‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الله معروف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الله معروف. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

 ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لا أبالغ إذا قلت إن ما يجري في الضفة الغربية منذ عدة أسابيع من عدوان وحرب منظمة تشنها مليشيات المستوطنين وقطعانهم على قرى وبلدات الضفة الغربية يعيد إلى الأذهان عمليات المليشيات والعصابات الصهيونية المسلحة التي شنتها ضد القرى الفلسطينية عشية النكبة الفلسطينية قبل زهاء ثمانين عاما، والتي نتج عنها أكبر عملية تطهير عرقي في الأراضي الفلسطينية، ما زال بسببها أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مشتتا في أنحاء العالم حتى اليوم. إلى هذه الدرجة تصل وحشية وخطورة ما يجري في الضفة الغربية اليوم.

مع تصاعد الغضب العالمي لما يجري، اضطر بنيامين نتنياهو أمس إلى إدانة ما سماه "أعمال العنف الإجرامية التي ارتكبها عدد قليل من مثيري الشغب" في قريتي قصرة وجالود في الضفة الغربية، وكذلك خرج السفير الأمريكي في إسرائيل القس مايك هاكابي أيضا بتصريح مماثل يقول فيه إن "نصف مليون إسرائيلي في الضفة مشمئزون من مجموعة مشاغبين يوصفون خطأ بالمستوطنين".

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948، حين أصدر بيانا باسم الوكالة تبرأ فيه من الإرغون واعتبر أن المجزرة "عمل وحشي ومخز لا يتفق مع روح الشعب اليهودي وتقاليده وتطلعاته"، ليتبين في النهاية أن المجزرة كانت جزءا من الخطة (د) التي أقرها بن غوريون نفسه.

لتدور الأيام، وتصبح منظمة إرغون التي صنفت إرهابية في ذلك الوقت مؤسسة رسمية، بل وتدخل الانتخابات ويفوز زعيمها "مناحيم بيغن" برئاسة حكومة إسرائيل، ثم يتبجح رئيس الوزراء بيغن لاحقا بالمجزرة بقوله:

 "إن المذبحة لم تكن مبررة فحسب، بل ما كانت دولة إسرائيل لتوجد لولا النصر في دير ياسين".

إعلان

هكذا تلعب إسرائيل لعبة "الشرطي الجيد والشرطي السيئ"، فعندما يتعلق الأمر بالمستوطنين، لا يمكن أن يقال إن الإرهاب الذي يحدث حاليا في الضفة الغربية يقوم به بضعة "مشاغبين"، ولا أنه "لا يمثل" فئة المستوطنين في الضفة، وكأن هؤلاء حمائم سلام جاءت لتعيش في مستوطنات الضفة الغربية لتصنع "السلام" مع سكان الأرض الأصليين لا لتستأصلهم من أرضهم بأي ثمن.

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة.

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948

إن ما يجري الآن في بلدتي قصرة وجالود وقبلهما في يتما وحوارة وترمسعيا والقرى الأخرى في الضفة الغربية، ليست أحداثا معزولة، بل إن قراءة شاملة لمساحة الاعتداءات وبؤر التوحش الاستيطانية في الضفة تثبت أن الأمر أعمق من ذلك، وأنه مخطط شامل يشبه الخطة (د) التي أفضت في النهاية -مع الصمت العالمي- إلى عملية التطهير العرقي الكبرى ضد الشعب الفلسطيني عشية النكبة.

لاستيعاب ذلك ينبغي أن نقرأ خريطة الضفة ككل: إذ تمتد الضفة الغربية على مساحة 5660 كيلومترا مربعا (شاملة شرقي القدس)، من جنين شمالا حتى قرى جنوب الخليل جنوبا، ومن نهر الأردن شرقا حتى شريط طولكرم-قلقيلية غربا، الذي لا يبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط أكثر من حوالي 10 كيلومترات هوائية فقط، وهذه المساحة يسكنها اليوم حوالي 3.43 ملايين فلسطيني.

ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، بدأت مباشرة في عملية الاستيطان فيها، حيث بدأت بناء أول مستوطنة في الضفة في سبتمبر/أيلول بعد ثلاثة أشهر فقط من الحرب، وهي مستوطنة "كفار عصيون" جنوب بيت لحم.

وانتشرت المستوطنات منذ ذلك الوقت لتتحول اليوم إلى كتلة حقيقية يصل نفوذها الأمني والعمراني والهيكلي إلى حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية، ويسكنها أكثر من 540 ألف مستوطن، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في شرقي القدس وحدها.

ويتوزع هؤلاء على ثلاث كتل استيطانية رئيسية هي: كتلة مستوطنات نابلس في شمال الضفة، وأكبرها مستوطنة "أرئيل" التي صنفتها إسرائيل مدينة، وكتلة مستوطنات رام الله في وسطها، وأكبرها مستوطنة "موديعين"، وكتلة مستوطنات الخليل في جنوب الضفة، وأكبرها تكتل "غوش عصيون" الاستيطاني.

وبلغ عدد المستوطنات الرسمية التي أقامتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل 146 مستوطنة، إضافة إلى 104 مستوطنات أقرت الحكومة الحالية بناءها في الضفة منذ عام 2022، لكن هناك بالمقابل أكثر من 390 بؤرة استيطانية أقامتها مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يقومون اليوم بعمليات الإرهاب ضد السكان في الضفة.

والبؤر الاستيطانية هي بؤر توحش حقيقية تقيمها مليشيات مختلفة، أشهرها "فتية التلال" و"نحالاه" و"أمانا"، وهذه الجماعات هي التي يحاول اليوم نتنياهو وهاكابي التبرؤ منها واعتبارها مجرد "مشاغبين".

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة

هؤلاء الذين يسميهم نتنياهو "مشاغبين" ليسوا مجرد مجموعات صغيرة معزولة، بل إنهم جماعات قوية مسلحة، يرأسها عدد من أشد المتطرفين عنفا، وبرعاية حكومية كاملة. فشخص مثل زئيف حيفر، زعيم منظمة "أمانا"، يعتبر أهم شخصية غير حكومية في بناء المستوطنات والبؤر نفسها، حيث تعتبر حركته "أمانا" الذراع التاريخية الكبرى لتطوير المستوطنات المرتبطة بحركة غوش إيمونيم (جماعة الإيمان) الدينية المتطرفة.

إعلان

ووصفها تقرير رسمي للخارجية الأمريكية في 2024 بأنها أكبر منظمة تعمل في تطوير المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير الرسمية في الضفة الغربية، ومنظمته أسست عشرات البؤر على أراض فلسطينية.

وهذا الشخص نفسه كان عضوا في "التنظيم اليهودي السري" الذي أدين في ثمانينيات القرن العشرين بمحاولة تفجير قبة الصخرة المشرفة لإنشاء المعبد المزعوم مكانها، وقضى فترة في السجن. ثم تحول لاحقا إلى أحد أكثر الأشخاص نفوذا في المؤسسة الاستيطانية، حيث يملك شبكة علاقات واسعة داخل الحكومة والجيش والإدارة المدنية، وأدار شركات وهيئات مرتبطة بإنشاء البؤر الاستيطانية.

كما أنه مهندس فكرة "المزارع الرعوية" التي يهاجم فيها المستوطنون جنوب الضفة الغربية، مزارع الفلاحين الفلسطينيين وتجمعاتهم ويطردونهم بحجة إقامة مزارع ومناطق رعي أغنام خاصة بالمستوطنين، ويتباهى حيفر بأن فكرة مزارعه الرعوية باتت تسيطر على مساحة من الأراضي تبلغ 2.5 ضعف المساحة العمرانية لجميع المستوطنات مجتمعة في الضفة الغربية.

أما دانييلا فاييس، فهي شخصية باتت معروفة إعلاميا بجهودها في محاولة العودة لاستيطان قطاع غزة بالذات، ولها أيضا جهود كبيرة في الضفة من خلال حركتها "نحالاه" التي تدفع باتجاه إقامة تجمعات وبؤر جديدة هناك، وهي كانت أيضا عضوا في حركة غوش إيمونيم الدينية المتطرفة.

وكذلك يعمل رؤساء مجالس المستوطنات من أمثال يوسي داغان رئيس ما يسمى "المجلس الإقليمي في السامرة" لمستوطنات شمال الضفة، والذي يرعى عمليات الترهيب والاستيطان شمال الضفة، ويسرائيل غانتس رئيس ما يسمى "مجلس ماتيه بنيامين" ورئيس "مجلس يشع" الذي أصبح الهيئة المظلية الممثلة لجميع المستوطنات لدى حكومة الاحتلال.

الضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات

وأما جماعات فتية التلال الإرهابية، فترأسها شخصيات شديدة التطرف الديني، ولعل من أخطر هذه الشخصيات إليشاع يريد، أحد قادة مليشيا "فتية التلال" وجماعة "تدفيع الثمن" المتورطة في إحراق منازل ومركبات الفلسطينيين وخاصة في قرية المغير، وكذلك مائير إيتتينغر، حفيد الحاخام المتطرف مائير كاهانا مؤسس منظمة "كاخ" الإرهابية، وكذلك بنتسيون غوبشتاين مؤسس وزعيم منظمة "لاهافا" المتطرفة، وهذا الأخير كان أيضا تلميذا للحاخام كاهانا.

هذه الشخصيات تسترشد برؤية الحاخام مائير كاهانا الذي يعتبر أحد الأسس التي تقوم عليها أفكار تيار الصهيونية الدينية اليوم في إسرائيل. حيث كان يرى ضرورة طرد الفلسطينيين بالقوة، وهذا هو شعار منظمته "كاخ" أي (هكذا) مع شعار البندقية. وهي مجموعات ترى في نفسها رسلا للرب ويد الله العظمى في الأرض، وهذا ما صرحت به أكثر من مرة دانييلا فاييس نفسها.

والضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات.

فإذا ذهبنا إلى المستوى الرسمي الإسرائيلي، نجد هذه الشخصيات مرتبطة بشكل كامل تقريبا بالوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. فالأول مسؤول عن تمويل هذه الجماعات عبر تمرير مبالغ طائلة للاستيطان من خلال وزارة المالية التي يقف على رأسها، والأخير هو المسؤول الأول عن تسليح هذه الجماعات عبر إعلانه توزيع أكثر من 300 ألف قطعة سلاح على المستوطنين في الضفة الغربية دون أي قيود.

وهو ما يعني بالضرورة ارتباط هذه الشخصيات ذات الرؤية الدينية المشتركة ببعضها في تكامل واضح بين الرسمي وغير الرسمي في إسرائيل.

هذه الحقائق كلها تجعل كلام نتنياهو وهاكابي كلاما في الهواء، إذ إن نتنياهو يرى نفسه في مهمة مقدسة لتنفيذ رؤية "أرض الميعاد" كما صرح هو في الإعلام، وهاكابي يرى نفسه في مهمة إلهية لتنفيذ "رؤية الرب" في تفريغ هذه الأرض من سكانها لصالح من يرون أنفسهم "شعب الله"، وهو من أعلن أن الضفة الغربية لا بد أن تسمى "يهودا والسامرة".

حيث صرح عام 2017 بوضوح " لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية؛ إنها يهودا والسامرة، ولا يوجد شيء اسمه مستوطنات؛ إنها مجتمعات وأحياء ومدن، ولا يوجد شيء اسمه احتلال".

ولا أخطر على العالم من وحشية نرجسيين يرون أنفسهم ممثلين لله في الأرض لا يخطئون ولا يناقشون، فهذه وصفة للكارثة كما أثبت التاريخ دائما.

الأحد، 16 أغسطس 2026

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

ليس غريبا وجود المسجد الأقصى المبارك على قائمة الموضوعات المطروحة في الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما في أجندات اليمين المتطرف. وذلك لأن هذا الملف يعتبره أقطاب تيار الصهيونية الدينية ملفا رابحا داخليا، وفي نفس الوقت ليس عالي التكلفة على المستوى الفلسطيني حسب تقديراتهم.

وهذه نقطة للأسف ظهرت بوضوح مؤخرا في تصريحات كثيرة لدى قادة وحاخامات تيار الصهيونية الدينية، الذين يتباهون بقدرتهم على تغيير الوضع القائم في الأقصى دون أن "تقوم القيامة" كما يستهزئ هؤلاء في تصريحاتهم الإعلامية.

مرة أخرى يعود المسجد الأقصى إلى الواجهة ويتحول إلى واحد من ملفات الانتخابات الإسرائيلية أواخر أكتوبر/تشرين الأول القادم لدى تيارات اليمين، ولا سيما تيار الصهيونية الدينية.

وهنا لا بد من التذكير بأن تيار الصهيونية الدينية لا يتمثل عموما في حزب واحد، وإن كان أكبر الأحزاب الذي يمثل هذا التيار هو حزب "الصهيونية الدينية" الذي يرأسه بتسلئيل سموتريتش، وهو تيار عابر للأحزاب، حيث يوجد في حزب الليكود الحاكم اليوم عدد كبير من أتباعه.

ويعود ذلك إلى أن بداية دخول أتباع هذا التيار في الحياة السياسية الإسرائيلية كان من خلال تغلغلهم داخل حزب الليكود، قبل أن ينطلقوا في تأسيس أحزابهم الخاصة كحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش، وحزب "العظمة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب "الهوية" بزعامة موشيه فيغلين، وغيرها من الأحزاب.

وبالرغم من التباين الواضح في مسألة حدود التعامل مع مسألة اقتحام المسجد الأقصى، حيث يقتحمه بن غفير وفيغلين فيما يتحفظ سموتريتش على اقتحامه التزاما بفتوى الحاخامية الرسمية لإسرائيل التي تحرم ذلك، فإن ما يتفق عليه جميع أبناء هذا التيار هو ضرورة تغيير الوضع القائم في الأقصى وسحبه تماما من الإدارة الإسلامية، وإلغاء دائرة الأوقاف الإسلامية نهائيا، وفرض السيادة والإدارة الإسرائيلية بالكامل على المسجد.

إعلان

ومن هنا، كان من الطبيعي إقحام الأقصى في حمى الانتخابات الإسرائيلية القادمة عبر الدعاية الانتخابية من قلب المسجد، كما فعلت الناشطة اليمينية المتطرفة سمادار هيلا شموئيلي، المرشحة لانتخابات حزب الليكود التمهيدية عن فئة النساء، حيث اقتحمت المسجد في 10 أغسطس/آب الجاري، ونشرت صورتها في المنطقة الشرقية منه، والتي بات المستوطنون يتعاملون معها باعتبارها كنيسا يهوديا حقيقيا داخل المسجد.

وبذلك أطلقت شموئيلي دعايتها الانتخابية من قلب المسجد، علما بأنها تقدمت للترشح على قائمة حزب الليكود، وليس على إحدى قوائم أحزاب تيار الصهيونية الدينية.

المسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط

إضافة إلى ذلك، فإن اقتحام شخصيات كبيرة على رأسها الحاخام يهودا غليك المسجد الأقصى يوم 13 أغسطس/آب الجاري بمناسبة بداية الشهر العبري يأتي ضمن السياق نفسه، ولا ننسى هنا أن غليك وإن لم يكن قد طرح نفسه بعد على قائمة معينة في الانتخابات ولا توجد مؤشرات لترشحه للكنيست حتى الآن، إلا أنه كان قد قدم نفسه بالفعل عام 2020 مرشحا لرئاسة الدولة.

وبالتالي فإن قيادته اقتحاما واسعا في ذلك اليوم جاء في السياق التحضيري لانتخابات الكنيست القادمة، إن لم يكن لأجل نفسه فلأجل تقوية من سيقدمه غليك أمام الجمهور الإسرائيلي من التيارات والأحزاب الإسرائيلية المتنافسة، وتحديدا تيار الصهيونية الدينية.

على الهامش هنا، من الواضح أن تيار الصهيونية الدينية ما زال يصر على البقاء ضمن توليفة من عدة أحزاب، وكذلك داخل حزب الليكود، بل ويحاول تقوية نفوذه داخل هذا الحزب.

وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي ما زالت تعطي حزب الليكود الحجم الأكبر بين أحزاب اليمين الإسرائيلية. بل إن بعض استطلاعات الرأي رجحت احتمالية عدم تمكن بعض أحزاب الصهيونية الدينية من تجاوز عتبة الدخول للكنيست أصلا، وعلى رأسها حزب "الهوية" وحزب "الصهيونية الدينية" نفسه.

ولعل هذا ما يجعل بن غفير يعتبر نفسه الممثل الشرعي والوحيد لتيار الصهيونية الدينية مستقبلا، إن تمكن من حصد أغلبية الأصوات التي ستصب في كفة أحزاب الصهيونية الدينية بدلا من الليكود.

وعندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب موعد الاقتحامات الطويل الشهر القادم وأكتوبر/تشرين الأول الذي يليه، حيث يشهدان ما يسمى "رأس السنة العبرية" و"يوم الغفران" و"عيد المظلة-سوكوت" الذي ينتهي بالذكرى العبرية لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كل هذا قبل انطلاق الانتخابات الإسرائيلية مباشرة.

ولذلك فمن الطبيعي أن نشهد اقتحامات لبن غفير وأقطاب تيار الصهيونية الدينية للأقصى في تلك الفترة القريبة.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا

إذن، فالمسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط. فجماعات المعبد المتطرفة والمستوطنون من أتباع تيار الصهيونية الدينية لم يعودوا يقتنعون بالوعود فيما يتعلق بالمسجد، وباتوا ينتظرون من يقدم لهم حلولا عملية للسيطرة على المسجد وإدارته.

إعلان

وهذا هو الملف الذي يبرع فيه بن غفير، الذي يجب أن نعترف بأنه استطاع أن يحقق للمستوطنين ما لم يتمكن غيره من تحقيقه حتى الآن. فبن غفير هو الذي سمح رسميا للمستوطنين بأداء الصلوات علنا داخل المسجد الأقصى، وهو الذي أمر شرطته بقطع التعامل تماما مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ما لم تخضع للوضع الجديد الذي يريد فرضه، والذي يجعل السلطة العليا في المسجد بيد شرطة الاحتلال لا بيد دائرة الأوقاف.

وبن غفير هو الذي أمر بنصب المظلة المؤقتة في المنطقة الشرقية من المسجد خلال اقتحامات ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في يوليو/تموز الماضي. وبالتالي فإن بن غفير هو الذي يقدم للمستوطنين "أملا" ببناء كنيس داخل المسجد، وإلغاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية رسميا خلال العام القادم، كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

وفي هذا الصدد، ينبغي الإشارة إلى أن ردود الفعل العربية والإسلامية على هذه الأفعال لا تزال تشير إلى فقدان حقيقي للبوصلة، وعدم تقدير صحيح لحجم ما يجري في المسجد الأقصى.

فبالرغم من أن اجتماع وزراء الخارجية الذي حصل في الأردن صدر عنه بعض الإجراءات العملية التي تجاوزت ما اعتدناه من بيانات الشجب والتنديد والاستنكار: كإنشاء منصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية للأماكن المقدسة والمصلين، والبدء بحملة دبلوماسية دولية لإلزام إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، باحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس وأماكنها المقدسة، إلا أن حجم ما يجري في المسجد في الواقع يتجاوز هذا الأمر بكثير.

فالمشكلة في المسجد ليست في غيابه عن الإعلام -مع تأكيدنا على أهمية دور الإعلام في هذه المعركة- والاقتصار على الجهود الدبلوماسية لا يتجاوز أروقة المنظمات الدولية التي باتت إسرائيل لا تجد غضاضة في إعلان عدم الاعتراف بها أصلا- كما حدث مع الأونروا والمحكمة الجنائية الدولية.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا.

ولذلك فإننا تجاوزنا مرحلة الوقاية إلى العلاج. والواجب الآن العمل على "استعادة" الوضع القائم الذي غيرته إسرائيل تماما. وهذا العنوان -أي استعادة الوضع القائم- له أدوات سياسية ودبلوماسية وشعبية تختلف تماما عن عنوان "الحفاظ" على الوضع القائم.

عندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة



ضمن الدعاية الانتخابية، انتشر قبل أيام مقطع مصور للحاخام شموئيل إلياهو، حاخام مدينة صفد وأحد منظري تيار الصهيونية الدينية، كان يستهزئ فيه بفكرة الخوف من ردود الفعل الإسلامية على أي فعل في المسجد الأقصى، 
وقال: (في الأسبوع الماضي كان عندي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، 
وقال لي: "كل هذه التهديدات مجرد كلام فارغ ولا قيمة لها، ها هم [المستوطنون] يصعدون إلى المكان ويسجدون ويصلون، ماذا حدث؟ لا حرب عالمية أولى ولا ثانية ولا شيء" بل إن بن غفير قال لي: "نحن سنضيف هناك الآن مباني ومظلات" 
وكل هذا التحضير من أجل كنيس يهودي، والكنيس اليهودي هو تمهيد من أجل بناء المعبد، وهذه هي خطط حكومة إسرائيل).

إذن، فالأمر واضح، وهذا الكلام برغم ما يظهر فيه من استهزاء فإنه يدل على ثلاث مسائل: الأولى حضور المسجد الأقصى بقوة في خطاب تيار الصهيونية الدينية الانتخابي، وخاصة لدى أقطابه من رجال الدين، ولا يمكن بالتالي تصور أن يتخلى أبناء هذا التيار عن هذه الورقة الرابحة لحشد جمهورهم اليميني المتطرف.
إعلان
والثانية أن الحكومة الإسرائيلية نفسها لديها مشروع واضح صريح لإقامة كنيس في المسجد يعتبر مقدمة للسيطرة عليه بالكامل وبناء معبدها المزعوم، ولا نية لديها للعودة إلى الوراء في المسجد الأقصى ما لم يتم إجبارها على ذلك. والثالثة أن مفتاح الحل يكمن في كلام الحاخام إلياهو والوزير بن غفير نفسه، حيث إن ما يشجعهما على التقدم في المسجد واستخدامه ورقة انتخابية هو غياب الخوف من دفع ثمن باهظ.


فإذا رجع التخوف لدى الحكومة الإسرائيلية من أن ثمن ما تفعله في المسجد الأقصى أكبر من أن تتحمله، فإنها لن تتوانى لحظة في التوقف والتراجع، وهذا ما أكدته الوقائع في السنوات العشر الأخيرة.

السبت، 8 أغسطس 2026

جماعات التكفير الحاخامية.. هل تضع إسرائيل في طريق النهاية؟

 جماعات التكفير الحاخامية.. هل تضع إسرائيل في طريق النهاية؟

الخميس، 23 يوليو 2026

من أجل "المخلّص".. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟

من أجل "المخلّص".. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟
مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

تخرج علينا جماعات المعبد كل فترة بإعلان طموح وكبير لاقتحام نوعي للمسجد الأقصى مستغلة أي مناسبة، لا سيما إذا كانت دينية. وإعلانها الأخير لا يخرج عن هذا السياق، حيث ضجت وسائل الإعلام بدعوة هذه الجماعات أنصارها لاقتحام واسع للمسجد الأقصى بخمسة آلاف مستوطن اليوم الخميس 23 يوليو/تموز، بحيث يشكل هذا أكبر اقتحام في تاريخ المسجد، وذلك لإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" أو "التاسع من آب العبري".

هذه المناسبة لا تتركها جماعات المعبد المتطرفة كل سنة دون أن تشكل حجر زاوية ومحطة مركزية في مسار التصعيد ضد المسجد، فهو اليوم الذي تصاب فيه جماعات المعبد بلوثة تحاول معها بشتى الطرق إثبات وجودها وقوتها على الأرض، والمطالبة بتغييرات واسعة في الوضع القائم في المسجد والمدينة بنوع من العاطفية الشديدة، وذلك استغلالا لهذه المناسبة الحزينة التي ترمز إلى ما يعتبرونه ذكرى تدمير المعبدين الأول والثاني في التاريخ نفسه بفارق مئات السنين.

لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه

هذا العام يختلف عما سبقه في كون هذه المناسبة تأتي في ظل بدء السباق الانتخابي الإسرائيلي الأول منذ حرب الإبادة في غزة. وبالتالي فإن ضخامة الاقتحامات في المسجد الأقصى المبارك إضافة إلى نوعيتها كانت متوقعة حتى قبل أن تنشر مؤسسات جماعات المعبد المتطرفة إعلاناتها.

قبل يومين فقط من حلول ما يسمى "ذكرى خراب المعبد"، ارتكب بعض المستوطنين عملا غير مسبوق في المسجد الأقصى، حيث أقدموا على رسم شعار "المخلص في بيت الرب" الديني الذي يستعمله بعض أفراد هذه الجماعات المتطرفة، وهو شعار التاج الذي يتشكل من حرفين من كلمة (المسيح)، على مستطيل يشير للمعبد.
يعتبر رسم شعار ديني من هذا النوع داخل المسجد الأقصى المبارك سابقة تستحق التوقف، وذلك لأنها تحمل دلالات كثيرة ترتبط بفكرة "المعبد الثالث" التي يروج لها اليمين الصهيوني الديني الإسرائيلي، إضافة إلى اليمين الإنجيلي المسيحي الأمريكي. فالمعبد الثالث هو الهدف الأسمى لهذه الجماعات كما هو معروف، وهو ليس أمرا مخفيا، بل تعلنه جماعات المعبد المتطرفة ليل نهار.

لكن ما يطفو على السطح في هذه المسألة هو اسم "المخلص" الذي يرمزون له بالتاج. وهو التاج نفسه الذي نراه مرسوما فوق المعبد دائما، وذلك لأن فكرة المعبد الثالث لدى هذه الجماعات تهدف أصلا إلى أن "يسكن الرب مع شعبه"، وهذه هي العبارة الدينية التي تشير إلى أحداث النهاية وقدوم المسيح المخلص ليكون ملكا على شعب إسرائيل ويجعله سيدا على الشعوب كلها. فالمعبد الثالث في رؤية هذه الجماعات يرتبط أصلا بالمسيح المخلص، وهو قطب الرحى في علاقة الشعب بهذه الأرض من الناحية الدينية.

وبالرغم من أن فكرة المعبد تتراوح بين الرؤية التاريخية لدى التيارات اليسارية والعلمانية من ناحية، والرؤية الدينية لدى التيارات اليمينية والدينية وتيار الصهيونية الدينية من ناحية أخرى، فإن سيطرة اليمين على الحكم في إسرائيل تجعل الجانب الديني لهذه الفكرة هو الأكثر حضورا وتأثيرا في التطبيق، وهو بالتالي ما ينسحب على فكرة المسيح المخلص التي ترتبط تماما بالبعد الديني لعلاقة اليهود بهذه الأرض حسب وجهة نظرهم. ومن الواضح هنا أن العقيدة الخلاصية لم تعد تصورا دينيا مجردا، وإنما تحولت إلى برنامج سياسي انتخابي.

التخريب المتعمد بالرسم على حجارة المسجد الأقصى مسألة جديدة لم يشهدها المسجد منذ احتلاله، وهذا العمل ليس معزولا ولا مقصورا على جماعة دينية متطرفة بحد ذاتها، فإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في ظل الانتخابات لا يقتصر فعليا هذا العام على تيار الصهيونية الدينية.

فنفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "البيت اليهودي" اليميني سابقا وحزب "بينيت 2026" حاليا، كان حريصا على الظهور في صورة خاصة به أثناء إحياء ذكرى خراب المعبد. وأما بن غفير فإنه شارك المستوطنين في أداء صلاة حاشدة بعد صلاة العشاء أمام باب القطانين، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك من الناحية الغربية. وكذلك اختار نتنياهو استذكار هذه المناسبة في خطاب له بالتبشير "بخلود" إسرائيل.

وأما ما يسمى "معهد المعبد"، وهو من أكبر وأقوى منظمات جماعات المعبد المتطرفة حاليا، فقد حاول عشية "ذكرى خراب المعبد" تحقيق اختراق نوعي جديد، حيث حاول أفراده أداء صلاة خاصة ليلا أمام باب الغوانمة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد الأقصى، وهذا تقدم خطير وكبير في محاولة السيطرة على الباب الذي فشلت هذه الجماعات في الحصول عليه عام 1998.

تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في المسجد الأقصى خلال هذه المناسبة "ذكرى خراب المعبد"، يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي

يظهر من كل هذه المشاهد أن إسرائيل، وخاصة اليمين القومي الديني، تشعر بأزمة شديدة بسبب عدم تمكنها حتى اليوم من فرض أجندتها بالكامل على المسجد الأقصى، فالأحزاب والحركات اليمينية القومية الدينية باتت تحاول فرض وجودها ليلا في المسجد، وذلك لتثبيت واقع المشاركة الكاملة في الزمن في المسجد بين المسلمين واليهود، وتنفيذ فكرة التقسيم الزمني الكاملة حسب وعد نائب رئيس الوزراء "ياريف ليفين" الذي قدمه لهذه الجماعات خلال احتفالات "عيد الحانوكاه" نهاية العام الماضي. وفشلها يشير إلى عدم قدرة إسرائيل حتى الآن على تطبيق سيادتها على المسجد الأقصى.


ولعل هذا هو سبب تسمية المسيرة الليلية التي جابت الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى في عشية "ذكرى خراب المعبد" باسم "مسيرة السيادة". فالسيادة هي ما ينقص إسرائيل في المسجد الأقصى مهما حاولت أن تظهر غير ذلك.

أما تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في الأقصى خلال هذه المناسبة "ذكرى خراب المعبد"، فإنه يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق المسجد الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي في المسجد، أي السيادة من خلال العدد.

وأرى أن فكرة حشد أعداد كبيرة من المستوطنين في المسجد، ورفع الهدف العددي كل عام، تريد هذه الجماعات من خلاله إحياء الأمل في قلوب أبنائها، خاصة وهي تجد أن الاتجاه العام لتحركاتها في المسجد الأقصى خلال السنوات العشرين الماضية في تصاعد، وهذه حقيقة للأسف، ولا يجوز لنا أن نخدع أنفسنا في هذا المجال.

كما لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه وردعه عندما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك، وليس في فشل الاحتلال ذاتيا بسبب خلافاته الداخلية المتعلقة بالأقصى؛ نتيجة لإصرار الحاخامية الرسمية على الفتوى التقليدية بمنع اليهود من دخول الأقصى على سبيل المثال.

لم يكن التاج المرسوم فوق رمز المعبد مجرد خربشة عابرة على حجارة المسجد؛ بل كان اختصارا بصريا لمشروع كامل يحاول الانتقال من العقيدة الدينية إلى السياسة، ومن انتظار "المخلص" إلى فرض السيادة على الأرض.

وما لم يردع هذا المشروع في مراحله الحالية، فقد لا يبقى حديث "المعبد الثالث" مجرد شعار تحمله هذه الجماعات المتطرفة، بل سيكون برنامجا حقيقيا تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تنفيذه.

في نفس الوقت، فإن الوضع الكارثي الذي يمر به المسجد لا يمكن أن تخطئه عين مراقب، والاحتلال -في نفس الوقت- لا يزال عاجزا حتى اللحظة عن فرض سيادته بالكامل على الأقصى، لكن لنكن واضحين: هذا العجز قد لا يستمر طويلا ما لم يكن هناك تحرك حقيقي




الثلاثاء، 14 يوليو 2026

كهنة النهايات.. الحاخام بن أرتسي بماذا تنبأ للسنوار وما حقيقته؟

 كهنة النهايات.. الحاخام بن أرتسي بماذا تنبأ للسنوار وما حقيقته؟

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

إذا كان هناك ظواهر تكثفت في السنوات الأخيرة في العالم، فإن ظاهرة النبوءات والهوس بنهاية العالم وتوقعات الأحداث بناء على النصوص الدينية قد يكون من أكثر هذه الظواهر إثارة لاستغراب العقلاء في عالمنا اليوم.

فعلى الرغم من الادعاءات الكثيرة بدخول العالم في عصر التنوير والتحرر من سلطة النصوص كما يحلو لكثير من المنظرين الغربيين الادعاء اليوم، فإن انتشار لوثات مدعي العلم الأخروي ومدعي النبوءات أصبح ظاهرة لافتة فعلا، ولعل هذا الأمر يرجع إلى التسارع غير المسبوق في الأحداث في منطقتنا بشكل خاص وفي العالم بشكل عام.

لسنا نتكلم هنا عن منجمي الأبراج والنجوم الذين يحلو لبعض وسائل الإعلام عرض هرطقاتهم علينا نهاية كل عام، وغالبا ما تصبح مادة للتندر خلال العام عندما تحدث عكس تلك التوقعات، لكن الموضوع يتعلق باستخدام نصوص الكتب المقدسة في محاولة استقراء المستقبل والحديث عن نبوءات آخر الزمان بل وتحديد مواعيدها في بعض الأحيان.

بمجرد الحديث عن هذا الأمر قد يخطر في أذهان بعض القراء ارتباط هذا الأمر بالعالم الإسلامي بالذات، خاصة مع اشتهار أسماء معينة في عالمنا الإسلامي اليوم ارتبطت بفكرة النبوءات ومحاولة استقراء النص القرآني الكريم وتنزيله على المستقبل بما لا يتسع المجال هنا لشرحه أو الرد عليه.

لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن إسرائيل من أكثر المناطق التي تنتشر فيها جماعات دينية تحاول استقراء المستقبل من خلال النصوص التوراتية، والفارق بين هذه الحالة من ناحية، والحالات التي ذكرناها في العالم الإسلامي من ناحية أخرى، هو أن الحالة في إسرائيل تعتبر لدى رجال الدين حالة دينية معترفا بها رسميا ضمن ما يعرف في الديانة اليهودية بعلم "القبالاه"، وهو فن صوفي شديد التعقيد يتناول طرقا وأساليب خاصة لقراءة النص الديني واستشفاف "الإشارات الخفية" فيه.

هذا الفن الذي يعتبر من أشد الدراسات الدينية تعقيدا في المدارس الدينية التوراتية، عموما، يفتح المجال للبعض لاستشفاف رؤى دينية مستقبلية، وقد يثير بعضها الجدل أحيانا.

مع بداية أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل تنبّؤات كان هذا الحاخام قد نشرها مسبقا، وادعت أن بعضها تحقق بالفعل

في هذا السياق يتردد في الإعلام الإسرائيلي الحاخام المثير للجدل نير بن أرتسي. وهو زعيم جماعة أصبحت تعتبر أن النبوءات المستقبلية التي تكاد تكون يومية لدى بن أرتسي، هي ما يميزها عن بقية الجماعات الدينية الحريدية في إسرائيل.

بن أرتسي البالغ من العمر 69 عاما هو حاخام حريدي متطرف ولد وما زال يسكن في مستوطنة "تالاميم" الواقعة بين "سديروت" و"كريات جات" في جنوب إسرائيل، وهي مستوطنة قريبة من حدود قطاع غزة.

ويرجع أصل هذا الحاخام إلى جزيرة "جربة" التونسية، حيث هاجر والداه إلى إسرائيل من تونس، وغيّر والده اسم العائلة بعد الهجرة من "بوخريص" إلى "بن أرتسي" ومعناه "ابن وطني".

بن أرتسي لم يكن معروفا بالتعمق العلمي في دراسات التوراة، وإنما عرفه الناس في تسعينيات القرن الماضي بادعاءاته معرفة المستقبل من خلال علم "القبالاه"، وبادعائه امتلاك قدرات روحانية خارقة!.. ويحرص الرجل عند بث رسائله على قنواته المختلفة على الحديث بأسلوب بليغ مع عيون مغلقة وكأنه يتلقى وحيا إلهيا.

ولذلك فإن بن أرتسي اكتسب أتباعا من المستوطنين المعجبين به وبأطروحاته الغريبة. بل إنه نجح في الحصول على دعم حاخامات كبار مثل "شموئيل إلياهو" حاخام صفد، و"يوسف ياشار" حاخام عكا، وهما من المعجبين بأطروحاته ويرون فيه رجلا تقيا صاحب رؤى دينية خلاصية روحانية، وذلك على الرغم من تورطه في محاكم عديدة وقضايا فساد مالي كبيرة في مؤسساته التي جمع من خلالها مئات الملايين من الشواكل، كجمعية "تائير نيري" التي يتبع لها عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية وغيرها.

هذا الحاخام اعتاد منذ تسعينيات القرن الماضي الخروج على أتباعه بنبوءات مختلفة تتعلق أغلبها بقرب نزول المسيح المخلص، وتهيئة الظروف لظهوره، وهو بذلك يعطي الكثير من الأمل لأتباعه بقرب إعلان النصر النهائي للشعب اليهودي على أعدائه- على حد تعبيره- وازدياد الإشارات الإلهية في هذه المرحلة.

مع بداية أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل تنبّؤات كان هذا الحاخام قد نشرها مسبقا، وادعت أن بعضها تحقق بالفعل، مثل "نبوءته" في شهر فبراير/شباط عام 2024 بتمكن إسرائيل من قتل رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار، قبل أن يعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تمكنه بالفعل من قتل السنوار في غزة بعد ثمانية شهور.

وكذلك تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية بكثرة "نبوءة" هذا الحاخام التي نشرها عام 2017 وادعى فيها أن إسرائيل ستقضي على القدرات النووية الإيرانية دون أن يتأثر سلاح الطيران الإسرائيلي بالهجوم، لتعلن إسرائيل مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية بالفعل خلال حرب الاثني عشر يوما الأولى عام 2025.

من الواضح أن لجوء الإعلام الإسرائيلي إلى تناول مثل هذه النبوءات المدعاة لهذا الحاخام المثير للجدل كانت جزءا من الحرب النفسية لتثبيت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا فإن النظر بعمق إلى المشهد يكشف أن كلام بن أرتسي لم يكن له علاقة لا بنصوص دينية

من الواضح أن لجوء الإعلام الإسرائيلي إلى تناول مثل هذه النبوءات المدعاة لهذا الحاخام المثير للجدل كانت جزءا من الحرب النفسية لتثبيت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا فإن النظر بعمق إلى المشهد يكشف أن كلام بن أرتسي لم يكن له علاقة لا بنصوص دينية ولا علم "القبالاه" ولا غير ذلك، وإنما يمكن اعتباره "أمنيات" أكثر من كونه "نبوءات".

فالحاخام بن أرتسي- على سبيل المثال- كان قد ادعى في "نبوءته" بخصوص السنوار أن وفاته ستكون بالضبط بنفس طريقة موت شخصية "هامان" التي ذكرها سفر "إستر" في التوراة. حيث تذكر التوراة أن "هامان" صُلب على يد الملك الفارسي بشكل فاضح لخيانته وغدره.

لكن هذا لم يكن له أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمشهد "عصا السنوار" الشهير الذي نشره جيش الاحتلال، بسوء تقدير منه، حيث انقلبت الصورة تماما على الجيش الإسرائيلي من خلال مشهد صمود السنوار الأيقوني ورميه العصا على طائرة الدرون في لحظاته الأخيرة.

أما ما ادعاه هذا الحاخام حول حرب إيران وما سماه "القضاء على المنشآت النووية الإيرانية"، فإنه لم يتحقق لا في الحرب الأولى ولا في الثانية، ولا دليل على ذلك أقوى من متابعة تصريحات ترمب المتضاربة حول هذا الموضوع بالذات.

بالمقابل، فإن أتباع هذا الشخص يغضون الطرف عن كثير من نبوءاته التي لم تتحقق، مثل نبوءته التي نشرها في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2021 وادعى فيها وفاة بعض قادة دول في المنطقة، ونحن الآن بالطبع في عام 2026، ومرت خمس سنوات على ذلك الزعم الذي كان يفترض أن يحدث- حسب ادعاء بن أرتسي- قبل نهاية 2021.

اليوم، يظهر علينا بن أرتسي نفسه بنبوءة جديدة يدعي فيها أن نتنياهو سيفوز بثمانين مقعدا في الانتخابات القادمة، وأن المعبد المزعوم سيبنى قريبا مكان المسجد الأقصى، داعيا يهود العالم للتجمع في إسرائيل استعدادا لهذا الحدث الكبير، وهنا تكمن خطورة هذه النبوءة المزعومة.

المفارقة لا تتعلق بـ"بن أرتسي" بشخصه، وإنما تتعلق بالمبدأ الذي يسير عليه عدد من حاخامات المستوطنين من أمثال يهودا غليك، وديفيد وولفسون وغيرهما، والذي يتلخص بضرورة زراعة الثقة العمياء في نفوس أتباعهم تجاه ضرورة تحقيق النبوءات التوراتية والتلمودية في زماننا الحاضر، ومراهنتهم على أن الإيمان المطلق لأتباعهم بهذه النبوءات قد يكون سببا كافيا لتحقيقها بالقوة.

هذه هي قوة النبوءة؛ فبغض النظر عن صحتها أو خطئها لدى هذا الحاخام أو غيره، فإن من طبيعة الأتباع والشعوب أن تتعلق بها وترى حتمية تحقيقها، وهذا هو مفتاح العمل على تجسيدها في الواقع. وذلك لأن العقل الجمعي المشبع بالقناعة بالنبوءة يفسر أي تطور ذي علاقة بالحدث الذي ينتظره على أنه بداية الحدث المنتظر.

وبالتالي فإن من الطبيعي أن يرغب كل مؤمن من هؤلاء أن يكون واحدا من صناع النبوءة، فيسارع للانضمام لأي حدث بفاعلية، وبذلك يمكن أن تتحول النبوءة من مجرد قول إلى حراك متكامل يريد أن يجعلها حقيقة واقعة، وهنا تكمن القوة الحقيقية لفكرة النبوءة، بل وخطورتها أحيانا.

هذا الحاخام اعتاد منذ تسعينيات القرن الماضي الخروج على أتباعه بنبوءات مختلفة تتعلق أغلبها بقرب نزول المسيح المخلص، وتهيئة الظروف لظهوره، وهو بذلك يعطي الكثير من الأمل لأتباعه بقرب إعلان النصر النهائي للشعب اليهودي على أعدائه

هذه هي النقطة التي يراهن عليها حاخامات تيار الصهيونية الدينية الذين يشبعون أبناءهم بمثل هذه النبوءات ويرجون أن يكون لذلك دور في تحقيقها ولو بالقوة.

قد يرى البعض أن وجود النبوءة أو طرحها من أحد قد يكون له أثر عكسي على الناس يجعلهم ينتظرون تحققها بسلبية، مما يحد من أي حراك جمعي. لكن الواقع أن هذه الفكرة السلبية تنطبق فقط على الحالة التي لا تتمتع النبوءة بتأييد وإيمان قوة سياسية لديها أدوات تنفيذية.

أما في حال وجود قيادة سياسية لديها مشروع وبرنامج وأجهزة وأدوات تنفيذية، وفي نفس الوقت تؤمن بنبوءة غيبية معينة، فإن من الطبيعي أن تتحول "النبوءة" إلى "برنامج عمل" يهدف إلى تحقيقها بالأدوات المتاحة بالفعل لدى القيادة، وهذا هو الحال في إسرائيل اليوم، وخاصة في أروقة حكومة تيار الصهيونية الدينية الخلاصي المؤمن بنبوءات قرب نزول المسيح المخلص وزمن المعجزات وما شابه ذلك من ميثولوجيا.



في هذه الحالة، يتحول شخص مهووس بادعاءات الوحي والإلهام الإلهي ومعرفة المستقبل، مثل نير بن أرتسي، إلى صانع قرار حقيقي من وراء الكواليس، تسير وراء هلوساته دولة كاملة تهرول بسرعة يوما بعد يوم باتجاه المزيد من التحول إلى الثيوقراطية الدينية، وإن كان ثمن ذلك التحول حربا ودما ودمارا للعالم بأسره!

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

 هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

د. عبدالله معروف


أثار تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني في نهاية الشهر الماضي اهتماماً واسعاً بعدما كشف عن وجود خطة أمريكية جرى إبلاغ عدد من دول المنطقة بها، تقوم على إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى، وحل مجلس الأوقاف الإسلامية، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها دولة الاحتلال للإشراف على المسجد بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية.

ارتباك أمريكي

اللافت بالنسبة لي لم يكن التقرير نفسه، بل رد فعل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عندما وُجه إليه سؤال مباشر من عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الديمقراطي كريس فان هولين حول هذا الموضوع خلال جلسة استجواب، فقد بدا الرجل مرتبكاً، ورفض التعليق على التقرير، مكتفياً بالقول: إنه لم يطلع عليه وإنها المرة الأولى التي يسمع فيها بمثل هذه المعلومات.

في تقديري، لا يمكن اعتبار هذا الرد دليلاً على عدم صحة ما ورد في التقرير، على العكس من ذلك، فإن طبيعة الإجابة توحي بوجود أساس حقيقي للمعلومات المتداولة، وأن المشكلة ربما كانت في توقيت كشفها أكثر من مضمونها، فالمسجد الأقصى يتمتع بحساسية استثنائية، وأي حديث عن تغيير وضعه القانوني أو الإداري يمكن أن يشعل المنطقة بأسرها ويفتح الباب أمام مواجهة دينية تتجاوز حدود فلسطين.

لكن الحكم الحقيقي على صدقية هذه المعلومات لا يكون من خلال التصريحات السياسية، بل من خلال مراقبة ما يجري على الأرض، وعند النظر إلى السلوك «الإسرائيلي» في القدس خلال الأشهر الأخيرة، تظهر مجموعة من المؤشرات التي يصعب تجاهلها.

تهويد صامت

أول هذه المؤشرات يتمثل في طبيعة الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس منذ شهر رمضان الماضي، واستمرار هذه الإجراءات خلال فترة الحرب مع إيران، فالمتابع يلاحظ تصعيداً واضحاً في التعامل مع المؤسسة التي تمثل عملياً الجهة المشرفة على المسجد الأقصى.

أما المؤشر الثاني فيتعلق بالرسائل المتكررة التي تصدر عن قيادات جماعات المعبد المتطرفة ورموز تيار الصهيونية الدينية، التي تتحدث بصورة متزايدة عن تغييرات كبيرة وقريبة في المسجد الأقصى، وهذه الرسائل لا تبدو منفصلة عن الواقع السياسي، بل توحي بأن أصحابها يتوقعون أو يعلمون بوجود تحولات يجري الإعداد لها.

ويضاف إلى ذلك حملة إعلامية «إسرائيلية» منسقة تستهدف دائرة الأوقاف الإسلامية، وتسعى إلى ربطها بحركة «حماس»، فقد بدأت مواقع اليمين «الإسرائيلي» تنقل خبر الخلاف بين الشرطة «الإسرائيلية» ودائرة الأوقاف على خلفية رفض رئيس مجلس الأوقاف الذهاب للقاء شرطة الاحتلال في مخفر القشلة بالبلدة القديمة في القدس بشكل واسع، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على هذا الحدث، بالتزامن مع نشر مقالات وتصريحات تتهم الأوقاف بأنها تمثل امتداداً لحماس داخل القدس، وهذا النمط يذكرنا بما جرى سابقاً مع وكالة «الأونروا»، حيث سبقت عملية تجريمها وإضعافها حملة إعلامية وسياسية واسعة هدفت إلى شيطنتها ونزع الشرعية عنها، ومن الصعب تجاهل أوجه الشبه بين الحالتين.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً ما تشهده بعض المعالم داخل المسجد الأقصى من تغييرات ميدانية، فقد تم إفراغ عدد من المواقع الأساسية وإخراجها من الخدمة، ومنها قبة موسى (مركز تحفيظ القرآن الكريم) قرب باب السلسلة غربي المسجد الأقصى، وقبة سليمان شمالي المسجد، ودار الحديث، وزاوية الغزالي، وكلاهما يقعان شرقي المسجد، واللافت أن المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى هي المنطقة التي يكثر الحديث في أوساط جماعات المعبد عن إمكانية تحويل أجزاء منها إلى كنيس يهودي.

توظيف سياسي وديني

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن الدور الذي تؤديه شخصيات نافذة داخل تيارات اليمين الديني «الإسرائيلي»، ومن أبرز هذه الشخصيات الحاخام المتطرف شموئيل إلياهو، الذي يقود منذ فترة حملة علنية للدعوة إلى إقامة كنيس داخل المسجد الأقصى، كما انتشر له مؤخراً تسجيل مصور برفقة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يتحدث فيه الأخير عن بناء كنيس داخل المسجد.

وتزداد أهمية هذه التصريحات إذا أخذنا في الاعتبار الأجواء السياسية والانتخابية داخل «إسرائيل»، حيث يسعى بن غفير إلى تعزيز موقعه لدى قواعد اليمين الديني المتطرف، وفي مثل هذه الظروف تصبح القضايا المرتبطة بالمسجد الأقصى أداة تعبئة سياسية وانتخابية بالغة التأثير.

كما شهد الأسبوع الماضي جدلاً واسعاً حول الإعلان عن ولادة بقرة حمراء في الجليل الأعلى، وهو حدث أعاد إلى الواجهة مرة أخرى الخطاب الديني المرتبط بمشروع المعبد، بما يعكس تزاوجاً متزايداً بين البعد الديني والبعد السياسي في الخطاب الذي يرافق هذه التحركات.

وعلى الجانب الآخر، فإن غياب النفي العربي الواضح لما ورد في التقرير، إلى جانب استدعاء الدعم الدولي للدور الأردني في المسجد الأقصى وإيجاد زخمٍ واضحٍ على الساحة الدولية في هذا السياق، يوحي بأن هناك إدراكاً رسمياً لوجود أخطار حقيقية تتعلق بمستقبل الوضع القائم في المسجد، وهو ما يعطي مصداقية لتقرير «ميدل إيست آي».

مجمل هذه المؤشرات لا يسمح بالتعامل مع ما ورد في التقرير باعتباره مجرد تكهنات أو تسريبات إعلامية عابرة، بل إن تراكم الشواهد السياسية والإعلامية والميدانية يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك خطة يجري العمل على تنفيذها بصورة تدريجية، هدفها إعادة تشكيل الواقع الإداري والسيادي في المسجد الأقصى.

ومن الواضح أن هذه الخطة تعد استمراراً لخطة «صفقة القرن» التي كان جاريد كوشنر عرّابَها خلال الفترة الأولى للإدارة الأمريكية الحالية، إذ كان كوشنر قد صرح عام 2017م خلال الاحتفال لاعتبار إدارة ترمب الأولى بالقدس عاصمةً لـ«إسرائيل» ونقل سفارتها إليها أن السيادة «الإسرائيلية» على القدس يجب أن تمتد لكل ما فيها بما فيها المواقع المقدسة، وأضاف يومها أنه يجب إيجاد صيغة ما لفتح «جبل المعبد» لجميع المؤمنين، وهذا بحد ذاته إعلانٌ مسبق للخطة التي كشف النقاب عنها مؤخراً.

في ظل حالة العجز العربي والإسلامي غير المسبوقة، يبقى العامل الشعبي العنصر الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث، فالقضايا الكبرى المرتبطة بالقدس والمسجد الأقصى لم تُحسم يوماً بالإجراءات الرسمية وحدها، بل كانت دائماً مرتبطة بقدرة الشعوب على إبقاء هذه القضية حية في الوعي والاهتمام والحضور، فهل يعي الشعب الفلسطيني ذلك؟