‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاقصي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاقصي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 أغسطس 2026

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات

تيار الصهيونية الدينية يلعب بورقة المسجد الأقصى في الانتخابات
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

ليس غريبا وجود المسجد الأقصى المبارك على قائمة الموضوعات المطروحة في الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما في أجندات اليمين المتطرف. وذلك لأن هذا الملف يعتبره أقطاب تيار الصهيونية الدينية ملفا رابحا داخليا، وفي نفس الوقت ليس عالي التكلفة على المستوى الفلسطيني حسب تقديراتهم.

وهذه نقطة للأسف ظهرت بوضوح مؤخرا في تصريحات كثيرة لدى قادة وحاخامات تيار الصهيونية الدينية، الذين يتباهون بقدرتهم على تغيير الوضع القائم في الأقصى دون أن "تقوم القيامة" كما يستهزئ هؤلاء في تصريحاتهم الإعلامية.

مرة أخرى يعود المسجد الأقصى إلى الواجهة ويتحول إلى واحد من ملفات الانتخابات الإسرائيلية أواخر أكتوبر/تشرين الأول القادم لدى تيارات اليمين، ولا سيما تيار الصهيونية الدينية.

وهنا لا بد من التذكير بأن تيار الصهيونية الدينية لا يتمثل عموما في حزب واحد، وإن كان أكبر الأحزاب الذي يمثل هذا التيار هو حزب "الصهيونية الدينية" الذي يرأسه بتسلئيل سموتريتش، وهو تيار عابر للأحزاب، حيث يوجد في حزب الليكود الحاكم اليوم عدد كبير من أتباعه.

ويعود ذلك إلى أن بداية دخول أتباع هذا التيار في الحياة السياسية الإسرائيلية كان من خلال تغلغلهم داخل حزب الليكود، قبل أن ينطلقوا في تأسيس أحزابهم الخاصة كحزب "الصهيونية الدينية" بزعامة سموتريتش، وحزب "العظمة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب "الهوية" بزعامة موشيه فيغلين، وغيرها من الأحزاب.

وبالرغم من التباين الواضح في مسألة حدود التعامل مع مسألة اقتحام المسجد الأقصى، حيث يقتحمه بن غفير وفيغلين فيما يتحفظ سموتريتش على اقتحامه التزاما بفتوى الحاخامية الرسمية لإسرائيل التي تحرم ذلك، فإن ما يتفق عليه جميع أبناء هذا التيار هو ضرورة تغيير الوضع القائم في الأقصى وسحبه تماما من الإدارة الإسلامية، وإلغاء دائرة الأوقاف الإسلامية نهائيا، وفرض السيادة والإدارة الإسرائيلية بالكامل على المسجد.

إعلان

ومن هنا، كان من الطبيعي إقحام الأقصى في حمى الانتخابات الإسرائيلية القادمة عبر الدعاية الانتخابية من قلب المسجد، كما فعلت الناشطة اليمينية المتطرفة سمادار هيلا شموئيلي، المرشحة لانتخابات حزب الليكود التمهيدية عن فئة النساء، حيث اقتحمت المسجد في 10 أغسطس/آب الجاري، ونشرت صورتها في المنطقة الشرقية منه، والتي بات المستوطنون يتعاملون معها باعتبارها كنيسا يهوديا حقيقيا داخل المسجد.

وبذلك أطلقت شموئيلي دعايتها الانتخابية من قلب المسجد، علما بأنها تقدمت للترشح على قائمة حزب الليكود، وليس على إحدى قوائم أحزاب تيار الصهيونية الدينية.

المسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط

إضافة إلى ذلك، فإن اقتحام شخصيات كبيرة على رأسها الحاخام يهودا غليك المسجد الأقصى يوم 13 أغسطس/آب الجاري بمناسبة بداية الشهر العبري يأتي ضمن السياق نفسه، ولا ننسى هنا أن غليك وإن لم يكن قد طرح نفسه بعد على قائمة معينة في الانتخابات ولا توجد مؤشرات لترشحه للكنيست حتى الآن، إلا أنه كان قد قدم نفسه بالفعل عام 2020 مرشحا لرئاسة الدولة.

وبالتالي فإن قيادته اقتحاما واسعا في ذلك اليوم جاء في السياق التحضيري لانتخابات الكنيست القادمة، إن لم يكن لأجل نفسه فلأجل تقوية من سيقدمه غليك أمام الجمهور الإسرائيلي من التيارات والأحزاب الإسرائيلية المتنافسة، وتحديدا تيار الصهيونية الدينية.

على الهامش هنا، من الواضح أن تيار الصهيونية الدينية ما زال يصر على البقاء ضمن توليفة من عدة أحزاب، وكذلك داخل حزب الليكود، بل ويحاول تقوية نفوذه داخل هذا الحزب.

وهذا أمر مفهوم بالنظر إلى استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي ما زالت تعطي حزب الليكود الحجم الأكبر بين أحزاب اليمين الإسرائيلية. بل إن بعض استطلاعات الرأي رجحت احتمالية عدم تمكن بعض أحزاب الصهيونية الدينية من تجاوز عتبة الدخول للكنيست أصلا، وعلى رأسها حزب "الهوية" وحزب "الصهيونية الدينية" نفسه.

ولعل هذا ما يجعل بن غفير يعتبر نفسه الممثل الشرعي والوحيد لتيار الصهيونية الدينية مستقبلا، إن تمكن من حصد أغلبية الأصوات التي ستصب في كفة أحزاب الصهيونية الدينية بدلا من الليكود.

وعندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب موعد الاقتحامات الطويل الشهر القادم وأكتوبر/تشرين الأول الذي يليه، حيث يشهدان ما يسمى "رأس السنة العبرية" و"يوم الغفران" و"عيد المظلة-سوكوت" الذي ينتهي بالذكرى العبرية لأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول، كل هذا قبل انطلاق الانتخابات الإسرائيلية مباشرة.

ولذلك فمن الطبيعي أن نشهد اقتحامات لبن غفير وأقطاب تيار الصهيونية الدينية للأقصى في تلك الفترة القريبة.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا

إذن، فالمسجد الأقصى أصبح الآن في قلب العملية السياسية الإسرائيلية. وبات التعامل معه باعتباره ملفا انتخابيا أمرا عمليا، لا مجرد أطروحات سياسية انتخابية فقط. فجماعات المعبد المتطرفة والمستوطنون من أتباع تيار الصهيونية الدينية لم يعودوا يقتنعون بالوعود فيما يتعلق بالمسجد، وباتوا ينتظرون من يقدم لهم حلولا عملية للسيطرة على المسجد وإدارته.

إعلان

وهذا هو الملف الذي يبرع فيه بن غفير، الذي يجب أن نعترف بأنه استطاع أن يحقق للمستوطنين ما لم يتمكن غيره من تحقيقه حتى الآن. فبن غفير هو الذي سمح رسميا للمستوطنين بأداء الصلوات علنا داخل المسجد الأقصى، وهو الذي أمر شرطته بقطع التعامل تماما مع دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس ما لم تخضع للوضع الجديد الذي يريد فرضه، والذي يجعل السلطة العليا في المسجد بيد شرطة الاحتلال لا بيد دائرة الأوقاف.

وبن غفير هو الذي أمر بنصب المظلة المؤقتة في المنطقة الشرقية من المسجد خلال اقتحامات ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في يوليو/تموز الماضي. وبالتالي فإن بن غفير هو الذي يقدم للمستوطنين "أملا" ببناء كنيس داخل المسجد، وإلغاء دور دائرة الأوقاف الإسلامية رسميا خلال العام القادم، كما حدث في المسجد الإبراهيمي في الخليل.

وفي هذا الصدد، ينبغي الإشارة إلى أن ردود الفعل العربية والإسلامية على هذه الأفعال لا تزال تشير إلى فقدان حقيقي للبوصلة، وعدم تقدير صحيح لحجم ما يجري في المسجد الأقصى.

فبالرغم من أن اجتماع وزراء الخارجية الذي حصل في الأردن صدر عنه بعض الإجراءات العملية التي تجاوزت ما اعتدناه من بيانات الشجب والتنديد والاستنكار: كإنشاء منصة إعلامية لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية للأماكن المقدسة والمصلين، والبدء بحملة دبلوماسية دولية لإلزام إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، باحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في القدس وأماكنها المقدسة، إلا أن حجم ما يجري في المسجد في الواقع يتجاوز هذا الأمر بكثير.

فالمشكلة في المسجد ليست في غيابه عن الإعلام -مع تأكيدنا على أهمية دور الإعلام في هذه المعركة- والاقتصار على الجهود الدبلوماسية لا يتجاوز أروقة المنظمات الدولية التي باتت إسرائيل لا تجد غضاضة في إعلان عدم الاعتراف بها أصلا- كما حدث مع الأونروا والمحكمة الجنائية الدولية.

ينبغي أن تعلم المؤسسات الرسمية أننا لم نعد في وضع يسمح لنا بأن "نحذر" من المساس بالوضع القائم في المسجد الأقصى، ولا أن نعمل على "الحفاظ" على الوضع القائم فيه. وذلك ببساطة لأن الوضع القائم لم يعد موجودا على الأرض فعليا.

ولذلك فإننا تجاوزنا مرحلة الوقاية إلى العلاج. والواجب الآن العمل على "استعادة" الوضع القائم الذي غيرته إسرائيل تماما. وهذا العنوان -أي استعادة الوضع القائم- له أدوات سياسية ودبلوماسية وشعبية تختلف تماما عن عنوان "الحفاظ" على الوضع القائم.

عندما يطرح اسم إيتمار بن غفير والانتخابات فإن المسجد الأقصى بالتأكيد يتصدر الواجهة، وذلك لأن بن غفير اعتاد على أن يطلق تصريحاته المهمة خلال اقتحامه له، وهو ما نتوقعه في الفترة القادمة



ضمن الدعاية الانتخابية، انتشر قبل أيام مقطع مصور للحاخام شموئيل إلياهو، حاخام مدينة صفد وأحد منظري تيار الصهيونية الدينية، كان يستهزئ فيه بفكرة الخوف من ردود الفعل الإسلامية على أي فعل في المسجد الأقصى، 
وقال: (في الأسبوع الماضي كان عندي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، 
وقال لي: "كل هذه التهديدات مجرد كلام فارغ ولا قيمة لها، ها هم [المستوطنون] يصعدون إلى المكان ويسجدون ويصلون، ماذا حدث؟ لا حرب عالمية أولى ولا ثانية ولا شيء" بل إن بن غفير قال لي: "نحن سنضيف هناك الآن مباني ومظلات" 
وكل هذا التحضير من أجل كنيس يهودي، والكنيس اليهودي هو تمهيد من أجل بناء المعبد، وهذه هي خطط حكومة إسرائيل).

إذن، فالأمر واضح، وهذا الكلام برغم ما يظهر فيه من استهزاء فإنه يدل على ثلاث مسائل: الأولى حضور المسجد الأقصى بقوة في خطاب تيار الصهيونية الدينية الانتخابي، وخاصة لدى أقطابه من رجال الدين، ولا يمكن بالتالي تصور أن يتخلى أبناء هذا التيار عن هذه الورقة الرابحة لحشد جمهورهم اليميني المتطرف.
إعلان
والثانية أن الحكومة الإسرائيلية نفسها لديها مشروع واضح صريح لإقامة كنيس في المسجد يعتبر مقدمة للسيطرة عليه بالكامل وبناء معبدها المزعوم، ولا نية لديها للعودة إلى الوراء في المسجد الأقصى ما لم يتم إجبارها على ذلك. والثالثة أن مفتاح الحل يكمن في كلام الحاخام إلياهو والوزير بن غفير نفسه، حيث إن ما يشجعهما على التقدم في المسجد واستخدامه ورقة انتخابية هو غياب الخوف من دفع ثمن باهظ.


فإذا رجع التخوف لدى الحكومة الإسرائيلية من أن ثمن ما تفعله في المسجد الأقصى أكبر من أن تتحمله، فإنها لن تتوانى لحظة في التوقف والتراجع، وهذا ما أكدته الوقائع في السنوات العشر الأخيرة.

السبت، 25 يوليو 2026

إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

 إسرائيل تريد محو فلسطين ليس من الأرض فحسب بل من التاريخ أيضا

قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم


يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

ما جرى أمس في المسجد الأقصى لم يكن استفزازاً عادياً ولا اقتحاماً اعتيادياً من قبل المستوطنين. فقد اقتحم 4 آلاف و248 مستوطناً، بقيادة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وتحت حماية أمنية مشددة من الشرطة، ساحات المسجد الأقصى. وكان بينهم وزراء، وأعضاء في الكنيست، وحاخامات، ومسؤولو جماعات "الهيكل". وأقاموا طقوساً تلمودية، وسجدوا، وأنشدوا الترانيم. 

أما بن غفير، فقد صرّح في ساحة المسجد الأقصى قائلاً: "إن اليهود باتوا يؤدون عباداتهم في جبل الهيكل براحة أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في السابق"
، معلناً بذلك، في استعراض للقوة والجريمة، الاستراتيجية التي تنتهجها إسرائيل منذ زمن طويل خطوةً بعد أخرى.

إن قراءة هذا الحدث على أنه مجرد إساءة جديدة وخطوة أخرى متقدمة ضد المسجد الأقصى ستكون قراءة ناقصة. 

لأن ما يجري اليوم في فلسطين ليس ثلاث أزمات منفصلة. فغزة، والضفة الغربية، والقدس، هي ثلاث جبهات لاستراتيجية واحدة. 

ففي غزة يُباد الإنسان؛ وفي الضفة الغربية تُفرَّغ الأرض من سكانها؛ أما في القدس فيُعاد كتابة التاريخ والهوية.

إن ما يجري في غزة ليس حرباً، وما يحدث في الضفة الغربية ليس مجرد حوادث أمنية منفردة بالطبع. لكن إسرائيل الصهيونية التي تمارس الإبادة الجماعية تريد أن تبدو الأمور كذلك، وقد نجحت حتى الآن في ترسيخ هذه الصورة لدى جميع المؤسسات الرسمية في العالم. إلا أنها لم تعد اليوم قادرة على إقناع أحد بهذه الرواية. وتُظهر أحدث تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح يُرى بوضوح على أنه جبهات مختلفة لاستراتيجية واحدة.

وبحسب أحدث تقييمات الأمم المتحدة، يُجبر ملايين الأشخاص في غزة على النزوح مرة بعد أخرى. فقد جعلت أوامر الإخلاء المتواصلة، والأحياء التي سويت بالأرض، والمستشفيات التي أصبحت غير قادرة على العمل، وانهيار شبكات المياه والصرف الصحي، وخطر المجاعة وانتشار الأوبئة، من المستحيل على الناس أن يعيشوا حياة طبيعية. 

وتكشف تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الوصول إلى الغذاء والمياه النظيفة بلغ مستوىً حرجاً، وأن النظام الصحي انهار إلى حد كبير، وأن ظروف معيشة السكان المدنيين تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

أما في الضفة الغربية، فتجري عملية أكثر هدوءاً، لكنها لا تقل تدميراً. وبطبيعة الحال، فإن هدوءها مرتبط أيضاً بعتبة استماع العالم، وإلا فإن صدى الانتهاكات المرتكبة هناك قد بلغ الآفاق. فالعمليات العسكرية المتزايدة، ونقاط التفتيش، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي الزراعية، واعتداءات المستوطنين، والتضييق المتواصل على حرية الحركة، لا تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين مباشرة، بل تجعل الحياة على أرضهم غير قابلة للاستمرار. ولم يعد ما يصفه القانون الدولي بـ"التهجير القسري" يقتصر على الوقوف على الأبواب بالسلاح، بل أصبح يتمثل في خلق ظروف معيشية تدفع الناس إلى الهجرة قسراً. وهذا هو بالضبط الخطر الأبرز الذي يحذر منه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

وما يميز هذه الانتهاكات عن سابقاتها هو أن هذا التحرك لم يعد مجرد استفزاز منفرد. بل أصبح استعراضاً لوقاحة جامحة ومتغطرسة، لم يعد الصهاينة المتعصبون يشعرون معها حتى بالحاجة إلى تقديم أي تبرير يبرئ جرائمهم. 

ووفقاً لتقييم محافظة القدس، فإن الحكومة الإسرائيلية تحاول الآن فرض وقائع سياسية وقانونية جديدة في المسجد الأقصى. فقد سُمح للمستوطنين بإقامة الطقوس التلمودية، والسجود، وإنشاد الترانيم بصوت مرتفع، بينما مُنع المسلمون إلى حد كبير من الدخول، بل وللمرة الأولى أُقيمت مظلة دائمة في الساحة الشرقية مخصصة للمستوطنين. 

أما جماعات "الهيكل"، فقد أعلنت صراحة أنها تستهدف في السنوات المقبلة رفع عدد المشاركين في هذه الاقتحامات إلى 5 آلاف مستوطن وأكثر.

كل ذلك يدل على أن إسرائيل لم تعد تشعر حتى بالحاجة إلى التذرع بخطاب السياسات الأمنية، بل باتت تعمل مباشرة على تغيير الهوية الدينية والتاريخية للمدينة. والهدف، بطبيعة الحال، ليس مجرد زيارة المسجد الأقصى، وإنما القضاء فعلياً على الوضع التاريخي الذي اعترف به القانون الدولي على مدى قرون، وترسيخ التقسيم الزماني والمكاني، وإقامة نظام جديد تكون فيه السيادة لإسرائيل بصورة لا تقبل الجدل.

وعند هذه النقطة، تصبح غزة والضفة الغربية والقدس أجزاءً من الصورة نفسها. ففي غزة يُقتل الناس بالقنابل؛ وفي الضفة الغربية يُجبر الناس على الهجرة عبر تدمير مقومات حياتهم؛ أما في القدس فتُغيَّر الذاكرة والتاريخ والأماكن المقدسة. ففي مكان يُغيَّر الواقع الديموغرافي، وفي مكان آخر تُغيَّر الجغرافيا، وفي الثالث يُعاد كتابة التاريخ.

لم يعد اسم هذا مجرد احتلال. بل إنها استراتيجية تصفية شاملة تستهدف القضاء على جميع مقومات وجود شعب بأكمله. فالإبادة الجماعية لا تتحقق فقط بقتل الناس؛ بل إن اقتلاع مجتمع من أرضه، وتدمير تراثه الثقافي والديني، وحرمانه من المستقبل، كلها أجزاء من العملية نفسها.

وللأسف، فإن موقف المجتمع الدولي يسهم أيضاً في تعميق هذه المأساة. فالأمم المتحدة تصدر أخيراً تقارير، والمحاكم الدولية تتخذ قرارات، ومنظمات حقوق الإنسان توثق الانتهاكات؛ لكن كل ذلك لا يكفي لتغيير الواقع على الأرض. ففي المكان الذي لا يُطبَّق فيه القانون، تحل القوة محل العدالة. لقد أصبحت فلسطين اليوم اختباراً لضمير النظام الدولي، وليس لإسرائيل وحدها.

وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست موجَّهة ضد الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل تحدياً صريحاً للعالم الإسلامي بأسره. لأن المسجد الأقصى ليس القبلة الأولى للفلسطينيين فحسب، بل هو القبلة الأولى لجميع المسلمين، وأمانة مشتركة بينهم جميعاً.

 

الخميس، 23 يوليو 2026

من أجل "المخلّص".. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟

من أجل "المخلّص".. هل اليوم هو الأخطر على وجود الأقصى؟
مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

تخرج علينا جماعات المعبد كل فترة بإعلان طموح وكبير لاقتحام نوعي للمسجد الأقصى مستغلة أي مناسبة، لا سيما إذا كانت دينية. وإعلانها الأخير لا يخرج عن هذا السياق، حيث ضجت وسائل الإعلام بدعوة هذه الجماعات أنصارها لاقتحام واسع للمسجد الأقصى بخمسة آلاف مستوطن اليوم الخميس 23 يوليو/تموز، بحيث يشكل هذا أكبر اقتحام في تاريخ المسجد، وذلك لإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" أو "التاسع من آب العبري".

هذه المناسبة لا تتركها جماعات المعبد المتطرفة كل سنة دون أن تشكل حجر زاوية ومحطة مركزية في مسار التصعيد ضد المسجد، فهو اليوم الذي تصاب فيه جماعات المعبد بلوثة تحاول معها بشتى الطرق إثبات وجودها وقوتها على الأرض، والمطالبة بتغييرات واسعة في الوضع القائم في المسجد والمدينة بنوع من العاطفية الشديدة، وذلك استغلالا لهذه المناسبة الحزينة التي ترمز إلى ما يعتبرونه ذكرى تدمير المعبدين الأول والثاني في التاريخ نفسه بفارق مئات السنين.

لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه

هذا العام يختلف عما سبقه في كون هذه المناسبة تأتي في ظل بدء السباق الانتخابي الإسرائيلي الأول منذ حرب الإبادة في غزة. وبالتالي فإن ضخامة الاقتحامات في المسجد الأقصى المبارك إضافة إلى نوعيتها كانت متوقعة حتى قبل أن تنشر مؤسسات جماعات المعبد المتطرفة إعلاناتها.

قبل يومين فقط من حلول ما يسمى "ذكرى خراب المعبد"، ارتكب بعض المستوطنين عملا غير مسبوق في المسجد الأقصى، حيث أقدموا على رسم شعار "المخلص في بيت الرب" الديني الذي يستعمله بعض أفراد هذه الجماعات المتطرفة، وهو شعار التاج الذي يتشكل من حرفين من كلمة (المسيح)، على مستطيل يشير للمعبد.
يعتبر رسم شعار ديني من هذا النوع داخل المسجد الأقصى المبارك سابقة تستحق التوقف، وذلك لأنها تحمل دلالات كثيرة ترتبط بفكرة "المعبد الثالث" التي يروج لها اليمين الصهيوني الديني الإسرائيلي، إضافة إلى اليمين الإنجيلي المسيحي الأمريكي. فالمعبد الثالث هو الهدف الأسمى لهذه الجماعات كما هو معروف، وهو ليس أمرا مخفيا، بل تعلنه جماعات المعبد المتطرفة ليل نهار.

لكن ما يطفو على السطح في هذه المسألة هو اسم "المخلص" الذي يرمزون له بالتاج. وهو التاج نفسه الذي نراه مرسوما فوق المعبد دائما، وذلك لأن فكرة المعبد الثالث لدى هذه الجماعات تهدف أصلا إلى أن "يسكن الرب مع شعبه"، وهذه هي العبارة الدينية التي تشير إلى أحداث النهاية وقدوم المسيح المخلص ليكون ملكا على شعب إسرائيل ويجعله سيدا على الشعوب كلها. فالمعبد الثالث في رؤية هذه الجماعات يرتبط أصلا بالمسيح المخلص، وهو قطب الرحى في علاقة الشعب بهذه الأرض من الناحية الدينية.

وبالرغم من أن فكرة المعبد تتراوح بين الرؤية التاريخية لدى التيارات اليسارية والعلمانية من ناحية، والرؤية الدينية لدى التيارات اليمينية والدينية وتيار الصهيونية الدينية من ناحية أخرى، فإن سيطرة اليمين على الحكم في إسرائيل تجعل الجانب الديني لهذه الفكرة هو الأكثر حضورا وتأثيرا في التطبيق، وهو بالتالي ما ينسحب على فكرة المسيح المخلص التي ترتبط تماما بالبعد الديني لعلاقة اليهود بهذه الأرض حسب وجهة نظرهم. ومن الواضح هنا أن العقيدة الخلاصية لم تعد تصورا دينيا مجردا، وإنما تحولت إلى برنامج سياسي انتخابي.

التخريب المتعمد بالرسم على حجارة المسجد الأقصى مسألة جديدة لم يشهدها المسجد منذ احتلاله، وهذا العمل ليس معزولا ولا مقصورا على جماعة دينية متطرفة بحد ذاتها، فإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في ظل الانتخابات لا يقتصر فعليا هذا العام على تيار الصهيونية الدينية.

فنفتالي بينيت رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "البيت اليهودي" اليميني سابقا وحزب "بينيت 2026" حاليا، كان حريصا على الظهور في صورة خاصة به أثناء إحياء ذكرى خراب المعبد. وأما بن غفير فإنه شارك المستوطنين في أداء صلاة حاشدة بعد صلاة العشاء أمام باب القطانين، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك من الناحية الغربية. وكذلك اختار نتنياهو استذكار هذه المناسبة في خطاب له بالتبشير "بخلود" إسرائيل.

وأما ما يسمى "معهد المعبد"، وهو من أكبر وأقوى منظمات جماعات المعبد المتطرفة حاليا، فقد حاول عشية "ذكرى خراب المعبد" تحقيق اختراق نوعي جديد، حيث حاول أفراده أداء صلاة خاصة ليلا أمام باب الغوانمة في الزاوية الشمالية الغربية من المسجد الأقصى، وهذا تقدم خطير وكبير في محاولة السيطرة على الباب الذي فشلت هذه الجماعات في الحصول عليه عام 1998.

تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في المسجد الأقصى خلال هذه المناسبة "ذكرى خراب المعبد"، يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي

يظهر من كل هذه المشاهد أن إسرائيل، وخاصة اليمين القومي الديني، تشعر بأزمة شديدة بسبب عدم تمكنها حتى اليوم من فرض أجندتها بالكامل على المسجد الأقصى، فالأحزاب والحركات اليمينية القومية الدينية باتت تحاول فرض وجودها ليلا في المسجد، وذلك لتثبيت واقع المشاركة الكاملة في الزمن في المسجد بين المسلمين واليهود، وتنفيذ فكرة التقسيم الزمني الكاملة حسب وعد نائب رئيس الوزراء "ياريف ليفين" الذي قدمه لهذه الجماعات خلال احتفالات "عيد الحانوكاه" نهاية العام الماضي. وفشلها يشير إلى عدم قدرة إسرائيل حتى الآن على تطبيق سيادتها على المسجد الأقصى.


ولعل هذا هو سبب تسمية المسيرة الليلية التي جابت الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى في عشية "ذكرى خراب المعبد" باسم "مسيرة السيادة". فالسيادة هي ما ينقص إسرائيل في المسجد الأقصى مهما حاولت أن تظهر غير ذلك.

أما تسجيل جماعات المعبد المتطرفة هدفا يتمثل في جمع 5 آلاف مستوطن في يوم واحد في الأقصى خلال هذه المناسبة "ذكرى خراب المعبد"، فإنه يشير إلى أفق يريده الاحتلال في المسجد: صورة إغراق المسجد الأقصى بآلاف المستوطنين للوصول إلى لحظة التغلب العددي على الوجود الإسلامي في المسجد، أي السيادة من خلال العدد.

وأرى أن فكرة حشد أعداد كبيرة من المستوطنين في المسجد، ورفع الهدف العددي كل عام، تريد هذه الجماعات من خلاله إحياء الأمل في قلوب أبنائها، خاصة وهي تجد أن الاتجاه العام لتحركاتها في المسجد الأقصى خلال السنوات العشرين الماضية في تصاعد، وهذه حقيقة للأسف، ولا يجوز لنا أن نخدع أنفسنا في هذا المجال.

كما لا يجوز لنا أن نعتبر أن فشل الاحتلال في الوصول إلى هدفه العددي -دون أي تدخل من الجانب الفلسطيني أو العربي أو الإسلامي لردعه- يعد انتصارا للعرب والمسلمين من أي نوع! فالانتصار يكون في هذه المعركة بفرض التراجع على الاحتلال ومستوطنيه وردعه عندما يتعلق بالمسجد الأقصى المبارك، وليس في فشل الاحتلال ذاتيا بسبب خلافاته الداخلية المتعلقة بالأقصى؛ نتيجة لإصرار الحاخامية الرسمية على الفتوى التقليدية بمنع اليهود من دخول الأقصى على سبيل المثال.

لم يكن التاج المرسوم فوق رمز المعبد مجرد خربشة عابرة على حجارة المسجد؛ بل كان اختصارا بصريا لمشروع كامل يحاول الانتقال من العقيدة الدينية إلى السياسة، ومن انتظار "المخلص" إلى فرض السيادة على الأرض.

وما لم يردع هذا المشروع في مراحله الحالية، فقد لا يبقى حديث "المعبد الثالث" مجرد شعار تحمله هذه الجماعات المتطرفة، بل سيكون برنامجا حقيقيا تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تنفيذه.

في نفس الوقت، فإن الوضع الكارثي الذي يمر به المسجد لا يمكن أن تخطئه عين مراقب، والاحتلال -في نفس الوقت- لا يزال عاجزا حتى اللحظة عن فرض سيادته بالكامل على الأقصى، لكن لنكن واضحين: هذا العجز قد لا يستمر طويلا ما لم يكن هناك تحرك حقيقي




الثلاثاء، 30 يونيو 2026

هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

 هل بدأت فعلاً خطة إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى؟

د. عبدالله معروف


أثار تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني في نهاية الشهر الماضي اهتماماً واسعاً بعدما كشف عن وجود خطة أمريكية جرى إبلاغ عدد من دول المنطقة بها، تقوم على إنهاء السيادة الإسلامية على المسجد الأقصى، وحل مجلس الأوقاف الإسلامية، وإنشاء هيئة دولية تشارك فيها دولة الاحتلال للإشراف على المسجد بدلاً من دائرة الأوقاف الإسلامية.

ارتباك أمريكي

اللافت بالنسبة لي لم يكن التقرير نفسه، بل رد فعل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عندما وُجه إليه سؤال مباشر من عضو مجلس الشيوخ الأمريكي الديمقراطي كريس فان هولين حول هذا الموضوع خلال جلسة استجواب، فقد بدا الرجل مرتبكاً، ورفض التعليق على التقرير، مكتفياً بالقول: إنه لم يطلع عليه وإنها المرة الأولى التي يسمع فيها بمثل هذه المعلومات.

في تقديري، لا يمكن اعتبار هذا الرد دليلاً على عدم صحة ما ورد في التقرير، على العكس من ذلك، فإن طبيعة الإجابة توحي بوجود أساس حقيقي للمعلومات المتداولة، وأن المشكلة ربما كانت في توقيت كشفها أكثر من مضمونها، فالمسجد الأقصى يتمتع بحساسية استثنائية، وأي حديث عن تغيير وضعه القانوني أو الإداري يمكن أن يشعل المنطقة بأسرها ويفتح الباب أمام مواجهة دينية تتجاوز حدود فلسطين.

لكن الحكم الحقيقي على صدقية هذه المعلومات لا يكون من خلال التصريحات السياسية، بل من خلال مراقبة ما يجري على الأرض، وعند النظر إلى السلوك «الإسرائيلي» في القدس خلال الأشهر الأخيرة، تظهر مجموعة من المؤشرات التي يصعب تجاهلها.

تهويد صامت

أول هذه المؤشرات يتمثل في طبيعة الإجراءات التي اتخذتها سلطات الاحتلال ضد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس منذ شهر رمضان الماضي، واستمرار هذه الإجراءات خلال فترة الحرب مع إيران، فالمتابع يلاحظ تصعيداً واضحاً في التعامل مع المؤسسة التي تمثل عملياً الجهة المشرفة على المسجد الأقصى.

أما المؤشر الثاني فيتعلق بالرسائل المتكررة التي تصدر عن قيادات جماعات المعبد المتطرفة ورموز تيار الصهيونية الدينية، التي تتحدث بصورة متزايدة عن تغييرات كبيرة وقريبة في المسجد الأقصى، وهذه الرسائل لا تبدو منفصلة عن الواقع السياسي، بل توحي بأن أصحابها يتوقعون أو يعلمون بوجود تحولات يجري الإعداد لها.

ويضاف إلى ذلك حملة إعلامية «إسرائيلية» منسقة تستهدف دائرة الأوقاف الإسلامية، وتسعى إلى ربطها بحركة «حماس»، فقد بدأت مواقع اليمين «الإسرائيلي» تنقل خبر الخلاف بين الشرطة «الإسرائيلية» ودائرة الأوقاف على خلفية رفض رئيس مجلس الأوقاف الذهاب للقاء شرطة الاحتلال في مخفر القشلة بالبلدة القديمة في القدس بشكل واسع، بالرغم من مرور أكثر من ثلاثة أشهر على هذا الحدث، بالتزامن مع نشر مقالات وتصريحات تتهم الأوقاف بأنها تمثل امتداداً لحماس داخل القدس، وهذا النمط يذكرنا بما جرى سابقاً مع وكالة «الأونروا»، حيث سبقت عملية تجريمها وإضعافها حملة إعلامية وسياسية واسعة هدفت إلى شيطنتها ونزع الشرعية عنها، ومن الصعب تجاهل أوجه الشبه بين الحالتين.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً ما تشهده بعض المعالم داخل المسجد الأقصى من تغييرات ميدانية، فقد تم إفراغ عدد من المواقع الأساسية وإخراجها من الخدمة، ومنها قبة موسى (مركز تحفيظ القرآن الكريم) قرب باب السلسلة غربي المسجد الأقصى، وقبة سليمان شمالي المسجد، ودار الحديث، وزاوية الغزالي، وكلاهما يقعان شرقي المسجد، واللافت أن المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى هي المنطقة التي يكثر الحديث في أوساط جماعات المعبد عن إمكانية تحويل أجزاء منها إلى كنيس يهودي.

توظيف سياسي وديني

ولا يمكن فصل هذه التحركات عن الدور الذي تؤديه شخصيات نافذة داخل تيارات اليمين الديني «الإسرائيلي»، ومن أبرز هذه الشخصيات الحاخام المتطرف شموئيل إلياهو، الذي يقود منذ فترة حملة علنية للدعوة إلى إقامة كنيس داخل المسجد الأقصى، كما انتشر له مؤخراً تسجيل مصور برفقة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، يتحدث فيه الأخير عن بناء كنيس داخل المسجد.

وتزداد أهمية هذه التصريحات إذا أخذنا في الاعتبار الأجواء السياسية والانتخابية داخل «إسرائيل»، حيث يسعى بن غفير إلى تعزيز موقعه لدى قواعد اليمين الديني المتطرف، وفي مثل هذه الظروف تصبح القضايا المرتبطة بالمسجد الأقصى أداة تعبئة سياسية وانتخابية بالغة التأثير.

كما شهد الأسبوع الماضي جدلاً واسعاً حول الإعلان عن ولادة بقرة حمراء في الجليل الأعلى، وهو حدث أعاد إلى الواجهة مرة أخرى الخطاب الديني المرتبط بمشروع المعبد، بما يعكس تزاوجاً متزايداً بين البعد الديني والبعد السياسي في الخطاب الذي يرافق هذه التحركات.

وعلى الجانب الآخر، فإن غياب النفي العربي الواضح لما ورد في التقرير، إلى جانب استدعاء الدعم الدولي للدور الأردني في المسجد الأقصى وإيجاد زخمٍ واضحٍ على الساحة الدولية في هذا السياق، يوحي بأن هناك إدراكاً رسمياً لوجود أخطار حقيقية تتعلق بمستقبل الوضع القائم في المسجد، وهو ما يعطي مصداقية لتقرير «ميدل إيست آي».

مجمل هذه المؤشرات لا يسمح بالتعامل مع ما ورد في التقرير باعتباره مجرد تكهنات أو تسريبات إعلامية عابرة، بل إن تراكم الشواهد السياسية والإعلامية والميدانية يدفع إلى الاعتقاد بأن هناك خطة يجري العمل على تنفيذها بصورة تدريجية، هدفها إعادة تشكيل الواقع الإداري والسيادي في المسجد الأقصى.

ومن الواضح أن هذه الخطة تعد استمراراً لخطة «صفقة القرن» التي كان جاريد كوشنر عرّابَها خلال الفترة الأولى للإدارة الأمريكية الحالية، إذ كان كوشنر قد صرح عام 2017م خلال الاحتفال لاعتبار إدارة ترمب الأولى بالقدس عاصمةً لـ«إسرائيل» ونقل سفارتها إليها أن السيادة «الإسرائيلية» على القدس يجب أن تمتد لكل ما فيها بما فيها المواقع المقدسة، وأضاف يومها أنه يجب إيجاد صيغة ما لفتح «جبل المعبد» لجميع المؤمنين، وهذا بحد ذاته إعلانٌ مسبق للخطة التي كشف النقاب عنها مؤخراً.

في ظل حالة العجز العربي والإسلامي غير المسبوقة، يبقى العامل الشعبي العنصر الأكثر قدرة على التأثير في مسار الأحداث، فالقضايا الكبرى المرتبطة بالقدس والمسجد الأقصى لم تُحسم يوماً بالإجراءات الرسمية وحدها، بل كانت دائماً مرتبطة بقدرة الشعوب على إبقاء هذه القضية حية في الوعي والاهتمام والحضور، فهل يعي الشعب الفلسطيني ذلك؟

الأحد، 28 يونيو 2026

فلسطين قضية إسلامية والأقصى عقيدة إضاءات تصحيحية في القضية الفلسطينية

فلسطين قضية إسلامية والأقصى عقيدة
إضاءات تصحيحية في القضية الفلسطينية
 
 مضر أبو الهيجاء


إنَّ الأمنيةَ التي أعلن عنها وزيرُ الداخليةِ التركيُّ المسلمُ مصطفي تشيفشي بشأنَ استلامِ ولايةِ القدس تشيرُ إلى انتماءٍ عميقٍ وتصورٍ قويم في طريقِ تحريرِ الأقصى.

 أمَّا ردُّ رئيسِ الكيانِ الصهيوني عليه، فهو يشيرُ إلى قدرٍ كبيرٍ من الكِبْرِ والعجرفةِ التي قد تفضي بأصحابِها إلى مصيرِ الهلاك الذي حلَّ بالمستكبرين عبر التاريخ.

وحتى يتحققَ ما يتمناه وزيرُ الداخليةِ التركيُّ المسلم، فإنَّ شرطَ تصحيحِ المسارِ الفلسطينيِّ يظل واجبًا، أمَّا إذا بقي الوضعُ على ما هو عليه الآن، فإنَّ ما يتحدثُ به ويدَّعيه رئيسُ الكيانِ الصهيوني سيبقى قائمًا، وستظلُّ موازينُ القوةِ والمعادلاتُ السياسيةُ على حالِها دونَ تغييرٍ جوهري.

لم تكن فلسطينُ في كل مراحلِ تاريخِها دولةً مستقلةً قائمةً بذاتها، بل كانت أرضًا مباركةً متصلةً بإقليمِ الشامِ حتى دمشق، وبأرضِ الكنانةِ حتى سيناء، وتخضعُ للدولةِ الإسلاميةِ القائمة. حتى جاء سايكس وبيكو، وأُعيدَ تشكيلُ المنطقةِ وفقَ حدودٍ سياسيةٍ جديدة، فكانت فلسطينُ ضمنَ الكياناتِ التي أُنشئت في هذا السياق، فوقعتِ الكارثة.

لن تتحررَ فلسطينُ من داخلِها وحدَه، بل إنَّ العاملَ الحاسمَ في تحريرِها سيكونُ من خارجِها أيضًا. 

أمَّا أهلُها الصابرون القابضون على الجمر، فإنَّ دورَهم يتمثلُ في الثباتِ والمقاومةِ وتحريضِ الأمةِ واستنهاضِها في مواجهةِ عدوٍّ يقارعونه ليلَ نهار، حتى لا يتمددَ ويتوسع.

إنَّ تحريرَ فلسطينَ هو ثمرةٌ لتصحيحِ أوضاعِ الأمة، فاقتلاعُ الكيان الإسرائيلي وإزالة دولته المارقة لن يتحققَ دونَ تعافٍ في الحدِّ المقبولِ لعمومِ أوضاعِ الأمة، وخصوصًا الأوضاعِ المحيطةِ بفلسطين، باعتبارِها العمقَ الاستراتيجيَّ والبشريَّ لأيِّ مشروعِ تحريرٍ حقيقي.

وإذا كان تصحيحُ أوضاعِ الأمةِ وتعافيها يشكلُ نصفَ المعادلةِ في تحريرِ فلسطين واستردادِ أقصى المسلمين، فإنَّ النصفَ الثاني من المعادلةِ يكمنُ في الشوكةِ والقوةِ التي تحتاجُها الأمةُ لتفكيكِ المشروعِ الصهيوني واقتلاعِ الكيانِ الإسرائيلي، وهو ما لا يتحققُ – في نظري – دونَ تركيا المسلمةِ الصاعدة والقوية.

وبين النصفِ الأولِ والثاني من المعادلةِ تكمنُ المقاربةُ الغائبةُ بين الكتلةِ العربيةِ المنتميةِ وتركيا المسلمة، فهل سيُعادُ النظرُ السياسيُّ بين المنتمين والفاعلين ليعيدوا صياغةَ مقارباتٍ قادرةٍ على تحقيقِ نتائجَ تراكميةٍ تضع قضية الأقصى وفلسطين على السكة ليسير قطار التحرير في الاتجاهِ الصحيح؟

مضر أبو الهيجاء فلسطين-جنين 6/6/2026

الخميس، 25 يونيو 2026

إسرائيل تمنع رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي بالخليل لليوم الخامس على التوالي

إسرائيل تمنع رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي بالخليل لليوم الخامس على التوالي
يقول الفلسطينيون إن الإجراءات الأخيرة تعمق السيطرة الإسرائيلية على موقع الضفة الغربية المحتلة

لبنى مصروا صحفية ورئيسة مكتب فلسطين وإسرائيل في موقع ميدل إيست آي، ومقرها القدس.

حظرت القوات الإسرائيلية رفع الأذان في المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل المحتلة في الضفة الغربية لليوم الخامس على التوالي، في أحدث تصعيد ضد الوجود الفلسطيني في الموقع.

كما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بمنع مدير المسجد، الشيخ معتز أبو سنينة، ورئيس أمنائه، حمام أبو مرخية، من دخول الموقع لمدة 12 يوماً.

قال مصدر فلسطيني لموقع ميدل إيست آي إن الأذان، المعروف باللغة العربية، ممنوع منذ يوم الأحد.

أشارت السلطات الإسرائيلية إلى أعمال الصيانة كسبب، بعد أن بدأت الاستعدادات لتركيب سقف فوق الفناء المركزي للمسجد.

وقال المصدر الفلسطيني: "هناك صلوات، ولكن لا يوجد نداء للصلاة".


وأوضح أن الغرفة التي يُبث منها الأذان تقع في الجزء من المسجد الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، وأن الجنود يرفضون السماح للمؤذن، الذي يرفع الأذان، بالدخول إليها.


"إن حظر الأذان مستمر. إنها سياسة قديمة."
- هشام شراباتي، منسق لجنة الدفاع عن الخليل


في عام 1994، دخل مستوطن أمريكي-إسرائيلي المسجد الإبراهيمي وأطلق النار على المصلين الفلسطينيين، مما أسفر عن مقتل 29 شخصاً. وفي أعقاب المجزرة، قسمت إسرائيل الموقع، وخصصت نحو 60% منه للمصلين اليهود والباقي للمسلمين.

ويقول الفلسطينيون إنه منذ ذلك الحين، وسعت إسرائيل سيطرتها بشكل مطرد على الضريح، الذي يقدسه المسلمون واليهود باعتباره مكان دفن إبراهيم، وهو أحد الآباء المشتركين بين الديانتين، وكذلك المسيحية.

ويقولون إن إسرائيل قد اتخذت سلسلة من الإجراءات التي تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني مع زيادة السيطرة اليهودية على الموقع.

وقد اشتدت هذه الإجراءات منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023. وتشمل هذه الإجراءات تشديد القيود على وصول المصلين، وطرد الأئمة وموظفي المساجد، والنقل التدريجي للسيطرة الإدارية بعيدًا عن السلطة الفلسطينية.

يقع المسجد الإبراهيمي في الخليل، في الجزء الجنوبي من الضفة الغربية المحتلة، والتي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967. ويعتبر الاحتلال غير قانوني بموجب القانون الدولي.
إجراءات تصعيدية

أدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية التابعة للسلطة الفلسطينية ما وصفته بأنه "تصعيد للإجراءات القمعية والتعسفية" التي تستهدف المسجد الإبراهيمي.

وقالت إنها تنظر إلى طرد أبو سنينة وأبو مرخيا "بقلق بالغ".

وقالت الوزارة: "تشكل هذه القرارات استهدافاً مباشراً وعلنياً للإدارة الدينية الرسمية للمسجد، وتمثل محاولة جادة لتجريد المسجد الإبراهيمي من قيادته الدينية والإدارية المصرح بها قانونياً ودينياً".

وأضافت أن هذه الإجراءات تشكل جزءًا من "سياسة تصاعدية ومنهجية" تهدف إلى تشديد السيطرة الإسرائيلية على المسجد.


قال هشام شراباتي، المنسق في لجنة الدفاع عن الخليل، إن حظر الأذان ليس بالأمر الجديد.

وقال إن الأذان يُحظر بشكل روتيني أيام السبت وخلال الأعياد اليهودية منذ منتصف التسعينيات.

وبحسب شراباتي، فإن الجنود أيضاً يمنعون المؤذن بشكل تعسفي من دخول غرفة الأذان، مما يؤدي إلى عدم أداء الأذان المقرر.

"في بعض الأحيان يتم تطبيق [الحظر] بشكل أكثر صرامة، وفي أحيان أخرى بشكل أقل صرامة"، هكذا صرح شراباتي لموقع ميدل إيست آي. "في شهر واحد، يمكن أن يكون هناك ما بين 70 إلى 90 نداءً فائتاً للصلاة".

"إن حظر الأذان مستمر. إنها سياسة قديمة."

لكنه قال إن القيود قد اشتدت بشكل كبير منذ أن تولت الحكومة الإسرائيلية الحالية السلطة في أواخر عام 2022.

وقال: "خلال جائحة كوفيد، تم فرض قيود باسم الصحة العامة. وفي وقت لاحق، خلال الحرب، تم تبرير القيود لأسباب أمنية".

"وحتى عندما سمحت إسرائيل بالتجمعات العامة ذات الحجم المحدد في أماكن أخرى، لم يتم احترام هذه الحدود نفسها في المسجد الإبراهيمي."

وقال شراباتي أيضاً إن السلطات الإسرائيلية دأبت على منع المصلين من الدخول عند المدخل الوحيد للمسجد، والذي يسيطر عليه الجنود.

وقال: "إنهم يعيدون الناس - الشباب والشابات وغيرهم - دون تقديم أي تفسير حقيقي".

المصدر:موقع ميدل إيست آي

الجمعة، 27 مارس 2026

الأقصى من خطر الإغلاق إلى خطر القربان

الأقصى من خطر الإغلاق إلى خطر القربان

زياد ابحيص


بين الإغلاق غير المسبوق والتصعيد المتسارع، يبدو أن المسجد الأقصى يقف على أعتاب مرحلة خطيرة لم يشهدها من قبل… فهل نحن أمام تحوّل حاسم في مصيره؟

في ظل تطورات متسارعة وإجراءات غير مسبوقة، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تحمل في طياتها تغييرات عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان. ما يجري ليس مجرد أحداث عابرة، بل إشارات تستدعي قراءة أعمق لفهم ما قد يأتي لاحقًا.

رمضان ٢٠٢٦: إغلاق غير مسبوق للأقصى يكسر كل الخطوط الحمراء

لقد تم في رمضان ٢٠٢٦: أطول إغلاق في التاريخ الحديث للأقصى؛ فقد شهد رمضان الحالي أطول إغلاق للمسجد الأقصى بقرار المحتل منذ تحريره من الصليبيين قبل أكثر من ثمانية قرون، وفرض فيه الاحتلال سوابق تاريخية لم يتمكن من فرضها من قبل؛ بمنع الجمعة في رمضان لأول مرة، ومنع الجمعة الأخيرة منه –الجمعة العظيمة- ومنع صلاة التراويح والتهجد والاعتكاف طوال العشر الأواخر من رمضان، والاحتلال ماضٍ في إبقائه مغلقاً طوال أيام عيد الفطر كذلك.

إغلاق الأقصى: مناورة مدروسة تمهيدًا لمرحلة أخطر

لم يعد خافياً أن هذا الإغلاق عمل من أعمال الحرب، مدروس ومخطط له ضد الأقصى، يهدف أولاً إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، وثانياً يشكل مناورة حية لعزل المسجد_الأقصى في أقدس الشهور وأكثرها شداً للرحال وتوافداً للمصلين إلى الأقصى، تمهيداً لعدوان أكبر بعد رمضان.

وبقراءة المنحنى التدريجي لتهويد المسجد الأقصى المبارك عبر ثلاثة عقود من الزمن حتى الآن، فإن الأقصى ماضٍ من خطر إلى خطر أكبر، وفيما يلي ما يتوقع من أخطار بعد العيد:

الخطر الأول: القربان الحيواني – ذروة التأسيس المعنوي للهيكل

والهدف هنا هو إدخال حملٍ أو سخلٍ إلى الأقصى وذبحه فيه، والمعنى الديني هنا هو تطبيق ذروة العبادة التوراتية في الأقصى، تكريساً للتعامل معه وكأنه قد بات هيكلاً حتى وإن كانت أبنيته ما تزال إسلامية؛ هو ذروة التأسيس المعنوي للهيكل، بحيث تشكل هذه العبادات مقدمة معنوية للتأسيس المادي للهيكل المزعوم في مكان المسجد الأقصى وعلى كامل مساحته.

المعنى الديني للقربان: استعمار الطقوس لتهويد المكان

والفكرة هنا أن اليهودية كما استقرت في شكلها المعاصر تؤمن بعقيدة الحلول، وبأن الهيكل المزعوم كان الموضع الذي سكنت فيه “روح الرب” وفق الأسطورة التوراتية، وبالتالي فإن القرابين تُقدم إلى “روح الرب” في “محل سكنها”. في المحصلة، فإن تقديم القرابين في الأقصى هو توظيف استعماري للطقوس الدينية كأداة تهويد وقضم وفرض وقائع جديدة.

المعنى السياسي: استجلاب التدخل الإلهي بوابة للخلاص

أما المعنى السياسي لهذا القربان، فإن اليمين الصهيوني عموماً ومنه منظمات الهيكل، يؤمن بأن المخلص سيأتي في آخر الزمان، وأن هناك مقدمات لمجيئه يمكن لتحقيقها أن يعجل بإرادة الرب في إرساله، وفي إرسال المعجزات معه وإنزال الهيكل من السماء.

وتعتقد منظمات الهيكل أن ذبح القربان كان سبباً مباشراً لتدخل الرب بإخراج “شعبه” من تيه سيناء، وأن دم القربان بحد ذاته كان المحفز لهذا التدخل الإلهي، وبالتالي فإنهم يرون أن ذبح القربان الآن في الأقصى، ونزول دمه هناك حيث تسكن “روح الرب” وفق أسطورتهم، سيدفع الرب للتدخل بالمعجزة في مجرى التاريخ، بإرسال المخلص، وإنزال الهيكل من السماء، وبأن يخضع الرب لـ”شعبه” أعناق الأمم.

عقيدة التدخل الإلهي: مفتاح فهم سلوك اليمين الصهيوني

إن فهم السلوك السياسي لشخصيات مثل بن غفير وسموتريتش وحتى عميحاي إلياهو من حزبي الصهيونية الدينية والليكود، لا يمكن أن يُفهم تماماً بعيداً عن فكرة سعيهم لاستجلاب التدخل الإلهي في الصراع باعتباره بوابة الخلاص الممكن. وكلما ازداد مأزق المشروع الصهيوني ووعيه باستحالة الحسم بالأدوات البشرية؛ فإنهم سيكونون أقرب للمضي في خطوات تقرب تدخل الرب في المعركة.

باختصار، كلما اشتدت الحرب الحالية كلما ازداد دافع اليمين الصهيوني لذبح القربان الحيواني في الأقصى، لجلب الرب إلى الحرب باعتباره وفق فهم هذا اليمين أداة الحسم النهائية…

من هنا يمكن الاستنتاج بأن اليمين الصهيوني بات اليوم أقرب من أي وقت مضى لأن يُقبل على مغامرة ذبح القربان الحيواني في المسجد الأقصى، وموعد ذلك هو عيد الفصح العبري الذي سيحل ما بين ٢ وحتى ٩ من شهر نيسان/ أبريل ٢٠٢٦، أي بعد العيد بإثني عشر يوماً.

الخطر الثاني: كيف استُخدم فتح الأقصى لفرض وقائع تهويدية

تقول التجربة القريبة في ٢٠٢٠ ثم في ٢٠٢٥ أنه في كل مرة ترك فيها الاحتلال ليفرض طريقة ووقت فتح الأقصى، فقد كان يستغل ذلك لفرض حقائق جديدة في تهويد المسجد، ففي ٢٠٢٠ عمل على تكريس مبدأ “الحق المتساوي” للمصلين المسلمين والمستوطنين المقتحمين، وبأنه ما لم يفتح الأقصى للمستوطنين فلن يفتح للمسلمين، أما في ٢٠٢٥ ففي اليوم التالي لإعلان قوات الاحتلال فتح الأقصى قرر بن غفير فرض الاحتفالات والرقص والغناء للمستوطنين في الأقصى، ومضى أبعد من تحويل الأقصى إلى ساحة صلاة لليهود، نحو تحويله لساحة مناسبات اجتماعية وحيّز عام للمستوطنين.

قراءة في مؤشرات التهويد القادمة

اليوم تُقرأ من سلوك الاحتلال في الأيام العشر الأولى من رمضان قبيل الإغلاق، ومن سلوكه خلال الإغلاق، نيته أن يمضي في واحد أو أكثر من أشكال فرض الحقائق التهويدية في الأقصى:

أولاً: تهميش الأوقاف وإحالة الإدارة إلى منظمات الهيكل

إحالة جزء من القرارات الإدارية في المسجد إلى اتحاد منظمات الهيكل، والذي تحاول شرطة الاحتلال منذ فترة تكريسه باعتباره من يدير الحضور اليهودي الاستيطاني في الأقصى، مقابل الأوقاف التي يجري تهميش دورها في المسجد الأقصى لينحصر في إدارة الحضور الإسلامي في الأقصى، وتحاول الشرطة أن تجعل حتى هذه المهمة خاضعة لإملاءاتها، وهو تهديد وجودي لدور الأوقاف الأردنية وتهديد أساساً لهوية المسجد كمقدس إسلامي ينبغي أن تديره هيئة إسلامية خالصة.

ثانياً: فرض “التقسيم المتساوي” وزيادة ساعات الاقتحام

محاولة فرض وقت إضافي للاقتحامات، وبحسب ما سبق أن أعلنه ياريف ليفين نائب رئيس الوزراء الصهيوني فإن عينهم على استحداث فترة اقتحام مسائية لزيادة أعداد المقتحمين، والوصول بالأوقات المخصصة لهم إلى تسع ساعات يومياً تقابلها تسع ساعات للمسلمين، أملاً في تكريس مبدأ “التقسيم المتساوي”، تمهيداً للانتقال للسقف التالي وهو تغليب الحضور الاستيطاني اليهودي على الحضور الإسلامي.

ثالثاً: استباحة دار الحديث الشريف ومصلى باب الرحمة

العودة إلى استباحة دار الحديث الشريف والساحة الشرقية، والتضييق على مصلى باب الرحمة الواقع بينهما، أملاً في قضم الجزء الشرقي من الأقصى كاملاً.

مرحلة النهاية: تسريع مخطط تصفية الأقصى

باختصار، المسجد الأقصى لم يعد اليوم في مرحلة التقدم البطيء والتمهيد للتهويد، بل انتقل إلى مرحلة استعجال قطف النتائج، والوصول إلى النهايات، لقد وصلنا إلى مرحلة محاولة تصفية الأقصى واستثمار الحرب الحالية لتحقيقها، وهو ما يفرض توجيه الأولوية إليه، وعدم السماح بعودة الأقصى إلى هامش الأحداث من جديد.

المصدر

المركز الفلسطيني للإعلام، زياد ابحيص.

اقرأ أيضا

القدس بين خطري التهويد والتجهيل