‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة في الطريق إلى ثقافتنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رسالة في الطريق إلى ثقافتنا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 نوفمبر 2023

قصة قاسم أمين بطل تحرير المرأة

قصة قاسم أمين بطل تحرير المرأة 

يرويها محمد قطب..!

محمد قطب إبراهيم 
عالم معروف ، له مؤلفات قيمة ومواقف مشرفة


"بطل" هذه القصة هو قاسم أمين!

شاب نشأ في أسرة تركية مصرية أي محافظة فيه ذكاء غير عادي حصل علي ليسانس الحقوق الفرنسية من القاهرة وهو في سن العشرين بينما كان هناك في عصره من يحصل علي الشهادة الابتدائية في سن الخامسة والعشرين

ومن هناك التقطه الذين يبحثون عن الكفاءات النادرة والعبقريات الفذة ليفسدوها، ويفسدوا الأمة من ورائها، التقطوه وابتعثوه إلى فرنسا.. لأمر يراد.

أطلع قبل ذهابه إلي فرنسا علي رسالة لمستشرق يتهم الإسلام باحتقار المرأة وعدم الاعتراف بكيانها الإنساني وغلى الدم في عروقه، كما يصف في مذكراته وقرر أن يرد علي هذا المستشرق ويفند افتراءاته علي الإسلام.

ولكن عاد بوجه غير الذي ذهب به

لقد أثرت رحلته إلي فرنسا في هذه السن الباكرة تأثيرا بالغا في كيانه كله، فعاد إلي مصر بفكر جديد وعقل جديد ووجه جديد.

عاد يدعو إلي "تعليم المرأة وتحريرها" على ذات المنهج الذي وضعه المبشرون وهم يخططون لهدم الإسلام

يقول في مذكراته إنه التقى هناك بفتاة فرنسية أصبحت "صديقة" حميمة له، وإنه نشأ بينه وبينها علاقة عاطفية عميقة، ولكنها "بريئة" وإنها كانت تصحبه إلى بيوت الأسر الفرنسية والنوادي والصالونات الفرنسية فتفتح في وجهه البيوت والنوادي والصالونات ويكون فيها موضع الترحيب... وسواء كان هو الذي "التقى بها" أم كانت موضوعة في طريقة عمدا ليلتقي بها، فقد لعبت هذه الفتاة بعقله كما لعبت بقلبه، وغيرت مجري حياته، وجعلته صالحا للعب الدور المطلوب، الذي قررت مؤتمرات التبشير أنه لابد منه لهدم الإسلام

ونحن نميل إلي تصديقه في قوله إن العلاقة بينه وبينها كانت "بريئة" لا بالمعني الإسلامي للبراءة بطبيعة الحال، ولكن بمعني عدم وصول هذه العلاقة إلي درجة الفاحشة فإنها علي هذه الصورة تكون أقدر علي تغيير أفكاره من العلاقة المبتذلة التي تؤدي إلي الفاحشة،لأن الفتاة ستكون حينئذ ساقطة في حسه غير جديرة بالاحترام، وغير جديرة بأن تكون مصدر "إلهام"!

وسواء كانت الفتاة قد "مثلت" الدور بإتقان، لتظل العلاقة بينه وبينها "روحية" و "فكرية" لتستطيع التأثير عليه، أم كانت تربيته المحافظة في الأسرة المنحدرة من أصل تركي هي التي وقفت بهذه العلاقة عند الحد الذي يصفها بالبراءة فالنتيجة النهائية كانت انقلابا كاملا في كل كيانه

ولنحاول أن نتصور كيف حدث التغيير ..

هذا شاب عبقري، نعم، ولكنه قادم من بلاد محتلة، تحتلها إحدى الدول الأوروبية وهو قادم إلى أوروبا تلك التي يتحدث قومه عنها بانبهار المأخوذ، وتمثل في حسهم العملاق الضخم الذي يتضاءل الشرق أمامه ويتوارى، فنستطيع عندئذ أن نتوقع أنه قادم إلى أوروبا وهو منخنس داخل نفسه، يحس بالضآلة والقزامة، ويتوجس أن يزدري في بلاد العمالية لأنه قزم قادم من بلاد الأقزام، وأقصى ما يتمناه قلبه أن يجد الطمأنينة النفسية والعقلية في تلك البلاد الغربية التي لا يكاد يستوعبها الخيال.

وبينما هو كذلك منكمش متوجس – إذا هذه الفتاة تبرز له في الطريق فتؤنس وحشته بادئ ذي بدء، فيزول عنه انكماشه وتوجسه، ويذهب عنه توتر أعصابه ويشعر بالطمأنينة في المهجر!

ثم إن هذه الفتاة تبادله عواطفه – كما قص في مذكراته – فيشعر فوق الطمأنينة بالسعادة والغبطة ويزداد استقرار نفسه فلا يعود يشعر بالغربة النفسية الداخلية، وإن بقيت الغربة بالنسبة للمجتمع الخارجية الذي لم يحتك به بعد.

غير أن الفتاة تنتقل معه – فتنقله – خطوة أخري.. فهي تصحبه إلى الأسر الفرنسية فتفتح له تلك الأسر أبوابها وترحب به، وتصحبه إلي النوادي والصالونات فترحب به كذلك وهنا تزول الغربة نهائيا، سواء بالنسبة لمشاعره الخاصة أو بالنسبة للمجتمع الخارجي، وينطلق في المجتمع الجديد واثقا من خطواته.

كيف تصير الأمور الآن في نفسه؟

كيف ينظر إلي العلاقة بينه وبين هذه الفتاة؟


وكيف ينظر إلي التقاليد التي تم عن طريقها كل ما تم في نفسه من تغيير؟

علاقة "بريئة" أي لم تصل إلى الفاحشة نمت من خلالها نفسه نموا هائلا، فخرجت من انكماشها وعزلتها، واكتسبت إيجابية وفاعلية، مع نمو في الثقافة وسعة في الأفق، ونشاط وحيوية!

ما عيب هذه التقاليد إذن؟ وما المانع أن تكون تقاليدنا نحن على هذا النحو "البرئ"؟

هناك بلا شك – مهما احسنّا الظنّ مجموعة من المغالطات في هذا المنطق.

المغالطة الأولي:هي دعواه "ببراءة" هذه العلاقة على اعتبار خلوها من الفاحشة المبينة فحتى لو صدقناه ونحن أميل إلي تصديقه كما قلنا فهي ليست "بريئة " في الميزان الإسلامي الذي يقيس به المسلم أمور حياته كلها فهي تشتمل على "خلوة" محرمة في ذاتها سواء أدت إلى الفاحشة أم لم تؤد إليها وهي محرمة في دين الله لحكمة واضحة، لأنها تؤدي في النهاية إلى الفاحشة، إن لم يكن في أول مرة ولا حتى في أول جيل فإنه ما من مرة أباحت البشرية لنفسها هذه الخلوة إلا وصلت إلى الفاحشة في نهاية المطاف لم تشذ عن ذلك أمة في التاريخ!

والمغالطة الثانية: هي تجاهله ما هو واقع بالفعل في المجتمع الفرنسي من آثار مثل هذه العلاقة، وقد علم يقينا بلا شك أن ذلك المجتمع يعج بألوان من العلاقات الأخرى "غير البريئة" ويسمح بها بلا رادع. فلم يكن ذلك سرا مخفيا عن أحد ممن يعيش في ذلك المجتمع، سواء من أهله أو من الوافدين عليه فحتى لو صدقناه في أن علاقته هو الخاصة لم تصل إلي ما يصل إليه مثلها في ذلك المجتمع لظروف خاصة مانعة في نفسه أو في نفسها فليس ذلك حجة لإباحة تلك العلاقات، أو الدعوة إلى مثلها وهو يرى بنفسه نتائجها الواقعية حين يبيحها المجتمع!

والمغالطة الثالثة: هي زعمه في كتابه الأول "تحرير المرأة" أن هذا التحرير لن ينتج عنه إلا الخير ولن تنشأ عنه العلاقات الدنسة التي رآها بعينه في المجتمع الفرنسي إنما سينشأ عنه تقوية أواصر المجتمع وربطها برباط متين!

وأيا كان الأمر فقد عاد قاسم أمين من فرنسا داعيا لتحرير المرأة.. داعيا إلى السفور ونزع الحجاب!

نفس الدعوة التي دعا بها رفاعة الطهطاوي من قبل عند عودته من فرنسا مع فارق رئيسي.. لا في الدعوة ذاتها، ولكن في المدعوين فإن أكثر من نصف قرن من الغزو الفكري المستمر كانت قد فعلت فعلها في نفوس الناس، فلم تقابل دعوة قاسم أمين بالاستنكار البات الذي قوبلت به دعوة رفاعة الطهطاوي، ولم توءد في مهدها كما وئدت الدعوة الأخرى من قبل!

ومع ذلك فلم يكن الأمر سهلا فقد أثار كتاب "تحرير المرأة " معارضة عنيفة جعلت قاسم أمين ينزوي في بيته خوفا أو يأسا، ويعزم علي نفض يده من الموضوع كله.

ولكن سعد زغلول شجعه وقال له: أمض في طريقك وسوف أحميك!

عندئذ قرر أن يعود، وأن يسفر عن وجهه تماما فلئن كان في الكتاب الأول قد تمحك في الإسلام، وقال إنه يريد للمرأة المسلمة ما أعطاها الإسلام من حقوق وفي مقدمتها التعليم فقد أسقط الإسلام في كتابه الثاني "المرأة الجديدة" ولم يعد يذكره إنما صار يعلن إن المرأة المصرية ينبغي أن تصنع كما صنعت أختها الفرنسية، لكي تتقدم وتتحرر، ويتقدم المجتمع كله ويتحرر! وهكذا سقط الحاجز المميز للمرأة المسلمة، وصارت هي والمشركة أختين بلا افتراق!

(محمد قطب - واقعنا المعاصر).


السبت، 19 أغسطس 2023

هجرة المسلم إلى بلاد الغرب في عصر حكم اليسار.. رسالة مختصرة

 هجرة المسلم إلى بلاد الغرب في عصر حكم اليسار.. رسالة مختصرة

تعريف مختصر لمصطلح “اليسار” و”اليمين” السياسيين 

تاريخ هذين المصطلحين يعود إلى الثورة الفرنسية؛ حيث جلس أعضاء البرلمان حينها على يمين الرئيس وعلى يساره، منقسمَيْن بين مؤيدين للملك (اليمين) ومؤيدين للثورة (اليسار). 

وبذلك اليسار السياسي: هو فكر الابتداع والتجديد العشوائي باتجاه إعطاء كل فرد في المجتمع حريّة اتباع هواه، دون النظر في أبعاد وأثر ذلك على بنية المجتمع ككل. 

ويكون اليمين السياسي: هو فكر المحافظة على الأسس الاجتماعية التقليدية والمنبعثة من الترسبات الدينية في المجتمع؛ مما أدى إلى تسميتهم أيضًا بالمحافظين. 

المفهوم السائد لمصطلح “بلاد الغرب” هو أمريكا وأوروبا، إلا أنّ الصحيح هو أنّ بلاد الغرب تشمل أيضًا أستراليا وروسيا وكل بلد يشاركهما الثقافة الأصليَّة.

محاذير المسلم في بلاد الغرب

نقاط الحذر التي ينبغي على المسلم الانتباه لها قبل اتخاذ قرار الهجرة إلى بلاد الغرب:

هيمنة اليسارية السياسية (1)

إن اليسارية السياسية هي التي تهيمن على الحكم في معظم بلاد الغرب اليوم. وبالتالي فإنّ كل ما يخصّها من مبادئ وقِيم اجتماعية هو أيضا السائد والمروَّج له بقوة في بلادهم؛ مما يجعل إمكانية تمسّك المسلم الذي يعيش في بلادهم بقِيم دينه الحنيف في غاية الصعوبة.

الفرديّة لا المجتمعيّة

إنّ مسيرة التطور للقِيم في المجتمعات الغربية عبر العقود الأخيرة باتت مبنيّة على تقديس الحريّة الفرديّة. فإنّ للفرد ما هوى وما يرى وعلى المجتمع احترام بل وتقديس ذلك الهوى الفردي. وقد اتبعوا ذلك دون أدنى اعتبار لعواقب الهوى الفردي على المجتمع ككل. فإن شاء الفرد الزنى أو الشذوذ الجنسي أو حتى تحويل الجنس؛ فذلك يكون حقه المقدس ويدخل في نطاق الحرية الشخصية بغضّ النظر عمّا ينتج عن ذلك من آثار مجتمعية سلبية على المدى المتوسط والبعيد. 

التمادي في الفردية

لقد وصل بالنُظم الغربية التمادي بتقديسهم للحرية الفردية إلى درجة أنهم باتوا لا يميّزون بين راشد وطفل. ففي أيامنا هذه وفي كثير من المدارس الأمريكية، على سبيل المثال، باتت برامج التدريس تشمل تدريس العلاقات الجنسية والشذوذ الجنسي وحتى ثقافة حريّة التحوّل الجنسي لطلاب الحضانة الذين لم تتجاوز أعمارهم الخمس أو الست سنوات. فهم يرون بل ويقدّسون حرية الطفل حتى في اختيار المسلك الجنسي الذي يريد. 

مطالب بتعديل اللغة

لقد وصل بهم التمادي أيضًا إلى أنهم اليوم يطالبون بتعديل اللغة؛ بحيث يضيفون إليها ضميرًا جديدًا للغائب كي لا تظل محصورة بـ “هو” و “هي”. فهم يريدون ابتداع ضمير غائب جديد يحاكي الجنس المتحوّل، ويعطيه حق الوجود بصيغة خاصة تمثّله بانفرادية تامة.

سلب دور الوالدين

إنّ من أخطر تداعيات التمادي في تقديس الحرية الفردية على الطريقة الغربية اليوم؛ هي حصر دور الوالدين على توفير المسكن والمطعم والأمور المادية الأساسية، ومنعهما مساحة التأثير على أولادهما في الأمور التربوية والثقافية والسلوكية. فإنْ اختار ابنك صاحب الخمس سنوات أن يحوّل جنسه إلى أنثى، وعلمتْ مدرسته بذلك ومنعْتَهُ فستواجه عواقب ذلك المنع على شتى الأصعدة والتي قد تصل الى المحاكمات القانونية.

فرنسا تمنع الحجاب وتغلق مدارس ومساجد

إنّ ما تفعله فرنسا في أيامنا هذه من منع لارتداء الحجاب في المدارس وإغلاق لبعض المدارس الإسلامية بتهمة أنها “انفصالية” لتدريسها قِيَمًا إسلامية مخالفةً للقيَم الفرنسية وإغلاق المساجد التي تقوم بتعيين إمام غير مرخّص به من قِبل السلطات الفرنسية؛ كل ذلك هو دليل قاطع بأن فرنسا تشترط لعيشك فيها أن تكون مثلها وإلّا لا مكان لك في دارهم.

تجربة الآخرين

هناك تجارب لا تُعَد ولا تُحصى لعائلات مسلمة ملتزمة بتعاليم دينها؛ عاشت وأنشأت أولادها في بلاد الغرب وأدخلتهم المدارس الإسلامية هناك إلّا أنّ أولادهم انجرفوا مع التيار الهائج للمجتمع الغربي فأصبحوا نادمين!

ضد التيّار

وكيف لا يخسر أكثر الأهالي من المسلمين أولادهم في بلاد الغرب لتيار الهوى والدنيا الفانية؟ أهي حقّاً مفاجئة؟ ألم يكن خيار الأهالي منذ البداية أن يسكنوا تلك البلاد؟ كيف لا؛ وحالهم مع تربية أولادهم كمثل الذي يعلِّم الطفل السباحة في نهر جارف.. أنتفاجىء في حال انجرف الطفل مع النهر؟ وهل نلوم الطفل لانجرافه؟ 

حتى وإن وُفّقتَ أنت

صحيح أنه يوجد هناك بعض الحالات بحيث وُفقت بعض العائلات لتربية أبنائها وبناتها في بلاد الغرب على القِيَم الإسلامية، ونجحوا ونجا أولادهم من الانجراف مع التيار الفاسد. إلّا أنّ هناك نقطة في غاية الأهمية يجب التفكُّر بها؛ وهي أنّ احتمال النجاح في التربية الإسلامية في بلاد الغرب، وإنْ توفر في الجيل الأول، فهو يصبح شبه معدوم في الجيل الثاني، ناهيك عن الجيل الثالث والرابع وما بعد ذلك.

فكل الأجيال التابعة تكون أنت مسؤولًا عنها يوم القيامة، يوم يقول رب العالمين (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) {الصافات 24}. تكون أنت أول من زرع تلك البذرة في تلك البلاد؛ والتي انتجت أجيالًا لا تبت إلى الإسلام بصلة رغم حرصك في البداية. 

كلنا على يقين أن الغرب كمنظومة سياسية هم أعداء ديننا الحنيف، ولا يريدون لهذا الدين أن تقوم له قائمة حتى ولو بعيدًا عنهم في بلاد المسلمين، فكيف إذًا نثق بأنْ نُودِع فلِذات أكبادنا في عقر دارهم ليربّوهم على طريقتهم؟

العالم يتغيّر بسرعة، فماذا عن دورك؟

في ظل التغيّرات السريعة التي تحصل في العالم اليوم وانقسامه إلى معسكرين واضحَيْ المعالم؛ ما بين معسكر الشر ومعسكر الخير؛ فمن الأولى أن يفكر المسلم بدوره في هذه المرحلة وكيف يخدم ويشارك في تقوية معسكر الخير، بدلًا من أن يهاجر بأهله إلى بلاد الغرب ويكثّر سوادهم على أقل تقدير. 

في الختام، ينبغي الإشارة إلى أنه من المعلوم والواضح أن الأوضاع المعيشية في الكثير من بلاد المسلمين باتت مترديةً إلى درجة تكاد لا تُحتمَل. كما أنه من المعلوم أنّ ظاهر الحياة في بلاد الغرب جذّاب ومُغرٍ .. إلّا أن الإنسان المسلم لا يزن الأمور بهذه السطحية ولا بمكيال دنيوي فحسب؛ إنما يشمل في ميزانه الشق الأخروي كي يحظى بنتيجة سليمة بشموليتها وعواقبها.

المصادر

1-اليساريَّة الفكريَّة تميل إلى حريَّة الإنسان في أمور لا تجيزها الاتجاهات اليمينيَّة والمُحافِظة؛ مثل حريَّة الشذوذ وحريَّة التحوُّل الجِنسيّ. كما يسعى اليمين إلى الحفاظ على الأجناس الغربيَّة والأعراق الغربيَّة والدين المسيحيّ. ويَقصد الكاتبُ هنا اليساريَّة الفكريَّة، وتطبيق أفكارها عَلَنًا والتشدُّق بها. أمَّا سياسيًّا فاليمين واليسار كلاهُما يتناوب السلطة؛ إلا في السنوات الأخيرة التي صعد فيها “اليمين” السياسيّ، وانتعش اليمين الفكريّ -خاصةً مع توالي الهجرات من العرب والمسلمين بسبب الحروب-. وعلى وجه التدقيق فكلا الاتجاهَيْنِ اليمين أو اليسار لا يرضى بالوجود الإسلاميّ للتضادّ الموجود بين المَنظومَتَيْنِ في الفكر والقِيَم (المحرر).

الاثنين، 20 يونيو 2022

الشاعر ومهمته في الحياة


 هكذا تحدث قطب.. عن الشاعر ومهمته في الحياة

 

صافي ناز كاظم
الثلاثـاء 08 ذو القعـدة 1425 هـ 21 ديسمبر 2004

لم يتيسر لي معرفة تراث الشهيد سيد قطب الثقافي والفكري والعلمي، الا بعد استشهاده بسنوات، وكنت قد قرأت كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، الذي أصدره عام 1947 في العهد الملكي، مترجما إلى اللغة الانجليزية حين وجدته، قدرا، في مكتبة نيويورك، وأنا أبحث عن مراجع لبعض مواد دراستي في المسرح. 

وكان ذلك عام 1965، وكان اسم سيد قطب كفيلا بإلقاء الرهبة في القلب والاحساس بالخطورة، ذلك لأنني من الجيل الذي ومنذ وعي، لا يعرف اسم سيد قطب الا متهما ومدانا وراء القضبان. 

أمسكت بالكتاب اقرؤه لأعرف أبواب الخلل في فكر هذا المتهم بالتخريب والارهاب والتآمر على أهداف «ثورة يوليو 1952»، والتي كما كانوا يقولون، تسعى لتحقيق «الاشتراكية العربية» الرامية الى «العدالة الاجتماعية».

 لم أصدق عيني ودعوة الكتاب منذ 1947 تندد بالظلم الاجتماعي، وتؤكد ضرورة صياغة «اشتراكية» نابعة من العقيدة الاسلامية. 

أدق بيدي على صفحات الكتاب وأقول لأصدقائي: هذا رجل نطق بكلمة العدالة الاجتماعية في العهد الملكي، وقت أن كانت الاشتراكية تعد من مفرادت الكلمات القبيحة! 

لم افهم بتاتا كيف يمكن لمثل هذا الكاتب أن يكون «هو» من أعداء «أهداف» يوليو 1952، وكيف يمكن أن يكون متآمرا على مصالح شعبنا الفقير، بينما كنت أرى أمامي موفدين من قبل نظام الحكم الناصري يبعثرون «العملة الصعبة» في تفاهات وشراء سلع استهلاكية، يعودون بها من «أمريكا» إلى أرض الوطن المزروعة بلافتات الصراخ ضد الامبريالية الأمريكية.

في 7 أغسطس 1966، عدت إلى مصر بعد غيبة ست سنوات متواصلة، قضيتها في الدراسة والعمل بالولايات المتحدة. 

ذهبت أتفقد اصدقائي أسلم عليهم، وكان من بينهم الكاتب أحمد بهجت بمبني الاهرام القديم، بشارع مظلوم بباب اللوق، وجدته واجما يهمس: «اليوم تم تنفيذ حكم الاعدام في سيد قطب»، لعله كان يوم 20 أغسطس 1966، بلعت غصتي، وتذكرت مآسي ومحن السابقين من الكتاب والمفكرين والمجتهدين، الذين نكل بهم الطغاة الأغبياء الجهلة: تذكرت ابن حنبل، وابن المقفع، وتاج الدين السبكي والكثير غيرهم من المعروفين أو المجهولين، في قوائم وسجلات أمة الإسلام المليئة بوجع القلب.

ظلت كتابات سيد قطب ممنوعة ومحظورة طوال المرحلة الناصرية من 1954 حتى 1970، لا تتوفر قراءتها لجيلي ـ من مواليد الثلاثينيات ـ حتى جاءت مرحلة حكم أنور السادات، حين بدأت ـ تدريجيا ـ السماح لدور النشر بالإفراج عن عمله الموسوعي الجليل في تفسير القرآن الكريم «في ظلال القرآن»، الذي مكنه الله سبحانه وتعالي بما يشبه المعجزة، من تنقيحه ومراجعته وزيادته، قبل استشهاده في ظروف المرض والتعذيب والآلام المبرحة في سجنه الطويل، حتى بلغ اكتماله الحالي ليصل الي ستة مجلدات بلغ مجموع صفحاتها 4012 صفحة، ثم اتسعت الانفراجة وتدفقت مؤلفات سيد قطب.

رغم أن مرحلة حكم السادات كانت بالنسبة لي شخصيا، سنوات قحط وظلم وعسف، ذقت فيها الحرمان من النشر، الذي استمر 12 سنة كاملة، مع الاعتقال وتلفيق القضايا الوهمية والاتهامات الجائرة من أغسطس 1971 حتى 25 مارس، إلا أنني اشكر لتلك الحقبة الساداتية أنها مكنتني من قراءة مكتبة سيد قطب كاملة والحمد لله، وأذكر حينما انتهيت من إتمام قراءة «في ظلال القرآن»، الذي أعود إليه كثيرا، أنني كنت متعجبة من البشاشة والهدوء وأجواء السلام، التي تنبعث من سطور تلك المجلدات، كأنها لم تكن مكتوبة من وراء قضبان، ولا في وقفات الاستراحة الخاطفة بين وجبات التعذيب، ودورات التحقيق وظلمات الظلم.

وكان ما استلفت اهتمامي كتيبه الجميل تحت عنوان: «مهمة الشاعر في الحياة»، الذي صدر في الطبعة الأولى عام 1932، واقتنيته في مايو 1975، ويقع في 98 صفحة، في طبعة دار الشروق، وقدم له الدكتور محمد مهدي علام أستاذ التربية بدار العلوم بكلمة مؤرخة 28 فبراير 1932، وهذا يعني أن سيد قطب نشر هذا الكتيب، وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره.

يبدو كتيب «مهمة الشاعر في الحياة»، كأنه عريضة دفاع عن الشعراء الجدد عام 1932، وتبشير بنهضة جيل من الشباب، يحرث أرض الشعر ويسقيها الحيوية والعافية، ولكنني بعد كل هذه السنوات، وعلى ضوء كل كتابات سيد قطب وملحمة حياته وقلمه حتى استشهاده، أجده الخريطة الكاشفة لمهمة سيد قطب في الحياة، والتي حددها لنفسه منذ البداية واستقام عليها، نافية ما ظنه البعض من تحولات وتغيرات وانتقال. يقول سيد قطب في تقديمه للكتيب: «هذا مجهود ضئيل صغير الحجم، أعد ليكون محاضرة فحسب.. والذي أريد أن أقوله في مقدمة هذا المجهود الضئيل الصغير الحجم: أن أهم ما فيه اقتناعي بما فيه، اقتناعا كاملا متغلغلا في نفسي، حتى لهو جزء من عقيدتي، أدافع عنه كما يدافع كل مؤمن عن عقيدته.. »

وبعد ان يتكلم عن: من هو الشاعر، الخيال في الشعر، ذوق الشاعر، التعبيرات الشعرية، شخصية الشاعر، ينهي كتيبه بكلمات غاضبة لاسعة تقول:«.. لاحظتم في كل النماذج التي أخذناها لشعرائنا الناشئين لمحة من البؤس الصامت أو الصارخ، وبعضكم يعجب بهذه الظاهرة المتشائمة الشاكية.. ولكن ذلك في نظرنا دليل صدق هؤلاء الشعراء وسلامة فطرتهم، فهم صورة من النفسية المصرية العامة في هذه الفترة.. مدوا أبصاركم في كل نواحي الحياة المصرية ألا ترون التصادم بين القوى الناشئة والظروف المحيطة التي تناوئها مناوأة قاسية؟ ألا تسمعون الصيحات داوية بالألم والاستنكار من كل جانب؟ فعلام اذن لا يكون كذلك الشعر؟.. علام يغرد الشعراء بأناشيد الفرح والمراح، وكيف تدب روح النشاط الطروب في الفنون؟ انتصرنا في موقعة حربية على جيوش الأعداء؟ افتحنا في العالم فتحا جديدا؟ لا.. أحصلنا على استقلالنا المغصوب؟ أنتنفس بحرية في أي جو من الأجواء؟.. كل ما في البلد جدير بالشكوى وكل ما فيها يلذع بالألم.. وإن التألم والشكاة لدليل عدم الرضاء، ودليل السعي لتغيير هذه الحال.. ولو إن هذه الشكوى الدائبة صمتت اليوم أو انقلبت الى لهو ومراح، لكان ذلك دليلا على الموت والاضمحلال.. إن الذين يهزلون اليوم أو يغنون ويمرحون هم أحد فريقين: فريق أناني مجرم لا يعنى بهذه الأمة، ولا يحفل بآلامها لأنه في ظل نعمة.. وفريق ميت الوجدان، ذليل الكرامة، لا تنبض به حياة إلا كالدواب والجراثيم...».

كتب سيد قطب هذه الكلمات ونشرها في ظل حكم الملك فؤاد الأول، وتحت وطأة الاحتلال الانجليزي في العام الذي توفي فيه الشاعران حافظ إبراهيم وأحمد شوقي، واستغرق مشواره في الحياة 60 عاما، الا 51 يوما ما بين يوم مولده في 9 أكتوبر 1906 في قرية صغيرة من قرى صعيد مصر اسمها «موشا»، تقع في زمام محافظة أسيوط، حتى يوم 20 أغسطس 1966 حين قدم عنقه ليلتف عليه حبل المشنقة، من «دون تلعثم أو تحرج» على حد تعبير له، كتبه في واحد من مقالاته التي نشرها في 2 أغسطس 1951 .

الأربعاء، 29 يناير 2020

قراءة في كتاب رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا .. لأديب العربية محمود محمد شاكر

أبو الحسن الجمال

ملخص المقال
قراءة في كتاب رسالة في الطريق إلى ثقافتنا لأديب العربية أبي فهر محمود محمد شاكر، حول وضع ثقافتنا العربية الإسلامية بعد الغزو الأوروبي

أديب العربية محمود محمد شاكر

لأديب العربية الكبير محمود محمد شاكر فضل كبير علي حياتنا الأدبية والثقافية المعاصرة، عمل على نهضتها والارتقاء بها منذ فترة مبكرة من حياته، وذلك راجعاً إلى نشأته في بيئة علمية صالحة.

فوالده الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر الأسبق، وأخيه المحدث الكبير أحمد محمد شاكر، وقريبه العلامة المحقق عبد السلام محمد هارون، نشأ متذوقاً للغة العربية عليماً بأدق أسرارها، وكان الجميع من أرجاء الوطن العربي يحجون إليه، ينهلون من علمه الواسع الغزير، اشتهر بتحقيقه للكتب النادرة من كتب التراث، وحسم العديد من القضايا التي كانت محل جدال، ووافقه الجميع على اجتهاداته.

رسالة في الطريق إلى ثقافتنا

واليوم نستعرض معه في كتابه الحجة "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، الذي كان في الأصل مقدمة لكتابه "المتنبي" في طبعته التي ظهرت في عام 1978م.

في هذا الكتاب يناقش واحدة من أخطر قضايا ثقافتنا، بل يناقش قضية القضايا فيها وهى الوضع الحالي لثقافتنا العربية الإسلامية بعد الغزو الأوربي، حيث أن الغزو الذي بدأ مع غزوة نابليون منذ مائتي عام ولم يكن عسكرياً بقدر ما كان غزواً فكرياً، مهمته زرع التغريب وتجنيد فئة يدافعون عن هذا التغريب.

هذا هو سر اصطحاب نابليون لجحافل من المستشرقين والعلماء من كافة التخصصات، وقد سبق نفر من هؤلاء المستشرقين هذه الحملة، وكانوا يبعثون بالتقارير التي تفيد أن يقظة عارمة تفور بالشرق، وأن الوقت قد حان لوأدها حتى لا تهدد أوربا ثانية؛ لأن سر قوة المسلمين هو تمسكهم بتعاليم الإسلام، وسر ضعفهم هو إبعادهم عن هذه التعاليم الحية التي هي أساس لكل تقدم ورقى.

فقد جاءت الحملة بغرض السطو على ما تقع عليه أيديهم من كنوز حضارتنا بل حضارات الشرق كلها، علومها وفنونها وآثارها، والغرض الثاني تمهيد الأرض للجيوش الغازية في محاولة لإخضاع العقل العربي عن طريق إعادة تصدير ما وقع تحت أيديهم من معارف عن بلادنا وثقافتنا، بالصورة التي تلائم أغراض الغزاة.

لقد كتب محمود شاكر هذه الرسالة للكشف عن جذور التاريخ الذي أدى إلى فساد الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية، وما نشأ فيها من المناهج التي كانت ولا تزال تسود الحياة الأدبية والثقافية فرفضها رفضاً، وبدأ يغوص في قراءة كل ما يقع تحته من تراثنا الثرى في التخصصات كالتفسير والحديث، والفقه، وأصول الفقه، والشعر، والتاريخ، والتراجم، وغير ذلك من أبواب العلم.

وعمد في رحلته هذه قراءة الأقدم فالأقدم وأمدته هذه التجربة الجديدة بخبرات جمة متباينة ومتشعبة، أتاحت له أن يجعل منهجه في تذوق الكلام منهجاً شاملاً متشعب الأنحاء، وهذا جره لبداية هذا الصراع وكشف النقاب عن حقيقة المستشرقين ومنهجهم وأهدافهم وأغراضهم إلا القليل المنصف منهم.

وقد عمل هؤلاء جواسيس لبلادهم وأخلصوا النية لأهدافهم الاستعمارية والدفاع عنها، وهذا وضح جلياً قبيل مجيء الحملة الفرنسية فهم الذين رصدوا اليقظة التي ظهرت معالمها في القرن الثامن عشر، فظهر الأعلام في كل التخصصات كالبغدادي صاحب خزانة الأدب، والجبرتي الكبير وأبحاثه في الكيمياء والطبيعة، والسيد مرتضى الزبيدي والعودة لمجد اللغة العربية وموسوعته الضخمة "تاج العروس"، والإمام محمد بن عبد الوهاب الذي ساهم في تنقية العقيدة مما علق بها من أوهام وبدع.

وهنا قلق الغرب من هذه النهضة التي كانت بذورها قد نمت، فبعث أولئك المستشرقين لبلادهم يحثوهم على غزو مصر. ويستشهد من تاريخ الجبرتي حكاية حثت مع الشيخ حسن الجبرتي والد المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي وهى التي أيدت كلامه حول أغراض المستشرقين الذين عملوا بإخلاص لدولهم ولم يخلصوا للعلم قدر إخلاصهم لسياسات بلادهم.

فنقل محمود شاكر عنه: "الجبرتي الكبير كان فقيها حنفياً كبيراً نابهاً عالماً باللغة، وعلم الكلام، وتصدر إماماً مفتياً وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، ولكنه في سنة (1144هـ - 1731م) ولى وجهه شطر العلوم التي كانت تراثاً مستغفلاً على أهل زمانه، فجمع كتبها من كل مكان ، وحرص على لقاء من يعلم سر ألفاظها ورموزها، وقضى في ذلك عشر سنوات (1144- 1154هـ)، حتى ملك ناصية الرموز كلها، حتى النجارة والخراطة والحدادة والسمكرة والتجليد والنقش والموازين، وصار بيته زاخراً بكل أداة في كل صناعة يستفيدون من علمه، ومارس كل ذلك بنفسه .." .

ثم ينقل هذا الخبر الخطير عن تاريخ الجبرتي:"وحضر إليه طلاب من الإفرنج وقرأوا عليه علم الهندسة، وذلك في سنة (1159هـ - 1746م) وأهدوا إليه من صنائعهم وآلاتهم أشياء نفيسة، وذهبوا إلى بلادهم ونشروا بها العلم من ذلك الوقت وأخرجوه من القوة إلى الفعل واستخرجوا به الصنائع البديعة مثل طواحين الهواء، وجر الأثقال، واستنباط المياه، وغير ذلك".

لقد رسم شاكر خريطة فكرية حسب القرون الهجرية لكل علماء الإسلام، وراح يتتبعهم بدأب ونهم شديدين، يرى أن الدين هو رأس كل ثقافة لأنه فطرة الإنسان والأصل الأخلاقي الذي لا يمكن أن تقوم الحضارة إلا به وإلا صارت الدنيا فوضى عارمة.

ينتقل بنا للحديث عن الحروب والصراعات التي دارت خفاء وعلنا بين ديار الإسلام وغيرها وكيف تراكمت أحقاد وضغائن لدى المسيحية الشمالية في أوروبا ضد المشرق الإسلامي، مما ظهر بعد ذلك متشحا بثياب الاستشراق والتنصير والاستعمار.

يتكلم باستفاضة عن عصور مختلفة يبدأ بالعصور الوسطى ثم عصور النهضة ثم الحروب الصليبية، ويفيض في الحديث عما أصاب أركان الدولة الإسلامية من تصدع آنذاك بسبب هذه الحروب الصليبية التي بدأت بقيادة الرهبان وملوك الإقطاع الذين يطمعون في عسل الشرق ولبنه. ويؤكد على منبع الحقد الشمالي المسيحي بعد سقوط القسطنطينية في (857ه - 1453م) عاصمة المسيحية على يد محمد الفاتح، مما هز العالم الأوروبي هزة عنيفة ممزوجة بالخزي والخوف والرعب والغضب والحقد.

ويثبت أستاذنا أديب العربية أن الاستشراق بدأ لأجل الأوروبيين وليس لأجلنا، يعني أنه مع الحروب الصليبية مثلا بدأ يظهر رجال من أمثال روجر بيكون الإنجليزي، ممن شامٌّوا العرب والعربية وجاهدوا في التعلم ليزيحوا عن أنفسهم وعن ذويهم وأوطانهم الجهل، حتى ينشأ حائل يمنع الأوروبيين من الانبهار بحضارة الإسلام التي كانت في أوجها وقتئذ.

ومن أكبر الأمثلة على ذلك توما الإكويني الإيطالي الكاثوليكي الذي استطاع تحصيل قدر كبير من العلم والمعرفة من ديار الإسلام، ولما سقط آخر حصن للصليبيين في الشام في عام 1291م تأكد الصليبيون أن ديار الإسلام عصية على الاختراق، ولكن المسلمين في ذلك الوقت -كما يقول- قد أعجبتهم كثرتهم وتاهوا بما أوتوا من زخرف الحياة الدنيا.

ثم يعرج للحديث عن حملة نابليون وأهدافها الحقيقة من خلال دراسته الجيدة للنصوص دون تدجين أو إخضاعها للتفسيرات الفاسدة كما فعل الكثير من المؤرخين، ومراقبة الاستشراق له وكيف أنه كان داهية عريق المكر برغم أنه كان أميا بينما خدع المشايخ.

بيد أن الاستشراق لم يكن عنه غافلا وقد أطاح محمد علي هذا بالزعيم عمر مكرم الذي ساعده في الوصول إلى السلطة وثبت هذا الطاغية ملكه وهكذا بدأ وأد اليقظة على يد هذا الداهية الذي حقق للمسيحية الشمالية مأربها.

ويجدر بالذكر هنا أن العلامة شاكر يطلق على عبد الرحمن الرافعي اسم المؤرخ المدجن، ويثبت عليه أخطاءً كثيرة وهو ما يؤكد أن التاريخ أمر في غاية الخطورة يجب أن نتنبه ممن نأخذه سيما وأن الرافعي كان يشيد بعبقرية محمد علي الذي دبر البعثات العلمية، بينما يرى شاكر أن الأمر كان مبيتا له من قبل أساطين الاستشراق وليس من اختراع الجاهل محمد علي.

تكلم شاكر عن رفاعة الطهطاوي وما فعله معه المستشرقون وكيف أنه هو وزملاؤه قد حازوا أعلى المناصب بعد عودتهم من بعثاتهم وهي المناصب التي شابت نواصي العلماء في سبيلها، ثم تكلم عن حقيقة مدرسة الألسن التي أنشأها الطهطاوي وخطرها والتي لم تكن من بنات أفكار رفاعة بالطبع.

وينتقل بنا إلى نقطة في غاية الأهمية وهي الاحتلال الانجليزي لمصر وجعل التعليم كله في قبضة المبشر الخبيث دنلوب، وانشطار التعليم في البلاد إلى شطرين ديني في الأزهر ودنيوي في المدارس وما تبع ذلك من تفريغ طلبة المدارس من ماضيهم وبعث الانتماء إلى الفرعونية البائدة.

ويختم كتابه بالحديث عن آثار ورواسب هذا التفريغ الذي نعاني منه حتى يومنا هذا، ويحكيه -تحت عنوان "قصة التفريغ الثقافي"- بصورة لم نرى أفجع منها حقيقة ولا أروع منها تصويرا بقلم العلامة شاكر، والتي تأتي تحت مسميات عدة كثقافة العصر والتنوير والتجديد مما استوفي بيانه في كتابه "أباطيل وأسمار".

وقد فصل بعد ذلك ما تقيأه دكتور طه حسين مما تعلمه على يد المستشرقين خاصة في كتابه "في الشعر الجاهلي"، وما زرعه في نفوس الناس من شكه ثم ما قاله وأثبته دكتور طه حسين بعد ذلك بكلماته، هو بنص حديثه الذي أورده العلامة شاكر من أن الفائز الحقيقي ممن سافر وتعلم في أوروبا هو من أحيا تراثه الإسلامي ولغته العربية ولم يتخلى عن أصوله وتاريخه الإسلامي.

وقد أبانت شهادة الدكتور طه التي أوردها العلامة شاكر في آخر سفره ما كان يحاك من تدمير لثقافتنا وتراثنا، سيما وأن الدكتور طه نفسه قد أيقن أخيرا ماذا يراد وراء كلمة تجديد.

وفي النهاية نقول إن أبا فهر حاول في هذا الكتاب أن يؤرخ لنا بعين عربية لا تغفل ، لا بعين أوربية تخالطها نخوة وطنية كما حاول البعض.