‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الله معروف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الله معروف. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

أين ذهبوا؟.. الحاخام يهودا غليك أخيرا ابتهج بما جرى في الأقصى

أين ذهبوا؟.. الحاخام يهودا غليك أخيرا ابتهج بما جرى في الأقصى

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.


لطالما كانت حركة الرباط في المسجد الأقصى المبارك تُعتبر من أهم عوامل الدفاع عن المسجد وصموده، حيث كان المرابطون حجر الأساس في إعاقة تقدم المستوطنين من جماعات المعبد المتطرفة في مشروعاتهم للسيطرة على المسجد.

وكان مشهد التكبير وحلقات العلم داخل المسجد في أوقات اقتحامات المستوطنين من المشاهد اللافتة التي تزعج المقتحمين وتضيق عليهم الخناق في تحركاتهم في أرجاء المسجد، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى تغيير مسار الاقتحامات أكثر من مرة بسبب ضغط المرابطين وتخوف شرطة الاحتلال من تطور الأوضاع في الأقصى إلى صدامات قد تؤدي إلى تهديد أمن المستوطنين أثناء اقتحاماتهم، كما حدث في مواجهات 10 مايو/أيار 2021 (الموافق 28 رمضان) العنيفة في الأقصى عشية محاولة جماعات المعبد المتطرفة إقامة طقوسها الدينية علنا داخل المسجد، والتي تطورت في نفس اليوم إلى مواجهة مسلحة شاملة عمت الأراضي الفلسطينية في معركة عُرفت باسم "سيف القدس".

لكن الأحداث الأخيرة في المسجد الأقصى، وتصاعد الاعتداءات فيه في السنوات الثلاث الأخيرة منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة عام 2023 أعطت انطباعا عاما بغياب المرابطين عن المسجد بشكل شبه تام، سواء من المقدسيين أو من فلسطينيي الداخل أو حتى من الزوار المسلمين من غير الفلسطينيين، والذين كانت لهم أدوار واضحة في بعض الحالات في سنوات ماضية في كسر الحصار عن المسجد الأقصى، كما حدث قبل سنوات عندما تجمع عدد من المصلين الأتراك خارج باب الأسباط وأدخلوا بعض المرابطين الممنوعين من دخول المسجد الأقصى إليه بالقوة.

وكان الحاخام المتطرف يهودا غليك أحد أكثر المحرضين على المرابطين في ذلك الوقت، حين كان يشتكي من سماع عبارة "الله أكبر" داخل المسجد أثناء الاقتحامات، ولذلك احتفى هذا المتطرف باختفاء المرابطين من الصورة حين نشر فيديوهات يشيد فيها بما سماه "الهدوء" في الأقصى أثناء اقتحامه.

مع غياب المساءلة تماما استغلت الحكومة الإسرائيلية اليمينية ذلك لتفرض على حركة الرباط والصلاة في المسجد الأقصى طوقا خانقا غير مسبوق؛ بهدف قطع شريان الحياة عنه تماما، وبات توزيع أوامر منع الدخول إلى المسجد الأقصى يتم دون أي منطق أو معايير

الصورة العامة التي بتنا نراها اليوم نجد فيها فراغا شبه تام في المسجد الأقصى من حلقات العلم ومن المرابطين، فضلا عن حراس المسجد الأقصى الرسميين الذين يمنع الاحتلال كثيرا منهم من دخول المسجد، حتى وصل الأمر إلى توثيق وجود ما لا يزيد على خمسين مقدسيا فقط داخل المسجد ما بين موظف وحارس ومصلّ من كبار السن في بعض الأيام بالتزامن مع وجود مئات المستوطنين في أرجاء المسجد بحراسة شرطة الاحتلال.

وهذا الأمر بات يثير التساؤلات لدى غير المطلعين على ما يجري في المسجد الأقصى، والذين وصل الأمر ببعضهم إلى اتهام المقدسيين بالتخاذل عن الرباط في الأقصى والوجود فيه، ولا سيما منذ حرب الإبادة في غزة.

لفهم ما يجري، ينبغي علينا رسم مسار كامل لتعامل شرطة الاحتلال مع حركة الرباط على مدار أكثر من خمسة عشر عاما، لنرى كيف عملت السياسة الإسرائيلية على تحييد المرابطين في الأقصى ومنعهم من أداء الأدوار التي قاموا بها في حماية المسجد على مدار الساعة خلال السنوات الأخيرة.

فهذه الحركة بدأت فعليا باتخاذ اسم "الرباط" المأخوذ من معنى "الثبات في المسجد" لحمايته منذ حوالي عشرين عاما، أي بالتزامن مع استئناف شرطة الاحتلال إدخال المستوطنين إلى المسجد الأقصى بالقوة بعد منع استمر ثلاث سنوات منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في سبتمبر/أيلول 2000.

حيث تميز الرباط في ذلك الوقت بكونه رباطا مؤسسيا، أي بتنظيم ورعاية كاملة من مؤسسات رسمية مقدسية ومن فلسطينيي الداخل، وكان ذلك من خلال مشروع طموح أطلقته عدة مؤسسات سمي "مصاطب العلم في المسجد الأقصى"، وكانت فكرة المشروع تقضي بعقد حلقات علمية على مصاطب المسجد الأقصى المنتشرة في جميع ساحاته خلال فترات الصباح متزامنة مع الاقتحامات، بحيث تستقطب أعدادا غفيرة من المصلين إلى الأقصى صباحا، وتمنع المستوطنين من الاستفراد بالمسجد.

ساهم هذا المشروع في حماية المسجد ومنع عدد كبير من الاعتداءات، ولا سيما عامي 2012 و2014، الأمر الذي استدعى من سلطات الاحتلال العمل على إخراج الحركة الإسلامية الشمالية في الداخل الفلسطيني ومؤسساتها عن القانون وإغلاق كافة منافذ هذا الرباط المؤسسي سعيا منها لخنق حركة الرباط، وتبع ذلك إعلانها إخراج المرابطين عن القانون وتصنيف "الرباط" و"المرابطين" تنظيما محظورا! وكان الرد على ذلك انطلاق هبّة السكاكين في القدس عام 2015 التي كادت تتطور إلى انتفاضة ثالثة.

كان الحاخام المتطرف يهودا غليك أحد أكثر المحرضين على المرابطين في ذلك الوقت، حين كان يشتكي من سماع عبارة "الله أكبر" داخل المسجد أثناء الاقتحامات، ولذلك احتفى هذا المتطرف باختفاء المرابطين من الصورة حين نشر فيديوهات يشيد فيها بما سماه "الهدوء" في الأقصى أثناء اقتحامه

وإزاء هذا التصنيف تحولت حركة الرباط في الأقصى إلى تيار جماعي غير مؤسسي، بمعنى أنه أصبح تيارا اجتماعا غير منضبط بمؤسسة محددة، مما صعّب على القوات الإسرائيلية منعه وملاحقته، واضطرت بسبب ذلك إلى البدء بتتبع المرابطين الأكثر ظهورا في الإعلام وضربهم بشكل فردي؛ أملا في إضعاف هذا الحراك ووقف الرباط بشكل كامل.

وهذه السياسة كادت تنجح رغم بطئها الشديد لولا تدخل الزوار المسلمين من الخارج، الذين باتوا يشكلون عصبا مهما للرباط في المسجد الأقصى، وخاصة فيما بعد هبَّة باب الرحمة عام 2019، لا سيما أنهم يحملون جوازات سفر غربية ويدخلون بصفتهم سياحا، وهذا الأمر استدعى استهدافهم ابتداء من عام 2022، حيث بدأت شرطة الاحتلال باستهدافهم تدريجيا عبر إعادة تعريف "المسلم"، وتخصيصه بالفلسطيني فقط، بينما أصبحت تعامل المسلمين من غير الفلسطينيين معاملة السياح من غير المسلمين، وتبلغهم إلى أن دخولهم المسجد يتم في نفس وقت الاقتحامات فقط باعتبارهم "سياحا"، والمفارقة أن تنفيذ هذه السياسة بدأ بإحدى أصعب الجنسيات نظريا وهم حملة الجنسية البريطانية.

ولعل إسرائيل كانت تسعى في ذلك إلى استهداف الدولة التي يفترض بها معاملة مواطنيها بطريقة مختلفة نظرا للعلاقات القديمة بين بريطانيا وإسرائيل، ثم عممت ذلك على الجنسيات الأخرى من جنوب أفريقيا إلى كندا إلى أستراليا وأخيرا في الأعوام الثلاثة الأخيرة تركيا.

وكانت في كل ذلك تقوم بالفعل، ثم تنتظر حتى تقيس رد الفعل الدولي، وحين لا تجد ردود فعل قوية من تلك الدول الأوروبية تجاه مواطنيها، تنتقل لاستهداف مواطني دولة أخرى.

بهذه السياسات نجحت سلطات الاحتلال في تضييق الخناق على حركة الرباط في المسجد الأقصى داخليا وخارجيا حتى قبل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول. لكن حرب الإبادة على قطاع غزة كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فقد استغلت سلطات الاحتلال في القدس انفلات عقال جيشها في غزة قتلا وإحراقا وتدميرا، وانفلات عقال شرطتها في السجون بحق الأسرى تنكيلا وتجويعا بل وقتلا أيضا، لتحدث في المجتمع المقدسي صدمة ترويع غير مسبوقة منذ النكبة الفلسطينية.

ومع غياب المساءلة تماما استغلت الحكومة الإسرائيلية اليمينية ذلك لتفرض على حركة الرباط والصلاة في المسجد الأقصى طوقا خانقا غير مسبوق؛ بهدف قطع شريان الحياة عنه تماما، وبات توزيع أوامر منع الدخول إلى المسجد الأقصى يتم دون أي منطق أو معايير.

فقد وثّق المراقبون في إحدى الحالات دخول أفراد الشرطة إلى الجامع القبلي في صلاة العصر وتوزيع أوامر جماعية بمنع الدخول إلى المسجد الأقصى على جميع المصلين الذين وقفوا في الصف الأول في المسجد أثناء الصلاة! وبات كل شخص على بوابات المسجد الأقصى عُرضة لاستلام ورقة موقعة مسبقا بالمنع من دخول المسجد لفترات مختلفة تتراوح ما بين أسبوع إلى ستة أشهر.

وهذه الأوامر لم يعد التصديق عليها يحتاج إلى موافقة قائد الشرطة كما كان الوضع سابقا، وإنما يكفي لأي شرطي على أبواب المسجد أن يمنع من شاء ومتى شاء وكيف شاء من دخول المسجد دون أي سبب، والحجة في ذلك "حماية الأمن"، وهي عبارة هلامية سهلة التأويل.

استغلت سلطات الاحتلال في القدس انفلات عقال جيشها في غزة قتلا وإحراقا وتدميرا، وانفلات عقال شرطتها في السجون بحق الأسرى تنكيلا وتجويعا بل وقتلا أيضا، لتحدث في المجتمع المقدسي صدمة ترويع غير مسبوقة منذ النكبة الفلسطينية

جميع هذه الإجراءات شكلت صدمة للمجتمع الفلسطيني في القدس والداخل، الذي اعتاد على مدار عقود على الاهتمام الإسرائيلي الشديد بصورته أمام العالم، ومحاولة إظهار نفسه دولة قانون وديمقراطية. ولذلك، فإن استيعاب المجتمع لواقع عدم اهتمام إسرائيل الجديدة لانكشاف صورتها البشعة الحقيقية أمام العالم يحتاج وقتا، وعندها لا بد من أن يتعامل معه المجتمع الفلسطيني وفق ما يقتضيه الموقف.

ولذلك فإن إسرائيل اليوم تسابق الوقت قبل استيقاظ المجتمع الفلسطيني وثورته على هذه المنظومة الفاشية القديمة-الجديدة.

وفيما يخص المسلمين الأوروبيين والأتراك، فإن التوتر الشديد والقطيعة اللذين يسودان العلاقة بين إسرائيل وهذه الدول بسبب حرب الإبادة، كتلك التي بين إسرائيل وأيرلندا وتلك التي بين إسرائيل وتركيا شجعا إسرائيل على محاولة ضرب وصول المواطنين من هذه الدول إلى المسجد كنوع من الانتقام من سياسات حكوماتهم تجاه إسرائيل، ولعل تركيا تتصدر المشهد في هذه النقطة.

وهذا الأمر في الحقيقة لا يضعف مواقف هذه الدول ومواطنيها بقدر ما يقويها في أعين المقدسيين الذين باتوا يفرّقون بين مَن تحتفي بهم إسرائيل في المسجد الأقصى ومن تكره وجودهم، وهذا بحد ذاته يعد معيارا للقبول والرفض فلسطينيا.

الاحتلال الآن يتعامل مع فكرة تقسيم الأقصى زمنيا باعتبار أن الوقت حان لتثبيتها أمرا واقعا، وما زال يستغل الصدمة التي أحدثها لدى المقدسيين للوصول إلى حالة تختفي فيها حالة الرباط تماما، ويسلِّم فيها الفلسطينيون بالأمر الواقع الجديد في المسجد الأقصى.

لكن الواقع يقول إن حركة الشعوب لا تسير بهذا الشكل، ولا يمكن للقوة محو تيار فكري اجتماعي كفكرة الرباط في الأقصى بهذه البساطة، وذلك لأن المرابطين لو كانوا ينتظرون أن تسمح لهم إسرائيل بالرباط في المسجد دون دفع ثمن لرباطهم لما سموا أنفسهم بهذا الاسم أصلا.


الأحد، 20 سبتمبر 2026

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير

"المخلص" المنتظَر في إسرائيل قد يكون الفخ الكبير
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو

قبل أسابيع عدة كنت أتابع جلسة حوارية أكاديمية حول الانتخابات الإسرائيلية، واستغربت تبشير بعض الحاضرين بقرب "انتهاء الأزمة" التي تتمثل في نظرهم في حكومة نتنياهو فقط، وذلك من خلال "الحل السحري": غادي آيزنكوت!

لدى البحث والتمحيص، تبين أن عددا من الجهات المرتبطة بأنظمة رسمية عربية وإقليمية تنتظر قدوم آيزنكوت وتكاد تعتبره "المخلص" القادم الذي سيعيد "أيام رابين" -كما قالها لي أحد المحللين حرفيا- وكأن أيام رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين كانت أيام السمن والعسل والبركة والسلام.

ولا أستطيع إخفاء استغرابي مما أعتبره سطحية في النظر إلى الواقع الإسرائيلي ومحاولة للتعلق بأي قشّة، وإن كانت شخصا مثل آيزنكوت بكل ما يمثله تاريخه وفكره القومي، الذي يضعه في خانة الصقور لا الحمائم في إسرائيل.

"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول

هذا لا يعني أن فوز حزب آيزنكوت وتمكنه من تشكيل حكومة -إن حدث- لن يشكل سابقة في السياسة الإسرائيلية. فعلى جميع الأحوال، إن أصبح آيزنكوت المغربي الأصل رئيس الحكومة الإسرائيلية القادم، فإنه سيكون أول يهودي شرقي "مزراحي" يصل إلى رأس الحكومة في إسرائيل منذ إنشائها، وهذا بحد ذاته أمر جديد في إسرائيل التي هيمن فيها اليهود الغربيون "الأشكناز" تاريخيا على مؤسسات الدولة.

ومن المفارقة ألا نجد دولة غربية تناقش هذه العنصرية الإسرائيلية تجاه اليهود الشرقيين الذين لم يكن منهم أي رئيس للأركان أو رئيس للحكومة، حتى كسر موشيه ليفي العراقي الأصل هذه القاعدة بعد نحو أربعين عاما على قيام الدولة، فكان أول يهودي شرقي يصل إلى رئاسة أركان الجيش، بينما لم يتمكن يهودي شرقي من كسر هذه القاعدة فيما يتعلق برئاسة الحكومة منذ نحو ثمانين عاما حتى اليوم.

لعل هذا هو الشيء الوحيد المميز في آيزنكوت لو أصبح رئيس الحكومة القادم. ولكن الواقع أنه لن يكون له أي ميزة أخرى تجعله يجري تغييرا هائلا في السياسة الإسرائيلية الحديثة فيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، أو يحدث انقلابا في هذه السياسة كما يتأمل البعض. ويرجع ذلك لعدة اعتبارات:

أول هذه الاعتبارات هو أن تيار الصهيونية الدينية أحدث اختراقا عميقا وانقلابا كبيرا في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية، ولا سيما في جهازي الشرطة والاستخبارات، وهذه الأجهزة تعمل بالدرجة الأولى في الداخل الإسرائيلي. وتمكن التيار بالفعل من تأسيس دولة ظل مسلحة موازية للدولة، ولا سيما بين مستوطني الضفة الغربية.

وبالتالي فإن أي حكومة تحاول تجاوز التيار أو العودة إلى ما قبل تسلمه السلطة، ستضطر لدخول حرب عميقة لتخليص أجهزتها الأمنية الرئيسية من سيطرة هذا التيار عليها واقتلاع أثره من الحياة السياسية الإسرائيلية، وهذه مسألة تحتاج إلى إرادة سياسية كاملة، وسنوات من العمل الطويل، وتأييد شعبي جارف لتنفيذه، وهذا متعذر في الظروف الحالية دون المغامرة باحتمالية الدخول في انشقاق أو حرب أهلية في إسرائيل.

انزياح المجتمع الإسرائيلي المستمر نحو اليمين يجعل من غير المرجح لأي حكومة قادمة أن تحاول تحدي هذه المنظومة الاجتماعية اليمينية المتشددة، وهذا المجتمع الذي يمجد العنف أصبح في ربع القرن الأخير يميل دائما إلى تأييد من يظهر المزيد من القوة والعنف تجاه ما يعتبره خطرا على الدولة.

فالمجتمع الإسرائيلي مثلا ليس ضد الحرب على قطاع غزة، والصراع المتعلق بهذه الحرب داخل إسرائيل لا يرتبط بفكرة الحرب ذاتها، لأن الحرب تتمتع بتأييد ساحق في المجتمع، وإنما يقع الاختلاف في أبعاد هذه الحرب وأهدافها وكيفية فرضها ومدتها ونتائجها.

الاعتبار الثاني يتعلق بكون غادي آيزنكوت من اليهود الشرقيين الذين يلفهم الشعور بالدونية في إسرائيل. وهذا ما قد يجعل من المستبعد أن يجري تغييرا كبيرا في السياسة الخارجية الإسرائيلية. بل بالعكس، فمن المرجح تاريخيا أن كثيرا من أبناء الأقليات أو الفئات التي تعاني من الدونية يميلون إلى المزيد من التشدد والإفراط في إظهار الولاء للمشروع إذا وصلوا استثنائيا إلى سدة الحكم، وذلك لإثبات ولائهم وكونهم جزءا أصيلا من منظومة المشروع.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها

أما طبيعة شخصية آيزنكوت باعتباره صاحب "عقيدة الضاحية" التي قام عليها التدمير الواسع في قطاع غزة، فهي ثالث الاعتبارات التي يجب أخذها بمنتهى الاهتمام ودراستها بعمق.

و"عقيدة الضاحية" التي صاغها آيزنكوت بعد حرب لبنان عام 2006، تقوم فكرتها على استعمال قوة تدميرية هائلة غير متناسبة ضد المناطق والبنية التحتية التي تعمل منها منظمات المقاومة المسلحة، وهذا بالضبط هو ما نفذته إسرائيل في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وبالتالي فإن آيزنكوت في الحقيقة كان له أثر كبير في هذه الحرب حتى وهو خارج رئاسة الأركان. وهذه النقطة بحد ذاتها تبين أنه ليس شخصية حمائمية، وإنما يعتبر من الشخصيات اليمينية المتشددة، ولا سيما في الجانب الأمني.

كما أنه أعلن بوضوح خلال الحرب على غزة أن الحديث عن قيام دولة فلسطينية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول مجرد "هذيان"، رافضا بشكل قطعي مجرد طرح هذا الموضوع للتفاوض. وتحليل هذا الأمر في شخصيته يرجع إلى كونه فقد ابنه الأصغر (غال)، الذي كان مسعفا قتاليا في قوات الاحتياط، في جباليا في قطاع غزة يوم 7 ديسمبر/كانون الأول 2023 أثناء عملية عسكرية مرتبطة باستعادة جثث أسرى إسرائيليين. كما أنه فقد أيضا اثنين من أبناء إخوته أو أخواته، (ماور كوهين آيزنكوت) و(يوغاف بازي)، في الحرب على غزة.

فإذا أضفنا هذا الفقد إلى خلفيته العسكرية المتشددة المرتبطة بـ"عقيدة الضاحية"، فإن ذلك يرجح كونه شخصا مدفوعا بعقيدة الانتقام الشخصي والسخط ضد الفلسطينيين، ولا يجعل من المنطق أصلا التفكير في أنه يمكن أن يغير نظرته بسهولة.

حتى عندما يتعلق الأمر بالاستيطان في الضفة الغربية، فإن آيزنكوت ليس معارضا للاستيطان، بل هو مشجع شرس للاستيطان في جميع أرجاء الضفة الغربية، ولم تكن معارضته لمشروع "إي 1" الاستيطاني في القدس مدفوعة برفض فكرة الاستيطان نفسها، وإنما كانت مدفوعة بكون المشروع أتى -حسب آيزنكوت- في وقت غير مناسب وهو مضر بإسرائيل.

فهو من الشخصيات التي تبني مواقفها على ما يتعلق بمصلحة الدولة أولا وصورتها في العالم. وهو يتبع في ذلك مدرسة بن غوريون الدبلوماسية، التي يسوّق آيزنكوت نفسه أمام جمهوره على أنه مجدد لها.

يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة. لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية

لعل النقطة التي ينطلق منها بعض المحللين في تفاؤلهم بقدوم آيزنكوت هي كونه لا يظهر حماسا خاصا في الناحية الدينية المسيحانية والخلاصية كالذي يظهر لدى أقطاب تيار الصهيونية الدينية. فآيزنكوت لم يصدر عنه حتى اليوم أي تصريح يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك أو باقتحامات المستوطنين له، ولم يعبر عن أي موقف في هذا الاتجاه سواء مع أو ضد الاقتحامات وأداء الطقوس الدينية في المسجد أو غير ذلك من اعتداءات ذات طابع ديني في المواقع المقدسة.

وهذه النقطة قد يراها البعض إيجابية، خاصة أن آيزنكوت كان رئيس أركان الجيش خلال أحداث هبّة باب الأسباط والبوابات الإلكترونية التي انتهت بإزالة البوابات بضغط أمني (لا ندري إن كان آيزنكوت جزءا منه أم لا).

لكن هذا الغموض في الحقيقة ليس إيجابيا كما يظن البعض. فصمت آيزنكوت على ما يقوم به بن غفير في المسجد الأقصى لا يعني رفضه لما يجري، وإنما قد يكون نابعا بالدرجة الأولى من كونه ينظر إلى الدين ضمن فكرة الدولة، باعتباره يهوديا تقليديا قوميا ابتداء، أي إنه لا يرى في الدين تناقضا مع الدولة، بل يرى أن الدولة ينبغي أن ترعى الدين، بعكس تيار الصهيونية الدينية الذي يقدم الاعتبار الديني الخلاصي على الاعتبار السياسي أو اعتبارات الدولة نفسها.

والدة آيزنكوت المغربية المتدينة صرحت عام 2014 أنها كانت تأمل أن يكون آيزنكوت حاخاما، وادعت أنه يضع اعتبارات خاصة للدين، وأن لديه مرجعية حاخامية ثابتة يستشيرها في كل شيء.

وهذا الأمر قد يجعل غموض آيزنكوت في هذا الجانب مقصودا لاعتبارات تتعلق بخلفيته العسكرية الصارمة التي تحرص على عدم إظهار أي أثر للمعتقدات الشخصية في القرارات المرتبطة بمصلحة الدولة.

وقد تكون الحالة الوحيدة التي تجاوز فيها آيزنكوت هذا الغموض كلمته التي ألقاها في منطقة حائط البراق خلال طقوس إحياء ما يسمى "يوم القدس" وخصصها للصلاة لأجل الجيش. وهذه المسألة تعني أن آيزنكوت لن يكون بالضرورة ضد عمل جماعات المعبد المتطرفة في المسجد الأقصى إن رأى أن هذا الأمر لن يضر بأمن الدولة، وهو ما يعتمد بالدرجة الأولى على ردود الفعل العربية والإسلامية على ما يجري في الأقصى كما رددنا غير مرة.

باختصار، يمكن القول إن آيزنكوت يعتبر خصما لتيار الصهيونية الدينية المتطرف فيما يتعلق بشكل الدولة، والقضاء، وعنف المستوطنين، ودور بن غفير وسموتريتش في الدولة.


لكنه ليس نقيضا كاملا لهذا التيار في المسألة الفلسطينية: بل يلتقي معه حاليا في رفض الدولة الفلسطينية، وفي أولوية السيطرة والأمن والقوة، ويختلف عنه في أنه يبرر ذلك بمنطق الأمن والواقعية والمصلحة الدولية، لا بوعد توراتي أو خلاص ديني. وهو بالتالي ليس حمامة سلام، بل صقرا تقطر جناحاه دما وإن حمل في منقاره غصن زيتون.

الأحد، 30 أغسطس 2026

ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

 ككارثة بن غوريون.. تصريحات نتنياهو ضد المستوطنين هي الأخطر

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لا أبالغ إذا قلت إن ما يجري في الضفة الغربية منذ عدة أسابيع من عدوان وحرب منظمة تشنها مليشيات المستوطنين وقطعانهم على قرى وبلدات الضفة الغربية يعيد إلى الأذهان عمليات المليشيات والعصابات الصهيونية المسلحة التي شنتها ضد القرى الفلسطينية عشية النكبة الفلسطينية قبل زهاء ثمانين عاما، والتي نتج عنها أكبر عملية تطهير عرقي في الأراضي الفلسطينية، ما زال بسببها أكثر من نصف الشعب الفلسطيني مشتتا في أنحاء العالم حتى اليوم. إلى هذه الدرجة تصل وحشية وخطورة ما يجري في الضفة الغربية اليوم.

مع تصاعد الغضب العالمي لما يجري، اضطر بنيامين نتنياهو أمس إلى إدانة ما سماه "أعمال العنف الإجرامية التي ارتكبها عدد قليل من مثيري الشغب" في قريتي قصرة وجالود في الضفة الغربية، وكذلك خرج السفير الأمريكي في إسرائيل القس مايك هاكابي أيضا بتصريح مماثل يقول فيه إن "نصف مليون إسرائيلي في الضفة مشمئزون من مجموعة مشاغبين يوصفون خطأ بالمستوطنين".

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948، حين أصدر بيانا باسم الوكالة تبرأ فيه من الإرغون واعتبر أن المجزرة "عمل وحشي ومخز لا يتفق مع روح الشعب اليهودي وتقاليده وتطلعاته"، ليتبين في النهاية أن المجزرة كانت جزءا من الخطة (د) التي أقرها بن غوريون نفسه.

لتدور الأيام، وتصبح منظمة إرغون التي صنفت إرهابية في ذلك الوقت مؤسسة رسمية، بل وتدخل الانتخابات ويفوز زعيمها "مناحيم بيغن" برئاسة حكومة إسرائيل، ثم يتبجح رئيس الوزراء بيغن لاحقا بالمجزرة بقوله:

 "إن المذبحة لم تكن مبررة فحسب، بل ما كانت دولة إسرائيل لتوجد لولا النصر في دير ياسين".

إعلان

هكذا تلعب إسرائيل لعبة "الشرطي الجيد والشرطي السيئ"، فعندما يتعلق الأمر بالمستوطنين، لا يمكن أن يقال إن الإرهاب الذي يحدث حاليا في الضفة الغربية يقوم به بضعة "مشاغبين"، ولا أنه "لا يمثل" فئة المستوطنين في الضفة، وكأن هؤلاء حمائم سلام جاءت لتعيش في مستوطنات الضفة الغربية لتصنع "السلام" مع سكان الأرض الأصليين لا لتستأصلهم من أرضهم بأي ثمن.

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة.

هذه التصريحات في الحقيقة ليست أكثر من استهلاك إعلامي يشابه كثيرا ما فعله بن غوريون عندما كان رئيسا تنفيذيا للوكالة اليهودية قبيل النكبة الفلسطينية، غداة ارتكاب منظمة الإرغون الإرهابية مجزرة دير ياسين الوحشية غربي القدس عام 1948

إن ما يجري الآن في بلدتي قصرة وجالود وقبلهما في يتما وحوارة وترمسعيا والقرى الأخرى في الضفة الغربية، ليست أحداثا معزولة، بل إن قراءة شاملة لمساحة الاعتداءات وبؤر التوحش الاستيطانية في الضفة تثبت أن الأمر أعمق من ذلك، وأنه مخطط شامل يشبه الخطة (د) التي أفضت في النهاية -مع الصمت العالمي- إلى عملية التطهير العرقي الكبرى ضد الشعب الفلسطيني عشية النكبة.

لاستيعاب ذلك ينبغي أن نقرأ خريطة الضفة ككل: إذ تمتد الضفة الغربية على مساحة 5660 كيلومترا مربعا (شاملة شرقي القدس)، من جنين شمالا حتى قرى جنوب الخليل جنوبا، ومن نهر الأردن شرقا حتى شريط طولكرم-قلقيلية غربا، الذي لا يبعد عن ساحل البحر الأبيض المتوسط أكثر من حوالي 10 كيلومترات هوائية فقط، وهذه المساحة يسكنها اليوم حوالي 3.43 ملايين فلسطيني.

ومنذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية عام 1967، بدأت مباشرة في عملية الاستيطان فيها، حيث بدأت بناء أول مستوطنة في الضفة في سبتمبر/أيلول بعد ثلاثة أشهر فقط من الحرب، وهي مستوطنة "كفار عصيون" جنوب بيت لحم.

وانتشرت المستوطنات منذ ذلك الوقت لتتحول اليوم إلى كتلة حقيقية يصل نفوذها الأمني والعمراني والهيكلي إلى حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية، ويسكنها أكثر من 540 ألف مستوطن، إضافة إلى حوالي 230 ألف مستوطن في شرقي القدس وحدها.

ويتوزع هؤلاء على ثلاث كتل استيطانية رئيسية هي: كتلة مستوطنات نابلس في شمال الضفة، وأكبرها مستوطنة "أرئيل" التي صنفتها إسرائيل مدينة، وكتلة مستوطنات رام الله في وسطها، وأكبرها مستوطنة "موديعين"، وكتلة مستوطنات الخليل في جنوب الضفة، وأكبرها تكتل "غوش عصيون" الاستيطاني.

وبلغ عدد المستوطنات الرسمية التي أقامتها الحكومة الإسرائيلية بالفعل 146 مستوطنة، إضافة إلى 104 مستوطنات أقرت الحكومة الحالية بناءها في الضفة منذ عام 2022، لكن هناك بالمقابل أكثر من 390 بؤرة استيطانية أقامتها مجموعات المستوطنين المتطرفين الذين يقومون اليوم بعمليات الإرهاب ضد السكان في الضفة.

والبؤر الاستيطانية هي بؤر توحش حقيقية تقيمها مليشيات مختلفة، أشهرها "فتية التلال" و"نحالاه" و"أمانا"، وهذه الجماعات هي التي يحاول اليوم نتنياهو وهاكابي التبرؤ منها واعتبارها مجرد "مشاغبين".

الوقائع كلها في الضفة تثبت أولا أن ما يجري هناك هو نتاج خطة أصيلة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لا فرق فيها بين يسار ويمين ووسط. وتثبت ثانيا أن المستوطنين ليسوا حمائم سلام، بل هم مجموعات شديدة التطرف ترى نفسها في مهمة دينية لتنفيذ "وعد الرب" في هذه البقعة

هؤلاء الذين يسميهم نتنياهو "مشاغبين" ليسوا مجرد مجموعات صغيرة معزولة، بل إنهم جماعات قوية مسلحة، يرأسها عدد من أشد المتطرفين عنفا، وبرعاية حكومية كاملة. فشخص مثل زئيف حيفر، زعيم منظمة "أمانا"، يعتبر أهم شخصية غير حكومية في بناء المستوطنات والبؤر نفسها، حيث تعتبر حركته "أمانا" الذراع التاريخية الكبرى لتطوير المستوطنات المرتبطة بحركة غوش إيمونيم (جماعة الإيمان) الدينية المتطرفة.

إعلان

ووصفها تقرير رسمي للخارجية الأمريكية في 2024 بأنها أكبر منظمة تعمل في تطوير المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير الرسمية في الضفة الغربية، ومنظمته أسست عشرات البؤر على أراض فلسطينية.

وهذا الشخص نفسه كان عضوا في "التنظيم اليهودي السري" الذي أدين في ثمانينيات القرن العشرين بمحاولة تفجير قبة الصخرة المشرفة لإنشاء المعبد المزعوم مكانها، وقضى فترة في السجن. ثم تحول لاحقا إلى أحد أكثر الأشخاص نفوذا في المؤسسة الاستيطانية، حيث يملك شبكة علاقات واسعة داخل الحكومة والجيش والإدارة المدنية، وأدار شركات وهيئات مرتبطة بإنشاء البؤر الاستيطانية.

كما أنه مهندس فكرة "المزارع الرعوية" التي يهاجم فيها المستوطنون جنوب الضفة الغربية، مزارع الفلاحين الفلسطينيين وتجمعاتهم ويطردونهم بحجة إقامة مزارع ومناطق رعي أغنام خاصة بالمستوطنين، ويتباهى حيفر بأن فكرة مزارعه الرعوية باتت تسيطر على مساحة من الأراضي تبلغ 2.5 ضعف المساحة العمرانية لجميع المستوطنات مجتمعة في الضفة الغربية.

أما دانييلا فاييس، فهي شخصية باتت معروفة إعلاميا بجهودها في محاولة العودة لاستيطان قطاع غزة بالذات، ولها أيضا جهود كبيرة في الضفة من خلال حركتها "نحالاه" التي تدفع باتجاه إقامة تجمعات وبؤر جديدة هناك، وهي كانت أيضا عضوا في حركة غوش إيمونيم الدينية المتطرفة.

وكذلك يعمل رؤساء مجالس المستوطنات من أمثال يوسي داغان رئيس ما يسمى "المجلس الإقليمي في السامرة" لمستوطنات شمال الضفة، والذي يرعى عمليات الترهيب والاستيطان شمال الضفة، ويسرائيل غانتس رئيس ما يسمى "مجلس ماتيه بنيامين" ورئيس "مجلس يشع" الذي أصبح الهيئة المظلية الممثلة لجميع المستوطنات لدى حكومة الاحتلال.

الضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات

وأما جماعات فتية التلال الإرهابية، فترأسها شخصيات شديدة التطرف الديني، ولعل من أخطر هذه الشخصيات إليشاع يريد، أحد قادة مليشيا "فتية التلال" وجماعة "تدفيع الثمن" المتورطة في إحراق منازل ومركبات الفلسطينيين وخاصة في قرية المغير، وكذلك مائير إيتتينغر، حفيد الحاخام المتطرف مائير كاهانا مؤسس منظمة "كاخ" الإرهابية، وكذلك بنتسيون غوبشتاين مؤسس وزعيم منظمة "لاهافا" المتطرفة، وهذا الأخير كان أيضا تلميذا للحاخام كاهانا.

هذه الشخصيات تسترشد برؤية الحاخام مائير كاهانا الذي يعتبر أحد الأسس التي تقوم عليها أفكار تيار الصهيونية الدينية اليوم في إسرائيل. حيث كان يرى ضرورة طرد الفلسطينيين بالقوة، وهذا هو شعار منظمته "كاخ" أي (هكذا) مع شعار البندقية. وهي مجموعات ترى في نفسها رسلا للرب ويد الله العظمى في الأرض، وهذا ما صرحت به أكثر من مرة دانييلا فاييس نفسها.

والضفة الغربية في رؤية هذه الجماعات أكثر أهمية دينيا من الساحل الفلسطيني؛ لأنها تمثل "يهودا والسامرة" التي قامت فيها ممالك بني إسرائيل القديمة، فهي بالتالي ليست مجرد أرض ذات أهمية إستراتيجية، بل ذات أصول دينية عميقة في وجدان هذه الشخصيات والجماعات.

فإذا ذهبنا إلى المستوى الرسمي الإسرائيلي، نجد هذه الشخصيات مرتبطة بشكل كامل تقريبا بالوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. فالأول مسؤول عن تمويل هذه الجماعات عبر تمرير مبالغ طائلة للاستيطان من خلال وزارة المالية التي يقف على رأسها، والأخير هو المسؤول الأول عن تسليح هذه الجماعات عبر إعلانه توزيع أكثر من 300 ألف قطعة سلاح على المستوطنين في الضفة الغربية دون أي قيود.

وهو ما يعني بالضرورة ارتباط هذه الشخصيات ذات الرؤية الدينية المشتركة ببعضها في تكامل واضح بين الرسمي وغير الرسمي في إسرائيل.

هذه الحقائق كلها تجعل كلام نتنياهو وهاكابي كلاما في الهواء، إذ إن نتنياهو يرى نفسه في مهمة مقدسة لتنفيذ رؤية "أرض الميعاد" كما صرح هو في الإعلام، وهاكابي يرى نفسه في مهمة إلهية لتنفيذ "رؤية الرب" في تفريغ هذه الأرض من سكانها لصالح من يرون أنفسهم "شعب الله"، وهو من أعلن أن الضفة الغربية لا بد أن تسمى "يهودا والسامرة".

حيث صرح عام 2017 بوضوح " لا يوجد شيء اسمه الضفة الغربية؛ إنها يهودا والسامرة، ولا يوجد شيء اسمه مستوطنات؛ إنها مجتمعات وأحياء ومدن، ولا يوجد شيء اسمه احتلال".

ولا أخطر على العالم من وحشية نرجسيين يرون أنفسهم ممثلين لله في الأرض لا يخطئون ولا يناقشون، فهذه وصفة للكارثة كما أثبت التاريخ دائما.

الأحد، 16 أغسطس 2026

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

ليس غريبا وجود المسجد الأقصى المبارك على قائمة الموضوعات المطروحة في الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما في أجندات اليمين المتطرف. وذلك لأن هذا الملف يعتبره أقطاب تيار الصهيونية الدينية ملفا رابحا داخليا، وفي نفس الوقت ليس عالي التكلفة على المستوى الفلسطيني حسب تقديراتهم.

وهذه نقطة للأسف ظهرت بوضوح مؤخرا في تصريحات كثيرة لدى قادة وحاخامات تيار الصهيونية الدينية، الذين يتباهون بقدرتهم على تغيير الوضع القائم في الأقصى دون أن "تقوم القيامة" كما يستهزئ هؤلاء في تصريحاتهم الإعلامية.

مرة أخرى يعود المسجد الأقصى إلى الواجهة ويتحول إلى واحد من ملفات الانتخابات الإسرائيلية أواخر أكتوبر/تشرين الأول القادم لدى تيارات اليمين، ولا سيما تيار الصهيونية الدينية.

وهنا لا بد من التذكير بأن تيار الصهيونية الدينية لا يتمثل عموما في حزب واحد، وإن كان أكبر الأحزاب الذي يمثل هذا التيار هو حزب "الصهيونية الدينية" الذي يرأسه بتسلئيل سموتريتش، وهو تيار عابر للأحزاب، حيث يوجد في حزب الليكود الحاكم اليوم عدد كبير من أتباعه.

ويعود ذلك إلى أن بداية دخول أتباع هذا التيار في الحياة السياسية الإسرائيلية كان من خلال تغلغلهم داخل حزب الليكود، قبل أن ينطلقوا في تأسيس أحزابهم الخاصة كحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش، وحزب "العظمة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب "الهوية" بزعامة موشيه فيغلين، وغيرها من الأحزاب.

وبالرغم من التباين الواضح في مسألة حدود التعامل مع مسألة اقتحام المسجد الأقصى، حيث يقتحمه بن غفير وفيغلين فيما يتحفظ سموتريتش على اقتحامه التزاما بفتوى الحاخامية الرسمية لإسرائيل التي تحرم ذلك، فإن ما يتفق عليه جميع أبناء هذا التيار هو ضرورة تغيير الوضع القائم في الأقصى وسحبه تماما من الإدارة الإسلامية، وإلغاء دائرة الأوقاف الإسلامية نهائيا، وفرض السيادة والإدارة الإسرائيلية بالكامل على المسجد.

إعلان

ومن هنا، كان من الطبيعي إقحام الأقصى في حمى الانتخابات الإسرائيلية القادمة عبر الدعاية الانتخابية من قلب المسجد، كما فعلت الناشطة اليمينية المتطرفة سمادار هيلا شموئيلي، المرشحة لانتخابات حزب الليكود التمهيدية عن فئة النساء، حيث اقتحمت المسجد في 10 أغسطس/آب الجاري، ونشرت صورتها في المنطقة الشرقية منه، والتي بات المستوطنون يتعاملون معها باعتبارها كنيسا يهوديا حقيقيا داخل المسجد.

وبذلك أطلقت شموئيلي دعايتها الانتخابية من قلب المسجد، علما بأنها تقدمت للترشح على قائمة حزب الليكود، وليس على إحدى قوائم أحزاب تيار الصهيونية الدينية.

المسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط

إضافة إلى ذلك، فإن اقتحام شخصيات كبيرة على رأسها الحاخام يهودا غليك المسجد الأقصى يوم 13 أغسطس/آب الجاري بمناسبة بداية الشهر العبري يأتي ضمن السياق نفسه، ولا ننسى هنا أن غليك وإن لم يكن قد طرح نفسه بعد على قائمة معينة في الانتخابات ولا توجد مؤشرات لترشحه للكنيست حتى الآن، إلا أنه كان قد قدم نفسه بالفعل عام 2020 مرشحا لرئاسة الدولة.

وبالتالي فإن قيادته اقتحاما واسعا في ذلك اليوم جاء في السياق التحضيري لانتخابات الكنيست القادمة، إن لم يكن لأجل نفسه فلأجل تقوية من سيقدمه غليك أمام الجمهور الإسرائيلي من التيارات والأحزاب الإسرائيلية المتنافسة، وتحديدا تيار الصهيونية الدينية.

على الهامش هنا، من الواضح أن تيار الصهيونية الدينية ما زال يصر على البقاء ضمن توليفة من عدة أحزاب، وكذلك داخل حزب الليكود، بل ويحاول تقوية نفوذه داخل هذا الحزب.

وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي ما زالت تعطي حزب الليكود الحجم الأكبر بين أحزاب اليمين الإسرائيلية. بل إن بعض استطلاعات الرأي رجحت احتمالية عدم تمكن بعض أحزاب الصهيونية الدينية من تجاوز عتبة الدخول للكنيست أصلا، وعلى رأسها حزب "الهوية" وحزب "الصهيونية الدينية" نفسه.

ولعل هذا ما يجعل بن غفير يعتبر نفسه الممثل الشرعي والوحيد لتيار الصهيونية الدينية مستقبلا، إن تمكن من حصد أغلبية الأصوات التي ستصب في كفة أحزاب الصهيونية الدينية بدلا من الليكود.

وعندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب موعد الاقتحامات الطويل الشهر القادم وأكتوبر/تشرين الأول الذي يليه، حيث يشهدان ما يسمى "رأس السنة العبرية" و"يوم الغفران" و"عيد المظلة-سوكوت" الذي ينتهي بالذكرى العبرية لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كل هذا قبل انطلاق الانتخابات الإسرائيلية مباشرة.

ولذلك فمن الطبيعي أن نشهد اقتحامات لبن غفير وأقطاب تيار الصهيونية الدينية للأقصى في تلك الفترة القريبة.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا

إذن، فالمسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط. فجماعات المعبد المتطرفة والمستوطنون من أتباع تيار الصهيونية الدينية لم يعودوا يقتنعون بالوعود فيما يتعلق بالمسجد، وباتوا ينتظرون من يقدم لهم حلولا عملية للسيطرة على المسجد وإدارته.

إعلان

وهذا هو الملف الذي يبرع فيه بن غفير، الذي يجب أن نعترف بأنه استطاع أن يحقق للمستوطنين ما لم يتمكن غيره من تحقيقه حتى الآن. فبن غفير هو الذي سمح رسميا للمستوطنين بأداء الصلوات علنا داخل المسجد الأقصى، وهو الذي أمر شرطته بقطع التعامل تماما مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ما لم تخضع للوضع الجديد الذي يريد فرضه، والذي يجعل السلطة العليا في المسجد بيد شرطة الاحتلال لا بيد دائرة الأوقاف.

وبن غفير هو الذي أمر بنصب المظلة المؤقتة في المنطقة الشرقية من المسجد خلال اقتحامات ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في يوليو/تموز الماضي. وبالتالي فإن بن غفير هو الذي يقدم للمستوطنين "أملا" ببناء كنيس داخل المسجد، وإلغاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية رسميا خلال العام القادم، كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

وفي هذا الصدد، ينبغي الإشارة إلى أن ردود الفعل العربية والإسلامية على هذه الأفعال لا تزال تشير إلى فقدان حقيقي للبوصلة، وعدم تقدير صحيح لحجم ما يجري في المسجد الأقصى.

فبالرغم من أن اجتماع وزراء الخارجية الذي حصل في الأردن صدر عنه بعض الإجراءات العملية التي تجاوزت ما اعتدناه من بيانات الشجب والتنديد والاستنكار: كإنشاء منصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية للأماكن المقدسة والمصلين، والبدء بحملة دبلوماسية دولية لإلزام إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، باحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس وأماكنها المقدسة، إلا أن حجم ما يجري في المسجد في الواقع يتجاوز هذا الأمر بكثير.

فالمشكلة في المسجد ليست في غيابه عن الإعلام -مع تأكيدنا على أهمية دور الإعلام في هذه المعركة- والاقتصار على الجهود الدبلوماسية لا يتجاوز أروقة المنظمات الدولية التي باتت إسرائيل لا تجد غضاضة في إعلان عدم الاعتراف بها أصلا- كما حدث مع الأونروا والمحكمة الجنائية الدولية.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا.

ولذلك فإننا تجاوزنا مرحلة الوقاية إلى العلاج. والواجب الآن العمل على "استعادة" الوضع القائم الذي غيرته إسرائيل تماما. وهذا العنوان -أي استعادة الوضع القائم- له أدوات سياسية ودبلوماسية وشعبية تختلف تماما عن عنوان "الحفاظ" على الوضع القائم.

عندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة



ضمن الدعاية الانتخابية، انتشر قبل أيام مقطع مصور للحاخام شموئيل إلياهو، حاخام مدينة صفد وأحد منظري تيار الصهيونية الدينية، كان يستهزئ فيه بفكرة الخوف من ردود الفعل الإسلامية على أي فعل في المسجد الأقصى، 
وقال: (في الأسبوع الماضي كان عندي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، 
وقال لي: "كل هذه التهديدات مجرد كلام فارغ ولا قيمة لها، ها هم [المستوطنون] يصعدون إلى المكان ويسجدون ويصلون، ماذا حدث؟ لا حرب عالمية أولى ولا ثانية ولا شيء" بل إن بن غفير قال لي: "نحن سنضيف هناك الآن مباني ومظلات" 
وكل هذا التحضير من أجل كنيس يهودي، والكنيس اليهودي هو تمهيد من أجل بناء المعبد، وهذه هي خطط حكومة إسرائيل).

إذن، فالأمر واضح، وهذا الكلام برغم ما يظهر فيه من استهزاء فإنه يدل على ثلاث مسائل: الأولى حضور المسجد الأقصى بقوة في خطاب تيار الصهيونية الدينية الانتخابي، وخاصة لدى أقطابه من رجال الدين، ولا يمكن بالتالي تصور أن يتخلى أبناء هذا التيار عن هذه الورقة الرابحة لحشد جمهورهم اليميني المتطرف.
إعلان
والثانية أن الحكومة الإسرائيلية نفسها لديها مشروع واضح صريح لإقامة كنيس في المسجد يعتبر مقدمة للسيطرة عليه بالكامل وبناء معبدها المزعوم، ولا نية لديها للعودة إلى الوراء في المسجد الأقصى ما لم يتم إجبارها على ذلك. والثالثة أن مفتاح الحل يكمن في كلام الحاخام إلياهو والوزير بن غفير نفسه، حيث إن ما يشجعهما على التقدم في المسجد واستخدامه ورقة انتخابية هو غياب الخوف من دفع ثمن باهظ.


فإذا رجع التخوف لدى الحكومة الإسرائيلية من أن ثمن ما تفعله في المسجد الأقصى أكبر من أن تتحمله، فإنها لن تتوانى لحظة في التوقف والتراجع، وهذا ما أكدته الوقائع في السنوات العشر الأخيرة.

السبت، 8 أغسطس 2026

جماعات التكفير الحاخامية.. هل تضع إسرائيل في طريق النهاية؟

 جماعات التكفير الحاخامية.. هل تضع إسرائيل في طريق النهاية؟