى ربه، وإنما نضيف إلى أنفسنا، ونكرم ذاكرتنا العلمية، ونصل حاضرنا بسلسلة من العلماء الذين حملوا لهذا الدين علمًا وهمًّا ورسالة، وقد قال رسول الله ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، رواه مسلم (1631). ونرجو أن يكون لشيخنا من «علم ينتفع به» أوفرُ الحظ والنصيب؛ فما تزال كتبُه تقرأ، وفتاواه تدرس، ومحاضراته تسمع، وأفكاره تناقش، وما يزال أناس لم يروه قط يتعلمون منه بعد أن غاب وجهُه وصوتُه عن هذه الحياة الدنيا.
والوفاء للقرضاوي، في نهاية الأمر، ليس أن نقف عند القرضاوي، بل أن نواصل الطريق الذي كان يريد للعلماء أن يسلكوه: أن نجتهد ولا نقلد، وأن نفهم العصر ولا نذوب فيه، وأن نصل النص بالواقع، والفقه بالمقاصد، والعلم بالعمل، والعقل بالقلب، والماضي باليوم والغد، والتبشير في الدعوة بالتيسير في الفتوى، وأن نحمل همَّ الأمة دون أن نفقد ميزان العلم، فليس خير تلاميذ العالِم أكثرهم ترديدًا لكلماته، وإنما أقدرهم على تمثُّل منهجه، واستكمال ما بدأه، والإضافة إلى ما تركه.
رحم الله شيخنا الإمام يوسف القرضاوي؛ رحم الله ذلك العقل الذي حمل همَّ الإسلام، وذلك القلب الذي أوجعته جراحُ المسلمين وخاصة فلسطين، وذلك القلم الذي لم يكد يستريح، وذلك اللسان الذي قال ما رآه حقًّا، وذلك الشيخ الذي دلني ودل أجيالًا غيري على كتب ما كنا لنعرفها، وعلى علماء ما كنا لنهتدي إليهم، وعلى آفاق من الفقه والفكر ما كان الطريق إليها ليكون بالوضوح نفسه لولا اللهُ ثم دلالته .. اللهم اجزه عن علمه وتعليمه ودعوته خير الجزاء، واجعل ما تركه من علم في ميزان حسناته، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين.
أربعة أعوام مضت على رحيل القرضاوي؛ وبعض الرجال تنتهي أعمارهم، ولا تنتهي حياتهم، لأن الله يطوي أجسادهم في التراب، ويبسط آثارهم في الناس.

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

فقه الابتلاء في زمن المحن.. الصبر وترميم الإنسان

فقه الابتلاء في زمن المحن.. الصبر وترميم الإنسان




الحمد لله الذي جعل الصبر عونًا لعباده على مشاق الطريق، ووعد الصابرين بصلواته ورحمته وهدايته، وربط بين الإيمان به والقيام بحقوق خلقه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي عرف الحزن والفقد والأذى، فبكى ولم يجزع، وصبر ولم يستسلم، وتوكل ولم يعطل الأسباب، ورحم المكلوم، ونصر المظلوم، وحمل أصحابه على التراحم والتناصر والتكافل، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


فليس الابتلاء شأنًا يخص المبتلى وحده، ولا امتحانًا مغلقًا بين الإنسان وربه تنتهي مسؤولية الآخرين تجاهه عند الدعاء له أو تذكيره بفضيلة الصبر، فالمحنة في التصور الإسلامي تكشف في الوقت نفسه معدنَ مَن نزلت به، ومعدنَ من وقف حوله، تَختبر المريضَ في احتماله، والطبيبَ في مداواته، والفقيرَ في صبره، والغنيَّ في بذله، والمظلومَ في ثباته، والقادر في نصرته، واليتيم في فقده، والمجتمع في كفالته؛ ولهذا فإن فقه الابتلاء لا يكتمل بالسؤال عن واجب المصاب وحده، وإنما يكتمل بالسؤال عن واجب الأمة تجاهه؛ لأن الشريعة التي أمرت المبتلى بالصبر أمرت القادر بالنصرة، والتي فتحت للمكلوم أبوابَ الرجاء فتحت لمن حوله أبواب الرحمة والإغاثة ورفع الضرر.


وتبدو الحاجة إلى هذا الفقه أشد ما تكون في زمن تتكاثر فيه مشاهدُ الفقد والنزوح والحصار والحرب، وتثقل على الإنسان أوجاعٌ تتجاوز خسارة المال والبيت إلى فقد الأحبة وانهدام الشعور بالأمان واضطراب النفس وانكسار القدرة على استئناف الحياة، فلا يكفي أمام هذه المحن خطابٌ يحفظ للمبتلى آخرتَه ولا يُعينه على دنياه، كما لا يكفي أن نحدثه عن الأجر ونترك جرحه بلا دواء، أو نطالبه بالاحتساب ونترك طفله بلا مأوى، أو نذكره بالتوكل وننسى أن التوكل نفسه لا ينفصل عن الأخذ بالأسباب؛ 
ومن هنا تتكاملُ في الرؤية الشرعية وظيفتان عظيمتان: 
ترميم الإنسان المبتلى بالصبر والإيمان والرحمة والأخذ بالأسباب، وتحريك الأمة من التعاطف مع آلامه إلى تحمل مسؤوليتها في دفع البلاء ونصر المظلوم


أولًا: فقه الصبر وترميم الإنسان المبتلى:

الصبر هو القوة التي تحفظ الإنسان داخل المحنة، وتحول بين البلاء وبين أن يستولي على قلبه وعقله وإرادته، غير أن هذا المفهوم الجليل تعرّض في بعض الخطابات للاختزال وسوء الاستعمال، حتى صار عند قوم مرادفًا للسكوت، وعند آخرين اسمًا للاستسلام، وربما استدعي في وجه المظلوم ليكف عن المطالبة بحقه، وفي وجه المقهور ليقبل قهره، وفي وجه المنكوب ليكتم ألمُه، مع أن الصبر في بنائه القرآني أوسعُ وأقوى من ذلك كله، فهو ثباتُ النفس على مقتضى الإيمان، وحبسُها عما يُسخط الله، وحفظ قدرتها على أداء واجبها مهما اشتدت عليها وطأةُ المحنة.


والقرآن حين أمر بالصبر لم يضعه في سياق السكون، وإنما قرنه بالمصابرة والمرابطة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200)، فالصبر هنا قوةٌ بقاء، والمصابرة قدرةٌ على مغالبة ما يريد كسر الإرادة، والمرابطةُ يقظة واستعداد وثبات؛ ولهذا جرى العلماء على تقسيم الصبر إلى: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة.


قال ابن القيم: «الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤدّيَها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقعَ فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخّطَها»(1)؛ وهي أقسام تكشف أن الصبر ليس انسحابًا من الحياة، وإنما طاقة إيمانية وأخلاقية تحرس الإنسان في علاقته بربه ونفسه والناس.


وقد أفاض ابن القيم في بيان منزلة الصبر، وقرر أن حاجة العبد إليه لا تنقطع في حال من أحواله، وأن الإيمان يقوم على الصبر والشكر(2)، وليس معنى الصبر إلغاء الألم أو تعطيل المشاعر، فالإنسان المؤمن يتألم، ويحزن، ويبكي، ويشتاق إلى من فقد، وقد يضيق صدرُه بثقل المصيبة، ولا يناقض شيءٌ من ذلك حقيقةَ الصبر ما دام القلبُ لم يسخط على الله، واللسان لم يتجاوز حد العبودية، والجوارح لم تنطلق إلى ما حرم الله.


ولهذا يقدم القرآنُ يعقوبَ عليه السلام نموذجًا بالغَ الإنسانية في فهم العلاقة بين الصبر والحزن، فقد بلغ به فقْدُ يوسفَ مبلغًا قال الله فيه: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: 84)، ومع هذا الحزن العميق كان يقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (يوسف: 18)، ثم قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86).


فاجتمع في قلب نبي واحد الحزنُ والصبر، والدمعُ والرجاء، والافتقارُ إلى الله والثقة به؛ وفي ذلك تصحيحٌ للخطاب الذي يتعامل مع دمعة المبتلى كأنها نقصٌ في يقينه، أو مع حديثه عن ألمه كأنه اعتراضٌ على ربه، فالشكوى إلى الله عبودية وافتقار، وإنما المذموم أن تتحول الشكوى من الله إلى اتهام لحكمته أو يأسٍ من رحمته.


وهذا هدْيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقد دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان، فلما تعجّب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»(3)؛ فكانت النبوة في أسمى درجاتها لا تُلغي الدمع، وكان كمالُ اليقين لا يلغي الحزن؛ لأن الإسلام لا يريد إنسانًا حَجَريَّ المشاعر، وإنما يريد قلبًا يشعر بالألم كله دون أن يَفقد في قلب الألم صلتَه بالله تعالى.


ومن هنا يظهر الخطأُ في مطالبة ضحايا الحروب والكوارث بأن يتجاوزوا أحزانَهم سريعًا تحت عنوان الصبر، فالمرأة التي فقدت زوجها وأبناءها، والطفل الذي استيقظ فلم يجد بيته ولا أسرته، واللاجئ الذي ترك وطنًا تشكلت فيه ذكرياته، والجريح الذي فقد عضوًا من جسده، لا يحتاجون إلى مواعظ باردة تُلغي إنسانيتهم، وإنما يحتاجون أولًا إلى رحمة تحتضن الألم، وأذن تسمع الشكوى، ويد تمسح الدمع، وبيئة آمنة تستعيد معها النفسُ بعضَ توازنها، ثم يأتي الخطابُ الإيماني ليضيء داخل هذا الألم معنى الرجاء، لا ليطالب صاحبه بإنكار ما يشعر به.


والسُّنة النبوية حين تقرر أنه «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»(4)، لا تطلب من الإنسان ألا يتألم ساعةَ الصدمة، وإنما تُعلمه ألا يُسلّم زمامَ نفسِه لها، وقد بين الإمام النووي أن الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل هو ما يكون عند مفاجأة المصيبة وحرارتها؛ لأن المشقة عندئذ أشد، أما بعد طول الأيام فإن حرارة المصيبة تخف بطبعها(5).


علامات صحة الصبر
وللصبر الصحيح علاماتٌ عملية لا تقف عند حدود الشعور الباطني، أولها أن تبقى صلة العبد بربه قائمة فلا تحمل المصيبة قلبه على القنوط من رحمته، وثانيها حفظ اللسان عن السخط والاعتراض، وثالثها استمرار الأخذ بالأسباب الممكنة، ورابعها ألا يتحول الألم إلى ذريعة لتعطيل الحياة، وخامسها ألا يدفع الظلم المظلوم إلى ظلم من لا ذنب له، وسادسها ألا تفسد المحنة دين الإنسان وأخلاقه، وسابعها أن يبقى الرجاء حيًا مهما اشتدت ظلمة اللحظة؛ ولهذا قال سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة: 45)، فجعل الصبر موردًا للاستعانة على الحياة، لا وصفًا للعجز عنها.


ويجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له»(6)؛ وليس في الحديث أن الضرر محبوبٌ لذاته، ولا أن القتل والفقد والمرض والفقر خيراتٌ في أنفسها، وإنما فيه أن الإيمان يمنح الإنسانَ قدرة على استخراج الخير من قلب ما يؤلمه، فالخير في الاستجابة التي تحول النعمة إلى شكر، والمصيبة إلى صبر، فلا تضيع النعمة بالكفران، ولا تضيع المحنة بالجزع والقنوط.


هل السكوت على الظلم من الصبر؟
الصبر لا يعني بحالٍ السكوتَ على الظلم أو ترك مقاومته، فالقرآن الذي مدح الصابرين هو الذي قال: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الشورى)، ثم قال بعدها: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 43)، فجمع بين حق المظلوم في دفع الظلم وبين فضيلة الصبر والعفو حيث يكون العفوُ محمودًا ومحققًا لمصلحة؛ فلم يجعل الصبرَ إهدارًا للحق، ولم يجعل العفوَ مكافأةً للمعتدي على عدوانه.


ولهذا فإن استخدام الصبر لإسكات المظلوم تحريفٌ لوظيفته الشرعية، فالصبر لا يَطلب من الأسير أن يحب أسره، ولا من صاحب الأرض المحتلة أن يرضى بالاحتلال، ولا من المظلوم أن يبارك ظلمَ ظالمه، ولا من الجائع أن يمتنعَ عن طلب الطعام، ولا من المريض أن يترك الدواء، وإنما يمنح هؤلاء جميعًا القدرةَ على ألا يهزمهم ما نزل بهم؛ فالصبر لا يصنع العبيد، وإنما يصنع النفوس التي لا يستطيع البلاء استعبادها.

ويقتضي هذا الفهمُ تحريرَ العلاقة بين الإيمان والصحة النفسية، فالحروب الطويلة لا تخلف أنقاضًا في المباني وحدها، وإنما تترك أنقاضًا داخل النفوس، وتزرع الخوف واضطرابات الفقد والصدمة والكوابيس والانقطاع عن الشعور بالأمان، ولا يصح أن يقال لمن يحتاج إلى علاج نفسي إن معاناته دليل على ضعف إيمانه، كما لا يقال لمن كسرت ساقه إن قوة يقينه تُغنيه عن الطبيب، فالنفس من خلق الله كما أن الجسد من خلقه، والتداوي من الأسباب المشروعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء»(7).


منهجية ترميم الإنسان بعد المحن

وترميم الإنسان بعد المحنة لا يتم بكلمة واحدة ولا بوسيلة واحدة، وإنما يحتاج إلى بناءٍ يُعيد إليه المعنى بالإيمان بالله وحكمته، ويُعيد إليه الأمان بإزالة الخطر الذي يطارده، ويعيد إليه الانتماء باحتضان الأسرة والمجتمع، ويعيد إليه القدرة بتمكينه من التعلم والعمل واستعادة دوره في الحياة، ويعيد إليه التوازنَ النفسيَّ بالعلاج المتخصص عند الحاجة، ويُعيد إليه الرجاء بأن المستقبل لم تُغلق أبوابه؛ فلا يكفي أن نقول للمنكوب اصبر ونحن نتركه بين الأنقاض، ولا أن نقول لليتيم احتسب ونحن لا نكفله، ولا للنازح توكل ونحن لا نُعينه على استعادة مأواه؛ لأن الشريعة التي تطلب الصبر من المبتلى تطلب في الوقت نفسه النصرة ممن حوله.

والقرآن يقدم للمصاب أفقًا يتجاوز اللحظةَ التي تكاد تخنقه، فيقول سبحانه: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:)، ففي (إِنَّا لِلَّهِ) يستعيد الإنسان معنى الانتماء إلى الله، وفي (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يرى المصيبة داخل أفق أبدي أوسع من حدود الدنيا، وفي الصلاة والرحمة والهداية التي وعد الله بها الصابرين يوقن أن ما ضاع منه في الأرض لن يضيع عند الله.

وهكذا لا يطلب الإسلام من الإنسان أن ينكر المحنة، وإنما يُعلمه كيف يَعْبُرها، ولا يأمره أن يخنق حزنه، وإنما يمنع الحزنَ من أن يخنق إيمانه، ولا يطالبه بأن يبتسم فوق قبور أحبابه، وإنما يفتح له وراء القبر نافذةً على الآخرة، ولا يقول له: إن الألم وهم، وإنما يزرع فيه اليقين بأن الألم ليس الكلمة الأخيرة في قصته؛ فقد يخرج الإنسانُ من المحنة مجروحًا لكنه أعمق إيمانًا، وقد يفقد أشياء عزيزة ويكتسب معرفة أصدق بحقيقة الدنيا، وقد يبقى باكيَ العينين لكنه ثابت القلب، وتلك بعض معاني تحويل المحنة إلى بناء لا إلى انهيار.


الهوامش

1 ابن قيم الجوزية، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، دار الكتب العلمية، ص19.
2 ابن قيم الجوزية، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ص 5.
3 أخرجه البخاري في «صحيحه» (1303).
4 كما في حديث أنس رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري (1283)، ومسلم (926).
5 انظر: الإمام النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي (6/ 227).
6 أخرجه مسلم في «صحيحه» (2999).
7 أخرجه أبو داود (3855)، والترمذي (2038)، وابن ماجه (3436).





السبت، 5 سبتمبر 2026

المعية الإلهية وأثرها في صناعة النجاة

المعية الإلهية وأثرها في صناعة النجاة
د. وصفي أبوزيد 
رئيس مركز الشهود الحضاري للدراسات الشرعية والمستقبلية، ومحاضر في أكثر من جامعة وأكاديمية لمواد الفقه والأصول والقواعد والمقاصد.

1- لحظة اليقين عند انقطاع الأسباب

من أبلغ مشاهد القرآن الكريم وأعظمها أثراً في النفوس ذلك المشهد الذي يصوره الله تعالى عند وصول موسى عليه السلام وقومه إلى شاطئ البحر، بينما كانت جيوش فرعون تلاحقهم من خلفهم، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ۝ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].

لقد كانت مقاييس البشر كلها تشير إلى الهلاك؛ فالبحر أمامهم، والعدو وراءهم، ولا سبيل للنجاة في الظاهر؛ ولهذا عبّر أصحاب موسى عليه السلام عن تقديرهم البشري للأحداث بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. 
أما موسى عليه السلام فقد نظر بعين أخرى؛ عين الإيمان واليقين بوعد الله تعالى، فجاء جوابه حاسماً: ﴿كَلَّا﴾، ثم أتبعها بقوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. 
وهنا تتجلى حقيقة كبرى من حقائق الإيمان، وهي أن المؤمن لا يقف عند ظاهر الأسباب، بل يتجاوزها إلى مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.

2- المعية الخاصة في القرآن الكريم

المعية الواردة في هذه الآية ليست مجرد معية العلم والإحاطة التي تشمل الخلق جميعاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]. 
وإنما هي المعية الخاصة التي تقتضي الحفظ والنصر والتأييد والتوفيق.

وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. 
وقوله جل وعلا لموسى وهارون عليهما السلام: 
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: 46]. 
ولذلك كانت هذه المعية مصدر السكينة والثبات والطمأنينة في أحلك الظروف وأشدها.

3- من المعية إلى انفلاق البحر

ما إن أعلن موسى عليه السلام يقينه بمعية الله حتى جاء الفرج الإلهي على صورة لم تخطر على بال أحد، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. 
فالبحر الذي كان حاجزاً أمام النجاة تحول إلى طريق للعبور، وأصبحت العقبة نفسها وسيلة للخلاص.

قال الإمام ابن كثير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾:
“أي: لا يصل إليكم شَيْءٌ مِمَّا تَحْذَرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ، سُبْحَانَهُ، هُوَ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ هَاهُنَا بِكُمْ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ”.                                  
وفي هذا درس عظيم للمؤمنين في كل زمان؛ فكم من شدة ظن الناس أنها نهاية الطريق، فإذا هي بداية الفرج، وكم من باب أُغلق في الظاهر، ثم فتح الله من ورائه أبواباً لم تخطر على بال.

الجمعة، 24 يوليو 2026

هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

تتحول بعض الشخصيات في التاريخ مجرّد أسماء تُذكر إلى معانٍ حيّة تسكن الوجدان، وتصبح مواقفها نورًا تمشي به الأرواحُ في ظلمات الحياة، ومن أعظم هذه النماذج المباركة السيدة هاجرُ عليها السلام؛ تلك المرأة التي لم يكن معها في الوادي غير رضيعٍ صغير، وقلبٍ ممتلئ بالله، ويقينٍ لا تهزّه الرمال ولا الوحشة ولا الخوف (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37).


لقد شاء الله أن تكون قصتها أكثر من قصة أمٍّ تبحث عن الماء، بل أرادها منهجًا كاملًا في التوكل والسعي والصبر والتسليم (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، حتى صار سعيها عبادةً تتكرر كل يوم على ألسنة الملايين وأقدامهم وقلوبهم، وما ذاك إلا لأن الله إذا أحب عبدًا صادقًا جعل أثره ممتدًّا في الأرض والسماء.


إنّ المتأمل في سيرة هاجر لا يرى امرأةً ضعيفة تُصارع ظروفًا قاسية، بل يرى روحًا ربانية تربّت على الثقة بالله حتى غلب يقينُها قوانينَ الأرض كلها؛ ولذلك بقي ذكرها خالدًا، لا بكثرة الكلام، وإنما بصدق الموقف، فبعض الناس يكتبون أسماءهم بالحبر، وأهل الصدق يكتبهم الله بالنور.


إذًا لن يضيّعنا الله

من أعظم ما تعلّمناه من هاجر عليها السلام أن القلب إذا امتلأ بالله هانت عليه المخاوف كلّها، لقد كانت في موقفٍ يكفي وحده لتحطيم أشدّ النفوس صلابة: وادٍ مقفر، لا ماء فيه ولا بشر، وطفل صغير يصرخ من العطش، وزوجٌ يغادر المكان امتثالًا لأمر الله، ومع ذلك لم يكن أول ما خرج من قلبها صراخ الاعتراض، وإنما سؤال اليقين: "آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا"(1).


فلما علمت أن الأمر من الله، تبدّل المشهد كلّه في قلبها، وقالت كلمتها التي ينبغي أن تبقى زادًا لكل خائف: "إذًا لا يضيّعنا". يا الله… 

ما أعظم هذه العبارة، وما أوسع أبواب الطمأنينة التي تحملها، لم تقل: كيف سنعيش؟ ولم تقل: من أين يأتي الطعام؟ ولم تسأل عن تفاصيل النجاة؛ لأنها عرفت أصل الحقيقة: أن من كان الله معه فلن يضيعه الله.


وفي حياتنا صحارى كثيرة لا تقلّ قسوة عن صحراء مكة؛ صحارى الفقد، والخذلان، والمرض، والقلق، والغربة، وضيق الرزق، وتعثّر الأحلام. 

وكثيرًا ما يقف الإنسان أمامها مرتجفًا لأنه ينظر إلى قلة الأسباب، بينما كانت هاجر تنظر إلى عظمة رب الأسباب. 

وهنا يكمن الفرق بين من يعيش بعينه، ومن يعيش بقلبه قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15).


لقد علّمتنا هاجر أن اليقين ليس كلامًا يُقال في أوقات الراحة، وإنما نورٌ يظهر حين تنطفئ الأنوار كلها، وأن المؤمن الحقيقي ليس من لا يخاف، بل من يغلب خوفه بثقته بالله؛ ولذلك كانت تلك المرأة وحدها أمةً كاملة من السكينة في قلب الصحراء.


البيت الذي تحرسه التقوى لا يضيع

علّمتني هاجر أن البيت لا تقوم أركانه بالأثاث والجدران وحدها، وإنما تقوم أولًا بالإيمان، فقد يغيب الرجل عن بيته لسببٍ من الأسباب، وقد تضيق الأحوال، وقد تشتدّ الظروف، لكن المرأة المؤمنة تستطيع أن تحرس بيتها بالله، وأن تصنع من قلبها وطنًا آمنًا لمن حولها، وهذا درس لأسر الأسرى والمعتقلين في فلسطين وعالمنا.


لم تكن هاجر تملك أسباب الاستقرار الظاهرة، لكنها كانت تملك ما هو أعظم من ذلك: قلبًا موصولًا بالله؛ ولذلك لم يتحول غياب إبراهيم عليه السلام إلى انهيار، بل صار بابًا لظهور معدنها الإيماني العظيم، فلقد بقيت وحدها مع رضيعها، ولكنها لم تستسلم للذعر؛ لأن الأرواح التي تتوكّل على الله لا تسقط بسهولة.


وكم من البيوت اليوم تمتلئ بالناس لكنها فارغة من السكينة والمودة والرحمة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)؛ لأن الإيمان غائب عنها، وكم من بيتٍ صغيرٍ قليل الإمكانات لكنه ممتلئ رحمةً وطمأنينة لأن فيه قلبًا يعرف الله.. إنّ السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيمن نتوكّل عليه.


وهاجر عليها السلام تعلّم النساء أنهن لسن كائنات هامشية في صناعة الحياة، بل قد تكون المرأة المؤمنة سببَ نجاة أسرة كاملة، بل أمة كاملة؛ فهذه المرأة التي كانت وحدها في الوادي، صار أثرها جزءًا من شعائر الإسلام إلى يوم القيامة، وما ذلك إلا لأن الله يرفع من صدق معه، ولو كان وحيدًا لا يملك شيئًا من زخارف الدنيا.


الطريق إلى الله ليس دائمًا كما نحب

علّمتنا هاجر أن الطريق إلى الله لا يسير دائمًا وفق ما تهواه النفوس، فبعض الناس يظنون أن الإيمانَ الحقيقيَّ يعني أن تُفتحَ الطرقُ بسهولة، وأن تأتيَ الطاعةُ موافقةً للرغبات، بينما الحقيقة أن أعظم أبواب القرب إلى الله قد تمرّ عبر المشقة والتضحية والصبر.


لم يكن فراق الزوج سهلًا على هاجر، ولم يكن ترك الولد في الصحراء هيّنًا على إبراهيم - عليه السلام - لكنهم أدركوا أن العبودية ليست أن نعبد الله حين توافق أوامرُه رغباتِنا فقط، بل أن نعبده لأنه ربنا، ولأنه أعلمُ بنا من أنفسنا.


إنّ كثيرًا من الابتلاءات التي تمرّ بنا ليست عقوبة، وإنما تربية إلهية ترفع أرواحنا إلى مقاماتٍ أعلى، وقد يظن الإنسان في لحظةٍ ما أن الطريق قد أُغلق أمامه، بينما يكون الله في الحقيقة يفتحُ له بابًا أعظم مما تخيّل.


ولهذا كانت قصة هاجر درسًا عظيمًا في معنى التسليم؛ فالإيمان ليس مجرد مشاعر دافئة، بل قدرةٌ على الثبات حين تتعب الروح، وعلى الطاعة حين تتألم النفس، وعلى حسن الظن بالله حين تبدو الصورة كلها غامضة.


لأن الله أمرني!

من أجمل ما تعلّمناه من هاجر أن أعظم سبب يدفع الإنسان لفعل الشيء هو أن يكون الله قد أمر به، فحين يصبح أمرُ الله هو البوصلةَ الكبرى للحياة، تهدأ الحيرة، وتسقط الفوضى، ويستريح القلب من مطاردة رضا الناس (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).


لقد كانت تستطيع أن تغضب، وأن تعاتب، وأن ترفض، لكنها حين علمت أن الأمر من الله سكتت كل الاعتراضات داخلها؛ لأن الأرواح المؤمنة تدرك أن الله لا يختار لعباده إلا الخير، وإن خفيت الحكمة في البداية.


ونحن في زمانٍ صار كثيرٌ من الناس يربطون الطاعةَ بالمصلحة العاجلة، فإذا فهموا الحكمة أطاعوا، وإذا غابت عنهم تثاقلوا، أما أهل الإيمان العميق فإنهم يطيعون؛ لأنهم يثقون بالله قبل أن يفهموا التفصيلاتِ كلَّها؛ ولذلك فإن عبارة: "لأن الله أمرني" ليست كلمة سهلة، بل مقام عظيم من مقامات العبودية؛ مقامٌ يتحرر فيه القلب من عبودية الهوى، ومن خوف الناس، ومن اضطراب التردد، ليعيش في سكينة الامتثال لله وحده.


السعي الذي يحبه الله

علّمتنا هاجر أن الله لا يريد من عباده التواكل، بل يريد منهم السعي الصادق، لم تجلس تنتظر معجزة تنزل من السماء وهي قادرة على الحركة، وإنما قامت تسعى بين الصفا والمروة، تركض مرة، وتمشي مرة، وتصعد وتهبط، وقلبها معلّق بالله، ويأتي هنا حديث ابن عباس السابق؛ إذ يقول:  "... وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ وتَشْرَبُ مِن ذلكَ الماءِ، حتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى -أَوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ- فانْطَلَقَتْ كَراهيةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيها، فَقامَتْ عليه، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذلكَ سَبْعَ مَرّاتٍ -قالَ ابنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: فَذلكَ سَعْيُ النّاسِ بيْنَهُما- فَلَمّا أَشْرَفَتْ على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقالَتْ: صَهٍ -تُرِيدُ نَفْسَها-، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقالَتْ: قدْ أَسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ، فَإِذا هي بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بعَقِبِهِ -أَوْ قالَ: بجَناحِهِ- حتّى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بيَدِها هَكَذا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها وهو يَفُورُ بَعْدَ ما تَغْرِفُ"(2).


إنّ الله كان قادرًا أن يُفجّر زمزم من اللحظة الأولى، لكنه أراد أن يعلّم البشرية كلها أن الفتح يأتي بعد السعي، وأن الأرزاق تُنال بالأخذ بالأسباب مع صدق التوكل، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح).


وكم من إنسان يريد الفرج دون تعب، والنجاح دون مجاهدة، والفتح دون طرق الأبواب، بينما كانت هاجر تركض في الصحراء بكل ما تملك من جهد، رغم أن الظاهر كله يقول: إنه لا ماء هنالك.


لقد تعلّمنا منها أن الله ينظر إلى صدق المحاولة قبل الوصول، وإلى إخلاص القلب أثناء السعي، وأن العبد إذا تحرك لله فتح الله له أبوابًا لم يكن يتصورها.


قد يأتي الفتح من مكانٍ آخر

ومن أعجب الدروس التي تعلّمناها من هاجر أن الإنسان قد يسعى في اتجاه، بينما يأتيه الفتحُ من جهة أخرى تمامًا، لقد كانت تبحث عن الماء بين الصفا والمروة، لكن زمزم تفجرتْ تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يريد أن يقول لنا: اسعوا أنتم بما تستطيعون، أما الفتح الحقيقي فمن عندي أنا، وليس بالضرورة أن يأتي من الطريق الذي تتوقعونه.


وهذا من ألطف أسرار التربية الإلهية؛ لأن الإنسان لو جاءه الخيرُ دائمًا من نفس الباب الذي طرقه لتعلّق بالأسباب أكثر من تعلقه بالله، لكن الله أحيانًا يفاجئ عبده بالعطاء من حيث لا يحتسب، حتى يبقى القلب معلّقًا به وحده (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (سورة الطلاق).


كم من إنسان ظن أن نجاته في وظيفة، فجاءه الفتح من بابٍ آخر، وكم من شخص ظن أن سعادته في أمرٍ معين، فإذا بالله يرزقه خيرًا أعظم لم يكن يتخيله؛ ولذلك فإن المؤمن يسعى، لكنه لا يعبدُ الطريق، بل يعبد ربَّ الطريق.


الفرج قد يتأخر لكنه لا يضيع

علّمتنا هاجر أن الفرج ليس شرطًا أن يأتي في منتصف التعب، بل قد يتأخر حتى تظن أن الجهد قد استُنفد كله، ثم يفتح الله فجأةً أبواب رحمته.


لم ينبع زمزم من أول شوط، ولا من الثاني، ولا الثالث، بل بعد اكتمال السعي كله، وكأن الله يربّي عباده على الصبر الكامل، لا الصبر المؤقت (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155).


وكثير من الناس يتوقفون قبل الفتح بلحظات؛ لأنهم يظنون أن الطرق انتهت، بينما تكون الرحمة على الأبواب؛ ولذلك فإن من أعظم العبادات أن يبقى الإنسان ثابتًا حتى آخر لحظة، وألا ييأس من الله مهما طال الانتظار.


إنّ الله لا ينسى عباده الصادقين، لكنه يختار الوقت الذي يفتح لهم فيه؛ لأن بعض القلوب لا تنضج إلا بالصبر، وبعض الأرواح لا تتطهّر إلا بطول الانتظار.


امرأةٌ خلد الله سعيها

وأخيرًا علّمتني هاجر ألا أقلّل من شأني، وألا يظن أحد أن المرأة لا تستطيع أن تصنع أثرًا خالدًا، فهذه المرأة التي كانت وحدها في الصحراء، جعل الله سعيها شعيرةً من شعائر الحج، يسير عليها الملايين جيلاً بعد جيل، فلم يكن معها سلطان، ولا جيش، ولا مال، لكن كان معها الصدق، والله إذا أحب صدقَ عبدٍ جعل أثره ممتدًا عبر الزمان.


إنّ الخلود الحقيقي ليس أن يعرف الناسُ أسماءنا، بل أن يرضى اللهُ عنا، وأن يجعل لحياتنا أثرًا نافعًا في الأرض، وهاجر - عليها السلام - لم تكتب كتابًا، ولم تخطب في الناس، لكنها كتبت بصدقها درسًا خالدًا في معنى الإيمان؛ ولهذا بقيت سيرتها حيّة في القلوب؛ لأنها لم تكن امرأةً عظيمة في الظاهر فقط، بل كانت عظيمة عند الله، ومن عظُم عند الله عظُم أثره في الدنيا والآخرة.


المقاصد العظمى في قصة هاجر عليها السلام

رغم كل ما تعلمناه من هاجر أعلاه فإن قصة هاجر - عليها السلام - ليست مجرد مشهدٍ مؤثر من مشاهد الصبر الإنساني، بل هي بناءٌ مقاصديٌّ عظيم، تتجلّى فيه حِكَمُ الله في تربية النفوس، وصناعة اليقين، وربط القلوب به سبحانه، فالأحداث في القرآن والسنة لا تُروى لمجرد الحكاية، وإنما لتُنشئ في الإنسان معنى العبودية، وتكشف له سنن الله في الحياة والهداية والتمكين.


ومن يتأمل قصة هاجر يرى أنها تحقّق مقصدًا عظيمًا من مقاصد الإيمان، وهو: تحرير القلب من التعلّق بالأسباب وربطه بمسبّب الأسباب سبحانه؛ فقد جُرّدت المرأة من كل ما يبعث الطمأنينة الظاهرة: لا ماء، ولا زرع، ولا مجتمع، ولا حماية بشرية، ثم تُركت مع رضيعها في وادٍ موحش، وكان من الممكن أن تنهار النفس أمام هذا الفراغ المخيف، لكن الله أراد أن يعلّم البشرية أن القلب إذا امتلأ بالله لم يعد فقر الأسباب سببًا للهزيمة الداخلية.


وفي القصة مقصدٌ آخر جليل، وهو: الجمع بين التوكّل والسعي، فهاجر لم تجلس مستسلمة تنتظر الفرج، ولم تعتمد على الحركة وحدها، وإنما جمعت بين حركة الجوارح وافتقار القلب؛ ولذلك جاء زمزم بعد السعي، ليبقى هذا الدرس خالدًا: أن الله يريد من عباده أن يتحركوا نحوه، وأن يبذلوا ما يستطيعون، ثم يفتح لهم من حيث لا يحتسبون، ومن هنا صار السعي بين الصفا والمروة شعيرةً متكررة؛ لأن الإسلام لا يربّي أتباعه على السكون والعجز، بل على الحركة الممتلئة يقينًا.


ومن المقاصد العظيمة في القصة أيضًا: تربية الإنسان على الصبر الطويل وعدم استعجال الفرج؛ فالماء لم ينبع من أول لحظة، مع أن الله قادر على ذلك، ولكن تأخير الفرج كان جزءًا من التربية الإلهية؛ حتى تتعلّم القلوب أن الثبات عبادة، وأن بعض أبواب الرحمة لا تُفتح إلا بعد اكتمال السعي والصبر والافتقار.


كما تتجلّى في القصة مقاصد الأسرة المؤمنة التي تُبنى على الطاعة لا على الهوى، فإبراهيم عليه السلام، وهاجر، وإسماعيل، كانوا جميعًا جزءًا من مشروع ربانيٍّ يقوم على الامتثال والتسليم؛ ولذلك تحوّلت هذه الأسرة الصغيرة إلى أصلٍ من أصول الهداية في الأرض، وارتبطت بها شعائرُ الحج، وبُنيت في موضعها الكعبة المشرفة، ليبقى أثرُ الطاعة ممتدًّا في حياة الأمة كلها.


ومن المقاصد الباهرة في قصة هاجر كذلك: تكريم المرأة المؤمنة وإبراز دورها في صناعة التاريخ الإيماني؛ فالإسلام لم يجعل المرأة كائنًا تابعًا بلا أثر، بل جعل سعيَ امرأةٍ واحدة عبادةً تتكرر إلى يوم القيامة، وفي ذلك رسالةٌ عميقة: أن القيمة الحقيقية عند الله ليست بالنوع ولا بالمظهر، وإنما بالصدق والإيمان، والقيام بالوظيفة التي أرادها الله للإنسان.


وفي القصة أيضًا مقصد تربوي دقيق، وهو: تعليم الأمة أن الفتح قد يأتي من غير الجهة التي يسعى إليها الإنسان؛ فقد كان سعيُ هاجر بين الصفا والمروة، بينما جاء الماء من تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يربّي عباده على ألا يعبدوا الأسباب، وألا يظنوا أن النتائج مرتبطة دائمًا بالطريق المتوقع، بل المطلوب منهم أن يصدقوا في السعي، أما الفتح فبيد الله وحده.


ثم إنّ القصة كلها تنتهي إلى مقصدٍ جامعٍ عظيم، وهو: أن الصدق مع الله يخلّد الأثر؛ فهاجر - عليها السلام - لم تكن صاحبةَ مُلكٍ ولا سلطان، ولم تترك خلفَها خُطبًا أو مؤلفاتٍ، ولكنها تركتْ صدقًا خالصًا، فخلّد اللهُ ذكرها، وجعل خطواتها شعيرة، وارتبط اسمها بأقدس بقاع الأرض، وهكذا يعلّمنا الله أن الأعمال التي تُصنع بإخلاصٍ صادق قد تتحول إلى نورٍ يمتد أثره عبر القرون.


وهكذا لم تكن هاجرُ عليها السلام امرأةً واجهت محنةً ثم انتهى أثرها، بل كانت مدرسةً ربانيةً كاملة، علَّمت القلوب أن اليقين قد يصنع من الصحراء حياة، وأن السعي الصادق لا يضيع عند الله، وأن الفرج قد يتأخر لكنه يأتي في اللحظة التي يختارها الله بحكمته ورحمته، وفي قصتها تتجلّى مقاصد عظيمة؛ ولذلك بقيت هاجرُ حيّةً في ضمير الإيمان، لا لأن التاريخ حفظ اسمها فحسب، بل لأن الله رفع ذكرها بصدقها، فصار سعيُها درسًا، وصبرُها نورًا، ويقينُها زادًا لكل قلبٍ أرهقته الحياة، حتى كأنها ما زالت تهمسُ في آذان المؤمنين والمؤمنات عبر القرون: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).


الهوامش

1 صحيح البخاري عن ابن عباس (3364)، وهو من أفراد البخاري على مسلم. 

2 صحيح البخاري عن ابن عباس (3364)، وهو من أفراد البخاري على مسلم. 

   اقرأ أيضاً