‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. وصفي عاشور أبو زيد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. وصفي عاشور أبو زيد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 يوليو 2026

هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

هاجر عليها السلام.. المرأة التي حولت الصحراء إلى درس خالد في اليقين

تتحول بعض الشخصيات في التاريخ مجرّد أسماء تُذكر إلى معانٍ حيّة تسكن الوجدان، وتصبح مواقفها نورًا تمشي به الأرواحُ في ظلمات الحياة، ومن أعظم هذه النماذج المباركة السيدة هاجرُ عليها السلام؛ تلك المرأة التي لم يكن معها في الوادي غير رضيعٍ صغير، وقلبٍ ممتلئ بالله، ويقينٍ لا تهزّه الرمال ولا الوحشة ولا الخوف (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37).


لقد شاء الله أن تكون قصتها أكثر من قصة أمٍّ تبحث عن الماء، بل أرادها منهجًا كاملًا في التوكل والسعي والصبر والتسليم (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، حتى صار سعيها عبادةً تتكرر كل يوم على ألسنة الملايين وأقدامهم وقلوبهم، وما ذاك إلا لأن الله إذا أحب عبدًا صادقًا جعل أثره ممتدًّا في الأرض والسماء.


إنّ المتأمل في سيرة هاجر لا يرى امرأةً ضعيفة تُصارع ظروفًا قاسية، بل يرى روحًا ربانية تربّت على الثقة بالله حتى غلب يقينُها قوانينَ الأرض كلها؛ ولذلك بقي ذكرها خالدًا، لا بكثرة الكلام، وإنما بصدق الموقف، فبعض الناس يكتبون أسماءهم بالحبر، وأهل الصدق يكتبهم الله بالنور.


إذًا لن يضيّعنا الله

من أعظم ما تعلّمناه من هاجر عليها السلام أن القلب إذا امتلأ بالله هانت عليه المخاوف كلّها، لقد كانت في موقفٍ يكفي وحده لتحطيم أشدّ النفوس صلابة: وادٍ مقفر، لا ماء فيه ولا بشر، وطفل صغير يصرخ من العطش، وزوجٌ يغادر المكان امتثالًا لأمر الله، ومع ذلك لم يكن أول ما خرج من قلبها صراخ الاعتراض، وإنما سؤال اليقين: "آللَّهُ أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيّعنا"(1).


فلما علمت أن الأمر من الله، تبدّل المشهد كلّه في قلبها، وقالت كلمتها التي ينبغي أن تبقى زادًا لكل خائف: "إذًا لا يضيّعنا". يا الله… 

ما أعظم هذه العبارة، وما أوسع أبواب الطمأنينة التي تحملها، لم تقل: كيف سنعيش؟ ولم تقل: من أين يأتي الطعام؟ ولم تسأل عن تفاصيل النجاة؛ لأنها عرفت أصل الحقيقة: أن من كان الله معه فلن يضيعه الله.


وفي حياتنا صحارى كثيرة لا تقلّ قسوة عن صحراء مكة؛ صحارى الفقد، والخذلان، والمرض، والقلق، والغربة، وضيق الرزق، وتعثّر الأحلام. 

وكثيرًا ما يقف الإنسان أمامها مرتجفًا لأنه ينظر إلى قلة الأسباب، بينما كانت هاجر تنظر إلى عظمة رب الأسباب. 

وهنا يكمن الفرق بين من يعيش بعينه، ومن يعيش بقلبه قال تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ) (الملك: 15).


لقد علّمتنا هاجر أن اليقين ليس كلامًا يُقال في أوقات الراحة، وإنما نورٌ يظهر حين تنطفئ الأنوار كلها، وأن المؤمن الحقيقي ليس من لا يخاف، بل من يغلب خوفه بثقته بالله؛ ولذلك كانت تلك المرأة وحدها أمةً كاملة من السكينة في قلب الصحراء.


البيت الذي تحرسه التقوى لا يضيع

علّمتني هاجر أن البيت لا تقوم أركانه بالأثاث والجدران وحدها، وإنما تقوم أولًا بالإيمان، فقد يغيب الرجل عن بيته لسببٍ من الأسباب، وقد تضيق الأحوال، وقد تشتدّ الظروف، لكن المرأة المؤمنة تستطيع أن تحرس بيتها بالله، وأن تصنع من قلبها وطنًا آمنًا لمن حولها، وهذا درس لأسر الأسرى والمعتقلين في فلسطين وعالمنا.


لم تكن هاجر تملك أسباب الاستقرار الظاهرة، لكنها كانت تملك ما هو أعظم من ذلك: قلبًا موصولًا بالله؛ ولذلك لم يتحول غياب إبراهيم عليه السلام إلى انهيار، بل صار بابًا لظهور معدنها الإيماني العظيم، فلقد بقيت وحدها مع رضيعها، ولكنها لم تستسلم للذعر؛ لأن الأرواح التي تتوكّل على الله لا تسقط بسهولة.


وكم من البيوت اليوم تمتلئ بالناس لكنها فارغة من السكينة والمودة والرحمة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم: 21)؛ لأن الإيمان غائب عنها، وكم من بيتٍ صغيرٍ قليل الإمكانات لكنه ممتلئ رحمةً وطمأنينة لأن فيه قلبًا يعرف الله.. إنّ السعادة الحقيقية ليست فيما نملك، بل فيمن نتوكّل عليه.


وهاجر عليها السلام تعلّم النساء أنهن لسن كائنات هامشية في صناعة الحياة، بل قد تكون المرأة المؤمنة سببَ نجاة أسرة كاملة، بل أمة كاملة؛ فهذه المرأة التي كانت وحدها في الوادي، صار أثرها جزءًا من شعائر الإسلام إلى يوم القيامة، وما ذلك إلا لأن الله يرفع من صدق معه، ولو كان وحيدًا لا يملك شيئًا من زخارف الدنيا.


الطريق إلى الله ليس دائمًا كما نحب

علّمتنا هاجر أن الطريق إلى الله لا يسير دائمًا وفق ما تهواه النفوس، فبعض الناس يظنون أن الإيمانَ الحقيقيَّ يعني أن تُفتحَ الطرقُ بسهولة، وأن تأتيَ الطاعةُ موافقةً للرغبات، بينما الحقيقة أن أعظم أبواب القرب إلى الله قد تمرّ عبر المشقة والتضحية والصبر.


لم يكن فراق الزوج سهلًا على هاجر، ولم يكن ترك الولد في الصحراء هيّنًا على إبراهيم - عليه السلام - لكنهم أدركوا أن العبودية ليست أن نعبد الله حين توافق أوامرُه رغباتِنا فقط، بل أن نعبده لأنه ربنا، ولأنه أعلمُ بنا من أنفسنا.


إنّ كثيرًا من الابتلاءات التي تمرّ بنا ليست عقوبة، وإنما تربية إلهية ترفع أرواحنا إلى مقاماتٍ أعلى، وقد يظن الإنسان في لحظةٍ ما أن الطريق قد أُغلق أمامه، بينما يكون الله في الحقيقة يفتحُ له بابًا أعظم مما تخيّل.


ولهذا كانت قصة هاجر درسًا عظيمًا في معنى التسليم؛ فالإيمان ليس مجرد مشاعر دافئة، بل قدرةٌ على الثبات حين تتعب الروح، وعلى الطاعة حين تتألم النفس، وعلى حسن الظن بالله حين تبدو الصورة كلها غامضة.


لأن الله أمرني!

من أجمل ما تعلّمناه من هاجر أن أعظم سبب يدفع الإنسان لفعل الشيء هو أن يكون الله قد أمر به، فحين يصبح أمرُ الله هو البوصلةَ الكبرى للحياة، تهدأ الحيرة، وتسقط الفوضى، ويستريح القلب من مطاردة رضا الناس (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28).


لقد كانت تستطيع أن تغضب، وأن تعاتب، وأن ترفض، لكنها حين علمت أن الأمر من الله سكتت كل الاعتراضات داخلها؛ لأن الأرواح المؤمنة تدرك أن الله لا يختار لعباده إلا الخير، وإن خفيت الحكمة في البداية.


ونحن في زمانٍ صار كثيرٌ من الناس يربطون الطاعةَ بالمصلحة العاجلة، فإذا فهموا الحكمة أطاعوا، وإذا غابت عنهم تثاقلوا، أما أهل الإيمان العميق فإنهم يطيعون؛ لأنهم يثقون بالله قبل أن يفهموا التفصيلاتِ كلَّها؛ ولذلك فإن عبارة: "لأن الله أمرني" ليست كلمة سهلة، بل مقام عظيم من مقامات العبودية؛ مقامٌ يتحرر فيه القلب من عبودية الهوى، ومن خوف الناس، ومن اضطراب التردد، ليعيش في سكينة الامتثال لله وحده.


السعي الذي يحبه الله

علّمتنا هاجر أن الله لا يريد من عباده التواكل، بل يريد منهم السعي الصادق، لم تجلس تنتظر معجزة تنزل من السماء وهي قادرة على الحركة، وإنما قامت تسعى بين الصفا والمروة، تركض مرة، وتمشي مرة، وتصعد وتهبط، وقلبها معلّق بالله، ويأتي هنا حديث ابن عباس السابق؛ إذ يقول:  "... وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ وتَشْرَبُ مِن ذلكَ الماءِ، حتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ وعَطِشَ ابنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى -أَوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ- فانْطَلَقَتْ كَراهيةَ أَنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أَقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيها، فَقامَتْ عليه، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِيَ تَنْظُرُ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حتّى إذا بَلَغَتِ الوادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ حتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ: هلْ تَرى أَحَدًا؟ فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذلكَ سَبْعَ مَرّاتٍ -قالَ ابنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ: فَذلكَ سَعْيُ النّاسِ بيْنَهُما- فَلَمّا أَشْرَفَتْ على المَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقالَتْ: صَهٍ -تُرِيدُ نَفْسَها-، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقالَتْ: قدْ أَسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غِواثٌ، فَإِذا هي بالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بعَقِبِهِ -أَوْ قالَ: بجَناحِهِ- حتّى ظَهَرَ الماءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بيَدِها هَكَذا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها وهو يَفُورُ بَعْدَ ما تَغْرِفُ"(2).


إنّ الله كان قادرًا أن يُفجّر زمزم من اللحظة الأولى، لكنه أراد أن يعلّم البشرية كلها أن الفتح يأتي بعد السعي، وأن الأرزاق تُنال بالأخذ بالأسباب مع صدق التوكل، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح).


وكم من إنسان يريد الفرج دون تعب، والنجاح دون مجاهدة، والفتح دون طرق الأبواب، بينما كانت هاجر تركض في الصحراء بكل ما تملك من جهد، رغم أن الظاهر كله يقول: إنه لا ماء هنالك.


لقد تعلّمنا منها أن الله ينظر إلى صدق المحاولة قبل الوصول، وإلى إخلاص القلب أثناء السعي، وأن العبد إذا تحرك لله فتح الله له أبوابًا لم يكن يتصورها.


قد يأتي الفتح من مكانٍ آخر

ومن أعجب الدروس التي تعلّمناها من هاجر أن الإنسان قد يسعى في اتجاه، بينما يأتيه الفتحُ من جهة أخرى تمامًا، لقد كانت تبحث عن الماء بين الصفا والمروة، لكن زمزم تفجرتْ تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يريد أن يقول لنا: اسعوا أنتم بما تستطيعون، أما الفتح الحقيقي فمن عندي أنا، وليس بالضرورة أن يأتي من الطريق الذي تتوقعونه.


وهذا من ألطف أسرار التربية الإلهية؛ لأن الإنسان لو جاءه الخيرُ دائمًا من نفس الباب الذي طرقه لتعلّق بالأسباب أكثر من تعلقه بالله، لكن الله أحيانًا يفاجئ عبده بالعطاء من حيث لا يحتسب، حتى يبقى القلب معلّقًا به وحده (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (سورة الطلاق).


كم من إنسان ظن أن نجاته في وظيفة، فجاءه الفتح من بابٍ آخر، وكم من شخص ظن أن سعادته في أمرٍ معين، فإذا بالله يرزقه خيرًا أعظم لم يكن يتخيله؛ ولذلك فإن المؤمن يسعى، لكنه لا يعبدُ الطريق، بل يعبد ربَّ الطريق.


الفرج قد يتأخر لكنه لا يضيع

علّمتنا هاجر أن الفرج ليس شرطًا أن يأتي في منتصف التعب، بل قد يتأخر حتى تظن أن الجهد قد استُنفد كله، ثم يفتح الله فجأةً أبواب رحمته.


لم ينبع زمزم من أول شوط، ولا من الثاني، ولا الثالث، بل بعد اكتمال السعي كله، وكأن الله يربّي عباده على الصبر الكامل، لا الصبر المؤقت (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 153)، (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155).


وكثير من الناس يتوقفون قبل الفتح بلحظات؛ لأنهم يظنون أن الطرق انتهت، بينما تكون الرحمة على الأبواب؛ ولذلك فإن من أعظم العبادات أن يبقى الإنسان ثابتًا حتى آخر لحظة، وألا ييأس من الله مهما طال الانتظار.


إنّ الله لا ينسى عباده الصادقين، لكنه يختار الوقت الذي يفتح لهم فيه؛ لأن بعض القلوب لا تنضج إلا بالصبر، وبعض الأرواح لا تتطهّر إلا بطول الانتظار.


امرأةٌ خلد الله سعيها

وأخيرًا علّمتني هاجر ألا أقلّل من شأني، وألا يظن أحد أن المرأة لا تستطيع أن تصنع أثرًا خالدًا، فهذه المرأة التي كانت وحدها في الصحراء، جعل الله سعيها شعيرةً من شعائر الحج، يسير عليها الملايين جيلاً بعد جيل، فلم يكن معها سلطان، ولا جيش، ولا مال، لكن كان معها الصدق، والله إذا أحب صدقَ عبدٍ جعل أثره ممتدًا عبر الزمان.


إنّ الخلود الحقيقي ليس أن يعرف الناسُ أسماءنا، بل أن يرضى اللهُ عنا، وأن يجعل لحياتنا أثرًا نافعًا في الأرض، وهاجر - عليها السلام - لم تكتب كتابًا، ولم تخطب في الناس، لكنها كتبت بصدقها درسًا خالدًا في معنى الإيمان؛ ولهذا بقيت سيرتها حيّة في القلوب؛ لأنها لم تكن امرأةً عظيمة في الظاهر فقط، بل كانت عظيمة عند الله، ومن عظُم عند الله عظُم أثره في الدنيا والآخرة.


المقاصد العظمى في قصة هاجر عليها السلام

رغم كل ما تعلمناه من هاجر أعلاه فإن قصة هاجر - عليها السلام - ليست مجرد مشهدٍ مؤثر من مشاهد الصبر الإنساني، بل هي بناءٌ مقاصديٌّ عظيم، تتجلّى فيه حِكَمُ الله في تربية النفوس، وصناعة اليقين، وربط القلوب به سبحانه، فالأحداث في القرآن والسنة لا تُروى لمجرد الحكاية، وإنما لتُنشئ في الإنسان معنى العبودية، وتكشف له سنن الله في الحياة والهداية والتمكين.


ومن يتأمل قصة هاجر يرى أنها تحقّق مقصدًا عظيمًا من مقاصد الإيمان، وهو: تحرير القلب من التعلّق بالأسباب وربطه بمسبّب الأسباب سبحانه؛ فقد جُرّدت المرأة من كل ما يبعث الطمأنينة الظاهرة: لا ماء، ولا زرع، ولا مجتمع، ولا حماية بشرية، ثم تُركت مع رضيعها في وادٍ موحش، وكان من الممكن أن تنهار النفس أمام هذا الفراغ المخيف، لكن الله أراد أن يعلّم البشرية أن القلب إذا امتلأ بالله لم يعد فقر الأسباب سببًا للهزيمة الداخلية.


وفي القصة مقصدٌ آخر جليل، وهو: الجمع بين التوكّل والسعي، فهاجر لم تجلس مستسلمة تنتظر الفرج، ولم تعتمد على الحركة وحدها، وإنما جمعت بين حركة الجوارح وافتقار القلب؛ ولذلك جاء زمزم بعد السعي، ليبقى هذا الدرس خالدًا: أن الله يريد من عباده أن يتحركوا نحوه، وأن يبذلوا ما يستطيعون، ثم يفتح لهم من حيث لا يحتسبون، ومن هنا صار السعي بين الصفا والمروة شعيرةً متكررة؛ لأن الإسلام لا يربّي أتباعه على السكون والعجز، بل على الحركة الممتلئة يقينًا.


ومن المقاصد العظيمة في القصة أيضًا: تربية الإنسان على الصبر الطويل وعدم استعجال الفرج؛ فالماء لم ينبع من أول لحظة، مع أن الله قادر على ذلك، ولكن تأخير الفرج كان جزءًا من التربية الإلهية؛ حتى تتعلّم القلوب أن الثبات عبادة، وأن بعض أبواب الرحمة لا تُفتح إلا بعد اكتمال السعي والصبر والافتقار.


كما تتجلّى في القصة مقاصد الأسرة المؤمنة التي تُبنى على الطاعة لا على الهوى، فإبراهيم عليه السلام، وهاجر، وإسماعيل، كانوا جميعًا جزءًا من مشروع ربانيٍّ يقوم على الامتثال والتسليم؛ ولذلك تحوّلت هذه الأسرة الصغيرة إلى أصلٍ من أصول الهداية في الأرض، وارتبطت بها شعائرُ الحج، وبُنيت في موضعها الكعبة المشرفة، ليبقى أثرُ الطاعة ممتدًّا في حياة الأمة كلها.


ومن المقاصد الباهرة في قصة هاجر كذلك: تكريم المرأة المؤمنة وإبراز دورها في صناعة التاريخ الإيماني؛ فالإسلام لم يجعل المرأة كائنًا تابعًا بلا أثر، بل جعل سعيَ امرأةٍ واحدة عبادةً تتكرر إلى يوم القيامة، وفي ذلك رسالةٌ عميقة: أن القيمة الحقيقية عند الله ليست بالنوع ولا بالمظهر، وإنما بالصدق والإيمان، والقيام بالوظيفة التي أرادها الله للإنسان.


وفي القصة أيضًا مقصد تربوي دقيق، وهو: تعليم الأمة أن الفتح قد يأتي من غير الجهة التي يسعى إليها الإنسان؛ فقد كان سعيُ هاجر بين الصفا والمروة، بينما جاء الماء من تحت قدم إسماعيل عليه السلام، وكأن الله يربّي عباده على ألا يعبدوا الأسباب، وألا يظنوا أن النتائج مرتبطة دائمًا بالطريق المتوقع، بل المطلوب منهم أن يصدقوا في السعي، أما الفتح فبيد الله وحده.


ثم إنّ القصة كلها تنتهي إلى مقصدٍ جامعٍ عظيم، وهو: أن الصدق مع الله يخلّد الأثر؛ فهاجر - عليها السلام - لم تكن صاحبةَ مُلكٍ ولا سلطان، ولم تترك خلفَها خُطبًا أو مؤلفاتٍ، ولكنها تركتْ صدقًا خالصًا، فخلّد اللهُ ذكرها، وجعل خطواتها شعيرة، وارتبط اسمها بأقدس بقاع الأرض، وهكذا يعلّمنا الله أن الأعمال التي تُصنع بإخلاصٍ صادق قد تتحول إلى نورٍ يمتد أثره عبر القرون.


وهكذا لم تكن هاجرُ عليها السلام امرأةً واجهت محنةً ثم انتهى أثرها، بل كانت مدرسةً ربانيةً كاملة، علَّمت القلوب أن اليقين قد يصنع من الصحراء حياة، وأن السعي الصادق لا يضيع عند الله، وأن الفرج قد يتأخر لكنه يأتي في اللحظة التي يختارها الله بحكمته ورحمته، وفي قصتها تتجلّى مقاصد عظيمة؛ ولذلك بقيت هاجرُ حيّةً في ضمير الإيمان، لا لأن التاريخ حفظ اسمها فحسب، بل لأن الله رفع ذكرها بصدقها، فصار سعيُها درسًا، وصبرُها نورًا، ويقينُها زادًا لكل قلبٍ أرهقته الحياة، حتى كأنها ما زالت تهمسُ في آذان المؤمنين والمؤمنات عبر القرون: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).


الهوامش

1 صحيح البخاري عن ابن عباس (3364)، وهو من أفراد البخاري على مسلم. 

2 صحيح البخاري عن ابن عباس (3364)، وهو من أفراد البخاري على مسلم. 

   اقرأ أيضاً   






الأحد، 12 يوليو 2026

منارات الأناضول.. مشروع جديد يعيد العلم والحكمة لمساجد تركيا

منارات الأناضول.. مشروع جديد يعيد العلم والحكمة لمساجد تركيا



ليست الاستثمارات الاقتصادية وحدها هي التي تصنع مستقبل الأمم، فالقوة الحقيقية لأي شعب إنما تقوم على أسرة متماسكة، وتعليم راسخ، وثقافة أصيلة، ووعي يتغذى من العلم الصحيح والمعرفة الموثوقة؛ ولهذا، فإن بعض المشاريع لا تقتصر آثارها على تلبية احتياجات الحاضر، بل تمتد لتسهم في صناعة مستقبل الوطن والأجيال.

ومن هذا المنطلق، نرى أن مشروع "حلقات العلم والحكمة" الذي أطلقته رئاسة الشؤون الدينية التركية (Diyanet)، ليس مجرد برنامج تعليمي جديد، وإنما هو مشروع حضاري بامتياز، يستحق كل تقدير ودعم ومساندة؛ ولهذا جاءت هذه الكلمات؛ وفاءً بواجب الشكر، وإيمانًا بضرورة تشجيع المبادرات النافعة، ودعوةً صادقة، ولا سيما إلى أساتذة الكليات الشرعية وكليات الإلهيات وأهل العلم، ليكونوا شركاء في هذا الخير الكبير، فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، وما كان نافعًا للناس، ومُسهمًا في بناء الإنسان، جديرٌ بأن تتضافر الجهود لإنجاحه وتعزيزه.

ما مشروع "حلقات العلم والحكمة"؟

يقوم مشروع "حلقات العلم والحكمة"، الذي أطلقته رئاسة الشؤون الدينية التركية (Diyanet) ضمن مشروعها الأكبر "لنلتقِ في المسجد.. قلب المدن"، على تنظيم حلقات علمية منتظمة في المساجد، يشارك في تقديمها أساتذة كليات الإلهيات والعلوم الإسلامية، وأساتذة أكاديمية ديانت، ومعاهد التخصص الديني، بهدف تدريس علوم الشريعة المختلفة، كالتفسير، والحديث، والفقه، والعقيدة، والسيرة، والتصوف، وغيرها من العلوم، في إطار علمي رصين، وبمنهجية منتظمة، تراعي احتياجات المجتمع المعاصر، وتربط بين أصالة التراث ومتطلبات الواقع.
ولا يقف المشروع عند حدود تقديم دروس دينية للجمهور، بل يتجاوز ذلك إلى بناء جسر مؤسسي متين بين الجامعة والمسجد، وبين الأكاديميين والمجتمع، بما يعيد للمسجد دوره التاريخي بوصفه منارةً للعلم، وبما يُفعِّل دور الأكاديميين والعلماء مسجديًّا ومجتمعيًّا، ويجعل المعرفة الشرعية الموثوقة أقرب إلى الناس، ولا سيما الشباب، في زمن تتسارع فيه مصادر التلقي، وتزداد فيه الحاجة إلى المرجعية العلمية الرصينة.
ومن هنا، فإن قيمة هذا المشروع لا تكمن في كونه برنامجًا تعليميًا جديدًا فحسب، وإنما في الرؤية الحضارية التي ينطلق منها، والرسالة العلمية والمجتمعية التي يسعى إلى تحقيقها، وهو ما يدعونا إلى التوقف عنده، والإشادة به، والدعوة إلى دعمه وتعزيزه.

خطوة تركية جاءت في وقتها

لم يعد الوصول إلى المعلومات أمرًا صعبًا في عصرنا، لكن الوصول إلى المعرفة الصحيحة أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى، فمنصات التواصل الاجتماعي، والفضاء الرقمي المفتوح، والتدفق الهائل للمحتوى، غيَّرت الطريقة التي يتلقى بها الشباب معارفهم الدينية، وأصبح كثير منهم يتعلم دينه من شاشة الهاتف قبل أن يتلقاه في المسجد أو الجامعة.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى مصادر موثوقة، وعلماء متخصصين، وحلقات علم منتظمة تقدم المعرفة الصحيحة بلغة علمية رصينة وأسلوب تربوي قريب من الناس، ومن هذه الزاوية تحديدًا تتجلى قيمة مشروع حلقات العلم والحكمة؛ إذ يعكس قدرة رئاسة الشؤون الدينية على قراءة تحولات العصر، واستيعاب حاجات المجتمع، والاستجابة لها برؤية بعيدة المدى.فهذا المشروع ليس مجرد نشاط تعليمي إضافي، بل هو خطوة لإعادة المعرفة الدينية الموثوقة إلى قلب الحياة، وإحياء الدور العلمي للمسجد، وبناء جسر جديد بين الجامعة والمجتمع.

ضرورة عودة المسجد إلى رسالته العلمية

لم يكن المسجد في حضارتنا الإسلامية يومًا مكانًا للصلاة فحسب، بل كان مدرسةً للعلم، وملتقىً للفكر، ومجلسًا للحكمة، وفي رحابه كان العلماء يجلسون إلى الناس، يتدارسون القرآن والسنة، ويجيبون عن الأسئلة، ويغرسون القيم، ويُخرِّجون الأجيال.
واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الرسالة العريقة؛ فالمسجد الذي يعمر بالعلم، لا يقتصر أثره على رواده، بل يمتد أثره إلى الأسرة، والحي، والمدينة، بل إلى المجتمع بأسره، ومن هنا، فإن مشروع حلقات العلم والحكمة لا يسعى إلى استعادة الماضي كما هو، وإنما يعمل على إحياء تقليد علمي أصيل، في صورة معاصرة، تستجيب لمتطلبات زماننا، وتفتح للمسجد آفاقًا جديدة في خدمة المجتمع.

أعظم ما يميز المشروع التركي

ولعل أكثر ما يلفت النظر في هذا المشروع أنه لا يكتفي بتفعيل دور المسجد، بل يفتح كذلك طريقًا جديدًا للتواصل بين الجامعة والمجتمع، فأساتذة كليات الإلهيات، ومدرسو أكاديمية ديانت، وأساتذة معاهد التخصص الديني، لن يبقوا داخل القاعات الجامعية وحدها، وإنما سينتقل علمهم أيضًا إلى بيوت الله، حيث يلتقون بالشباب، والطلاب، وأفراد المجتمع، في حلقات علم منتظمة.
وهذا ليس مجرد ترتيب إداري، بل هو رؤية حضارية عميقة؛ تعيد العلم إلى بيئته الطبيعية، وتجعل الجامعة أكثر قربًا من الناس، وتتيح للأجيال الصاعدة أن تتلقى العلم مباشرة من أهله؛ فحين يسير أستاذ الجامعة إلى المسجد، فإن الذي ينتقل في الحقيقة ليس شخصه فقط، بل ينتقل معه رصيد من المعرفة والخبرة والتجربة، ليصبح في متناول المجتمع كله.

ليست دعوة فحسب.. بل مسؤولية علمية

يعد مشروع حلقات العلم والحكمة من أكثر المشاريع التي تعني الوسط الأكاديمي، ولا سيما كليات الإلهيات في تركيا؛ لأنه يسعى إلى نقل الثروة العلمية التي تراكمت في الجامعات عبر سنوات طويلة من البحث والتدريس إلى المجتمع مباشرة، وليس ثمة مهمة أقرب إلى رسالة الأستاذ الجامعي من هذه المهمة، فالعلم لا يؤدي وظيفته كاملة إذا بقي حبيس المقالات العلمية، أو الرسائل الجامعية، أو قاعات المؤتمرات، وإنما تكتمل رسالته حين يلامس حياة الناس، ويجيب عن أسئلتهم، ويسهم في بناء وعي الأجيال.
واليوم، يمتلك أساتذة كليات الإلهيات رصيدًا علميًّا وخبرةً معرفية واسعة، ومن الطبيعي أن يكون المسجدُ أحدَ أهم الميادين التي تُقدَّم فيها هذه الثمرة العلمية للمجتمع، وهنا تبرز قيمة مشروع حلقات العلم والحكمة؛ إذ يهيئ بيئة يلتقي فيها الأستاذُ الجامعي بالمواطن، والعالمُ بالطالب، والكتاب بالحياة؛ ولهذا فإن هذا المشروع لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مبادرة تخص رئاسة الشؤون الدينية وحدها، بل هو مشروع مشترك، يستحق أن تتبناه الأسرة الأكاديمية كلُّها، وأن تسهم في إنجاحه بكل ما تملك من خبرة وإمكانات.

المجتمع بحاجة إلى الجامعة.. والجامعة بحاجة إلى المجتمع

كلما اقتربت الجامعة من المجتمع، ازدادت أبحاثها حيوية، وازدادت قدرتها على معالجة الواقع، وفي المقابل، كلما ابتعد المجتمع عن المؤسسات العلمية، ازدادت حاجته إلى مصادر موثوقة توجهه وتجيب عن أسئلته؛ ولذلك تأتي أهمية حلقات العلم والحكمة؛ فهي تعيد وصل هذين العالمين من جديد؛ فعلى جانب، يقف الأكاديميون الذين أفنوا أعمارهم في البحث والتدريس، وعلى الجانب الآخر، يقف الشباب، والأسر، ورواد المساجد، وكل من يتطلع إلى المعرفة الصحيحة.
وهذا اللقاء لن يكون مجرد درس يُلقى، بل سيكون حوارًا حيًّا، يتعلم فيه الطرفان معًا، فالأستاذ الجامعي يتعرف عن قرب إلى قضايا المجتمع وأسئلته، بينما يجد المجتمع فرصة ثمينة لتلقي العلم من أهله، في بيئة علمية رصينة، وبهذا تؤدي الجامعات رسالتها المجتمعية على أكمل وجه، كما تتعزز الخدمات الدينية بما تمتلكه المؤسسات الأكاديمية من عمق علمي وخبرة تخصصية.

ملاذ آمن لشباب يبحثون عن المعرفة الصحيحة

لم تعد المشكلة اليوم في قلة المعلومات، بل في كثرتها، وفي صعوبة التمييز بين الصحيح منها والزائف، فقد أتاح العالم الرقمي كمًا هائلًا من المحتوى، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام فوضى معرفية واسعة، ولا سيما في المجال الديني، حيث تنتشر آراء وتفسيرات يصدر كثير منها عن غير المختصين.
ولهذا أصبح الشبابُ في أمسّ الحاجة إلى بيئات علمية موثوقة، يتلقون فيها العلم على أيدي أهله، ويجدون فيها من يجيب عن أسئلتهم، ويصحح مفاهيمهم، ويغرس فيهم المنهج العلمي الرصين؛ ومن هنا فإن الدروس المنتظمة التي يقدمها الأكاديميون وأساتذة التخصص ضمن حلقات العلم والحكمة لن تكون مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات، بل ستكون فضاءً تربويًا آمنًا، يتعلم فيه الشباب كيف يفكرون، وكيف يقرأون، وكيف يفهمون دينهم فهمًا صحيحًا ومتوازنًا، وهذا، في تقديرنا، هو أحد أعظم مكاسب المشروع؛ فهو لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يبني الثقة، ويعزز الانتماء، ويقيم صلةً متينة بين الأجيال الصاعدة وبين العلم الشرعي الأصيل.

أهمية عودة المسجد مركزًا للعلم

إن حيوية المسجد لا تقاس بكثرة رواده في أوقات الصلاة فحسب، وإنما بما يحتضنه من علم، وما يشيعه من حكمة، وما يسهم به في بناء الإنسان؛ فالمساجد التي تنتظم فيها حلقات العلم تتحول مع مرور الوقت إلى مراكز إشعاع ثقافي وتربوي، يقصدها الناس لا للصلاة وحدها، بل للتعلم، والحوار، والاستشارة، والارتقاء الفكري والروحي.
ومن هنا فإننا نؤمن بأن حلقات العلم والحكمة قادرة - إذا حظيت بالدعم والمشاركة - على أن تخلق في مختلف أنحاء تركيا بيئة علمية جديدة، تعيد إلى المسجد شيئًا من رسالته التاريخية، وتجعله مرة أخرى منارةً للعلم، كما كان عبر القرون؛ فالعلم، إذا وجد المكان المناسب، لا يغير الأفراد وحدهم، بل يغير المجتمعات بأسرها.

لقد حان وقت الإسهام والمشاركة

لا شك أن هذا المشروع ليس مشروعًا يمكن لرئاسة الشؤون الدينية أن تنهض به وحدها، فالأهداف الكبرى لا تتحقق إلا عندما تجتمع المؤسسات، والجامعات، والعلماء، والمجتمع حول رؤية واحدة ورسالة مشتركة، ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع.
ينبغي لكليات الإلهيات أن تنظر إلى هذا المشروع بوصفه امتدادًا طبيعيًّا لرسالتها الأكاديمية، وأن ترى فيه ميدانًا حقيقيًا لتفعيل دورها المجتمعي، كما ينبغي لأكاديمية ديانت، ولمعاهد التخصص الديني، أن تسهم بما تمتلكه من خبرات علمية ورصيد معرفي في إثراء هذه الحلقات وتعزيز أثرها.
أما الأكاديميون، فإن مشاركتهم في هذه الحلقات ليست مجرد نشاط تعليمي إضافي، بل هي أداء لرسالة العلم، وأمانة المعرفة، ووفاء للمسؤولية التي يحملها كل من آتاه الله علمًا ينتفع به الناس؛ فالجامعة لا تُقاس مكانتها بعدد ما تنشره من بحوث فحسب، وإنما كذلك بما تقدمه لمجتمعها من علم نافع، وبما تسهم به في بناء الإنسان وصناعة الوعي.

أعظم استثمار هو الاستثمار في الإنسان

تسير تركيا اليوم بخطى واثقة نحو مستقبل أكثر تقدمًا في مجالات التعليم والبحث العلمي والتقنية والثقافة، غير أن نجاح هذه المسيرة يحتاج، إلى جانب كل ذلك، إلى بناء الإنسان؛ الإنسان الذي يجمع بين العلم والقيم، وبين المعرفة والحكمة، وبين التخصص والانتماء الحضاري.
ولذلك تبرز الأهمية الاستراتيجية لمشروع حلقات العلم والحكمة؛ فهذا المشروع لا يستثمر في المباني، وإنما يستثمر في العقول، ولا يركز على البرامج المؤقتة، وإنما يراهن على صناعة الأجيال، ولا ينظر إلى الحاضر وحده، بل يمد بصره إلى المستقبل.
فلعل حلقة علم صغيرة تُعقد اليوم في أحد المساجد، تكون بعد سنوات سببًا في إعداد عالم، أو أستاذ جامعة، أو مفتي، أو معلم، أو شاب واعٍ يحمل رسالة العلم إلى مجتمعه، وهكذا تُبنى الحضارات؛ بخطوات هادئة، لكنها ثابتة وعميقة الأثر.

شكر.. ودعوة صادقة

إننا نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية على هذه المبادرة الموفقة، التي تعكس رؤية بعيدة المدى، ووعيًا عميقًا بحاجات المجتمع، وإدراكًا لأهمية إعادة وصل المسجد بالجامعة، وربط المعرفة الأكاديمية بالحياة اليومية للناس، وهو أمر ندعو أن تحتذيه وزارات الأوقاف والشئون الإسلامية في عالمنا العربي.

ونحن على يقين بأن هذا المشروع سيكون - بإذن الله - أحد المشاريع الرائدة التي ستسهم في إحياء تقاليد العلم الراسخ، وتعزيز الدور التربوي للمساجد، وبناء جسور دائمة بين الجامعات والمجتمع، وأملنا ألا تبقى هذه الحلقات تجربة محدودة، بل أن تمتد إلى جميع ولايات تركيا، وأن تتحول مع مرور الزمن إلى تقليد علمي راسخ، ينهل منه جيل بعد جيل.

لقد كانت المساجدُ في حضارتنا الإسلامية مدارس للإيمان، ومنارات للعلم، ومصانع للرجال، وربما آن الأوان اليوم لأن نستعيد هذه الرسالة من جديد .. آن الأوان أن نردم المسافة بين الجامعة والمسجد، وأن نقرّب العلماء من الناس، والناس من العلماء، وأن نتيح لشبابنا أن ينهلوا من العلم الصحيح، في بيئة إيمانية تجمع بين المعرفة والحكمة، وربما كان هذا هو المعنى الأعمق لمشروع حلقات العلم والحكمة.

يقول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، ونحن نؤمن أن هذا المشروع صورة مشرقة من صور التعاون على البر والتقوى في زماننا، فلنكتفِ بالإعجاب به من بعيد، ولنكن جزءًا منه، ونشارك في إنجاحه، ولنعمل معًا على أن تبقى مساجدنا عامرة بالصلاة، وعامرة كذلك بالعلم والحكمة؛ فالعلم إذا انتشر أثمر، والحكمة إذا شاعت أصلحت، والمساجد إذا عادت مناراتٍ للعلم عاد المجتمعُ كله أكثر رسوخًا في هويته، وأكثر ثقةً بدينه، وأكثر قدرةً على صناعة مستقبله.



الثلاثاء، 7 يوليو 2026

هل جزاءُ الإحسانِ إلا الموت في العتمة؟ أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية قبل فوات الأوان

هل جزاءُ الإحسانِ إلا الموت في العتمة؟
أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية قبل فوات الأوان


د. وصفي عاشور أبو زيد



في زاوية معتمة من زنازين “راكيفيت” القابعة تحت الأرض في سجن “نيتسان“، حيث يُحجب الضوء ويُداس الضمير الإنساني، يَلفظ أحدُ أنبل أطباء فلسطين أنفاسه الأخيرة: الدكتور حسام أبو صفية؛ ذلك الطبيب الذي سهر الليالي ليداوي جراح الأطفال الخدج والمصابين تحت واهج القصف في شمال غزة، يُساق اليوم بأصفاده وزيّه الطبي الأبيض إلى مقصلة “الاغتيال المؤجل“؛ حيث لم يكن جرمه إلا أنه آمن بقدسية مهنته، وامتثل لأمر ربه في إغاثة الملهوف وصون النفس البشرية، رافضاً أن يترك مرضاه لقمة سائغة للموت والدمار.

اليوم، لم يعد الوقت ترفاً، بل بات يُقاس بالأنفاس المتهدجة لقامة علمية وإنسانية تواجه شبح الموت المحقق تحت سياط التعذيب الممنهج، إنها صرخة نطلقها إلى ضمير العالم المثقل بالصمت، مستحضرين قيم السماء العادلة التي جعلت من إنقاذ النفس الواحدة إحياءً للبشرية جمعاء، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” [المائدة: 32] .

صمودٌ في وجه الإبادة.. حين يكون الوفاء للمرضى تهمة


لم يكن الدكتور حسام مجرد مدير لمستشفى “كمال عدوان“، بل كان شريان الحياة الأخير لأهالي شمال غزة المحاصرين وسط النيران والرماد، وحين دوت أوامر الإخلاء العسكرية، واختار الكثيرون النجاة بأنفسهم، وقف هذا الطبيب الإنسان شامخاً كأشجار الزيتون، متسلحاً بيقين المؤمن وعزيمة العالم، ومردداً كلمته الحرة التي سيسجلها التاريخ بمداد من نور: “إن أردتم قتلنا فاقتلونا ونحن نقدم الخدمة في هذا المكان“.                                              


لقد دفع أبو صفية ضريبة هذا الصمود الإنساني دماً؛ ففقد ابنه الشاب “إبراهيم” شهيداً في غارة غادرة، وصلى عليه بدموع حارة في ساحة المستشفى، ثم مسح دموعه بيديه المرتجفتين وعاد فوراً إلى غرف الجرحى ليكمل واجبه الطبي. 
لقد كان يرى في مهنته فرض عين وباباً عزيراً من أبواب الإحسان والنفع، متمثلاً هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً“. 
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 176].

هذا العطاء اللامحدود، وهذا الإحسان النبيل الذي جسده الدكتور حسام في أحلك الظروف، يُكافأ اليوم بمسالخ تعذيب وحشية تهدف إلى سحق جسده وروحه، في مفارقة صارخة تقشعر لها الأبدان.

صرخةٌ من تحت الأرض: 
“هذه آخر مرة ستراني فيها“

التقارير الحقوقية الأخيرة الصادرة في تموز/يوليو 2026، والشهادة المفجعة التي نقلها محاميه ناصر عودة، تضع الأمة الإسـلامية والمنظمات الدولية أمام صدمة ضميرية غير مسبوقة، الطبيب الذي فقد أكثر من 40 كيلوغراماً من وزنه نتيجة التجويع الممنهج، يمثل اليوم بجسد أثخنته جراحُ المطارق والهراوات؛ كدمات وإصابات بالغة في الرأس والعينين والرقبة، وأربعة أضلاع مكسورة تجعل من شهيقه وزفيره قطعة من العذاب الأليم، فضلاً عن قيود وأصفاد تحز معصميه وقدميه النحيفتين تحت حراسة جلادين مقنعين.

حين يقول الدكتور حسام بصوت واهن يوشك على الغياب: “هذه آخر مرة ستراني فيها، لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني. لا أرى نفسي حيًّا، هذه هي النهاية“، فإنه لا يستعطف أحداً، بل يوقع على وثيقة إدانة تاريخية ضد عالم يدّعي التمدن وحماية حقوق الإنسان، بينما يترك أطباءه المدنيين يُقتلون بدم بارد خلف الجدران الصخرية السميكة، إن نجدة هذا الطبيب الأسير وفك كربه هي فريضة شرعية وواجب أخلاقي لازب، فقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بإنقاذ الأسرى والتخفيف عنهم حيث قال: “فُكُّوا العَانِيَ — يَعْنِي: الأسِيرَ — وَأَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا المَرِيضَ“. 
[أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فكاك الأسير، برقم 3046].

القانون الدولي تحت أقدام الطغاة.. “المقاتل غير الشرعي” غطاءً للتصفية

تحت عباءة قوانين جائرة ومفصلة لشرعنة الجريمة وتبرير السادية، كـ “قانون المقاتل غير الشرعي“، يُحتجز الدكتور حسام وزميله الدكتور مروان الهمص (مدير مستشفى محمد يوسف النجار، الذي تعرض لنوبة حادية وتوقف لقلبه جراء التعذيب) وغيرهم من النخب الطبية، دون تهمة، ودون محاكمة، وبملفات سرية ينسجها المحققون لتبرير التنكيل.

إن قهر طبيب أطفال، وإجباره تحت وطأة الضرب المبرح لـ 13 ساعة متواصلة على الاعتراف بجراح لم يمارسها قط، هو قمة العبث والوحشية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف التي تمنح الطواقم الطبية حماية خاصة حتى في أعتى الحروب؛ فضلا عن مناقضة ذلك لمقاصد الشريعة، وهي مقاصد إنسانية سمحة لا يختلف عليها دين ولا قانون.

إن هؤلاء الأطباء يتعرضون لأبشع صور الظلم، والظلم عاقبته وخيمة في الدنيا والآخرة، كما ورد في الحديث القدسي الجليل: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا” . [أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم 2577].

وفي الحديث الشريف أيضاً: “اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَة“. 
[أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم 2578].

نداء عاجل إلى أحرار العالم والمؤسسات الدولية والأمة الإسلامية


إن الواجب الإنساني والأخلاقي والشرعي نحو الدكتور حسام أبو صفية يتجاوز مجرد إصدار بيانات القلق الروتينية والتنديد الخجول؛ إنها معركة ثوانٍ ودقائق معدودة لإنقاذ حياة إنسان يوشك أن يقضي نحبه، ومن هنا، نتوجه بنادء عاجل وصارخ إلى:

منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر: للخروج عن صمتهم المريب، والتحرك الفوري والضغط بكل ثقلهم الدولي لزيارة طارئة لقسم “راكيفيت” السري تحت الأرض، ونقل الدكتور حسام فوراً إلى مستشفى مدني لتلقي الرعاية العاجلة قبل فوات الأوان.

الاتحادات الطبية والمنظمات الحقوقية والأممية: لإثارة القضية في كافة المحافل القضائية الدولية كجريمة حرب مكتملة الأركان تستهدف الكوادر الطبية بشكل ممنهج، واعتبار ما يجري تصفية جسدية متعمدة.

الحكومات والجهات الهيئات الإسلامية والدولية ذات التأثير: للتدخل الفوري والدبلوماسي النافذ للضغط على سلطات الاحتلال للإفراج غير المشروط عن الطبيبين أبو صفية والهمص، فالإفراج عنهما ليس منّة من أحد، بل هو واجب قانوني وحق إنساني حتمي للمدنيين المحميين.

فهل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان؟ كيف يقبل الضمير البشري، وكيف ترضى الأمة الإسـلامية، أن يُصعق ويُمزق بالهراوات الجسد النحيل الذي داوى آلاف الأطفال والضعفاء؟ وكيف نرتضي لطبيب أطفال ألجم الحصار وصنع الحياة بفضل الله من قلب الموت، أن يموت وحيداً مستضعفاً ومظلوماً في زنزانة معتمة تحت الأرض؟




نختم مستبشرين بوعد الله الحق للمؤمنين المحسنين، ومذكرين بمسؤولية الجميع في نصرته: “هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ” [الرحمن: 60].




أنقذوا الدكتور حسام أبو صفية.. أنقذوه قبل أن يسقط شهيداً آخر تحت وطأة التنكيل، وينضم إلى قافلة الشرفاء الأبرار (كالدكتور عدنان البرش والدكتور إياد الرنتيسي) الذين قضوا في مسالخ التعذيب لأنهم أبوا خيانة الأمانة، إن إنقاذه اليوم هو نصرة للمظلوم، وإعلاء لكلمة الحق، واتساق مع مقاصد الشريعة الإنسانية، وإنقاذ لما تبقى من ملامح الإنسانية في هذا العالم المحتضر.

الأحد، 7 يونيو 2026

نحو خطاب مقدسي معاصر.. مقوماته ومكوناته

  نحو خطاب مقدسي معاصر.. مقوماته ومكوناته

أ.د. وصفي عاشور أبو زيد
أستاذ مقاصد الشريعة الإسلامية

يُبنى الخطاب المقدسي الراشد على أساس شرعي

 متين، تتكامل فيه النصوص القرآنية والأحاديث

 النبوية والمقاصد الشرعية العليا لتشكّل جميعها

 «ميزان الوعي» الذي يحول دون الانخداع

 بالدعايات، أو الوقوع في ردود الفعل، أو الانزلاق

 إلى الخطابات العاطفية المنفلتة من ضوابط الوحي.

فالقدس ليست قضية تُتناول بخطاب سياسي محض،

 ولا موضوعاً تُعالجه الانفعالات المؤقتة؛ بل هي

 قضية ينطق فيها الوحي، ويُرسي أصولَها القرآنُ،

 ويُبيّن ملامحَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وتُحكِمها

 مقاصدُ الشريعة التي تحفظ للخطاب بوصلته واتزانه.


1- الأساس الأول: مرجعية النص القرآني:


فالأساس الأول لهذا الخطاب مرجعية النصّ القرآني؛

 إذ لا يمكن أن يتشكّل وعيٌ مقدسيٌّ معاصر دون

 العودة إلى الآيات التي نصَّت على البركة والقداسة،

 وربطت بين الوحي وبيت المقدس، مثل قوله تعالى: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) (الإسراء: 1)، وقوله: (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 71)، وقوله لموسى عليه السلام: (ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ) (المائدة: 21).

وهذه الآيات ليست إشاراتٍ جغرافية، بل هي تأسيس

 لمعنى «القدس الرسالي»؛ القدس التي اختارها الله

 لتكون ساحة وحي، ومهوى رسالات، ومسرحاً

 للابتلاء والتمكين، وهذا وحده كافٍ ليُحوّل قضية

 القدس إلى قضية عقدية تُبنى على اليقين لا على

 التحليلات العابرة.

2- الأساس الثاني: السُّنة النبوية الشريفة:


ويستند الخطاب الشرعي كذلك إلى السُّنة النبوية التي

 نزّلت هذه المعاني من سماء النظر إلى أرض الواقع؛

 فقد قرّر النبي صلى الله عليه وسلم فضل المسجد

 الأقصى، وبيّن أنه أحد المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها

 الرحال، كما قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ

 مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، والمسجدِ

 الأقصى».

وأكّد فضله في أحاديث كثيرة، وربطه بالرباط

 والجهاد، والصبر والثبات، والبشارات المستقبلية؛ ما

 يجعل السُّنة مصدرًا تأسيسيًّا في صياغة خطابٍ يقظٍ،

 مستنيرٍ، مقاومٍ للتزييف، يعيد للقدس مكانتها في

 ضمير الأمة.


3- الأساس الثالث: البعد المقاصدي:


ثم يأتي البُعد المقاصدي ليكمل البناء؛ إذ لا يكتمل

 الخطاب حتى تُستحضر مقاصد الشريعة الكبرى التي

 تُعدّ ميزانًا لفهم النصوص وتنزيلها:

  • فمن مقاصد حفظ الدين يظهر وجوب حماية المسجد الأقصى من التهويد ومنع الاعتداء عليه.
  • ومن مقاصد حفظ النفس يظهر وجوب حماية الشعب الفلسطيني من القتل والتهجير.
  • ومن مقاصد حفظ العرض والنسل يظهر وجوب حماية العائلات المقدسية وهويتها.
  • ومن مقاصد حفظ المال يظهر وجوب حماية الوقف الإسلامي ومنع سرقة الأرض.
  • ومن مقاصد حفظ العقل يظهر وجوب مواجهة الرواية الصهيونية التي تشوّه الوعي وتضلل الأجيال.

خلاصة مكونات الخطاب


وهكذا يتشكّل الخطاب المقدسي من 3 ركائز كبرى:

الأولى: النصّ: الذي يمنح الخطاب شرعيته.

الثانية: السُّنة: التي تمنحه وضوحه.

الثالثة: المقاصد: التي تمنحه وعيه وبوصلته.

وبهذه المكونات يتوازن الخطاب بين التراث

 والمعاصرة، بين العقيدة والسياسة، وبين الروح

 والمعرفة، ليغدو خطابًا ربانيًا ينهض بالأمة ولا يهبط

 بها، ويُوَحِّد ولا يُفَرِّق، ويُبقي القدس في قلب مشروع

 الأمة لا في هامشه.


المركزية العقدية

ولا بد أن يُبنى هذا الخطاب على المركزية العقدية

 للقدس؛ فهي أولى القبلتين، ومسرى النبي صلى الله

 عليه وسلم، وإليها تشدّ الرحال، وفي أكنافها الطائفة

 المنصورة، ومنها ستكون معالم الفتح والتمكين،

 وبذلك لا يكون خطاب القدس مجرد كلام دفاعي،

 وإنما خطاب يرسخ لدى المسلم أن القدس جزء من

 دينه، وأن التفريط فيها تفريطٌ في مقصدٍ شرعيٍّ

 عظيم، وأن حمايتها ليست شأنًا سياسيًّا، وإنما واجب

 ديني وأمانة حضارية.



اقرأ أيضاً:

تحليل خطاب محمد الضيف.. منطلقات ومقاصد «طوفان الأقصى» الإستراتيجية

7 أكتوبر آيات للصبار الشكور.. قراءة في المقاصد البلاغية والشرعية


أ.د. وصفي عاشور أبو زيد