‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة والادب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة والادب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 6 يوليو 2024

حَتَّام فرعنة المنهج الأكاديمي الغربي؟

حَتَّام فرعنة المنهج الأكاديمي الغربي؟

 هدى عبدالرحمن النمر

 

والأدهى أن النسويات اللواتي ثقبن الآذان بالتظلُّم من ذكورية الأسلوب العربي يخضعن لممارسة «التذكير» هذه طائعاتٍ، مع أنها ممارسة لا أصل لها في اللغة ولا في الشرع، ولا في عُرف العرب جاهليةً وإسلامًا؛ إذ كانت النساء تكتب وتتكلم ويُحدَّث عنهن بأسمائهن المباشرة


من أفراد أُمَّة وضعت أصول علوم الدين والدنيا لأهل الشرق والغرب؛ عربهم وأعجمهم، مسلمهم وكافرهم، إلى أفراد متخبّطين بين الأعجمي والعربي، والإسلامي والمُؤَسْلَم!

وبَدَل الوقوف على قدم الندية والتكافؤ مع مختلف المنظومات المعرفية التي لا تستحي من نفسها، ولا تتبرأ من خصوصية تقاليدها أو تعتبر لفظة «التقاليد» عَوْرة وعارًا؛ نركع أمام عُقَد نقص ترى عُلوّ كعب نماذج الغير التي يجب خَطْب وُدّها والسير في ركابها، خاصةً النموذج الغرب - أوروبي Eurowestern. وبَدَل البناء على ذخائر الأصول العلمية الحاضرة لنا، نُرقِّع من أسلوب هذا ومنهج ذاك وأدوات تلك، ونرشّ فيما بينها بعض الفوائد والمقتطفات الإسلامية![1]

ومن نماذج حُمْق التبعية العلمية العمياء تلك: تقديس الطرق الأجنبية في الكتابة الأكاديمية والإحالة العلمية، تقديسًا لا يَقبَل النّظر، بل ويُعنّف المُخالِف له، كأنه وحي مُنزَّل من السماء، بل إن الوحي المُنَزَّل نفسه قد وُضع موضع الجدال والمخالفة! فترى الباحث المسلم -مثلًا- يملأ بحثه بذِكْر اسم الرسول -عليه الصلاة والسلام- والسيدة خديجة -عليها الرضوان-، فيقتصر على «النبي محمد»، و«خديجة زوجة النبي»، أو «خديجة زوجة محمد»! لأن «الموضوعية» أو «المنهجية العلمية» المُتَّبَعة هي تلك التي وضعتها جماعة علماء من مُنطلق أصوله كافرة بالحق (مهما تم تلطيف السياق باستعمال صفات علماني أو لا ديني، أو حداثي أو غربي، أو غير ذلك من تلافيف يظل مآلها في التصنيف الشرعي إلى الكفر)، يقتضي ضمن ما يقتضي نزع علامات الانتماء الديني التي تدل على «عاطفية» تخالف الحياد العلمي، وتؤذي شعور مَن لا يعتقد في نبوة محمد -عليه الصلاة والسلام-، ولا في الرضوان على السيدة خديجة أو تَسْييدها ابتداءً!

وأيًّا ما كان تبرير ذلك المنهج -وكلها تبريرات خائرة مردود عليها-، فكيف يجد مسلم في نفسه الجرأة للإشارة لرسول الله -عليه الصلاة والسلام- باسمه مجردًا؟! أو يبخل على الاسم الشريف بتقديمه بلقبٍ وإتباعه بصلاةٍ، فيقتصد ويقتصر على أحدهما «النبي محمد» أو «محمد عليه السلام»! تُرَى، ما نوع الاعتقاد الذي يُصدِّق مسلم علوّ منزلته على الحق الذي معه، لدرجة أن يُعرِّض نفسه عمدًا لدعاء رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؛ «رَغِمَ أَنْفُ ‏رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[2]؛ (‏أَيْ: لَصِقَ أَنْفُهُ بِالتُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ حُصُولِ الذُّلِّ)؟! وما نوع الأدب الذي يُصدِّق مسلم علوّ عزّته على ما أعزّه الله به من أدب حتى تطيب نفسه بوصمة «‏الْبَخِيل» من المصطفى -عليه الصلاة والسلام- نفسه؛ «البخيل الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[3]؟!

وقد أمر الله -تعالى- أن يُوقَّر نبيُّه، وأن يُبَجَّل، وأن يُعظَّم، وأمر بالصلاة والسلام عليه؛ فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب: 65]؛ وقال سبحانه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63]؛ أي لا تنادوه باسمه المباشر وبغير تشريف، كما ينادي بعضكم بعضًا.

ولم يكن أحد ينادي المصطفى -عليه الصلاة والسلام- في زمانه باسمه مجرَّدًا إلا الكفار والمشركين، فتأمّل! ومن يستشهد بورود هذا الأسلوب في كلام بعض تراث السلف الكرام، فإنما كان ذلك غالبًا في مَعرِض شرح الكلام على لسان المشركين.

ومهما يكن من أمر؛ فأيهما أولى بالاتباع علميًّا وعرفيًّا؛ الأدب مع الله -تعالى- ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، وما جرى عليه العمل بالإجماع، أم بعض الممارسات المخالفة أيًّا كانت أسبابها؟!

ويرحم الله الأديب الرفيع، مصطفى صادق الرافعي، الذي كتب يُوبِّخ أحدًا في زمانه سلك ذلك المسلك المُشين، فقال: «أُنبِّهك إلى أنك كررت في كتابك ذِكْر النبي صلى الله عليه وسلم ، دون أن تُتبِع اسمه الشريف بصيغة الصلاة عليه! وهذا سوء أدب، لا أقبَلُه أنا من أحدٍ، ولا أقِرُّ أحدًا عليه. وأنت حين تقول في كتابك: «إن الألفاظ ألفاظ محمّد»، لا تكاد تمتاز عن رجل مُظلِم القلب! نعوذ بالله من هذه الظلمة. فانتبِه إلى ذلك، واستغفر الله لنفسك»[4].

فإذا جئنا للوجه العلمي:

- أين الوجاهة العلمية في هذه الخاصية؟ أليس من الأدب العلمي ذِكْر أصحاب الألقاب التخصصية بألقابهم التي اكتسبوها بالتخصص، بغضّ النظر عن القناعة على المستوى الشخصي بكفاءتهم؟ ففِيمَ يكون نزع ألقاب النبوة وحواشيها، مع أنها بالمنظور العلمي البحت كذلك ألقاب تخصُّص وأساليب إشارة إلى ذلك المقام من الناس؟ أين الوجاهة في هذا التعرّي من الأدب؟ وأين الموضوعية في هذا التحيّز العدواني؟

- وإذا قيل: إن «الدَّكْتَرة» إقرار بدرجة علمية، أما النبوّة فإقرار بدرجة إيمانية، والإيمان محله القلب لا العقل، فهذا منطق «غير علمي»؛ إذ القناعة عامة حين تَقرّ في كيان ابن آدم تَقرّ في القلب والعقل معًا، فلكُلٍّ دَوْره في استقبال العلوم وبناء القناعات. ولا يخلو فكر ابن آدم من عاطفة (أي: تحيُّز وانتماء)؛ فالعقل ليس عضوًا منفصمًا طائرًا بانفراد في الهواء، بل جزءٌ من كيانٍ مركّب ذي روحٍ وحواسّ ووجدان[5].

- ثم لماذا يُطالِب كاتب بسلخ شيءٍ من إيمانه مجاراةً لما يؤمن أو ما لا يؤمن به غيره؟ إنما الكتابة تعبير عما قام في النفس فكرًا وشعورًا، ولا يملك كاتبٌ مهما برع أن يعرض مادة تراعي قناعات الكل في آنٍ معًا، فمَن سيُرضي ومَن سيُغضب، وما معيار التحيُّز لهذا أو ذاك؟! وعصر اليوم هو عصر حرية التعبير إلى حد الفجور، حتى وُضع مقام الألوهية موضع الجدال بندّية واستخفاف، ففِيمَ التضييق على مَن إذا اعتقد في كرامة النبوة أن يُوقِّرها في كلامه أحسن التوقير؟

وإذا انتقلنا لمنهج الإحالات والاقتباسات في المراجع العلمية Bibliographic Citations ترى عَجبًا عُجابًا! تلوم النسويات اللغة العربية على خاصيتها الذكورية بتغليب خطاب التذكير على التأنيث، ثم تُجاري ببشاشة قواعد الإحالة القائمة على ذِكْر المرء أو المرأة باسم عائلتهم «الذكوري» متمثّلًا في الجد أو الأب! ومع أن ثمة العديد من أنماط الاقتباس والإحالة الأجنبية الأخرى Citation Styles التي تَذكُر الأسماء مرتبة بشكلها الطبيعي، لكن لسببٍ ما اختير هذا النوع، واقتُصر عليه في الأكاديمية العربية؛ رغم معاكسته الفجَّة للذائقة والعرف اللغوي العربي، فضلًا عن الكبرياء النسوي! فتقرأ اليوم: وقالت الدكتورة أحمد، وحاججت الأستاذة عمر، ونَفَت الباحثة إبراهيم! وهذه مهزلة لغوية وعلمية، ومثال فَجٌّ على التبعية العمياء، وابتغاء العزة في قعر المهانة!

والأدهى أن النسويات اللواتي ثقبن الآذان بالتظلُّم من ذكورية الأسلوب العربي يخضعن لممارسة «التذكير» هذه طائعاتٍ، مع أنها ممارسة لا أصل لها في اللغة ولا في الشرع، ولا في عُرف العرب جاهليةً وإسلامًا؛ إذ كانت النساء تكتب وتتكلم ويُحدَّث عنهن بأسمائهن المباشرة، في أوج أزمان «البَطْرِيَرْكِيَّة» Patriarchy [6] شرقًا وغربًا! ومع ذلك لم يُحتَفَ بهذا الانتصار النسائي عندنا على كونه سابقًا زَمنًا وممارسة، وإنما انتبه إليه المُغرمون بأسلمة النسوية بعد أن حقَّقته المرأة الأجنبية، وكانت محرومةً منه أصلًا!

وسبب تلك الغفلة -وغيرها أكثر- أن ذلك النهج كان عندنا أصلًا مستقرًّا لا مُكتَسبًا ثوريًّا، وأن النموذج الأجنبي هو المقياس العالمي للمرأة، فلا إشادة بما لم تحقّقه نِسْوَة الغرب وإن تحقق لغيرهن، ولا حفاوة بما لا يحتفين به وإن حظي به غيرهن!

ثم تُلَبَّس كل هذه العُقَد الدونية لباس الممارسة العلمية، لا لشيءٍ إلا لأن العرف الأجنبي تواضَع عليها، وتَلقَّفها البقية بالقبول والتسليم؛ مصداق المثل العامي: «أيش يا فرعون فرعنك؟ قال: ما وجدت أحدًا يَلمُّني!»، وهذا مبدأ كل فرعنة!


 


[1] لمزيد من التفصيل عن قواعد التجديد والتأصيل في مختلف العلوم مع نماذج تطبيقية، يُراجع كتاب (الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة) للكاتبة، متاح للتنزيل من مدوّنتها.

[2] سنن الترمذي: أبواب الدعوات، (حديث رقم: 3545).

[3] سنن الترمذي: أبواب الدعوات، (حديث رقم: 3546).

[4] من رسائل الرافعيّ لأبي ريّة.

[5] لمزيد تفصيل في هذه القاعدة، يُراجع كتاب (الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة)، للكاتبة.

[6] بطريركية Patriarchy اصطلاح يُقصَد به النظام أو المجتمع الذي يتحكم فيه الرجال، بناءً على العُرف القديم بسيادة الذكر الأكبر في العشيرة أو الأسرة. يغلب استعمال لفظة (الأبوي)، أو (الذكوري) عند ترجمته للعربية، و(البطريركي) أدقّ منهما في هذا السياق.

السبت، 19 أغسطس 2023

هجرة المسلم إلى بلاد الغرب في عصر حكم اليسار.. رسالة مختصرة

 هجرة المسلم إلى بلاد الغرب في عصر حكم اليسار.. رسالة مختصرة

تعريف مختصر لمصطلح “اليسار” و”اليمين” السياسيين 

تاريخ هذين المصطلحين يعود إلى الثورة الفرنسية؛ حيث جلس أعضاء البرلمان حينها على يمين الرئيس وعلى يساره، منقسمَيْن بين مؤيدين للملك (اليمين) ومؤيدين للثورة (اليسار). 

وبذلك اليسار السياسي: هو فكر الابتداع والتجديد العشوائي باتجاه إعطاء كل فرد في المجتمع حريّة اتباع هواه، دون النظر في أبعاد وأثر ذلك على بنية المجتمع ككل. 

ويكون اليمين السياسي: هو فكر المحافظة على الأسس الاجتماعية التقليدية والمنبعثة من الترسبات الدينية في المجتمع؛ مما أدى إلى تسميتهم أيضًا بالمحافظين. 

المفهوم السائد لمصطلح “بلاد الغرب” هو أمريكا وأوروبا، إلا أنّ الصحيح هو أنّ بلاد الغرب تشمل أيضًا أستراليا وروسيا وكل بلد يشاركهما الثقافة الأصليَّة.

محاذير المسلم في بلاد الغرب

نقاط الحذر التي ينبغي على المسلم الانتباه لها قبل اتخاذ قرار الهجرة إلى بلاد الغرب:

هيمنة اليسارية السياسية (1)

إن اليسارية السياسية هي التي تهيمن على الحكم في معظم بلاد الغرب اليوم. وبالتالي فإنّ كل ما يخصّها من مبادئ وقِيم اجتماعية هو أيضا السائد والمروَّج له بقوة في بلادهم؛ مما يجعل إمكانية تمسّك المسلم الذي يعيش في بلادهم بقِيم دينه الحنيف في غاية الصعوبة.

الفرديّة لا المجتمعيّة

إنّ مسيرة التطور للقِيم في المجتمعات الغربية عبر العقود الأخيرة باتت مبنيّة على تقديس الحريّة الفرديّة. فإنّ للفرد ما هوى وما يرى وعلى المجتمع احترام بل وتقديس ذلك الهوى الفردي. وقد اتبعوا ذلك دون أدنى اعتبار لعواقب الهوى الفردي على المجتمع ككل. فإن شاء الفرد الزنى أو الشذوذ الجنسي أو حتى تحويل الجنس؛ فذلك يكون حقه المقدس ويدخل في نطاق الحرية الشخصية بغضّ النظر عمّا ينتج عن ذلك من آثار مجتمعية سلبية على المدى المتوسط والبعيد. 

التمادي في الفردية

لقد وصل بالنُظم الغربية التمادي بتقديسهم للحرية الفردية إلى درجة أنهم باتوا لا يميّزون بين راشد وطفل. ففي أيامنا هذه وفي كثير من المدارس الأمريكية، على سبيل المثال، باتت برامج التدريس تشمل تدريس العلاقات الجنسية والشذوذ الجنسي وحتى ثقافة حريّة التحوّل الجنسي لطلاب الحضانة الذين لم تتجاوز أعمارهم الخمس أو الست سنوات. فهم يرون بل ويقدّسون حرية الطفل حتى في اختيار المسلك الجنسي الذي يريد. 

مطالب بتعديل اللغة

لقد وصل بهم التمادي أيضًا إلى أنهم اليوم يطالبون بتعديل اللغة؛ بحيث يضيفون إليها ضميرًا جديدًا للغائب كي لا تظل محصورة بـ “هو” و “هي”. فهم يريدون ابتداع ضمير غائب جديد يحاكي الجنس المتحوّل، ويعطيه حق الوجود بصيغة خاصة تمثّله بانفرادية تامة.

سلب دور الوالدين

إنّ من أخطر تداعيات التمادي في تقديس الحرية الفردية على الطريقة الغربية اليوم؛ هي حصر دور الوالدين على توفير المسكن والمطعم والأمور المادية الأساسية، ومنعهما مساحة التأثير على أولادهما في الأمور التربوية والثقافية والسلوكية. فإنْ اختار ابنك صاحب الخمس سنوات أن يحوّل جنسه إلى أنثى، وعلمتْ مدرسته بذلك ومنعْتَهُ فستواجه عواقب ذلك المنع على شتى الأصعدة والتي قد تصل الى المحاكمات القانونية.

فرنسا تمنع الحجاب وتغلق مدارس ومساجد

إنّ ما تفعله فرنسا في أيامنا هذه من منع لارتداء الحجاب في المدارس وإغلاق لبعض المدارس الإسلامية بتهمة أنها “انفصالية” لتدريسها قِيَمًا إسلامية مخالفةً للقيَم الفرنسية وإغلاق المساجد التي تقوم بتعيين إمام غير مرخّص به من قِبل السلطات الفرنسية؛ كل ذلك هو دليل قاطع بأن فرنسا تشترط لعيشك فيها أن تكون مثلها وإلّا لا مكان لك في دارهم.

تجربة الآخرين

هناك تجارب لا تُعَد ولا تُحصى لعائلات مسلمة ملتزمة بتعاليم دينها؛ عاشت وأنشأت أولادها في بلاد الغرب وأدخلتهم المدارس الإسلامية هناك إلّا أنّ أولادهم انجرفوا مع التيار الهائج للمجتمع الغربي فأصبحوا نادمين!

ضد التيّار

وكيف لا يخسر أكثر الأهالي من المسلمين أولادهم في بلاد الغرب لتيار الهوى والدنيا الفانية؟ أهي حقّاً مفاجئة؟ ألم يكن خيار الأهالي منذ البداية أن يسكنوا تلك البلاد؟ كيف لا؛ وحالهم مع تربية أولادهم كمثل الذي يعلِّم الطفل السباحة في نهر جارف.. أنتفاجىء في حال انجرف الطفل مع النهر؟ وهل نلوم الطفل لانجرافه؟ 

حتى وإن وُفّقتَ أنت

صحيح أنه يوجد هناك بعض الحالات بحيث وُفقت بعض العائلات لتربية أبنائها وبناتها في بلاد الغرب على القِيَم الإسلامية، ونجحوا ونجا أولادهم من الانجراف مع التيار الفاسد. إلّا أنّ هناك نقطة في غاية الأهمية يجب التفكُّر بها؛ وهي أنّ احتمال النجاح في التربية الإسلامية في بلاد الغرب، وإنْ توفر في الجيل الأول، فهو يصبح شبه معدوم في الجيل الثاني، ناهيك عن الجيل الثالث والرابع وما بعد ذلك.

فكل الأجيال التابعة تكون أنت مسؤولًا عنها يوم القيامة، يوم يقول رب العالمين (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) {الصافات 24}. تكون أنت أول من زرع تلك البذرة في تلك البلاد؛ والتي انتجت أجيالًا لا تبت إلى الإسلام بصلة رغم حرصك في البداية. 

كلنا على يقين أن الغرب كمنظومة سياسية هم أعداء ديننا الحنيف، ولا يريدون لهذا الدين أن تقوم له قائمة حتى ولو بعيدًا عنهم في بلاد المسلمين، فكيف إذًا نثق بأنْ نُودِع فلِذات أكبادنا في عقر دارهم ليربّوهم على طريقتهم؟

العالم يتغيّر بسرعة، فماذا عن دورك؟

في ظل التغيّرات السريعة التي تحصل في العالم اليوم وانقسامه إلى معسكرين واضحَيْ المعالم؛ ما بين معسكر الشر ومعسكر الخير؛ فمن الأولى أن يفكر المسلم بدوره في هذه المرحلة وكيف يخدم ويشارك في تقوية معسكر الخير، بدلًا من أن يهاجر بأهله إلى بلاد الغرب ويكثّر سوادهم على أقل تقدير. 

في الختام، ينبغي الإشارة إلى أنه من المعلوم والواضح أن الأوضاع المعيشية في الكثير من بلاد المسلمين باتت مترديةً إلى درجة تكاد لا تُحتمَل. كما أنه من المعلوم أنّ ظاهر الحياة في بلاد الغرب جذّاب ومُغرٍ .. إلّا أن الإنسان المسلم لا يزن الأمور بهذه السطحية ولا بمكيال دنيوي فحسب؛ إنما يشمل في ميزانه الشق الأخروي كي يحظى بنتيجة سليمة بشموليتها وعواقبها.

المصادر

1-اليساريَّة الفكريَّة تميل إلى حريَّة الإنسان في أمور لا تجيزها الاتجاهات اليمينيَّة والمُحافِظة؛ مثل حريَّة الشذوذ وحريَّة التحوُّل الجِنسيّ. كما يسعى اليمين إلى الحفاظ على الأجناس الغربيَّة والأعراق الغربيَّة والدين المسيحيّ. ويَقصد الكاتبُ هنا اليساريَّة الفكريَّة، وتطبيق أفكارها عَلَنًا والتشدُّق بها. أمَّا سياسيًّا فاليمين واليسار كلاهُما يتناوب السلطة؛ إلا في السنوات الأخيرة التي صعد فيها “اليمين” السياسيّ، وانتعش اليمين الفكريّ -خاصةً مع توالي الهجرات من العرب والمسلمين بسبب الحروب-. وعلى وجه التدقيق فكلا الاتجاهَيْنِ اليمين أو اليسار لا يرضى بالوجود الإسلاميّ للتضادّ الموجود بين المَنظومَتَيْنِ في الفكر والقِيَم (المحرر).

الأحد، 10 مارس 2013

علي باشا مبارك(2-2)



علي باشا مبارك(2-2)
(1239 - 1311هـ / 1824 - 1893م)




بصمات واضحة في تطوير التعليم المصري الحديث

د. محمد بن موسى الشريف
في هذا العدد نتناول أهم أعمال علي باشا مبارك على الإطلاق «إصلاح التعليم»، وقد بذل في ذلك جهداً كبيراً حتى يمكن لي أن ألقبه «أبو التعليم المصري الحديث»، وقد ظهرت جهوده واضحة في الأعمال التالية:
1- مَدّن التعليم بعد أن كان عسكرياً داخلياً معتمداً على القسوة والسباب.
2- عمل لائحة للمدارس ضبطت شؤون الإدارة والطلاب بعد أن كان الأمر فوضى مرسلاً بدون ضوابط، وسميت «لائحة رجب» - نسبة لشهر رجب الذي انطلق فيه هذا المشروع، وذلك يوم كان المصريون والعرب يراعون الشهور العربية ويقدمونها على غيرها - وذلك في 1284هـ/ 1868م، وأجرى كثيراً من ريع الأوقاف الخيرية على التعليم، وقد كان يجمع بين إدارتي التعليم والأوقاف فسهُل عليه ذلك.
3- رفع أجور المدرسين وخدم المدارس.
4- جعل التعليم مجانياً للفقراء.
5- نظم التدريس في الكتاتيب، وقد كانت هي القاعدة العريضة للتعليم آنذاك.
6- أنشأ مدارس في معظم المدن وفتح مدارس للبنات.
7- ألف كثيراً من الكتب المدرسية، ووضع المناهج لعدد من المدارس العليا خاصة الهندسة والحربية، واشترك مع آخرين في تأليف بعض الكتب، وأنشأ مطبعتين لطباعة الكتب المدرسية.
8- باشر بنفسه التعليم في أوقات كثيرة حتى زمن وزارته وبعدها، وكان يشرف على الطلاب بنفسه ويعلمهم كيف يلبسون وكيف يقرؤون وكيف يكتبون، ويشرف على المعلمين وينصحهم، وكان - لهمته العالية - يجهد في تعليم الطلاب بكل وسيلة حتى أنه كان يكتب لهم بالفحم على البلاط، ويخط لهم على التراب، ويعلمهم في الخيام، وذلك لقلة الوسائل التعليمية آنذاك، وكان يعلمهم القواعد الهندسية بالعصا والحبل!!
9- أنشأ دار العلوم المشهورة اليوم بالقاهرة، وجعل لطلابها مكافأة شهرية وصلت إلى مائة قرش، وكان هذا قَدْراً ضخماً من المال يمنح للطالب آنذاك.
10- أنشأ الصحافة المدرسية، وأول صحيفة كانت «روضة المدارس» وابتدأت منتصف محرم سنة 1287هـ/ 17 فبراير 1870م، وجعل رفاعة بك رافع الطهطاوي مشرفاً عليها، وكتب فيها بنفسه.
وتكمن عبقرية علي باشا مبارك في أنه ألف العديد من المؤلفات والتي كان أعظمها على الإطلاق «الخطط التوقيفية» في عشرين مجلداً، والتي وصف فيها مدن مصر وقراها وآثارها وجغرافيتها وتاريخها في العصور القديمة والحديثة، وتعد إكمالاً لخطط المقريزي وجعل الأجزاء الستة الأولى للقاهرة والسابع للإسكندرية والأجزاء الأخرى لسائر المدن المصرية وبلداتها وقراها. وألّف «عَلَم الدين» في أربعة أجزاء، وهو كتاب تدور أحداثه على عالم أزهري سماه عَلَم الدين، ورجل إنجليزي وفد إلى مصر وتعلم العربية، وفيه معلومات مهمة ونوادر وبحوث.
وألف «تذكرة المهندسين»، و«تقريب الهندسة»، و«طريق الهجاء والتمرين»، و«تنوير الأفهام في تَغَذِّي الأجسام»، و«نخبة الفكر في تدبير نيل مصر»، و«آثار الإسلام في المدنية والعمران» وهو آخر كتبه، و«الميزان في الأقيسة والمكاييل والأوزان» و«حقائق الأخبار في أوصاف البحار»، و«سوق الجيوش»، و«الاستحكامات العسكرية»، واشترك في ترجمة كتاب «تاريخ العرب» للمؤلف الفرنسي «سيد يو».. وغير ذلك.
مواقف في حياته شُغل عن والدته فلم يرها ولم يسمع صوتها مدة أربع عشرة سنة، منذ أُخذ إلى مدرسة قصر العيني إلى أن عاد من فرنسا واشتغل بالمهام العديدة التي كُلف بها، فلا تسأل عن اللقاء وما جرى فيه من بث العواطف والأشواق، وكان علي مبارك وهو طالب يستصعب جداً مادتي الهندسة والحساب «الرياضيات»، فإذا به ينبغ فيهما نبوغاً عجيباً سواء كان نبوغاً علمياً أو عملياً.
ومن همته أنه كان يبيت غالب أيامه جائعاً وهو طالب في طفولته، بل كان يمص العظام التي أكلها الآخرون، ثم إذا به يصبح في شبابه وكهولته وزيراً لعدد من الوزارات.
وقد عانى كثيراً من الحسد والوشايات حتى عُزل مراراً من كثير من وظائفه، ثم يعود إليها ثم يُعزل، لكنه بقي ثابتاً على شيء واحد وهدف محدد وهو خدمة الناس وإصلاح شؤونهم. وقد شارك في الجمعية العمومية التي عقدت من أربعمائة من أعيان المصريين للنظر في أمر الحملة الإنجليزية الهمجية على مصر سنة 1299هـ/ 1882م، ثم كان رئيساً للجنة من ستة أشخاص سافرت إلى الإسكندرية للاتصال بـ«الخديو توفيق» الذي كان ممالئاً للإنجليز ضد الثورة العُرابية، وكان من غرض اللجنة عقد مصالحة بين «الخديو» والضابط الثائر أحمد عرابي لكن الأمور لم تَسِر على ما يرام.
مرضه ووفاته وبقي علي مبارك ناظراً للمعارف ووزيراً حتى سنة 1308هـ/ 1891م، فلما استقالت وزارة رياض باشا عاد إلى بلده لتفقد أراضيه وإصلاحها، لكن القدر لم يُمهله فمرض في مثانته وعاد إلى القاهرة فاشتد عليه المرض حتى توفي سنة 1310هـ/ 1893م بمنـزله بالحلمية، رحمه الله تعالى وأعلى درجته. وهكذا كان علي مبارك معلماً ووزيراً للتعليم، ومهندساً بارعاً بُني بتوجيهه وإشرافه كل المعالم الحضارية - تقريباً - في مصر الحديثة، وهو المؤلف البارع الذي سَهّل على الطلاب كثيراً من العلوم، وهو المصلح الاجتماعي الذي رفع كثيراً من المظالم عن الفلاحين، وهو الإداري الحازم الذي وضع من النظم واللوائح ما أصلح به شأن الأوقاف والتعليم، فشخصيته متعددة المواهب، وأعماله كثيرة لكنه أضحى من العظماء المنسيين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



علي باشا مبارك (1-2)

الثلاثاء، 5 مارس 2013

علي باشا مبارك (1-2)





علي باشا مبارك (1-2)

(1239 - 1311هـ / 1824 - 1893م)


تمكن بأفكاره الفذة من تحويل مصر من الجهل إلى التنوير
د. محمد بن موسى الشريف
جاء علي مبارك في زمن صعب؛ إذ لم يكن في مصر آنذاك أسس الدولة الحديثة في جوانب كثيرة، فجاء هذا الرجل الفذّ بأفكار وأعمال يعجز عنها جماعة من الناس، ولم تأت هذه الأعمال من رجل ورث المجد كابراً عن كابر، وخلفاً عن سلف، ولم تأت من شخص نشأ في أسرة غنية مرفهة أو مشهورة بالعالم، إنما كان علي مبارك عصامياً نشأ في أسرة فقيرة من ريف مصر، وعانى في سبيل تحصيل العلم أشد الشدائد وأقسى المحن.
ولد الأستاذ علي مبارك في قرية برنبال الجديدة التابعة لمركز المنصورة في محافظة الدقهلية، وكانت أسرته كثيرة العدد قليلة ذات اليد، ووالده رقيق الحال يسمى مبارك بن سليمان بن إبراهيم الروَجي، كان إماماً وخطيباً وقاضياً في قريته، ورث تلك الوظائف عن آبائه، تركت العائلة القرية، وتنقلت في البلاد إلى أن استقرت في عرب السماعنة.
وهناك حَسُن حال العائلة شيئاً ما، وأرسل مبارك ابنه علياً إلى الكُتّاب لكن الطفل ضاق ذرعاً بسوء معاملة الشيخ فرفض البقاء في الكُتاب، ثم أرسله أبوه إلى أحد الكتبة ليعلمه فبقي معه مدة لكنه نفر منه لاستغلاله إياه وإيذائه له.
رحلة تعليم شاقة فهرب منه وهام على وجهه في البلاد حتى وصل إلى قرية بجهة المطرية فأصابته الكوليرا، فأخذه رجل من أهل القرية وعالجه أربعين يوماً وأهله يبحثون عنه، فلما عرفوا مكانه هرب منهم لكنهم استطاعوا الوصول إليه، فأرجعوه إلى القرية، فأخذه والده إلى كاتب المساحة ليتعلم عنده، لكنه وجده خَرِب الذمة فنفر منه ورجع إلى أبيه.
وقد ألحقه أبوه بعمل لدى كاتب مأمورية أبي كبير براتب خمسين قرشاً في الشهر لكن الكاتب لم يكن يُسلم له راتبه، فلما قبض الغلام حاصل أبي كبير أمسك منه راتبه، فلما عرف ذلك المأمور غضب منه، فسجنه ووضع الحديد في رقبته ولبث في السجن أكثر من عشرين يوماً في أحوال صعبة، ثم أُفرج عنه بوساطة اجتهد فيها أبوه حتى أخرجه من السجن.
تغير مسار حياته
وذهب به أبوه إلى مأمور زراعة القطن ليعمل عنده، وهنا تغيرت حياته كلها إذ إنه رأى المأمور فوجده أسود حبشياً ووجد كبار القوم يقفون بين يديه ويتقربون إليه، فعجب الغلام من ذلك، وسأل عن السبب فاهتدى إلى أن ذلك المأمور درس في مدرسة الجهادية بقصر العيني، فاجتهد بكل وسيلة للالتحاق بتلك المدرسة في القاهرة، ولم تفلح توسلات أبيه وبكاؤه بين يديه لإثنائه عن ذلك، واستطاع الغلام بذكائه الفطري أن يُقنع مَن جاء من القاهرة ليختار نجباء التلاميذ الصغار ليلحقهم بمدرسة قصر العيني، أقنعه بصلاحيته للدراسة فأُخذ إلى القاهرة، وقد كان عمره آنذاك اثني عشر عاماً، وذلك في سنة 1251هـ/ 1835م.
مدرسة قصر العيني
ودخل علي باشا مبارك مدرسة قصر العيني التي لم تكن مدرسة بالمعنى المعروف بل هي أشبه بثكنة عسكرية، والدروس ضعيفة والطعام لا يكاد يكفي الطفل الصغير، حتى صار يمص العظم الذي يتركه الآكلون، والضرب والسب هو الأمر السائد في المدرسة، فمرض الغلام وأُصيب بالجرب، فنقل إلى المستشفى وبقي فيه مدة حتى جاء أبوه ليأخذه خفية فرفض لأن مَن يهرب من المدرسة يُنكل بأهله، ويقبض عليهم حتى يسلم الفارّ نفسه!! فعاد إلى المدرسة وبقي فيها سنة.
من «أبو زعبل» إلى «المهندسخانة» وبعد مدرسة أبو زعبل نُقل علي باشا مبارك إلى المدرسة التجهيزية بأبي زعبل، وأصبح الغلام تدريجياً مقبلاً على الدراسة بل نبغ فيها حتى اختير لمدرسة المهندسخانة - مثل كلية الهندسة اليوم - ببولاق، وذلك سنة 1255هـ/ 1839م، فأقام بها خمس سنين، وكان دائماً أول فرقته، وفي ذلك الوقت أراد محمد علي باشا حاكم مصر أن يرسل أبناءه إلى فرنسا للدراسة فيها، وأمر باختيار بعض الطلاب النابغين ليدرسوا مع أبنائه، فاختير علي مبارك، وكان ناظر المهندسخانة فرنسياً يُدعى «لامبير»، وكان يريد أن يستبقي علي مبارك ليكون معلماً في المدرسة وحاول إغراءه لكنه رفض وسافر إلى فرنسا سنة 1265هـ/ 1849م، وكان في البعثة اثنان من أبناء محمد علي واثنان من أحفاده، أحدهما اسمه إسماعيل بن إبراهيم، وهو الخديو إسماعيل فيما بعد، ولذا سميت البعثة ببعثة الأنجال.
الفرنسية بدون معلم
ومن همته العالية أنه لما سافر إلى فرنسا لم يكن يعرف الفرنسية، وطلب القائمون الفرنسيون على البعثة من الطلاب الذين يعرفون الفرنسية أن يعلموها للطلاب الذين لا يعرفونها فرفض الطلاب، فما كان من علي مبارك إلا أن تعلم الفرنسية دون معلم من كتب اقتناها في تعليم الأطفال الفرنسية، واجتهد في التعلم حتى لم يكن ينام من الليل إلا قليلاً واجتهد في طلب العلم حتى أنه صار مقدماً بين الطلاب، وبعد سنتين تجاوز الامتحان في الشؤون العسكرية بتفوق، ثم التحق بالجيش الفرنسي في الفرقة الثالثة من المهندسين الحربيين، فظل بها قرابة عام، ثم توفي إبراهيم باشا وتولى الحكم في مصر عباس الأول حفيد محمد علي، فأرجع الطلاب إلى مصر، لِما اشتُهر عنه من كراهيته تعليم المصريين حتى لا تتفتح أعينهم على حقوقهم.
أعمال عبقرية
ولما عاد إلى مصر تقلب في الوظائف الرسمية والأعمال المهمة في زمن عباس الأول، ومن بعده سعيد وإسماعيل وتوفيق، فمن ذلك:
1- عضوية لجنة اختيار المهندسين وإحلال الأقوياء مكان الضعفاء، وتيسير الملاحة بالنيل. 2- تنظيم المدارس الملكية وترتيب ميزانيتها، ومنها مدرسته الأولى المهندسخانة، واختيار الكتب الملائمة لها.
3- المشاركة في الحملة المصرية لمؤازرة الدولة العثمانية في حربها ضد روسيا، وهي المعروفة بحرب القرم، وذلك سنة 1270هـ /1854م.
4- إدارة القناطر الخيرية، فأجرى تعديلات في نظام الري وتحويل الماء حتى وصل الماء إلى مساحات شاسعة كانت محرومة منه.
5- إدارة السكة الحديدية، فكان يباشر العمل فيها من الظهر إلى الغروب كل يوم.
6- إدارة نظارة الأوقاف، أي وزير الأوقاف، وقد وجدها مهملة فأحياها وضبطها وأحسن استغلال ريعها.
7- إنشاء دار الكتب المصرية التي سُميت آنذاك بـ«الكُتبخانة الخديوية»، وذلك سنة 1287هـ/1870م، فأنقذ الله تعالى بها ما لا يُحصى من الكتب المهملة في المساجد والجوامع والمكتبات الخاصة، وتلك الكتب كانت نهباً للأيدي السارقة، والأرَضة.
8- نظارة الأشغال، وهذا مثل وزارة الشؤون البلدية في يومنا هذا، فقام بتخطيط القاهرة وتنظيمها، وفتح كثيراً من الشوارع فيها مثل شارع محمد علي وميدانه بالقلعة، وشارع الأزبكية وميدانها، وشارع عابدين وباب اللوق وما زال تخطيطه قائماً في القاهرة إلى الآن، وأضاء شوارع القاهرة بالغاز، وبنى مستشفى قصر العيني، ومدرسة للطب، وعمل مجاري القاهرة، وأنشأ المذبح «السَلَخانة»، وعمل الجسر بين قصر النيل والجزيرة، وأقام المنتزهات على ضفاف النيل، وفرش الطرق بالحصى للحد من الغبار، وأوصل مياه النيل إلى كثير من جهات القاهرة فدخل إلى بيوتها، وكذلك أحدث في الإسكندرية تجديدات مهمة، وطهر التـرع والمصارف، وشق ترعة الإبراهيمية والإسماعيلية وكثيراً من الترع، وأقام الجسور والقناطر على النيل، وأنشأ دور الدواوين بالمحافظات والمديريات، وأصلح السجون بعد أن كانت أقبية وكهوفاً مظلمة، وبنى المستشفيات بعد أن كانت في الدكاكين والإسطبلات، وشق الشوارع وغرس الأشجار على جوانبها، واجتهد في كل ذلك حتى قال: «وهذه الأعمال جميعها أو أكثرها كنت أباشر أوامرها من رسومات وشروط مع المقاولين ونحو ذلك، فكنت في مدة إحالة هذه الدواوين عليّ مشغولاً بالمصالح المِيريّة، وتنفيذ الأغراض الخديوية - أي الرئاسية - ليلاً ونهاراً حتى لا أرى وقتاً ألتفت فيه لأحوالي الخاصة بي، ولا أدخل بيتي إلا ليلاً، بل كنت أفكر في الليل فيما يُفعل بالنهار».
9- أشرف على حفل افتتاح قناة السويس الذي دُعي إليه ملوك وأمراء أوروبا، ثم عينه الخديو إسماعيل ممثلاً لمصر في النـزاع القائم بين الحكومة المصرية وشركة قناة السويس، فنجح في فض النزاع