‏إظهار الرسائل ذات التسميات الارهاب الصهيوني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الارهاب الصهيوني. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 أغسطس 2026

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

ليس غريبا وجود المسجد الأقصى المبارك على قائمة الموضوعات المطروحة في الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما في أجندات اليمين المتطرف. وذلك لأن هذا الملف يعتبره أقطاب تيار الصهيونية الدينية ملفا رابحا داخليا، وفي نفس الوقت ليس عالي التكلفة على المستوى الفلسطيني حسب تقديراتهم.

وهذه نقطة للأسف ظهرت بوضوح مؤخرا في تصريحات كثيرة لدى قادة وحاخامات تيار الصهيونية الدينية، الذين يتباهون بقدرتهم على تغيير الوضع القائم في الأقصى دون أن "تقوم القيامة" كما يستهزئ هؤلاء في تصريحاتهم الإعلامية.

مرة أخرى يعود المسجد الأقصى إلى الواجهة ويتحول إلى واحد من ملفات الانتخابات الإسرائيلية أواخر أكتوبر/تشرين الأول القادم لدى تيارات اليمين، ولا سيما تيار الصهيونية الدينية.

وهنا لا بد من التذكير بأن تيار الصهيونية الدينية لا يتمثل عموما في حزب واحد، وإن كان أكبر الأحزاب الذي يمثل هذا التيار هو حزب "الصهيونية الدينية" الذي يرأسه بتسلئيل سموتريتش، وهو تيار عابر للأحزاب، حيث يوجد في حزب الليكود الحاكم اليوم عدد كبير من أتباعه.

ويعود ذلك إلى أن بداية دخول أتباع هذا التيار في الحياة السياسية الإسرائيلية كان من خلال تغلغلهم داخل حزب الليكود، قبل أن ينطلقوا في تأسيس أحزابهم الخاصة كحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش، وحزب "العظمة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب "الهوية" بزعامة موشيه فيغلين، وغيرها من الأحزاب.

وبالرغم من التباين الواضح في مسألة حدود التعامل مع مسألة اقتحام المسجد الأقصى، حيث يقتحمه بن غفير وفيغلين فيما يتحفظ سموتريتش على اقتحامه التزاما بفتوى الحاخامية الرسمية لإسرائيل التي تحرم ذلك، فإن ما يتفق عليه جميع أبناء هذا التيار هو ضرورة تغيير الوضع القائم في الأقصى وسحبه تماما من الإدارة الإسلامية، وإلغاء دائرة الأوقاف الإسلامية نهائيا، وفرض السيادة والإدارة الإسرائيلية بالكامل على المسجد.

إعلان

ومن هنا، كان من الطبيعي إقحام الأقصى في حمى الانتخابات الإسرائيلية القادمة عبر الدعاية الانتخابية من قلب المسجد، كما فعلت الناشطة اليمينية المتطرفة سمادار هيلا شموئيلي، المرشحة لانتخابات حزب الليكود التمهيدية عن فئة النساء، حيث اقتحمت المسجد في 10 أغسطس/آب الجاري، ونشرت صورتها في المنطقة الشرقية منه، والتي بات المستوطنون يتعاملون معها باعتبارها كنيسا يهوديا حقيقيا داخل المسجد.

وبذلك أطلقت شموئيلي دعايتها الانتخابية من قلب المسجد، علما بأنها تقدمت للترشح على قائمة حزب الليكود، وليس على إحدى قوائم أحزاب تيار الصهيونية الدينية.

المسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط

إضافة إلى ذلك، فإن اقتحام شخصيات كبيرة على رأسها الحاخام يهودا غليك المسجد الأقصى يوم 13 أغسطس/آب الجاري بمناسبة بداية الشهر العبري يأتي ضمن السياق نفسه، ولا ننسى هنا أن غليك وإن لم يكن قد طرح نفسه بعد على قائمة معينة في الانتخابات ولا توجد مؤشرات لترشحه للكنيست حتى الآن، إلا أنه كان قد قدم نفسه بالفعل عام 2020 مرشحا لرئاسة الدولة.

وبالتالي فإن قيادته اقتحاما واسعا في ذلك اليوم جاء في السياق التحضيري لانتخابات الكنيست القادمة، إن لم يكن لأجل نفسه فلأجل تقوية من سيقدمه غليك أمام الجمهور الإسرائيلي من التيارات والأحزاب الإسرائيلية المتنافسة، وتحديدا تيار الصهيونية الدينية.

على الهامش هنا، من الواضح أن تيار الصهيونية الدينية ما زال يصر على البقاء ضمن توليفة من عدة أحزاب، وكذلك داخل حزب الليكود، بل ويحاول تقوية نفوذه داخل هذا الحزب.

وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي ما زالت تعطي حزب الليكود الحجم الأكبر بين أحزاب اليمين الإسرائيلية. بل إن بعض استطلاعات الرأي رجحت احتمالية عدم تمكن بعض أحزاب الصهيونية الدينية من تجاوز عتبة الدخول للكنيست أصلا، وعلى رأسها حزب "الهوية" وحزب "الصهيونية الدينية" نفسه.

ولعل هذا ما يجعل بن غفير يعتبر نفسه الممثل الشرعي والوحيد لتيار الصهيونية الدينية مستقبلا، إن تمكن من حصد أغلبية الأصوات التي ستصب في كفة أحزاب الصهيونية الدينية بدلا من الليكود.

وعندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب موعد الاقتحامات الطويل الشهر القادم وأكتوبر/تشرين الأول الذي يليه، حيث يشهدان ما يسمى "رأس السنة العبرية" و"يوم الغفران" و"عيد المظلة-سوكوت" الذي ينتهي بالذكرى العبرية لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كل هذا قبل انطلاق الانتخابات الإسرائيلية مباشرة.

ولذلك فمن الطبيعي أن نشهد اقتحامات لبن غفير وأقطاب تيار الصهيونية الدينية للأقصى في تلك الفترة القريبة.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا

إذن، فالمسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط. فجماعات المعبد المتطرفة والمستوطنون من أتباع تيار الصهيونية الدينية لم يعودوا يقتنعون بالوعود فيما يتعلق بالمسجد، وباتوا ينتظرون من يقدم لهم حلولا عملية للسيطرة على المسجد وإدارته.

إعلان

وهذا هو الملف الذي يبرع فيه بن غفير، الذي يجب أن نعترف بأنه استطاع أن يحقق للمستوطنين ما لم يتمكن غيره من تحقيقه حتى الآن. فبن غفير هو الذي سمح رسميا للمستوطنين بأداء الصلوات علنا داخل المسجد الأقصى، وهو الذي أمر شرطته بقطع التعامل تماما مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ما لم تخضع للوضع الجديد الذي يريد فرضه، والذي يجعل السلطة العليا في المسجد بيد شرطة الاحتلال لا بيد دائرة الأوقاف.

وبن غفير هو الذي أمر بنصب المظلة المؤقتة في المنطقة الشرقية من المسجد خلال اقتحامات ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في يوليو/تموز الماضي. وبالتالي فإن بن غفير هو الذي يقدم للمستوطنين "أملا" ببناء كنيس داخل المسجد، وإلغاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية رسميا خلال العام القادم، كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

وفي هذا الصدد، ينبغي الإشارة إلى أن ردود الفعل العربية والإسلامية على هذه الأفعال لا تزال تشير إلى فقدان حقيقي للبوصلة، وعدم تقدير صحيح لحجم ما يجري في المسجد الأقصى.

فبالرغم من أن اجتماع وزراء الخارجية الذي حصل في الأردن صدر عنه بعض الإجراءات العملية التي تجاوزت ما اعتدناه من بيانات الشجب والتنديد والاستنكار: كإنشاء منصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية للأماكن المقدسة والمصلين، والبدء بحملة دبلوماسية دولية لإلزام إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، باحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس وأماكنها المقدسة، إلا أن حجم ما يجري في المسجد في الواقع يتجاوز هذا الأمر بكثير.

فالمشكلة في المسجد ليست في غيابه عن الإعلام -مع تأكيدنا على أهمية دور الإعلام في هذه المعركة- والاقتصار على الجهود الدبلوماسية لا يتجاوز أروقة المنظمات الدولية التي باتت إسرائيل لا تجد غضاضة في إعلان عدم الاعتراف بها أصلا- كما حدث مع الأونروا والمحكمة الجنائية الدولية.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا.

ولذلك فإننا تجاوزنا مرحلة الوقاية إلى العلاج. والواجب الآن العمل على "استعادة" الوضع القائم الذي غيرته إسرائيل تماما. وهذا العنوان -أي استعادة الوضع القائم- له أدوات سياسية ودبلوماسية وشعبية تختلف تماما عن عنوان "الحفاظ" على الوضع القائم.

عندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة



ضمن الدعاية الانتخابية، انتشر قبل أيام مقطع مصور للحاخام شموئيل إلياهو، حاخام مدينة صفد وأحد منظري تيار الصهيونية الدينية، كان يستهزئ فيه بفكرة الخوف من ردود الفعل الإسلامية على أي فعل في المسجد الأقصى، 
وقال: (في الأسبوع الماضي كان عندي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، 
وقال لي: "كل هذه التهديدات مجرد كلام فارغ ولا قيمة لها، ها هم [المستوطنون] يصعدون إلى المكان ويسجدون ويصلون، ماذا حدث؟ لا حرب عالمية أولى ولا ثانية ولا شيء" بل إن بن غفير قال لي: "نحن سنضيف هناك الآن مباني ومظلات" 
وكل هذا التحضير من أجل كنيس يهودي، والكنيس اليهودي هو تمهيد من أجل بناء المعبد، وهذه هي خطط حكومة إسرائيل).

إذن، فالأمر واضح، وهذا الكلام برغم ما يظهر فيه من استهزاء فإنه يدل على ثلاث مسائل: الأولى حضور المسجد الأقصى بقوة في خطاب تيار الصهيونية الدينية الانتخابي، وخاصة لدى أقطابه من رجال الدين، ولا يمكن بالتالي تصور أن يتخلى أبناء هذا التيار عن هذه الورقة الرابحة لحشد جمهورهم اليميني المتطرف.
إعلان
والثانية أن الحكومة الإسرائيلية نفسها لديها مشروع واضح صريح لإقامة كنيس في المسجد يعتبر مقدمة للسيطرة عليه بالكامل وبناء معبدها المزعوم، ولا نية لديها للعودة إلى الوراء في المسجد الأقصى ما لم يتم إجبارها على ذلك. والثالثة أن مفتاح الحل يكمن في كلام الحاخام إلياهو والوزير بن غفير نفسه، حيث إن ما يشجعهما على التقدم في المسجد واستخدامه ورقة انتخابية هو غياب الخوف من دفع ثمن باهظ.


فإذا رجع التخوف لدى الحكومة الإسرائيلية من أن ثمن ما تفعله في المسجد الأقصى أكبر من أن تتحمله، فإنها لن تتوانى لحظة في التوقف والتراجع، وهذا ما أكدته الوقائع في السنوات العشر الأخيرة.

السبت، 8 أغسطس 2026

جماعات التكفير الحاخامية.. هل تضع إسرائيل في طريق النهاية؟

 جماعات التكفير الحاخامية.. هل تضع إسرائيل في طريق النهاية؟

الخميس، 30 يوليو 2026

قراءة في كتاب "محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

   قراءة في كتاب"محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

 لندن ـ عربي21 

ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.



الخميس، 26 فبراير 2026

وما زالت المعركة تنتظر شيخ الأزهر

 وما زالت المعركة تنتظر شيخ الأزهر

وائل قنديل

ماذا لو كان عنوان هذه السطور، إن كنت تقرأها، هو "حتى إذا جاء وعد الآخرة" ؟ 

غالبُ الظن أنّ مثل هذا العنوان سيوصف من بعضهم بأنّه محض "تديين" لقضيةٍ سياسيةٍ، وتفريغ لها من مضامين أخرى قانونية وموازين قوى وقرارات صادرة من هيئات أممية، ولن تغيب، بالطبع، اتهامات باختطاف السياسة إلى الدين، وربما الاتجار بالدين في مواضيع سياسية.

ماذا لو كان العدو الذي يختطف وطناً، بحضارته وتاريخه ومقدّساته، يعلن كلّ يوم وكلّ ساعة، وعلى كلّ لسان من الطبقة الحاكمة إلى المعارضة، ومن العسكريين إلى السياسيين، ومن الحاخامات إلى فتيات الليل، كلّ هؤلاء يعلنون أنّهم يستوطنون في أرض الغير ويهدمون مساكنهم ويقتلونهم ويطردونهم من بلدهم استجابة لنصوص تلمودية تمتزج فيها الأكاذيب بالأساطير التي تخوّل لهم حرق الأطفال وبقر بطون الحوامل وتدنيس المسجد الأقصى؟

يفعل الصهاينة ذلك كله كلّ يوم، سياسيون يتخذون قرارات الإبادة الجماعية وعلى رؤوسهم "الكاباه" أو الطاقية اليهودية، وجنود يحرقون ويغتصبون باسم الرب، ثم يتوسّع نطاق الجريمة الحضارية والتاريخية الكاملة لنصل إلى مرحلة إعلان الحلف الصهيوني الأميركي صراحَة أنّ أرض فلسطين وحدها لا تكفي، وأنّ الهدف هو الشرق الأوسط كلّه، لبنان والأردن وسورية وصولًا إلى العراق ومصر والسعودية، وبعد أن كانت أسطورة "إسرائيل الكبرى" تتمدّد بين النيل والفرات، ها هي صارت غير مُحدّدة الخرائط، بحيث يصبح كل مكان يمكن أن يخدم مصالح إسرائيل الأمنية والسياسية أرضاً إسرائيلية.

يُحاصرنا الصهاينة بالأسطورة والأكذوبة المُغلّفتين بأوراق ما يعتبرونه كتابهم المقدّس، ولم يعد الأمر قاصراً على وزراء اليمين الديني الحاكم بكلّ تدرّجاته من أحزاب الصهيونية الدينية إلى الليكود، بل صارت المعارضة الإسرائيلية، التي لطالما اشتغل الإعلام العربي على أنّها صوت العقل والتعايش، صارت تنافس نتنياهو ويمينه في الاحتشاد خلف الأسطورة المُقدّسة من أجل إسرائيل الكبرى أو "الكوبرا بالأحرى". 

فيعلن زعيم المعارضة، يائير ليبيد، دعمه مخطّط احتلال الشرق الأوسط كلّه، لأنّ "عقد ملكيتنا على أرض إسرائيل هو الكتاب المقدس، وبالتالي، فإن الحدود هي حدود الكتاب المقدس". هكذا يقول ليبيد مُعلّقاً على تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي قال إنه لا يرى بأساً في استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأسرها. سُئِل زعيم المعارضة الصهيوني عن ذلك فقال: "أنا مع أيّ شيء يسمح لليهود بأرض واسعة وقوية وملاذ آمن لنا ولأطفالنا ولأحفادنا، هذا ما أؤيده". ثم أضاف إنّ موقف حزبه "هناك مستقبل" واضح جدّاً "الصهيونية مبنيةٌ على الكتاب المقدّس، وتفويضنا على أرض إسرائيل كتابي، والحدود التوراتية لأرض إسرائيل واضحة. الأرض الكبرى والعظمى، إسرائيل واسعة وواسعة قدر الإمكان، ضمن حدود الأمن الإسرائيلي والاعتبارات السياسية الإسرائيلية".

أنت هنا لا تتحدّث عن بن غفير وسموتريتش وصقور الإرهاب الاستيطاني، بل عن واحدٍ من هؤلاء الذين يبجّلهم بعض الإعلام العربي ويروّجهم بوصفهم حمائم سلام تغرّد على شاشاتهم ويتبادل مذيعون معهم عبارات الإعجاب والإطراء. ... وفي هذه الأثناء، وفي تزامن عجيب تقرأ خبرًا يقول إنّ مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلّة للانتخاب أبلغ حزب جبهة العمل الإسلامي بوجوب تغيير اسمه ليخلو "من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية". 

نحن بصدد كيان كامل مُحتشد من أجل إسقاط الرواية الفلسطينية والعربية للمأساة وإشعال النار في الذاكرة، من أجل اعتماد الرواية الصهيونية (المؤسطرة) تاريخاً وحيداً للأرض. وفي ذلك يدشّنون المرحلة الأوضح من اعتبار الصراع في فلسطين معركة دينية بالأساس، إذ بات الخطاب الإسرائيلي مركّزاً على نفي فلسطينية فلسطين، وبالضرورة نفي ملامح شخصيتها الإسلامية والمسيحية، لتكون خالصًة لليهود.

هذا الأمر، وكما قلت في محطات أقلّ تغطرساً صهيونيّاً، إنّ هذا الحصار المضروب حولنا بالأسطورة والنص الديني المزيّف يجعل واجب الوقت على المجامع الفقهية والمؤسّسات الدينية الإسلامية، الرسمية منها والأهلية، هو تدشين جبهة موحّدة للتصدّي للعدوان الصهيوني على ذاكرة التاريخ، تاريخ الأديان والشعوب، وفي مقدّمة هذه المؤسسات يأتي الأزهر الشريف، الذي سيخلّد له التاريخ دوره في ذلك، إن قام به، وهو الدور الذي أحسب أنه يستحق أن يكرّس له الإمام الأكبر أحمد الطيب، أمدّ الله في عمره، ما بقي من حياته، فالأمّة بحاجةٍ إلى من يحمي مستقبلها من سموم الروايات الكذوب عن أقدس ما تملك، أكثر من حاجتها إلى لقطات خشوع وزهد مؤثّرة أمام الحرمين المكي والنبوي، بينما تدور عملية انتهاك وسرقة ثالث الحرمين من دون ردّة فعل حقيقية من المعنيين به.

كان ذلك قبل الهجوم الصهيوني الأميركي على غزّة، وعلى استحقاقات التاريخ والجغرافيا الموثّقة بالقرارات الأممية والحقائق الحضارية والتاريخية. أما في هذه اللحظة فالصمت على هذا التغوّل الصهيوني على الرواية الحقيقية يصبح جريمة شاملة، كما تصبح مطاردة المكوّن الإسلامي وإقصائه من معادلة الصراع جريمة أشد، إذ لا يمكن وصف هذا "الجهاد الرسمي العربي" ضدّ الإسلام السياسي المقاوم إلا بأنه التحاق بالمشروع الصهيوني.


الجمعة، 26 ديسمبر 2025

ساري عرابي: وجه فلسطين وصوتها الأوضح

 ساري عرابي: وجه فلسطين وصوتها الأوضح                                                                                                وائل قنديل

ساري عرابي: الذين يواجهون القصف والموت والفقد ليسوا عناصر في معادلة


على مدار أكثر من عامين، كان الباحث والكاتب الفلسطيني المثقف، ساري عرابي، الأكثر تعبيراً عن فلسطين، وجهها الحقيقي، حزنها المقاوم للانكسار، وصوتها الأصدق في كل مداخلاته الإعلامية منذ اليوم الأول للطوفان، وحتى اعتقاله أمس من قوات الاحتلال الصهيوني في توغّلاتها في مدن الضفة الغربية وبلداتها.

صار الكاتب والباحث السياسي الفلسطيني والأسير المحرّر، ساري عرابي، خبراً يضاف إلى شريط الأخبار التي تمرّ سريعاً على الشاشات، بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال فجراً، عقب مداهمة منزله في بلدة رافات شمال القدس المحتلة. 

هو اعتقالٌ يصادف أهله تماماً، ذلك أن هذا الرجل بقي من القلائل الذين يقاومون خيانة المصطلحات والتعريفات، حين يعلق على الوضع الراهن أو يحلّله أو يدلي بدلوه في جدلية الاحتلال والمقاومة المشروعة، فلا يستسلم لغواية تصنيف مجتمع الاحتلال بين أشرار وطيبين، ولا يلهو على شواطئ الثرثرة الفارغة التي كانت تهذي بأن المجتمع الإسرائيلي شيء ونتنياهو شيئ آخر، ثم تطور الهذيان إلى الفصل بين نتنياهو وغلاة الصهاينة الدينيين، أمثال بن غفير وسموترتش، على أسس ساذجة افترضت في البدايات أن نتنياهو وفريقه الحكومي العقبة الوحيدة في طريق وقف العدوان، ثم راحت تسفسط بأن نتنياهو يريد التهدئة لكن الصهيونية الدينية هي العقبة.

لم يهتز ساري عرابي أو يتلعثم أو يخبئ آراءه في أغلفة لامعة من الهراء الذي لا يقول شيئاً، بل يتحدّث بعبارات شديدة الوضوح تسمّي الأشياء بأسمائها، وتعرّف العدو بالعدو، ولا تروّج سلاماً زائفاً كما يفعل الذين يسيرون مع اتجاه الريح. 

ولذلك من الطبيعي أن يكون الهدف المناسب للاحتلال في عمله على حرق رواية أولاد الأرض الحقيقيين، بعد أن أحرق الأرض والشجر والحجر والإنسان.

في دراسة بديعة عن فلسفة المقاومة تحت عنوان "مقالةٌ في نقد التحليل السياسي المغلق والتصوّر الإيماني الرغائبي"، يحفر ساري عرابي عند الجذور، لينطلق من دروس معركة عين جالوت الخالدة، ويصل إلى اللحظة الراهنة، الطوفان وما بعد الطوفان، وتحت عنوان فرعي" المقاومة وظيفة": حفظ الإمكان في عالم قابل للانغلاق" يقول ساري عرابي: "ومن هنا، تتولّد فكرة "المقاومة وظيفة". ليست المقاومة "وسيلةً" لتحقيق غلبةٍ دنيويةٍ في تقويمٍ عاجل فحسب، بل "وظيفة" لحراسة شرطٍ أخلاقيٍّ للوجود؛ لولاها لتمدّد الباطل حتى يطبق على العالم؛ ﴿وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.[13] هذه ليست صيغة وعظ، بل توصيف لنظام العالم، فالظلم قابلٌ للرسوخ إن تُرك بلا مدافعة، والحقّ لا يقوم بذاته دون فاعل بشريّ ينهض به، ولو لم تَعِد المدافعةُ بنتيجةٍ محددة. إنّ الامتناع التام عن المدافعة ليس حياداً، بل تسليم للباطل بشرعية الرسوخ. لذلك يصبح القيام بالفعل، حتى حين تُخطئ الحسابات أو تتعقّد النتائج، شرطًا لمنع انغلاق العالم في قبضةٍ واحدة. "ومع ذلك، فإنّ تأطير المقاومة بوصفها وظيفة؛ لا ينبغي أن يُفهم على نحوٍ يُضفي على معاناةِ شعبٍ ما، كأهل غزّة أو غيرهم ممن يقفون في خط المواجهة، معنىً تجريديّاً يجعل آلامهم مجرّد ثمنٍ مقبولٍ لحفظ توازنٍ عالميّ أوسع. فالمقاومة ليست تكليفًا تُحمّله فلسفة التاريخ لضيفٍ دائمٍ في جغرافيا واحدة، ولا تصنيفًا يُجزّئ البشر إلى "من يقوم بالوظيفة" و"من يجني ثمارها". إنما هي توصيفٌ بنيويّ لطبيعة العالم من حيث قابليةُ الظلم للتمدد، وقابليةُ الحقّ للاضمحلال إن لم يجد من يقيمه.

ويخلص إلى أن"الذين يواجهون القصف والموت والفقد ليسوا عناصر في معادلة، بل ذوات كاملة وحقوق كاملة، ولا يملك أحدٌ، لا نظريّاً ولا أخلاقيّاً، أن ينقل تبعة العالم إلى أكتافهم. وظيفة المقاومة، بهذا المعنى، لا تُشرعن دوام الألم، ولا تُحوّل تضحيات الناس إلى مادة في تفسير كونيّ، بل تُذكّر بأن الواجب موزّع على البشر بقدرهم وسعتهم، وأن دور المجتمعات والدول والعالم كلّه تخفيفُ الكلفة عن الذين يُضطرون إلى حمل النصيب الأكبر من المواجهة، لا تبرير تحمّلهم لها. هنا يصبح مفهوم الوظيفة جزءًا من نقد الحتميّات، لا صيغةً تُخفّف من ثقل الدم والدمار، لأن الاعتراف بتركيب العالم لا يلغي حق البشر في الحياة الكريمة ولا يجوز أن يُعطّل الالتزام الأخلاقي والسياسي بمساندة المقهورين وتخفيف المعاناة عنهم. الحرّية لساري عرابي..الحرية لفلسطين.