‏إظهار الرسائل ذات التسميات غزة تحت النار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات غزة تحت النار. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 30 أغسطس 2026

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة

«تشات جي بي تي».. والإبادة في غزة
 






محمد جمال عرفه..
كاتب صحفي ومحلل سياسي

لما حضرتك تستسهل وتروح تبحث عن (مجازر غزة) أو (إبادة غزة) على مواقع الذكاء الصناعي خصوصا الموقع الأميركي (تشات جي بي تي) وتنقل هذه المعلومات عنه كما هي سوف تكتشف أن إسرائيل – وليس جي بي تي- ضحكت عليه.. كيف؟!

الصهاينة لم يكتفوا بتمويل حملات دعاية ضمن ما يُسمى عندهم بالعبرية (الهاسبارا) ولكنه يحاولون بكل طريقة ممكن التدخل في الذكاء الصناعي وتلقينه معلومات مزيفة عن مجزرة غزة تتضمن روايتها هي لما جرى.. يعني تروي لك أن (إرهابيين) من حماس هاجموا إسرائيل وقتلوا (أطفال رضع) وأحرقوهم و(اغتصبوا) الإسرائيليات وكل هذه معلومات كاذبة غير صحيحة ليبرروا في النهاية أنهم (دافعوا) عن أنفسهم وذهبوا غزة ليقتلوا (الإرهابيين)!!

الجديد الذي تحدثت عنه صحف “الجارديان” البريطانية و”يديعوت احرونوت” الإسرائيلية هو أنه لمزيد من اقناع جمهور “تشات دي بي تي” بأن ما ينشرونه (حقيقي) وليس (مزيف) هو أنه وصل بهم الفُجر لحد اختلاق وفبركة معهد أبحاث أوروبي وهمي سموه (معهد هانوفر للسياسات العامة) ومولوه كي ينتج مواد يتم تغذية الذكاء الصناعي بها للتلاعب بمعلوماته وتبرئتها من مجازر غزة؟

الدولة الصهيونية قامت بهندسة روايتها لمجازر غزة داخل “تشات جي بي تي” عبر مركز الأبحاث الوهمي هذا لدرجة أن معهد “هانوفر” الوهمي نشر 124 تقريرا و560 ألف كلمة تتضمن معلومات مفبركة عن العدوان على غزة في 9 أيام بهدف السيطرة على إجابات الذكاء الاصطناعي حين تدخل حضرتك وتسأل جي بي تي مثلا عن غزة بحسن نية!!

انتبهوا وخدوا بالكم.. حتى “الغراب” يقف فوق علم إسرائيل لينبهكم.

الخميس، 30 يوليو 2026

قراءة في كتاب "محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

   قراءة في كتاب"محكمة غزة".. كتاب جديد لجيرمي كوربين يضع بريطانيا في قفص الاتهام

 لندن ـ عربي21 

ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟

في كتابه الجديد "محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية"، يضع السياسي البريطاني جيريمي كوربين، إلى جانب الأكاديميَّين نيف غوردون وشهد حمّوري، قضية الدور البريطاني في الحرب على غزة أمام محكمة من نوع مختلف: ليست محكمة دولة ذات اختصاص قضائي، وإنما منصة تحقيق عامة تسعى إلى جمع الشهادات والأدلة وتوجيه سؤال سياسي وقانوني إلى الحكومة البريطانية: إلى أي مدى أسهمت لندن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجرائم التي ارتُكبت في غزة؟



الكتاب، الصادر عن دار "بليتو بريس" في تموز/يوليو 2026، يقع في نحو 190 صفحة، ويقدّم نفسه بوصفه حصيلة أو امتدادًا لتحقيق علني حمل الاسم نفسه، شارك فيه شهود فلسطينيون، وصحفيون، وعاملون في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وناشطون في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب أصوات من داخل مؤسسات الدولة البريطانية. وتختتم الكتابَ كلمةٌ للكاتبة الأيرلندية سالي روني.

لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أسماء المشاركين فيه، ولا في الجدل الذي قد يثيره عنوانه، بل في محاولته نقل النقاش حول غزة من سؤال «ماذا فعلت إسرائيل؟» إلى سؤال آخر لا يقل حساسية: "ماذا فعلت الدول التي قدمت الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وما حدود مسؤوليتها القانونية والأخلاقية؟".. وهنا تحديدًا يضع الكتاب بريطانيا تحت المجهر.

من غزة إلى بريطانيا.. تغيير زاوية النظر

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

غير أن "محكمة غزة" يحاول إعادة رسم خريطة المسؤولية. فبدل الاكتفاء بالنظر إلى الفاعل المباشر، ينطلق من سؤال أوسع: هل يمكن فهم الحرب وما نتج عنها من قتل ودمار وتجويع ونزوح من دون فحص شبكة الدعم والتحالفات التي أحاطت بها؟

منذ اندلاع الحرب على غزة، تركز جانب كبير من النقاش السياسي والإعلامي في الغرب على مسؤولية إسرائيل المباشرة عن العمليات العسكرية، وعلى طبيعة الهجوم الذي شنته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وعلى الكارثة الإنسانية التي تلت ذلك.

في هذه القراءة، لا تظهر بريطانيا باعتبارها طرفًا ثانويًا أو مراقبًا بعيدًا، بل باعتبارها دولة ذات نفوذ سياسي وعسكري واستخباري، وعضوًا دائمًا في مجلس الأمن، وحليفًا تاريخيًا لإسرائيل، وبلدًا يمتلك علاقات وثيقة مع قطاع الصناعات العسكرية الإسرائيلية.

ومن هنا تأتي أطروحة الكتاب الأساسية: أن مسؤولية الدول لا تتوقف عند حدود إصدار الأوامر العسكرية، وإنما قد تمتد إلى الأفعال التي تسهم في تمكين الانتهاكات أو تسهيلها أو توفير الغطاء السياسي لها، إذا توافرت الشروط القانونية التي تجعل من تلك الأفعال أساسًا للمساءلة.

هذه الأطروحة هي التي تمنح الكتاب أهميته، لكنها في الوقت نفسه تجعله كتابًا جدليًا وسياسيًا بامتياز، لا مجرد سرد توثيقي محايد.

"المحكمة" التي ليست محكمة

من المهم التوقف عند طبيعة المشروع نفسه. فـ "محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وقد انعقدت جلسات المشروع على مدى يومين، وقُسّمت أعمالها إلى أربعة محاور رئيسية: ما الذي حدث في غزة؟ وما المسؤوليات القانونية لبريطانيا؟ وما الدور الذي قامت به بريطانيا؟ وهل أوفت الحكومة البريطانية بالتزاماتها القانونية؟ كما استمعت إلى شهادات فلسطينيين، وأطباء وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء في القانون الدولي، وصحفيين، ومبلغين عن مخالفات داخل مؤسسات الدولة.

هذا التفصيل مهم جدًا لفهم الكتاب. فالكتاب لا ينبغي قراءته باعتباره "حكمًا قضائيًا" على بريطانيا، بل باعتباره ملف اتهام سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا، يسعى مؤلفوه إلى وضعه في المجال العام، تمهيدًا للمطالبة بتحقيق رسمي.

ومن هذه الزاوية، فإن كلمة "محكمة" في العنوان تؤدي وظيفة رمزية: إنها تستدعي فكرة المساءلة، وتقول إن غياب التحقيق الرسمي لا يعني غياب الأسئلة، وإن عدم وجود محكمة تنظر في المسؤولية البريطانية لا يعني أن هذه المسؤولية يجب أن تبقى خارج النقاش.

جيريمي كوربين.. من البرلمان إلى "المحكمة"

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

لكن مشاركة كوربين تحمل أيضًا بعدًا آخر. فهي تعكس، في جانب منها، انتقال قضية غزة من المؤسسات الرسمية التي رفضت إنشاء تحقيق حكومي مستقل إلى فضاء سياسي بديل يسعى إلى خلق ضغط شعبي وإعلامي.

وقد ارتبط المشروع بمحاولة كوربين الدفع باتجاه تحقيق مستقل في الدور البريطاني في الحرب، بما يشمل قضايا مثل تصدير الأسلحة، والعمليات الاستخبارية، واستخدام قواعد بريطانية، والتعاون العسكري مع إسرائيل. ووفق الموقع الرسمي للمشروع، فقد قدم كوربين في مجلس العموم مشروع قانون يدعو إلى إنشاء تحقيق مستقل في مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، إلا أن الحكومة رفضت إنشاء مثل هذا التحقيق.

وبذلك، فإن الكتاب لا يأتي من فراغ، بل يمثل مرحلة توثيقية وسياسية لمشروع أوسع يريد أن يبقي السؤال مفتوحًا: لماذا لم تُجرَ، حتى الآن، مراجعة مستقلة وشاملة للدور البريطاني؟

نيف غوردون وشهد حمّوري.. حين يدخل القانون الدولي إلى قلب النقاش

إذا كان كوربين يمثل البعد السياسي، فإن مشاركة نيف غوردون وشهد حمّوري تضيف إلى المشروع بعدًا قانونيًا وأكاديميًا.

غوردون أستاذ للقانون الدولي وحقوق الإنسان في جامعة كوين ماري في لندن، بينما تعمل حمّوري في مجال القانون الدولي والنظرية القانونية، وهي أيضًا مستشارة قانونية أولى في مؤسسة "Law for Palestine"، بحسب البيانات التعريفية المنشورة عن الكتاب. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الكتاب: فهو لا يكتفي بتوثيق معاناة الفلسطينيين، بل يحاول ربط تلك المعاناة بسؤال المسؤولية الدولية للدول. فالقانون الدولي لا ينظر فقط إلى الجريمة باعتبارها فعلًا مباشرًا، بل يناقش أيضًا مسؤولية الدول عن المساعدة أو التحريض أو التسهيل في ظروف محددة، فضلًا عن واجبات الدول في منع الجرائم الدولية الخطيرة ومعاقبة مرتكبيها.

"محكمة غزة" ليست محكمة دولية رسمية، ولا تتمتع بسلطة إصدار أحكام ملزمة، ولا تمثل جزءًا من منظومة القضاء الدولي. إنها، بحسب القائمين عليها، تحقيق عام مستقل يهدف إلى جمع الأدلة والشهادات حول الدور البريطاني في الحرب على غزة، وإلى الدفع باتجاه تحقيق رسمي من جانب الدولة البريطانية.

وهذا يفتح الباب أمام أسئلة معقدة: هل يمكن لدولة أن تتحمل مسؤولية قانونية بسبب تصدير أسلحة إلى طرف متهم بارتكاب جرائم حرب؟ ما حدود مسؤولية الدولة عندما تكون على علم، أو يُفترض أنها على علم، باحتمال استخدام تلك الأسلحة في انتهاكات جسيمة؟ هل توفير الدعم الاستخباري أو اللوجستي يمكن أن يدخل في نطاق المسؤولية القانونية؟ ما الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ ومتى يتحول الدعم العسكري أو الدبلوماسي من "تحالف سياسي" إلى "مساعدة" يمكن أن تترتب عليها مسؤولية دولية؟

هذه الأسئلة هي قلب الكتاب، وهي أيضًا أكثر أجزائه قابلية للنقاش والجدل.

الشهادات الإنسانية.. غزة كما يراها من عاشها

لا يكتفي الكتاب بالتحليل القانوني والسياسي، بل يعتمد، بحسب التعريف المنشور عنه، على شهادات أصلية من فلسطينيين، وصحفيين، وعاملين في المجال الإنساني، ومدافعين عن حقوق الإنسان، وخبراء قانونيين، ومبلغين عن مخالفات.

هذه الشهادات تؤدي وظيفة مزدوجة. من جهة، تنقل النقاش من مستوى التجريد السياسي إلى مستوى التجربة الإنسانية: المستشفى، والركام، والنزوح، والجوع، وفقدان أفراد الأسرة، وتدمير البنية المدنية. ومن جهة أخرى، تحاول الشهادات أن تجيب عن سؤال أوسع: كيف تتحول القرارات التي تُتخذ في لندن أو واشنطن أو عواصم أخرى إلى واقع يعيشه إنسان في غزة؟

فالسلاح الذي يغادر مصنعًا في بلد ما لا يبقى مجرد قطعة معدنية؛ قد يصبح جزءًا من منظومة عسكرية تُستخدم في مكان آخر. والمعلومة الاستخبارية التي تُجمع عبر وسائل المراقبة قد تتحول إلى عنصر في عملية عسكرية. والموقف الدبلوماسي الذي تتخذه دولة في مجلس الأمن قد يؤثر في قدرة المجتمع الدولي على الضغط. بهذا المعنى، يحاول الكتاب تفكيك المسافة بين صانع القرار البعيد والضحية القريبة.

القضية الأكثر حساسية.. السلاح البريطاني

ربما يكون ملف الأسلحة هو أكثر الملفات إثارة للجدل في النقاش حول المسؤولية البريطانية.
فالكتاب يطرح، في جوهره، سؤالًا عن العلاقة بين مبيعات الأسلحة البريطانية والتعاون الدفاعي مع إسرائيل من جهة، وما يجري في غزة من جهة أخرى.

وتزداد المسألة تعقيدًا بسبب طبيعة صناعة السلاح الحديثة، حيث لا تكون الدولة بالضرورة هي المصنعة لكل منظومة عسكرية كاملة، وإنما قد تنتج مكونات تدخل في سلاح أو طائرة تُستخدم لاحقًا في عمليات عسكرية.

وهنا تظهر قضية طائرات F-35، التي كانت من الملفات التي أثيرت في النقاش العام البريطاني بشأن استمرار توريد بعض المكونات المرتبطة بالبرنامج، حتى في ظل القيود التي فرضتها لندن على بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما طُرحت أسئلة حول ما إذا كانت تلك المكونات يمكن أن تدخل في عمليات عسكرية في غزة.

هذه القضية ليست بسيطة قانونيًا، لأن إثبات المسؤولية يتطلب أكثر من إثبات وجود علاقة تجارية أو عسكرية؛ بل يتطلب بحثًا في طبيعة المعرفة، والنية، والقدرة على التوقع، ونوع المساعدة المقدمة، ومدى ارتباطها بالفعل محل الاتهام.

وهنا تحديدًا تأتي قيمة الكتاب: إنه يحاول نقل النقاش من العبارة السياسية العامة "بريطانيا تدعم إسرائيل" إلى أسئلة أكثر تحديدًا حول ماذا قدمت بريطانيا؟ ومتى؟ وكيف؟ وما الذي كانت تعرفه؟ وما الذي كان يتعين عليها فعله؟

الاستخبارات البريطانية.. الملف الذي يفتح بابًا آخر

من القضايا التي يركز عليها مشروع "محكمة غزة" أيضًا دور الطلعات الاستطلاعية والمراقبة التي تنفذها بريطانيا. فقد أثيرت أسئلة حول رحلات المراقبة التي تنطلق من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في أكروتيري بقبرص، وما إذا كانت المعلومات التي يتم جمعها تُستخدم فقط في عمليات البحث عن الأسرى والرهائن، أم يمكن أن تدخل ضمن العمليات العسكرية الأوسع.

هذا الملف حساس للغاية، لأن المعلومات الاستخبارية بطبيعتها لا تظهر دائمًا للعلن، كما أن تحديد كيفية استخدامها يتطلب الوصول إلى وثائق وبيانات رسمية.

لكن مجرد طرح القضية يكشف أحد التحولات المهمة في النقاش حول الحروب الحديثة: لم تعد المسؤولية العسكرية مرتبطة فقط بمن يضغط على الزناد، بل أصبحت تمتد إلى منظومات البيانات والمراقبة والاستهداف والدعم اللوجستي.

ومن هنا يحاول الكتاب مساءلة مفهوم "المشاركة" نفسه: هل المشاركة تعني إرسال جنود إلى الميدان؟ أم يمكن أن تشمل أيضًا توفير المعلومات أو الوسائل أو البنية التحتية التي تجعل العمليات ممكنة؟

"التواطؤ".. كلمة ثقيلة تحتاج إلى تعريف دقيق

عنوان الكتاب نفسه يستخدم كلمة شديدة الحساسية: "التواطؤ". لكن من الضروري التمييز بين استخدام الكلمة في الخطاب السياسي وبين معناها القانوني. ففي المجال السياسي، قد يُقال إن دولة ما "متواطئة" لأنها توفر الدعم السياسي أو العسكري لدولة أخرى. أما في المجال القانوني، فإن المسؤولية عن المساعدة أو الاشتراك في جريمة دولية لها شروط ومعايير أكثر تعقيدًا، ولا يكفي فيها مجرد وجود تحالف سياسي.

وهذا أحد الجوانب التي تجعل الكتاب مادة خصبة للنقاش، لكنه في الوقت ذاته يجعل من الضروري التعامل معه باعتباره طرحًا يسعى إلى إثبات أطروحة محددة، لا باعتباره قرارًا قضائيًا نهائيًا.

فالكتاب يريد أن يقول إن بريطانيا ليست مجرد متفرج، وإن أفعالها تستحق التحقيق. أما إثبات المسؤولية القانونية النهائية، فهو أمر مختلف، ويتطلب إجراءات وأدلة واختصاصًا قضائيًا.
وهذا التمييز لا يقلل من أهمية الكتاب؛ بل ربما يزيدها، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح: هل ينبغي فتح تحقيق مستقل؟

بين "التحقيق" و"الإدانة".. المساحة التي يريد الكتاب احتلالها

من أكثر الأفكار أهمية في المشروع كله أن الكتاب لا يطالب فقط بإدانة سياسية، وإنما يطالب، في جوهره، بفتح باب التحقيق. وهذا فارق جوهري. فالإدانة تفترض الوصول إلى نتيجة، أما التحقيق فيفترض وجود أسئلة تستحق الإجابة.

وجود جيريمي كوربين في قلب المشروع يمنحه وزنًا سياسيًا واضحًا. كوربين، الذي كان زعيمًا لحزب العمال البريطاني ونائبًا في مجلس العموم، ظل من أبرز الأصوات السياسية البريطانية المناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة، وأكثر الشخصيات البرلمانية البريطانية انتقادًا لسياسات حكومة بلاده تجاه إسرائيل.

ومن هنا يمكن قراءة "محكمة غزة" بوصفها محاولة لملء الفراغ الذي يرى مؤلفوها أنه نشأ عن غياب تحقيق رسمي شامل في الدور البريطاني. فالكتاب يقول، بصورة غير مباشرة، إن المجتمع البريطاني يحتاج إلى معرفة: ما طبيعة الدعم العسكري الذي قدمته بريطانيا؟ ما الذي قدمته أجهزة الاستخبارات؟ كيف استخدمت القواعد العسكرية البريطانية؟ ما حجم التعاون العسكري؟ ماذا كانت الحكومة تعرف عن طبيعة العمليات الإسرائيلية؟ ما الإجراءات التي اتخذتها لمنع الانتهاكات؟ وهل كانت تلك الإجراءات كافية؟ وهل اتخذت لندن قراراتها على أساس تقييم قانوني مستقل أم على أساس اعتبارات سياسية وتحالفية؟

إنها أسئلة لا يمكن حسمها بمجرد الخطابات السياسية، بل تحتاج إلى وثائق وشهادات وتحقيقات.

سالي روني.. الأدب يدخل على خط القضية

تأتي مشاركة سالي روني في الكتاب من خلال كلمة ختامية، وهو اختيار له دلالة رمزية. فروني ليست خبيرة قانون دولي ولا سياسية، لكنها واحدة من أبرز الأصوات الأدبية الأوروبية التي اتخذت مواقف علنية بشأن فلسطين. وجودها في خاتمة الكتاب يفتح مساحة مختلفة: مساحة الأخلاق والضمير الإنساني.

فالكتاب، رغم طابعه السياسي والقانوني، لا يريد أن يكون مجرد ملف قانوني بارد. إنه يريد أيضًا أن يطرح سؤالًا أخلاقيًا: ماذا يعني أن يشاهد العالم مأساة بهذا الحجم، ثم يواصل التعامل معها من خلال لغة المصالح والتحالفات؟ هنا تصبح الأدبيات والشهادات والوقائع القانونية جزءًا من سؤال واحد: متى يصبح الصمت نفسه موقفًا؟

الكتاب بوصفه "أرشيفًا" للحرب

يصف الناشر الكتاب بأنه يجمع بين كونه سجلًا للأدلة وبين كونه دعوة عاجلة إلى التحقيق والمساءلة.  وهذا ربما يكون أحد أهم أدواره. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان، وإنما تُحسم أيضًا في معركة الذاكرة والتوثيق.

وفي حالة غزة، أصبح التوثيق نفسه ساحة صراع: من يوثق؟ من يروي؟ من يحدد المصطلحات؟ من يملك القدرة على الوصول إلى المعلومات؟ ومن يملك الحق في تفسيرها؟
في هذا السياق، يسعى "محكمة غزة" إلى أن يكون جزءًا من أرشيف مضاد، أي أرشيف لا يكتفي بتوثيق الضحايا، وإنما يحاول أيضًا توثيق قرارات المؤسسات والدول التي، بحسب مؤلفيه، ساهمت في استمرار الحرب أو فشلت في منعها.

وبغض النظر عن الموقف من الاستنتاجات السياسية للكتاب، فإن هذه الوظيفة الأرشيفية قد تصبح ذات قيمة كبيرة مستقبلًا، خصوصًا إذا فتحت الحكومات أو المحاكم أو المؤسسات الدولية تحقيقات رسمية حول أدوار الدول الغربية في الحرب.

ما الذي يميز الكتاب؟

يمكن تلخيص أهم نقاط قوة الكتاب في أربعة عناصر:

أولًا ـ تغيير زاوية السؤال: فهو لا يكتفي بدراسة ما جرى في غزة، بل يدرس أيضًا ما جرى في لندن، وما بينهما من روابط.

ثانيًا ـ الجمع بين الشهادة والقانون والسياسة: فالكتاب لا يقدم القضية من زاوية واحدة، وإنما يربط التجربة الإنسانية بالقواعد القانونية وبصناعة القرار السياسي.

ثالثًا ـ فتح ملف المسؤولية الغربية: في وقت ركز فيه كثير من النقاش العالمي على مسؤولية إسرائيل، يضع الكتاب الدول الداعمة أمام أسئلة مباشرة حول أدوارها.

رابعًا ـ تحويل القضية إلى مطلب مؤسسي: فالغاية النهائية ليست فقط إقناع القارئ بأن بريطانيا أخطأت، بل الدفع نحو تحقيق مستقل يحدد المسؤوليات بناء على الأدلة.

لكن ماذا عن نقاط الضعف؟

مثل أي كتاب سياسي ذي أطروحة واضحة، لا يخلو "محكمة غزة" من نقاط يمكن أن تكون موضع نقد. أبرزها أن المشروع ينطلق من موقف سياسي محدد مسبقًا، وهو ما قد يجعل بعض القراء المتشككين يرونه أقرب إلى ملف اتهام منه إلى تحقيق محايد.

كما أن الاعتماد على مفهوم "التواطؤ" يتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة القانونية، لأن المسؤولية السياسية لا تساوي بالضرورة المسؤولية الجنائية أو الدولية.

كذلك، فإن قوة الكتاب ستعتمد، في النهاية، على جودة الأدلة التي يقدمها، وعلى مدى قدرته على التفريق بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات التي يخلص إليها المؤلفون.

لكن هذه الملاحظات لا تلغي أهمية الكتاب؛ بل تعني أن قيمته الحقيقية قد تكون في إثارة الأسئلة التي يريد أن تفتح تحقيقات أخرى باب الإجابة عنها.

الكتاب في سياق أوسع ـ أزمة السياسة البريطانية تجاه غزة

لا يمكن قراءة "محكمة غزة" بعيدًا عن التحول الذي شهدته السياسة البريطانية خلال الحرب.
فقد تعرضت الحكومات البريطانية المتعاقبة لضغوط متزايدة من قطاعات واسعة من الرأي العام، ومن منظمات حقوق الإنسان، ومن نشطاء، ومن شخصيات سياسية وأكاديمية، بسبب موقفها من الحرب وعلاقاتها العسكرية والسياسية مع إسرائيل.

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي المقابل، دافعت الحكومات البريطانية عن مواقفها باعتبارها قائمة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وعلى ضرورة إطلاق سراح الرهائن، مع اتخاذ إجراءات وتغييرات في سياسة تصدير الأسلحة خلال الحرب.

وبين هذين الموقفين، يأتي الكتاب ليقول إن النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند السؤال السياسي: "هل تؤيد إسرائيل أم فلسطين؟" بل يجب أن ينتقل إلى سؤال قانوني ومؤسسي أكثر تحديدًا:
هل التزمت بريطانيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي؟ وهذا التحول في صياغة السؤال مهم للغاية، لأنه يجعل القضية أقل ارتباطًا بالاصطفافات الأيديولوجية وأكثر ارتباطًا بمفهوم المسؤولية.

لماذا هذا الكتاب مهم عربيًا؟

بالنسبة للقارئ العربي، قد يبدو الكتاب للوهلة الأولى موجهًا إلى الجمهور البريطاني، لكن أهميته تتجاوز ذلك. فالمسألة الأساسية التي يطرحها ليست بريطانية فقط. إنها تتعلق بمسؤولية الدول التي تقدم الدعم العسكري والسياسي في النزاعات المسلحة.

وفي العالم العربي، حيث لطالما كان السؤال حول الدور الغربي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي حاضرًا بقوة، يقدم الكتاب مادة تساعد على فهم كيف يُعاد تعريف المسؤولية في الحروب الحديثة.

فإذا كانت الدولة لا تشارك بجنودها مباشرة، لكنها توفر السلاح أو المعلومات أو الدعم الدبلوماسي، فهل تبقى خارج دائرة المساءلة؟ هذا السؤال لا يخص بريطانيا وحدها. إنه سؤال يمكن طرحه على دول كثيرة، وفي نزاعات كثيرة، وهو ما يجعل الكتاب يتجاوز الحالة الفلسطينية إلى نقاش أوسع حول النظام الدولي ومسؤولية الدول عن الحروب التي تدعمها.

كتاب في زمن الحرب.. أم وثيقة للمستقبل؟

ربما تكون القيمة الأهم لـ "محكمة غزة" هي أنه يصدر في لحظة لا تزال فيها الأحداث موضع نزاع سياسي وقانوني وإعلامي. وفي مثل هذه اللحظات، غالبًا ما تكون الحقيقة غير مكتملة، والوثائق ناقصة، والروايات متصارعة. لكن التاريخ لا يُكتب فقط بعد انتهاء الحروب. أحيانًا يبدأ توثيقه أثناء وقوعها.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره محاولة لحفظ مجموعة من الشهادات والأسئلة التي قد تعود إليها لجان التحقيق والمؤسسات القضائية والمؤرخون في المستقبل. فالسؤال الذي يطرحه الكتاب قد لا يُحسم بمجرد صدوره، لكنه قد يبقى مفتوحًا لسنوات: ما الذي كانت تعرفه بريطانيا؟ وماذا فعلت؟ وماذا كان بإمكانها أن تفعل ولم تفعله؟

هذه الأسئلة، في نهاية المطاف، هي التي تحدد الفرق بين دولة تراقب حدثًا من الخارج، ودولة قد تكون، بصورة أو بأخرى، جزءًا من منظومة الدعم التي جعلت استمرار الحرب ممكنًا.

خلاصة
"محكمة غزة: تواطؤ بريطانيا في الإبادة الجماعية" ليس كتابًا عن غزة وحدها، ولا عن بريطانيا وحدها. إنه كتاب عن المسؤولية. مسؤولية الدولة التي تبيع السلاح، ومسؤولية الحكومة التي توفر الغطاء السياسي، ومسؤولية الأجهزة التي تقدم المعلومات، ومسؤولية المؤسسات التي تعرف ثم تصمت، ومسؤولية المجتمع الدولي عندما يتحول القانون إلى لغة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

لكن الكتاب، في الوقت نفسه، يظل مشروعًا سياسيًا ذا أطروحة واضحة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا. لذلك فإن أهم ما يمكن أن يفعله هو أن يدفع النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى دائرة الأدلة والتحقيق والمساءلة.

وربما يكون هذا هو الرهان الحقيقي للمؤلفين: ألا تبقى قضية الدور البريطاني في حرب غزة مجرد فصل في سجال سياسي، بل أن تتحول إلى ملف مفتوح يستحق التحقيق الرسمي. ففي نهاية المطاف، لا يطالب الكتاب القارئ فقط بأن يجيب عن سؤال: "من المسؤول؟" بل يضع أمامه سؤالًا أكثر إلحاحًا: "هل نعرف بما يكفي لكي نبدأ التحقيق؟" والإجابة التي يقدمها الكتاب هي: نعم، حان الوقت لفتح الملف.



الثلاثاء، 10 فبراير 2026

سورة «الماعون» وحصار غزة.. صمت عين العاصفة

سورة «الماعون» 

وحصار غزة.. صمت عين العاصفة

محمد صالح البدراني

أَرَءَيتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱليَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلمِسكِينِ (3) فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ (4) ٱلَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ (5) ٱلَّذِينَ هُم يُرَآءُونَ (6) وَيَمنَعُونَ ٱلمَاعُونَ (7) (سورة الماعون)

تكذيب عملي مع تدين شكلي:


في سورة الماعون، ترسم الآيات القليلة صورة لمجتمع انفصلت فيه العبادة عن الأخلاق، والإيمان عن الرحمة، والعبادة عن العمل الاجتماعي.

إنها سورة قصيرة، لكنها تنسف النفاق الديني وتفضح زيف التدين الذي ينفصل عن الموقف الأخلاقي تجاه الإنسان، خصوصًا حين يكون هذا الإنسان ضعيفًا أو مظلومًا فما بالكم بغزة العزة وهي تتعرض لإبادة ليس بقنبلة ذرية ولا باجتياح وإنما بأسلوب همجي متخلف من حصار يستطيع من يأكل أن يأكل ومن يشرب أن يشرب وهو يرى إخوته يموتون جوعا وهو يذهب إلى المسجد ليصلي والى أفراحه وأتراحه وكل عناوين اللامبالية، الجاهلية والكفر لم ترض أن يستمر حصار شعب أبي طالب وكانوا يعلمون أن الغذاء يهرّب لهم، لكننا نقبل ونعيش حياتنا وكأن شيئا لم يكن.

عندما كنا نقرأ هذه الآيات كنت استغرب كيف يكون الويل لمصلٍ كيف يكون وعيد الله لعباد لا تعلن الكفر، لكن ما نراه في غزة وتجاهل مقيت هو إفراغ لمعنى الدين رغم بقاء التدين الغريزي فأي دين يبقى حين يُترك اليتيم تحت الأنقاض، والمسكين بلا دواء ولا ماء، ثم تُقام الصلوات في قاعات مكيفة دون أن تُقض مضاجعنا من مشهد طفل ينزف على الهواء؟

الصمت العربي:
أخرجوا آل لوط من قريتكم

غالبية الأنظمة العربية اختارت الوقوف في المنطقة الرمادية، محتمية إما بالخطاب السياسي البارد أو بالذرائع الجيوسياسية، بينما الدم ينزف بلا انقطاع، المنصات الرسمية في عالمنا العربي تنشغل بالاحتفالات وتعظيم القادة الأفذاذ الضرورة الذين لا تعرف لم وضعت النياشين على صدورهم وبحسابات الربح والخسارة، وكأن الدم الفلسطيني مجرد ملف إقليمي عابر.

هذا يطرح سؤالاً فلسفياً: هل الصمت تجاه الشر، خصوصًا حين يكون جماعيًا، يعكس موقفًا وجوديًا أعمق؟ هل نحن أمام تحلل داخلي للمجتمعات التي لم تعد ترى شيئا مهما أو لها قضية، ام هو عين العاصفة عندما يسود السكون مبشرا بالدمار القادم؟
محمد صالح البدراني

سورة الماعون: فلسفة الأخلاق

إن جوهر سورة الماعون ليس فقط فضح المنافق الذي يعبد الله ظاهريًا، بل تفكيك النظام الأخلاقي الذي يسمح له بذلك. وصف لمعنى أمة الغثاء التي لا تشعر بالعار ولا بغبش الفهم، ليست خطابًا تشريعيا بل صرخة فلسفية ضد اللامبالاة الأخلاقية، ضد التطبيع مع الألم، وضد تحييد الضمير.

وهنا يلتقي النص القرآني مع أعمق ما وصلت إليه الفلسفة الأخلاقية الحديثة، من إيمانويل ليفيناس الذي جعل «وجه الآخر» نداءً أخلاقيًا لا يمكن تجاهله، ما يحصل فضيحة وعار أيها السادة سيكتبها التاريخ والأهم ستكتب في صفائح أعمالكم حين تقفون أمام الله.

غزة اليوم ليست فقط قضية فلسطينية، بل مرآة الأمة كلها في لحظة تاريخية، تجتمع فيها الوحشية عارية غير خجلة فممن تخجل، والإفلات من العقاب، وتواطؤ قوى كبرى تكون وسيطا ولكنها مفاوض بينما هنالك من يتاجر بالقضية سيف على إخوته وخنجر بيد أعدائه، فتصبح ردة الفعل – أو غيابها – شهادة حية على من نحن حقًا.

حين يصمت من يمتلك القدرة على الحديث، أو يساوي بين القاتل والضحية، أو يتذرع بالواقعية السياسية، فإنه لا يخذل فلسطين فقط، بل يعلن إفلاسه الوجودي وسهوه عن الصلاة ومنع الماعون ليس لأنه لا يصلي، بل لأنه يصلي دون أثر، ويرى أهله يموتون بل وأحيانا يشارك في قتلهم.

**
المفارقة العميقة أن الشعوب الأوروبية التي طالما عُرفت بدعم حكوماتها للعدوان، لم تحتمل هول ما ترى. نزلت إلى الشوارع، مزقت الخطوط الحمراء، وواجهت القوانين القمعية لتعلن: «هذا ليس باسمنا».

هذه الشعوب، رغم بعدها الثقافي والديني، استجابت لـ “الماعون» الإنساني: تقديم الحد الأدنى من النخوة، الإغاثة، الكلمة، الصوت، في المقابل، كان الضمير الإنساني الأوروبي، رغم كل تاريخه الاستعماري، أكثر يقظة، آلاف التظاهرات والاعتصامات، وجماهير غربية تمشي من أجل غزة، أما العالم العربي، الذي يُفترض أنه الأقرب دمًا ولغة ودينًا، فإنه يعاني مما تسميته بـ “أزمة فهم المعنى» فحين يصبح لقد جرفنا تيار الدم إلى مضيق وجودي.

** وبعد


كان ملك يفرض الضرائب ويحذره مستشاروه أن الشعب يصرخ، إلى أن جاءه مستشاره فرحا وقال له: الشعب صمت! فنهض من مكانه وقال ارفعوا عن الشعب الضرائب لأنه الآن بات خطرا وسينفجر.

إذا استمر الصمت العربي، فإن الكارثة في غزة قد لا تكون فقط مجزرة بشرية، بل قد تكون مجزرة داخل الذات العربية، ويل ليس واديا في الآخرة فقط.

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

غزة بعد سنتين من الحرب والإبادة

 غزة بعد سنتين من الحرب والإبادة



  • 730 يوما.. سبعمائة وثلاثون يوما من الألم، من النار، من الدموع..

"أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد" (المجادلة: 6)، 730 يوما على آلة إبادة أطلقتها عصابات الاحتلال على أهل غزة، من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

في غزة، حيث الأرض تصرخ باسم الشهداء، ارتفعت رايات الألم فوق آلاف القلوب التي نزفت براءة ودماء. عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى.. كواكب غابت عن سماء الحرية. بيوت هدمت على رؤوس ساكنيها، مشافٍ فقدت أنفاسها، ومدارس تحولت إلى ركام لا يحتضن سوى الحزن.

هذا العدوان السادي لم يرحم صغيرا ولا كبيرا.. لكنه لم يضعف الإرادة. غزة تروي بأسى قصة صمود شعب يعانق الجراح بعزيمة لا تنكسر، ويكتب بأحرف من نار أن غزة لن تموت، بل ستولد من رمادها أبطالا لا يقهرون. صوتها سيظل ينبض في صدور الأحرار، صامدا كجبل لا تهزه رياح الظلم والدمار.

 94 % من الأراضي الزراعية دمرت، والإنتاج الغذائي تراجع من 405 آلاف طن إلى 28 ألف طن فقط، وتضررت 100٪ من الثروة السمكية

مرت سنتان على الإبادة الجماعية -عامان (730 يوما) من القصف والتجويع والتطهير العرقي- ولكن غزة لم تنهزم.

أكثر من 2.4 مليون نسمة يعيشون تحت تهديد مستمر، في مساحة يسيطر عليها الاحتلال بنسبة 80٪ وعلى أنقاض تقدر بحوالي 90٪ من القطاع. ألقي أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على أرض تحمل ذاكرة شعب بأكمله.

الدماء على الطرقات تتحدث: 76 ألفا و639 شهيدا، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، 12 ألفا و500 امرأة، 9 آلاف أمّ، و22 ألفا و426 رجلا. آلاف الشهداء من الطواقم الطبية (1670)، والدفاع المدني (140)، والصحفيين (254)، وموظفي البلديات (176). 787 شهيدا من الشرطة ومساعدي الإغاثة، و894 من الرياضيين، و460 شهيدا ماتوا جوعا.

الأرض نفسها تهتز من الدمار: حوالي 268 ألف وحدة سكنية دمرت كليا، وحوالي 148 ألفا غير صالحة للسكن، وحوالي 153 ألفا دمرت جزئيا. أكثر من 2 مليون مدني نزحوا قسرا، بينما فقدت أكثر من 288 ألف أسرة مأواها.

المدارس والمؤسسات التعليمية لم تسلم: 95٪ من المدارس تضررت، و668 مبنى مدرسيا تعرض للقصف المباشر، وأكثر من 785 ألف طالب حرموا من التعليم. المستشفيات والمراكز الصحية: 38 مستشفى و96 مركزا خرجت عن الخدمة، و197 سيارة إسعاف استهدفت.

المزارع والأراضي الزراعية صارت مجرد ذكريات: 94٪ من الأراضي الزراعية دمرت، والإنتاج الغذائي تراجع من 405 آلاف طن إلى 28 ألف طن فقط، وتضررت 100٪ من الثروة السمكية.

المرافق العامة والبنية التحتية أيضا دمرت: 5080 كيلومترا من شبكات الكهرباء، و700 ألف متر من شبكات المياه والصرف الصحي، وحوالي 3 ملايين متر طولي من الطرق، إضافة إلى 247 مقرا حكوميا و208 مواقع أثرية وتراثية استهدفها الاحتلال.

المساعدات الإنسانية مقيدة: 220 يوما على إغلاق المعابر، و120 ألف شاحنة مساعدات ووقود منعت من الدخول، و650 ألف طفل مهددون بالموت جوعا. أكثر من 12 ألفا و500 مريض سرطان يواجهون الموت، و3 آلاف مريض يحتاجون للعلاج خارج غزة، لكن الاحتلال يمنع سفرهم.

هذه ليست أرقاما.. إنها صرخة شعب صامد، إرادة لم تنكسر، وصمود أسطوري يتحدى آلة الحرب والإبادة.. غزة تقول للعالم: الحياة والكرامة لا تقهر.. والعدالة الإلهية ستنصف أهلها مهما طال الزمن

الخسائر المباشرة تتجاوز 70 مليار دولار في جميع القطاعات الحيوية: الصحة، التعليم، الإسكان، الزراعة، الصناعة، التجارة، النقل، الكهرباء، والخدمات البلدية. كل رقم، كل إحصاء، كل وحدة دمرت، تحكي قصة حرب إبادة، لكنها أيضا تحكي عن صمود شعب لا يلين.

غزة ليست مجرد أرض محاصرة، إنها رمز المقاومة، شهادة حية على قدرة الإنسان على الصمود رغم القتل والتجويع، رغم الدمار والخراب. غزة تعلم العالم أن الحرية والكرامة لا تموت، وأن الأمل يولد على أنقاض الحطام.
غزة صامدة.. غزة باقية.. غزة ستبقى.

هذه ليست أرقاما.. إنها صرخة شعب صامد، إرادة لم تنكسر، وصمود أسطوري يتحدى آلة الحرب والإبادة.. غزة تقول للعالم: الحياة والكرامة لا تقهر.. والعدالة الإلهية ستنصف أهلها مهما طال الزمن.

السبت، 4 أكتوبر 2025

أسطول الصمود وحصار غزة.. دلالات الشجاعة وواجبات ‏الإنسانية

 أسطول الصمود وحصار غزة.. دلالات الشجاعة وواجبات ‏الإنسانية 


لسنتين مضتا يسود صمت طويل، صمت مخز في العالمين العربي والإسلامي، وتواطؤ منظم للنظام الدولي قائم على معايير مزدوجة، أفضى بالمظلومين في غزة إلى براثن الجوع والعطش والموت البطيء، أمام أعين البشر وضمائر الإنسانية ترتكب هذه الجرائم، لكن كثيراً من الدول تلتزم الصمت، وكثيراً من المؤسسات تغلق عيونها وتخرس مسامعها.

وفي ظل هذا السواد البهيم، برزت بادرة تحيي كرامة البشر؛ «أسطول الصمود» جمع وراءه عشرات سفن إغاثية، وحشد مئات الضمائر من شتى أصقاع الأرض في قافلة واحدة؛ فأعطى الأمل للغزيين، وما أمله لشعوب تلهفت على الرحمة والإنصاف.


لم يكن هذا الأسطول مجرد قافلة غذائية؛ بل كان صرخة ضد الظلم، ونبراساً في ظلمة الخذلان، ومشعلًا في ليل الانكسار، وإعذاراً إلى الله تعالى، وغسلاً لعار العرب والمسلمين الذي لحق بهم جراء الخذلان الشامل الذي استمر لعامين كاملين!

شجاعة الأبطال..من خاطر بحياته فأحيا غيره


من ركب هذا الأسطول لم يكونوا ركاباً عاديين؛ بل كانوا أبطالاً حملوا على عواتقهم شرف الإنسانية، تخطوا مخاوفهم، وتركوا وراءهم أمانهم، وانطلقوا إلى إخوة في حصار خانق مع علمهم أن الطريق قد لا تعود بهم إلى أهليهم وأوطانهم، وكان أهم همهم ليس النجاة لأنفسهم، بل إبقاء الحق حيا، وأن يسمع صوت المظلومين، وأن تفك عنهم قيود الجوع والبرد والقهر.

لم يحملوا سلاحاً، بل حملوا الحليب للرضع، والدواء للجرحى، والبطانيات للعرايا؛ وحملوا معهم صوت الضمير، كل منهم صار صوتاً يمزق خشخشة السكوت، ونجمة تلمع في ليل اليأس، وشجاعتهم لم تقتصر على غزة فحسب؛ بل كانت امتحاناً لضمير الإنسانية بأسرها، معلنة أن الاستشهاد في سبيل الله والمستضعفين في الأرض أكرم وأرفع من العيش في رضا الظالم.

هذه الرحلة لم تكن فصلاً معزولاً في تاريخ الصراع بين الحق والباطل؛ وإنما فصل جديد من أمس طويل، أبان فيه الأبطال أنه حيثما دار الظلم تشير انقلابة البوصلة دوماً نحو المعاناة والغيرة على الكرامة.

طغيان المحتل ويداه القذرتان تمتدان إلى 


الأبطال


لم تستح دولة الاحتلال من أن تظهر وجهها القبيح أمام العالم، فقد اعتبرت هذه البادرة الإنسانية تهديداً، فأظهرت عنفها في أعالي البحار؛ انتهكت القانون الدولي، واعتدت على السفن، واعتقلت المتطوعين، وصادرت ما كانت تحمله السفن من أدوية وطعام وبطانيات، فضربت أسوأ الأمثال في الإجرام والبربرية.

والحال أن ما كان على هذه السفن من حمولات لم يكن سلاحاً ولا ذخائر، بل كان قطرات رحمة تطفئ رمق جائع، أو تدفئ جسد طفل يعاني من البرد، أو تداوي جرحاً ما زال ينزف، ومع ذلك، أخاف الاحتلال من تلك اللقمة والدواء؛ لأن الحقيقة، حينما ترفع، تقوض إمبراطورية الكذب التي شيدوها بالقتل والتهجير.
اليوم وقد بلغ عدد الشهداء والمصابين والعوائل المشردة مئات الآلاف، وقد دمرت البنى التحتية والمستشفيات، صار المشهد ليس حرباً فحسب، بل مسعى متعمداً لإبادة شعب، والاعتداء على أسطول الصمود ليس سوى فصل إضافي في هذا المسار الإجرامي، محاولة لإسكات صوت التضامن الإنساني.

إن المحتل رمى برسالته القاسية على العالم: من يعاون المظلوم فسيعاقب؛ فليخش العون من يعينه! كل ذلك لم يخف حقيقة واحدة؛ أن الظلم إن أقام له بناية ظاهرة، فهو داخلياً متصدع، وأن الاحتلال مهما طال فلا بد من التحرر والاستقلال.

واجباتنا تجاه الأبطال.. السكوت خيانة
هذا الإقدام البطولي لم يأت ليظل حكاية فقط؛ بل حملنا أعباء وواجبات لا تمحى، إن طرح الأرواح في سبيل إنقاذ إنسان آخر، يستوجب علينا أن نعيد لهؤلاء الأبطال كرامتهم بحرية عاجلة، الحماية والضغط الدبلوماسي والقيم القانونية كلها أدوات يجب أن تستعمل لإطلاق سراحهم، وأن تستعاد الحمولات وتكمل المسيرة.

كما أن المهمة التي انطلقت ليست وقفة عابرة، بل حركة وعي لا بد من استمراريتها، إن أكثر من 500 متطوع من 20 دولة وهمهم صون كرامة الغزيين أرسل للعالم رسالة واضحة: «غزة ليست وحدها»، فواجبنا أن نسمع هذه الرسالة بصوت أعلى، وأن نعد أساطيل إغاثية أخرى، وأن نكسر الحصار بكل الوسائل المشروعة الممكنة.
هذا الواجب لا يقع على كاهل الحكومات وحدها؛ فهو على عاتق الشعوب والمجتمع المدني وكل فرد بما يملك؛ دعاء صادق، دمعة تفيض شفقة، قلم يكتب الحق، جسد ينزل الميادين، منشور يظهر الحقيقة في منصات التواصل.. كل هذا لبنات تبنى بها قيادة الضمير العالمي؛ لأن السكوت عن الظلم يغذيه؛ والصوت الرشيد وحده يقطع رباط الوحشة.

التمسك بقضية هؤلاء الأبطال ليس مدار يوم عابر، بل هو التزام لمستقبل أولادنا، فنجاة غزة وحرية القدس وكرامة الإنسان مرهونة بإقدامنا اليوم، وباستجابتنا لما أمرتنا به الشريعة والضمير والإنسانية.

نهاية الطغيان المحتومة.. وعد الأمل


أوصتنا سنوات التاريخ أن مملكة الظلم لا تدوم؛ الفراعنة غرقوا في طغيانهم، ونمرود زال، ودور الجبابرة انتهى، والكيان الذي يقيس قوته بصواريخ ودبابات لن يفلت من قضاء الله وسُننه في الكون والحياة؛ فإن الظلم لا يبقى إلا ليفضح، والباطل لا يصمد أمام إرادة الحق ومقاومة الفطرة.

قد تبدو آلة الحرب لهم جامدة وقوية، لكنها داخلياً متصدعة من هزيمة أخلاقية لا دواء لها، إن محاولات قطع طرق الإغاثة، وسجن المتطوعين، وقمع صوت التضامن ليست سوى دلالات على الذعر والإنهاك؛ لأنهم يعلمون أن قطع رحم الإنسان بالحياة سيجلب عليهم حكما تاريخيا لا مفر منه.

والأمل ينبثق في أحلك اللحظات؛ دموع أطفال غزة، وصلوات أهل القدس، وأصوات «الله أكبر» التي ترتج تحت قباب «الأقصى»، كلها علامات بزوغ فجر جديد، أساطيل الصمود اليوم قد تثمر غداً أساطيل تحرر، وحصون الاحتلال اليوم ستنهار في صباح الحرية.

فلنكبر الأمل بدل أن نغرق في التشاؤم، كل كلمة نطلقها، وكل خطوة نخطوها، تزيد في تسريع موعد النهاية، مقاومة غزة، ويقظة الأمة، ونهوض الإنسانية، كل ذلك يصوغ معاً وجه التاريخ القادم، وذاك اليوم قادم لا محالة.

ستعود فلسطين حرة، والقدس ستستعيد نبضها، و«الأقصى» سيرفع عن كاهله قيود الاحتلال، والأسرى سيخلصون من الأغلال، أسماء الذين خاطروا بحياتهم لهذا الخير ستدون بأحرف من نور في صفحات التاريخ، وشجاعتهم ستكون منارات تنير دروب الأجيال، هذه الحقيقة ليست أمنية بقدر ما هي وعد إلهي ومآل تاريخي: الظلم لا يدوم، والعدالة ستنتصر حتماً، والحرية ستشرق مع فجرها الجديد القريب!

الأحد، 28 سبتمبر 2025

خطة ترامب... غزة من دون رجال

 خطة ترامب... غزة من دون رجال 

وائل قنديل


وفقًا للمتاح من معلومات عن خطة الرئيس الأميركي، الصهيوني أكثر من الإسرائيليين، فإن المطلوب خروج رجال المقاومة كلهم، ليس من غزّة فقط، بل من الحياة كلّها، إذ يتضمّن أحد البنود السماح للمقاومين الذين يكفرون بالمقاومة ويعتذرون عن الكفاح بالخروج أحياءً من غزّة إلى الدول المجاورة، شريطة أن يعتذروا عما فعلوا وأن يتعهّدوا بعدم تكرار "خطيئة" مقاومة الاحتلال. 

تتضمّن البنود أيضاً تدمير كل الأسلحة الهجومية في غزّة، التي من شأنها إثارة قلق إسرائيل، الأمر الذي يجعل ملخّص الخطّة أن تبقى غزّة من دون رجال يؤمنون بالحقّ في المقاومة، ويحلمون بتحرير الأرض المحتلة ويحملون السلاح.

بوضوح أكثر، تنطلق الخطّة من نقطة أساس هي أن إسرائيل ليست احتلالاً، ومن ثمّ فإن كل فعل مقاوم لها أو رافض لاستباحتها أيّ مكان في الأراضي الفلسطينية في أيّ وقت تختاره هو عمل إرهابي يستوجب أشدّ العقاب، فضلاً عن أن جوهر الموضوع في غزّة هو أن هناك حفنة من الأسرى الصهاينة لدي المقاومة لا بدّ من استعادتهم أحياء أو أمواتاً، بحيث صارت هذه المسألة هي المعيار الأخلاقي أو السياسي لأيّ جهد دبلوماسي لوقف الحرب، من دون التفات إلى أكثر من 66 ألف شهيد فلسطيني حتى الآن، يذكرون هكذا رقماً واحداً، كأنهم ماتوا في زلزال أو حريق، ولا يوجد قاتل لهم يستحقّ أن يعاقب.

في الخطّة كلام عن إعادة الإعمار من دون تحديد من الذي سيتحمّل كلفة التعمير، ولا إشارة إلى من ارتكب جريمة التدمير، وبالتالي فالكيان الصهيوني معفي من الاتهام بارتكاب الجريمة، وبالضرورة لن يكون مطالباً بتعويض ضحاياها، فالمسألة كلّها تبدأ وتنتهي من تعليق الاتهام برقبة المقاومة وتوقيع العقوبات عليها. فالقضية المركزية عند الإدارة الأميركية هى أسرى الاحتلال الذين يسمّيهم ترامب، ويردّد خلفه العاملين في خدمة خطّته بـ"الرهائن"، الذين صاروا قضية الخطّة المركزية، وكل ما عداها مسائل هامشية، وعلى ذلك يمكن بغير كثير من الجهد أن العرب (كالعادة) سيدفعون ثمن إعادة الإعمار، أي مكافأة الاحتلال على جريمته الممتدّة لعامَين كاملَين.

يجري ذلك كلّه في توقيت استثنائي تجد فيه الكيان الصهيوني منبوذاً ومؤثماً أمام العالم كلّه، حتى من الذين تعهّدوه بالرعاية والدعم منذ أنشأوه في أرض فلسطين. 
ومن ثمّ، فإن الخطّة، التي هي محض كلام ووعود حتى الآن، لا تعدو طوق نجاة أو ممرّاً دبلوماسياً آمناً لإخراج الاحتلال من مأزق غير مسبوق في تاريخه، باستخدام تقنيات الإخراج الهوليوودي المبهرة، من نوعية أن الرئيس الأميركي شدّد على شريكه الصهيوني بأنه لن يقبل بضمّ الضفة الغربية للاحتلال.
 
وكما هي طوق إنقاذ للاحتلال، هي كذلك مخرج آمن للإدارة الأميركية التي وجدت نفسها هي الأخرى في تناقض هائل مع السياسة العالمية، إذا بدا دونالد ترامب وهو يثرثر أمام الأمم المتحدة في قلب نيويورك وكأنه يسير عكس اتجاه العالم، فلم لا ينتهز الفرصةَ ويجمع قادة دول عربية وإسلامية ويتحدّث فيهم بوصفه صانع سلام، يحمل الخير والنماء للشرق الأوسط؟
بالتزامن مع لعبة ترامب الجديدة، كان هناك أحرار من العالم يقرأون الحكاية على الوجه الصحيح: 
احتلال وشعب يقاوم هذا الاحتلال، الأمر الذي تترتّب عليه مقاربات ومعالجات أخرى أكثر صدقاً وأخلاقيةً وتحرّياً للعدل، كما فعل رئيس كولومبيا الذي تحدّث بقلب عربي مبين عن حتمية تصدّي العالم الحرّ لإجرام الاحتلال الصهيوني، حتى لو استدعى الأمر تشكيل جيش عالمي يستقطب متطوّعين من كل مكان لتحرير فلسطين من مغتصبيها. 
مقاربة تبدو صادمة، بل مجنونة بنظر أولئك الحكماء الذين يرون دونالد ترامب عين العقل، ورجل الحلّ والعقد، الذي لا تردّ له خطّة أو فكرة أو صفقة.

الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو، وهو يتحدّث بهذا الأسى عن المأساة الفلسطينية، لم يكن يمارس نوعاً من الادّعاء أو انتحال مواقف المناضلين العظام في النصف الثاني من القرن الماضي، بل كان يذكّر العرب والعالم بأصل الحكاية، ويتسق مع ذاته ومبادئه منذ أن قرّرت كولومبيا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل بعد العدوان على غزّة، وهي خطوة لم يقدم عليها أحد من عرب التطبيع، ذلك أن كولومبيا آمنت بأخّوتها لفلسطين حين تخلّى عنها العرب، أو كما قلتُ وقتها: "ارتدت كولومبيا ثوب النخوة والمروءة والشرف العربي القديم حين خلعه العرب". 
لم تفعل ذلك ادعاءً أو انتحالاً لدور أو مكايدة لواشنطن وتل أبيب، بل فعلت ذلك إيماناً بعدالة قضية شعب فلسطين، وإدراكاً لجوهر الصراع، وإلماماً بالتاريخ الحقيقي، لا المزيّف.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

المتفرجون على المُضحّين

 المتفرجون على المُضحّين

عثمان الثويني

دائماً ما نرفع أكفّنا بالدعاء لمن يضحّون في سبيل فكرة أو معتقد أو حرية، نصوغ لهم أجمل الأدبيات، ونستحضر أعمق الموروثات، وكأن التضحية قدر كُتب عليهم وحدهم. 
لكن السؤال الصادق:
لماذا لا ندعو لأنفسنا أن نكون في صفوف المضحين الأولى؟

لقد أصبحنا نعيش أنانية مغلّفة بالشعارات، نتعامل مع من يقدّم التضحيات كأن حياته بلا أسرة تحبه أو طموحات تشده، بينما الحقيقة أنهم بشر مثلنا تماماً، لهم قلوب تتعلق، وأحلام تتأجل، وآمال تُكسر. 
لكنهم اختاروا أن يقدّموا أثمن ما عندهم لأجل ما يؤمنون به، بينما نحن نغرق في أعذارنا.

نضع عشرات الحواجز لنبرر لأنفسنا البقاء في مقاعد المتفرجين، نحاول أن نُبعد عن كاهلنا أعباء التضحيات بحججٍ واهية: 
“لدي التزامات”، “لي أبناء ينتظرونني”، “سأساهم بالكلمة أو الدعاء فقط”. 
وهكذا نقنع أنفسنا أن القليل يكفي، بينما القلب يعرف أن ما يُطلب هو الكثير.

والمتفرج على التضحيات يعيش صراعاً داخلياً مريراً، فهو يسمع عن معاني البذل والفداء صباحاً ومساءً، ويقرأ عن الشهداء والمجاهدين وأبطال الحرية، لكنه حين يلتفت إلى حياته المترفة يجد نفسه أسيراً لمعادلة متناقضة. 
بين ما تربّى عليه من أدبيات العزة وما يعيشه من واقع الاستسلام، يظهر ذلك الصوت الداخلي الذي يلومه، فيحاول إسكات ضميره بمزيد من الأعذار أو بتكثيف الدعاء والتأثر، ظانّاً أن ذلك كافٍ ليبرئ ساحته. هذا التناقض النفسي هو ما جعل أجيالاً كاملة تكتفي بالفرجة، بينما القلة فقط هي التي تصمد في الميدان.
وما يزيد المشهد إيلاماً أن بعض العلماء والوعّاظ، ممن يُنتظر منهم أن يكونوا في الصفوف الأولى بالكلمة والموقف، اختاروا مقاعد الفرجة أيضاً.  
    
تراهم يكتفون بخطب مطمئنة، أو عبارات عاطفية، أو دعوات عامة لا تُغير شيئاً في الواقع، بينما الأمة تنتظر منهم أن يكونوا ضميرها ولسانها الحيّ. 

لقد تحوّل بعضهم إلى مفسّرين للأحداث أكثر من كونهم صانعين لها، واكتفوا بالوعظ عن التضحية دون أن يقتربوا من كلفتها الحقيقية.

وما ينطبق على الأفراد ينطبق أيضاً على جماعاتٍ كثيرة رفعت شعار الإسلام، وامتلأت أدبياتها بالكلام عن الفداء والتضحية، لكن حين جاء وقت العمل اكتفت بأن تضع بطولاتها في أوراق كتبها. 
تحوّل الشعار إلى ديكور، وتحولت الشعارات إلى أغلفة مطبوعة، بينما الميدان بقي فارغاً إلا من قلة آمنت بالفعل لا بالقول. 
هنا يظهر الفارق بين من جعل الإسلام مشروع حياةٍ يُمارَس، وبين من جعله مجرد شعارٍ يُردَّد.

إن الذين ضحّوا لم يكن طريقهم مفروشاً بالورود، ولم يكونوا أكثر قوة أو أقل تعلقاً بالحياة منا، لكنهم آمنوا أن العيش الحق هو عيش الآخرة، فهانت عليهم الدنيا بما فيها. 
هنا يكمن الفارق: هم ينظرون لما بعد اللحظة، ونحن أسرى اللحظة ذاتها.

وأتصور أننا صرنا مسلمين بالهوية فقط، ننتظر أن يخطّ الآخرون بدمائهم وصبرهم صفحات عزّنا، بينما نكتفي نحن بالتصفيق والتأثر. 

ولعل أخطر ما في الأمر أن الاعتياد على هذا الدور السلبي يطمس فينا معنى الإيمان الحق: أن يكون الإنسان حاضراً في الميدان لا متفرجاً على بطولات الآخرين.

فالتضحيات ليست شعارات نُزيّن بها مجالسنا، ولا قصائد نُغرق بها مسامعنا، بل مسؤولية مشتركة. 
ومن لم يتهيأ لأن يكون جزءاً من صفوف المضحين، فعلى الأقل لا يخدع نفسه بأن مكانته محفوظة بين الأبطال وهو لم يخطُ الخطوة الأولى.

الأحد، 14 سبتمبر 2025

هنا غزة

 هنا غزة

قالت للمراسل “امسكني”.. لحظة انهيار طفلة خلال حوار مؤثر مع الجزيرة مباشر

هنا غزة

على وقع القصف والدمار الذي يجتاح غزة، وثق مقطع مصور مشهدا إنسانيا مؤثرا لنجاة طفلة فلسطينية من غارة إسرائيلية على حي النصر في المدينة الواقعة شمالي القطاع المحاصَر، حيث ظهرت وهي في حالة صدمة واضحة خلال لقاء قصير مع مراسل الجزيرة مباشر.

في بداية الحديث، حاول المراسل طمأنة الطفلة التي تبدو على وجهها علامات الجوع والخوف قائلا “سلامتك يا عمو”. لترد بصوت متهدج “الله يسلمك”.

وحين سألها عن مكان وجودها أثناء الضربة، أجابت بصعوبة “في الدار”، وعندما سألها عن مشاعرها لحظة القصف قالت “صفنت.. صُدمت”.

“امسكني”

ومع استمرار الحوار، بدأت الدموع تتساقط من عيون الطفلة الصغيرة فبادر المراسل بسؤالها عن سبب دموعها قائلا “ليش الدمعة بعيونك يا عمو؟”، لتنهار الطفلة وهي تكاد تسقط على الأرض وتقول “امسكني”.

عندها تدخل أحد الحاضرين ليحتضنها مانعا سقوطها، في مشهد يعكس حجم الهشاشة النفسية للأطفال جراء القصف الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ نحو عامين.

“هذه غزة”

وخلال اللحظة ذاتها، عبر الرجل الذي أسعف الطفلة عن غضبه قائلا “حسبي الله ونعم الوكيل، يعني وين العالم؟ وين الأمة العربية والإسلامية من غزة؟”

المشهد الذي بثته الجزيرة مباشر لم يكن مجرد مقابلة صحفية، بل لوحة حية تجسد عمق المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث لا تزال الطفولة تدفع الثمن الأكبر في حرب تحاصر وتبيد البشر والحجر على مدى عامين.

فتح الجحيم على المدنيين

وكان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قد أصدر بيانا، أمس السبت، قال فيه إن الاحتلال “فتح الجحيم على المدنيين” ودمر أكثر من 1600 بناية سكنية و13000 خيمة، وهجر قسريا ما يزيد على 350000 مواطن من الأحياء الشرقية لمدينة غزة إلى وسطها وغربها.

وأكد المكتب الحكومي أن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن “فتح أبواب الجحيم على المقاومة” تخفي حقيقة أن النيران موجهة ضد الأطفال والنساء والمسنين، في خرق صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.

وأشار البيان إلى أن الاحتلال دمر خلال الشهر الجاري وحده 70 برجا سكنيا بشكل كامل و120 آخر بشكل بليغ، إضافة إلى آلاف الخيام التي كانت تؤوي أكثر من 52 ألف نازح، ما أدى إلى نزوح يفوق 350 ألف مواطن.

المصدر: الجزيرة مباشر

وأضاف “أين الذين يطالبون بحقوق الإنسان؟ هذه غزة، بيوت تدمر وناس نازحون في خيامها، حتى خيامنا دُمّرت”.

وتابع “الآن ما لنا إلا الله سبحانه وتعالى. لا مأوى لنا ولا غطاء.. أطفالنا تبكي والقصف شديد والدمار عظيم”.