‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة والادب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الثقافة والادب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

الإعلام الدولي وصناعة الصورة الذهنية وتشكيل الوعي الجمعي

الإعلام الدولي وصناعة الصورة الذهنية وتشكيل الوعي الجمعي
كيف أصبحت الرواية الإعلامية إحدى أدوات القوة الناعمة؟
 



لم يعد الإعلام الدولي مجرد وسيط ينقل الوقائع إلى الجمهور، بل أصبح أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة الصورة الذهنية للدول والشعوب.

ففي عصر المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي، تتنافس الدول على كسب العقول قبل كسب الأسواق، وعلى ترسيخ روايتها في الفضاء العالمي بقدر تنافسها في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.

ومن هنا، باتت المصداقية وجودة المحتوى والقدرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة ركائز أساسية لتعزيز المكانة الدولية وبناء قوة ناعمة مستدامة.

الصورة الذهنية.. رصيد إستراتيجي في العلاقات الدولية

شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في وظيفة الإعلام، إذ تجاوز دوره التقليدي في نقل الأخبار إلى التأثير المباشر في تشكيل الرأي العام العالمي، واستقطاب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، ودعم المواقف السياسية أو إضعافها.

وأصبحت الصورة الذهنية للدول أحد أهم الأصول الإستراتيجية التي تسهم في تعزيز حضورها على الساحة الدولية.

ومع التطور المتسارع لوسائل الاتصال الرقمية، لم تعد المنافسة بين الدول مقتصرة على الاقتصاد أو النفوذ السياسي، بل امتدت إلى التنافس على صناعة الرواية الإعلامية الأكثر تأثيرًا وإقناعًا، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى الاستثمار في الإعلام الدولي، والدبلوماسية العامة، والإنتاج الثقافي، والمحتوى الرقمي متعدد اللغات.

الذكاء الاصطناعي يغيّر المشهد الإعلامي

أدخلت تقنيات الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة في صناعة الأخبار والمحتوى الإعلامي، بعدما أصبحت تُستخدم في جمع البيانات، وتحليلها، وترجمة المحتوى، وإنتاج النصوص والصور والفيديوهات، الأمر الذي فتح آفاقًا واسعة أمام المؤسسات الإعلامية، لكنه في الوقت نفسه فرض تحديات تتعلق بالمصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، وانتشار المعلومات المضللة.

وخلال عام 2026م، واصلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) تنفيذ برامجها الهادفة إلى تعزيز حرية الإعلام، وحماية الصحفيين، ومكافحة المعلومات المضللة، مؤكدة أن الإعلام المهني القائم على التحقق من المعلومات يمثل أحد أعمدة التنمية المستدامة والمجتمعات الواعية.

كما ناقشت الأمم المتحدة في اجتماعاتها المتخصصة التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإخباري ومستقبل العمل الصحفي.

القوة الحضارية قبل القوة الإعلامية
يكشف التاريخ أن الصورة الحضارية للعالم الإسلامي لم تُبنَ بالقوة العسكرية وحدها، بل أسهم في تشكيلها العلماء، والرحالة، والتجار، والمترجمون، الذين نقلوا إلى الشعوب الأخرى صورة عن ازدهار المعرفة في بغداد، والقاهرة، ودمشق، وقرطبة، وسمرقند.

وقد لعبت مؤلفات الرحالة المسلمين، وفي مقدمتهم ابن بطوطة، دورًا مهمًا في التعريف بالحياة العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، كما أسهمت كتابات عدد من الرحالة الأوروبيين في نقل صورة عن تلك الحضارة إلى مجتمعاتهم، بما رسّخ حضورها في الوعي العالمي آنذاك.

ويرى المؤرخ الأمريكي مارشال هودجسون أن انتشار التأثير الحضاري الإسلامي تحقق عبر التجارة والتعليم والثقافة بقدر ما تحقق عبر النفوذ السياسي، وهو ما جعل القوة الثقافية أحد أهم عناصر الحضور الإسلامي في التاريخ.

الإعلام الدولي بوابة القوة الناعمة
في العصر الحديث، أصبحت المؤسسات الإعلامية العالمية إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للدول، إذ تعتمد القوى الكبرى على شبكات إعلامية دولية، ومنصات رقمية، وأفلام وثائقية، وإنتاج ثقافي متنوع، لإيصال رؤيتها إلى الجمهور العالمي، وتعزيز صورتها في الخارج.

ويؤكد الباحث الأمريكي جوزيف ناي، صاحب مفهوم “القوة الناعمة”، أن التأثير الحقيقي لا يتحقق بالدعاية، وإنما بالمصداقية، لأن الجمهور أصبح يمتلك وسائل متعددة للتحقق من المعلومات ومقارنة الروايات المختلفة، وهو ما يجعل الثقة وجودة المحتوى العنصرين الأكثر تأثيرًا في بناء السمعة الدولية.

فرص أمام الإعلام العربي والإسلامي

تمتلك الدول العربية والإسلامية فرصًا واسعة لتعزيز حضورها الإعلامي عالميًا، من خلال توسيع إنتاج المحتوى بلغات دولية، ودعم الصحافة العلمية والثقافية، وإطلاق منصات رقمية متخصصة، والاستثمار في الأفلام الوثائقية والبرامج المعرفية التي تعكس تاريخ المنطقة وإنجازاتها العلمية والإنسانية.

كما يبرز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز البحوث بوصفه أحد المسارات المهمة لإنتاج محتوى يعتمد على البيانات والدراسات الموثقة، ويخاطب الجمهور العالمي بلغة علمية رصينة، بعيدًا عن الخطاب الدعائي أو الانفعالي.

وفي السياق نفسه، تزداد الحاجة إلى تطوير برامج تدريب الصحفيين في مجالات التحقق الرقمي، وصحافة البيانات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والتغطيات الدولية، إلى جانب إنشاء شبكات تعاون عربية وإسلامية لإنتاج التقارير والتحقيقات المشتركة، بما يعزز الحضور الإعلامي في القضايا الدولية.

مواجهة التضليل بالمهنية لا بالرقابة

تشدد اليونسكو على أن مكافحة المعلومات المضللة لا تتحقق بفرض القيود على تدفق المعلومات، وإنما عبر نشر ثقافة التربية الإعلامية، وتعزيز مهارات التحقق، ودعم المؤسسات الإعلامية المستقلة والمهنية، بما يسهم في رفع جودة النقاش العام وتعزيز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.

ويزداد هذا التوجه أهمية في ظل البيئة الرقمية الحالية، التي تسمح بانتشار الأخبار الزائفة بسرعة غير مسبوقة، وتفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير آليات أكثر كفاءة للتحقق والتدقيق قبل النشر.

تحديات المستقبل
رغم ما تتيحه الثورة الرقمية من فرص كبيرة، فإن الإعلام الدولي يواجه تحديات متزايدة، من أبرزها المنافسة الحادة بين المنصات، والانتشار السريع للمعلومات المضللة، وتراجع العائدات التقليدية للمؤسسات الإعلامية، والحاجة إلى ابتكار نماذج اقتصادية مستدامة، فضلًا عن التسارع المستمر في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويرى الباحث البريطاني نيك نيومان، من معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، أن مستقبل الإعلام يتجه نحو المحتوى المتخصص عالي الجودة، مع تنامي الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها، مع بقاء التحرير البشري والتحقق المهني عنصرين لا يمكن الاستغناء عنهما.

ويتوقع خبراء الإعلام أن تصبح القوة الإعلامية خلال السنوات المقبلة معيارًا رئيسيًا لمكانة الدول، ليس بعدد المنصات التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على إنتاج محتوى موثوق ومتعدد اللغات، يشارك بفاعلية في النقاشات الدولية حول القضايا السياسية والعلمية والثقافية.
القوة الناعمة
إن تحسين الصورة الذهنية للعالم العربي والإسلامي ليس مشروعًا إعلاميًا عابرًا، بل مسار حضاري طويل يقوم على المعرفة، والمهنية، والشفافية، والقدرة على مخاطبة العالم بلغته ومنطقه.

فحين يتحول الإعلام إلى منصة لإبراز الإنجازات العلمية والثقافية والإنسانية، ويستند إلى الحقائق بدل الشعارات، يصبح أحد أهم أدوات بناء القوة الناعمة وترسيخ الحضور الدولي، ويغدو الاستثمار في الإعلام استثمارًا في مستقبل الأمم ومكانتها بين الشعوب.



الجمعة، 17 يوليو 2026

جون إسبوسيتو.. رحيل الرجل الذي خرج من الدير ليفسر الإسلام للغرب

 جون إسبوسيتو.. رحيل الرجل الذي خرج من الدير ليفسر الإسلام للغرب 


10 سنوات عاشها فتى أمريكي من حي بروكلين النيويوركي بين جدران دير للرهبان الكبوشيين (وهي رهبنة كاثوليكية تشتهر بالتواضع وتقديم الخدمة للمحتاجين واللاجئين)، يتهيأ لحياة قوامها الصمت والصلاة والكهنوت الكاثوليكي، ثم خرج من الدير في الـ24 من عمره دون أن يُرسَم كاهنا، غير أنه أنفق نصف القرن التالي في خدمة سؤال ديني آخر، هو كيف يفهم الغربُ دينا ظل يخافه أكثر مما يعرفه؟

ولطالما وًصف الأكاديمي الراحل بأنه أحد أكثر دارسي الإسلام من غير المسلمين تأثيرا في جيله، فيما ذهب بيان الجامعة أبعد من ذلك حين قال إنه "وحده تقريبا حدّد وصاغ الدراسة الحديثة للإسلام والمجتمعات المسلمة"، وعاش إسبوسيتو حياة قامت على مفارقة كاثوليكي ممارس احتفى به العالم الإسلامي من كوالالمبور إلى شمال أفريقيا، وهاجمه في بلاده خصوم رأوا فيه "محاميا" عن دين ليس دينه، أما هو فكان يبتسم – كلما وصفه أحد بأنه مسلم متخف – ويواصل الكتابة.

من الدير إلى الفاروقي

وُلد جون لأب كان يعمل في صناعة كاميرات برنامج الفضاء الأمريكي وأم خياطة ماهرة شديدة التدين، ورث عنها عمق الإيمان وعن أبيه هاجس العدل ومعونة الآخرين.

كان هو وشقيقه لو من فتيان الكنيسة النشطين ونالا جوائز على خدمة أكبر عدد من القداديس، وما إن بلغ الصف الخامس حتى عقد العزم على الالتزام بسلك الكهنوت، كما روى فيلم "إرث جون إسبوسيتو" الذي أنتجه مركز الوليد عام 2024 وروته زوجته جين بصوتها.

وبحسب الفيلم، كانت الزيارات العائلية مقيدة بصرامة، فلا مغادرة للدير إلا لموت أحد الأهل المباشرين، وكان يرتدي جبة بنية خشنة دوما، ويستيقظ قبل الخامسة فجرا، يصلي وينشد خمس مرات في اليوم، ويأكل في صمت، محروما من المذياع والتلفاز والصحف بوصفها ملهيات لا لزوم لها، وكانت نافذته الوحيدة على العالم رخصة هواة اللاسلكي التي أتاحت له محادثة أناس في أقاصي الأرض، وبعد عشر سنوات اتخذ قراره الصعب بمغادرة الرهبنة، قبل عامين فقط من موعد ترسيمه كاهنا.

وانتقل إلى شقة والديه في جيرسي سيتي، في مبنى كان يحمل اسم "جورجتاون"، وللمصادفة فقد كان نفس اسم الجامعة التي درس فيها لاحقا، وفي كنيسة سيدة النصر بالمدينة، حيث تطوع لقيادة مجموعة شبابية، التقى طالبة جامعية تعمل موظفة استقبال مسائية في دار القسيسية اسمها جين، وتزوجا في العام التالي، وراحت تدرّس الإنجليزية في الثانويات لتعينه على الدراسات العليا.

وعرف البروفيسور الراحل بخفة الظل، كما يروى كثير ممن التقاه ولو لدقائق افتتحها بمزحة كما جرى مع كاتب هذه السطور، وقد روى في أكثر من مناسبة، بسخريته المعهودة من نفسه، أنه أكبر إخوته الثلاثة "وأقلهم ذكاء"، وأنه ما أحب قراءة الكتب حتى نال الدكتوراه.

وحين كان الناس يسألون أمه لاحقا عن شعورها وهي ترى ابنها يخطب في الجموع، كانت تجيب ببساطة "الحمد لله أنه حصل أخيرا على وظيفة"، كما روى في كلمته أمام خريجي جامعة أمريكية قبل سنوات.

بدأت الحكاية بإلحاح أستاذ؛ فالشاب المولود عام 1940 لأسرة كاثوليكية من أصول إيطالية، بعد أن غادر الدير واتجه لدراسة اللاهوت ثم تدريس اللاتينية والتربية الدينية في المدارس، ظل رئيس قسمه يدفعه دفعا نحو دراسة مساق عن الإسلام، رفضه ثم رفضه ثم قبله على مضض، كما روى للجزيرة عام 2023.

هناك وقع الطالب الكاثوليكي على مفاجأته الكبرى؛ دين يقرّ بالوحي وبأنبياء العهد القديم وبنبوة المسيح، ويُجلّ مريم العذراء حتى إن باسمها سورة كاملة في كتابه المقدس، وكأن شيئا ما في تلك القرابة بين الديانتين أشعل فضوله، فلم ينطفئ بعدها 60 عاما من العمل البحثي الدؤوب.

قادته تلك المصادفة إلى جامعة تمبل في فيلادلفيا، حيث نال الدكتوراه عام 1974 على يد الفيلسوف الفلسطيني الأمريكي إسماعيل راجي الفاروقي، مؤسس برنامج الدراسات الإسلامية هناك وأحد أعلام الفكر الإسلامي في المهجر (اغتيل مع زوجته لمياء في بيتهما عام 1986). كان إسبوسيتو أول طلاب الدكتوراه الذين أشرف عليهم الفاروقي، وظل طوال حياته يذكر لأستاذه أنه فتح له بابا لم يكن أحد في الأكاديميا الأمريكية يومها يقف عنده.

فالإسلام، حين تخرّج إسبوسيتو، كان حقلا هامشيا في الجامعات الأمريكية، تخصصا لا يعِد صاحبه بوظيفة ولا بجمهور ولا بناشر، وكان زملاؤه في اللاهوت يرونه أضاع مستقبله في "موضوع غريب"، لكنه قضى في حقل الدراسات الإسلامية أكثر من نصف قرن وتوفي أمس في فيلادلفيا نفسها التي بدأ منها طريقه.

كان كثير من زملائه في صف الفاروقي مسلمين موفدين في منح من مصر وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، ودرس الراحل اللغة العربية في مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية ببلدة شملان الجبلية في لبنان، وهو المركز الذي كان يدرّب الدبلوماسيين البريطانيين، واستكمل دروسه مع معلمين خصوصيين في بيروت حيث كانت جين تدرّس في الكلية الدولية.

وحين حان وقت العودة بعد عامين تكرر التحذير القديم؛ لن تجد وظيفة، حتى إن الفاروقي نفسه لم يجد ما يواسيه به سوى بمزحة، فاقترح عليه التدريس في ليبيا القذافي أو جنوب أفريقيا الأبارتايد، وأرسل الزوجان مئة طلب توظيف، فجاء القبول من كلية هولي كروس، وحين أخبر يسوعياً كبيراً فيها أنه سيدرّس أديان العالم أجابه "لن تصمد"، لكنه صمد، وصار أول رئيس قسم من غير اليسوعيين في تاريخ الكلية.

وفي السبعينيات كان قد جاب مصر والسودان والأردن والكويت وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، محاضرا وملتقيا بالأساتذة ورجال الدين وقادة الحركات الإسلامية الذين سيكتب عنهم لاحقا، حتى إنه اعتلى في الهند منبر المؤتمر العشري للجماعة الإسلامية متحدثا رئيسيا أمام 200 ألف مشارك.

ولهذه الجولات أثر كبير في منهجه، فقد كان يقول "إن أردت أن تعرف ما يؤمن به الناس ويمارسونه في حياتهم اليومية، فأنت بحاجة إلى النص والسياق معاً" وكتب في مذكراته أنه ظل منجذباً إلى رؤية إيمان المسلمين وهو يتجسد على الأرض في بلدان وحيوات بعينها، واعياً بضرورة التمييز بين إيمان الكثرة وتأويلات القلة الملتوية وأفعالها.

ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 فقلبت المعادلة رأسا على عقب.

صارت أمريكا كلها تسأل عن هذا الدين الذي أسقط شاها وحاصر سفارة واحتجز رهائن، وصار الرجل القادم من اللاهوت الكاثوليكي مطلوبا في كل منبر وشاشة ولجنة استماع، وفي حديث لاحق للجزيرة نت رأى أن تلك اللحظة نفسها صنعت "العدسة" التي نظر من خلالها الغرب إلى المسلمين جميعا منذ ذلك الحين؛ عدسة الخوف والتوجس، لكنه قال مازحاً في مقابلته مع الجزيرة "أدين بمسيرتي المهنية لآية الله الخميني والثورة الإيرانية".

درّس في كلية هولي كروس بولاية ماساتشوستس أكثر من 20 عاماً، قبل أن ينتقل عام 1993 إلى جورجتاون، الجامعة اليسوعية العريقة في واشنطن، ليؤسس فيها مركز التفاهم الإسلامي المسيحي.

وبحسب بيان الجامعة، جمع الرجل بنفسه لجورجتاون ما يزيد على 30 مليون دولار، قبل أن تمنح المركزَ هبة قدرها 20 مليون دولار من الأمير السعودي الوليد بن طلال عام 2005، وقد وصفها البيان بأنها كانت يومها ثاني أكبر هبة في تاريخ الجامعة.

وتراكمت المكانة المؤسسية عاما بعد عام؛ فبحسب البيان نفسه، بقي إسبوسيتو الباحث الوحيد الذي جمع بين رئاسة جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية (ميسا) ورئاسة الأكاديمية الأمريكية للدين، وهما أكبر هيئتين علميتين في حقليهما.

وألّف وحرّر على مدى مسيرته ما يزيد على 50 كتاباً تُرجمت إلى 35 لغة، وأشرف على الموسوعات الأكسفوردية الكبرى في هذا الحقل، من "موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث" إلى "تاريخ أكسفورد للإسلام" و"قاموس أكسفورد للإسلام"، حتى صارت مؤلفاته، وفي طليعتها كتابه التدريسي "الإسلام.. الصراط المستقيم" (1988)، مدخلا شائعا لطلاب الجامعات الغربية إلى دراسة هذا الدين.

ولم تتوقف إطلالته عند قاعات الدرس فقد عمل مستشارا للفيلم الوثائقي الشهير "محمد.. إرث نبي" الذي بثته شبكة "بي بي إس" الأمريكية عام 2002، واستشارته حكومات ووكالات ووسائل إعلام كبرى كلما اشتعل حدث في العالم الإسلامي، حتى صار وجها مألوفا على الشاشات بقدر ما هو اسم راسخ على أغلفة الكتب.

رحل جون لويس إسبوسيتو، أمس الأربعاء، في فيلادلفيا عن 86 عاماً، بمضاعفات جراحة في القلب، كما جاء في بيان مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورجتاون، المركز الذي أسسه الراحل حتى صار وجها مألوفا على الشاشات بقدر ما هو اسم راسخ على أغلفة الكتب.

خرافة أم حقيقة؟

أصدر كتابه الأشهر "التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة؟" عام 1992، في اللحظة التي انهار فيها الاتحاد السوفيتي وراح الغرب يتلمّس عدوا يملأ مكانه، ووصف مشروعه الفكري بأنه أشبه بصوت شبه وحيد يجهر بأن المسلمين بشر، ولهم تقليد غني يسهمون منه في العالم الحديث.

جادل يومها، في حديث لصحيفة "كرونيكل أوف هاير إديوكيشن" الأكاديمية، بأن ما بعد الحرب الباردة يعاني "فراغ تهديد"، وبأن الإسلام أُسكن قسرا الخانة التي أخلتها الشيوعية؛ قوة واحدة صمّاء متربصة بالغرب.

وعنوان الكتاب نفسه، بصيغته الاستفهامية، صار منذ ذلك الحين لازمة تتردد في كل نقاش غربي عن الإسلام.

كان التفريق جوهر مشروعه؛ التفريق بين دين عالمي وأقلية متطرفة تتحدث زورا باسمه، ثم التفريق داخل تيارات الإسلام السياسي نفسها بين حركات اختارت صناديق الاقتراع وأخرى حملت السلاح.

خرافة أم حقيقة؟

أصدر كتابه الأشهر "التهديد الإسلامي.. خرافة أم حقيقة؟" عام 1992، في اللحظة التي انهار فيها الاتحاد السوفيتي وراح الغرب يتلمّس عدوا يملأ مكانه، ووصف مشروعه الفكري بأنه أشبه بصوت شبه وحيد يجهر بأن المسلمين بشر، ولهم تقليد غني يسهمون منه في العالم الحديث.

جادل يومها، في حديث لصحيفة "كرونيكل أوف هاير إديوكيشن" الأكاديمية، بأن ما بعد الحرب الباردة يعاني "فراغ تهديد"، وبأن الإسلام أُسكن قسرا الخانة التي أخلتها الشيوعية؛ قوة واحدة صمّاء متربصة بالغرب.

وعنوان الكتاب نفسه، بصيغته الاستفهامية، صار منذ ذلك الحين لازمة تتردد في كل نقاش غربي عن الإسلام.

كان التفريق جوهر مشروعه؛ التفريق بين دين عالمي وأقلية متطرفة تتحدث زورا باسمه، ثم التفريق داخل تيارات الإسلام السياسي نفسها بين حركات اختارت صناديق الاقتراع وأخرى حملت السلاح.



كتب في "التهديد الإسلامي" أن محاكمة الإسلام كله بجرائم من يعيثون خرابا معيار لا يطبقه أحد على اليهودية والمسيحية، ووقف علنا ضد أطروحة "صدام الحضارات" التي بشّر بها المنظّر السياسي الأمريكي صامويل هنتنغتون، ورأى فيها وصفة لتحويل سوء الفهم إلى قدر محتوم.

ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 فوضعت أطروحاته على المحك أمام العالم كله؛ أصدر في عام واحد كتابين صارا من الأكثر مبيعا، "حرب غير مقدسة.. الإرهاب باسم الإسلام" و"ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام" (2002)، محاولا أن يشرح لقارئ غربي مذعور أن الذين فجّروا البرجين اختطفوا دينا بأكمله، وأن الرد على جريمتهم بشيطنة مليار إنسان هدية مجانية لهم.

وحين أراد أن يستبدل بالانطباعات أرقاما، ذهب إلى الميدان؛ ففي كتاب "من يتحدث باسم الإسلام؟ ما الذي يفكر فيه مليار مسلم حقا" (2007)، الذي شاركته تأليفه الباحثة داليا مجاهد، استند الاثنان إلى استطلاعات مؤسسة غالوب التي شملت عشرات آلاف المقابلات في 35 بلداً ذا غالبية مسلمة، كما عرض تقرير سابق للجزيرة نت، ليخلصا إلى أن صورة "المسلم الغاضب" التي يكرّسها الإعلام الغربي تناقض ما يقوله المسلمون عن أنفسهم حين يُسألون.

في مرمى النيران

لم تمر أطروحاته بسلام؛ فبعد الهجمات وجد إسبوسيتو نفسه في قلب حملة قادها خصوم محافظون؛ حمّله المؤرخ الأمريكي الإسرائيلي مارتن كرامر في كتابه "أبراج عاجية على رمال" (2001) مسؤولية تهوين الأكاديميا الأمريكية من صعود الحركات الأصولية قبل الهجمات، ووصفته حركة "كامبس ووتش" التي أطلقها الباحث دانيال بايبس عام 2002 لمراقبة أساتذة دراسات الشرق الأوسط بأنه "مدافع عن الإسلام الراديكالي".

رد الرجل بهجوم مضاد، وقال إن بايبس وكرامر "صارا ناشطَين أيديولوجيَين بأجندة صهيونية يمينية"، يسعيان بأسلوب وصفه بالمكارثي إلى إسكات الحرية الأكاديمية والنقاش العام.

على أن أصدقاءه لم يروا في المعارك سوى أحد وجوه إشراق فكر الرجل؛ ففي عام 2021 أصدرت الباحثة تمارا سون كتابا تكريميا جماعيا بعنوان "تجاوز الاستشراق.. دراسات إهداء إلى جون إسبوسيتو"، شارك فيه جيل كامل من الدارسين الذين تتلمذوا عليه أو تحاوروا معه، في اعتراف مبكر بأن الرجل صار مدرسة قائمة بذاتها.

عولمة الخوف

كانت الإسلاموفوبيا معركته الأخيرة، إذ أسس عام 2015 "مبادرة الجسر" في جورجتاون، مشروعا بحثيا يرصد صناعة الخوف من الإسلام ويوثق خطابها ومموليها وشبكاتها، وظل يرعاه حتى سنواته الأخيرة، وبالمناسبة فقد طلب بيان نعيه أن تذهب التبرعات، عوضا عن الزهور، لهذه المبادرة تحديدا؛ فحتى في خاتمة حياته أراد أن تصب الصدقات في مشروعه ضد الكراهية.

وفي حديثه المطول للجزيرة نت عام 2021، تتبّع كيف تحولت الإسلاموفوبيا ظاهرة معولمة تتقاطع فيها السياسة بالإعلام بالانتخابات، ورأى أن التغطية الإعلامية السلبية للإسلام بلغت ذروتها التاريخية عام 2015 مع صعود تنظيم الدولة والحملات الانتخابية في أمريكا وأوروبا، وأن خطاب الكراهية جرى "تطبيعه" داخل النسيج الأوروبي حتى صار عنف الجماعات اليمينية المتطرفة يمر مستترا بينما يُضخَّم كل ما يرتبط بالمسلمين.

ولم يغب صوته عن غزة في شيخوخته؛ وقال للجزيرة الإنجليزية في ديسمبر/كانون الأول 2023 إن إسرائيل "تغذي الإسلاموفوبيا" وحمّل الإعلام الغربي قسطا كبيرا من المسؤولية عن موجة الكراهية التي رافقت الحرب.

وعرف بعلاقته بمنطقة الشرق الأوسط فقد واظب على المشاركة في منتدى أمريكا والعالم الإسلامي الذي كان يُعقد في الدوحة سنويا، وانضم إلى هيئة علماء مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر، فيما يصدر عن مركزه في جورجتاون، بالشراكة مع المركز الملكي للبحوث والدراسات الإسلامية في عمّان، الدليل السنوي الشهير "أكثر 500 شخصية مسلمة تأثيرا في العالم".

وكان آخر مقال كتبه للجزيرة نت قبل أسبوع أشار فيه لأن المسلمون شكلوا حضورا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من تاريخ أمريكا وتأسيسها وتطورها. بيد أن معظم الأمريكيين يجهلون حقيقة أن المسلمين كانوا متواجدين في الولايات المتحدة منذ ما قبل استقلال أمريكا عن بريطانيا، حتى إن العديد من الأفارقة المستعبدين الذين جُلبوا إلى أمريكا كانوا مسلمين.

ويقدر المؤرخون أن 15٪ إلى 30٪ من السكان المستعبدين الذين نُقلوا عبر المحيط الأطلسي نشؤوا في مناطق ذات أغلبية مسلمة في غرب إفريقيا، وكان العديد منهم متعلمين. وعلى عكس عامة السكان المستعبدين، أجاد عدد كبير من هؤلاء الأسرى القراءة والكتابة باللغة العربية.



وقبل شهر من وفاته كتب مقالا آخر بعنوان "المسلمون الأمريكيون وحدهم وسط طوفان الكراهية"، وقال فيه إن "الإسلاموفوبيا كانت عاملا رئيسيا في تبرير الإبادة الجماعية في غزة. وكان للمشاعر المناهضة للمسلمين دور فعال في بناء واستدامة الدعم غير المشروط لإسرائيل من قِبل الحكومات الأمريكية".

"هل أسلمتَ سرا؟"

ظل سؤال واحد يطارده أينما حلّ، روى للجزيرة أنه دُعي مرة إلى جلسة مغلقة في الإمارات، وكان متعبا وآخر المتحدثين، فنظر في عيون الحاضرين وقال إنه يعرف ما يدور في رؤوسهم؛ بعض الناس ينتظرون أن "يخرج من الخزانة" ذات يوم معلنا أنه كان مسلما طوال الوقت.

ضحك الجميع، وضحك هو، ثم قال في المقابلة نفسها إن الشائعة تشعره بالامتياز، لأنها تعني في العمق أن الناس يرون فيه رجلا يفهم الإسلام وله مصداقية عندهم.

لكنه ظل كاثوليكيا ممارسا حتى النهاية، وكان يرى أن رسوخه في دينه هو بالضبط ما فتح قلبه على دين غيره؛ فالإيمان العميق عنده جسر لا جدار. ولخّص بيان جورجتاون شخصيته بقيمة يسوعية لاتينية تقول بـ"رعاية الإنسان كله"، شهد بها طلابه الذين عرفوا أستاذا يسأل عن أحوالهم قبل أوراقهم.

"صديق العالم الإسلامي"

ونعاه العديد من المفكرين البارزين من العالمين اللذين ظل يمد الجسر بينهما، ووصفه رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، صديقه منذ مطلع السبعينيات، بأنه "صديق حقيقي للعالم الإسلامي" وضع الأسس الفكرية لفهم غربي أعمق للإسلام؛ وكان إسبوسيتو قد وقف مع صديقه في محنته، فكتب مع زميله جون فول مقالا في الجزيرة الإنجليزية عام 2014 يشكك في عدالة محاكمته حين كان سجينا معارضا، قبل أن تدور الأيام ويصير المعارضُ رئيسَ حكومة يرثي أستاذه.

سأله محاوره في الجزيرة قبل 3 سنوات عن الحياة الآخرة، فأجاب الرجل الذي جرّب الدير والجامعة والمنابر بأن من عاشوا حياة طيبة سيجدون السلام أيا كانت أديانهم، ثم أضاف مازحا أنه لو أُتيحت له ليلة واحدة بعد الرحيل لاتصل بمن عرفهم في منتصف الليل قائلا "مرحبا، أنا أتصل من الأعلى.. أردت فقط أن أقول لكم إنكم كنتم على حق.

وفي خواتيم فيلم "إرث إسبوسيتو" تتوالى أصوات زملائه وتلاميذه؛ يروي أحدهم أنه كان يصلي الجمعة في أحد مساجد واشنطن حين أوصى الخطيب المصلين في خطبته بقراءة كتاب جون إسبوسيتو "ما الذي يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام"، ويعلّق مأخوذا بأنه لم يسمع في حياته خطيباً مسلماً يحيل الناس على عالم مسيحي ليتعلموا منه دينهم

المصدر: الجزيرة

السبت، 6 يوليو 2024

حَتَّام فرعنة المنهج الأكاديمي الغربي؟

حَتَّام فرعنة المنهج الأكاديمي الغربي؟

 هدى عبدالرحمن النمر

 

والأدهى أن النسويات اللواتي ثقبن الآذان بالتظلُّم من ذكورية الأسلوب العربي يخضعن لممارسة «التذكير» هذه طائعاتٍ، مع أنها ممارسة لا أصل لها في اللغة ولا في الشرع، ولا في عُرف العرب جاهليةً وإسلامًا؛ إذ كانت النساء تكتب وتتكلم ويُحدَّث عنهن بأسمائهن المباشرة


من أفراد أُمَّة وضعت أصول علوم الدين والدنيا لأهل الشرق والغرب؛ عربهم وأعجمهم، مسلمهم وكافرهم، إلى أفراد متخبّطين بين الأعجمي والعربي، والإسلامي والمُؤَسْلَم!

وبَدَل الوقوف على قدم الندية والتكافؤ مع مختلف المنظومات المعرفية التي لا تستحي من نفسها، ولا تتبرأ من خصوصية تقاليدها أو تعتبر لفظة «التقاليد» عَوْرة وعارًا؛ نركع أمام عُقَد نقص ترى عُلوّ كعب نماذج الغير التي يجب خَطْب وُدّها والسير في ركابها، خاصةً النموذج الغرب - أوروبي Eurowestern. وبَدَل البناء على ذخائر الأصول العلمية الحاضرة لنا، نُرقِّع من أسلوب هذا ومنهج ذاك وأدوات تلك، ونرشّ فيما بينها بعض الفوائد والمقتطفات الإسلامية![1]

ومن نماذج حُمْق التبعية العلمية العمياء تلك: تقديس الطرق الأجنبية في الكتابة الأكاديمية والإحالة العلمية، تقديسًا لا يَقبَل النّظر، بل ويُعنّف المُخالِف له، كأنه وحي مُنزَّل من السماء، بل إن الوحي المُنَزَّل نفسه قد وُضع موضع الجدال والمخالفة! فترى الباحث المسلم -مثلًا- يملأ بحثه بذِكْر اسم الرسول -عليه الصلاة والسلام- والسيدة خديجة -عليها الرضوان-، فيقتصر على «النبي محمد»، و«خديجة زوجة النبي»، أو «خديجة زوجة محمد»! لأن «الموضوعية» أو «المنهجية العلمية» المُتَّبَعة هي تلك التي وضعتها جماعة علماء من مُنطلق أصوله كافرة بالحق (مهما تم تلطيف السياق باستعمال صفات علماني أو لا ديني، أو حداثي أو غربي، أو غير ذلك من تلافيف يظل مآلها في التصنيف الشرعي إلى الكفر)، يقتضي ضمن ما يقتضي نزع علامات الانتماء الديني التي تدل على «عاطفية» تخالف الحياد العلمي، وتؤذي شعور مَن لا يعتقد في نبوة محمد -عليه الصلاة والسلام-، ولا في الرضوان على السيدة خديجة أو تَسْييدها ابتداءً!

وأيًّا ما كان تبرير ذلك المنهج -وكلها تبريرات خائرة مردود عليها-، فكيف يجد مسلم في نفسه الجرأة للإشارة لرسول الله -عليه الصلاة والسلام- باسمه مجردًا؟! أو يبخل على الاسم الشريف بتقديمه بلقبٍ وإتباعه بصلاةٍ، فيقتصد ويقتصر على أحدهما «النبي محمد» أو «محمد عليه السلام»! تُرَى، ما نوع الاعتقاد الذي يُصدِّق مسلم علوّ منزلته على الحق الذي معه، لدرجة أن يُعرِّض نفسه عمدًا لدعاء رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؛ «رَغِمَ أَنْفُ ‏رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[2]؛ (‏أَيْ: لَصِقَ أَنْفُهُ بِالتُّرَابِ كِنَايَةً عَنْ حُصُولِ الذُّلِّ)؟! وما نوع الأدب الذي يُصدِّق مسلم علوّ عزّته على ما أعزّه الله به من أدب حتى تطيب نفسه بوصمة «‏الْبَخِيل» من المصطفى -عليه الصلاة والسلام- نفسه؛ «البخيل الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»[3]؟!

وقد أمر الله -تعالى- أن يُوقَّر نبيُّه، وأن يُبَجَّل، وأن يُعظَّم، وأمر بالصلاة والسلام عليه؛ فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب: 65]؛ وقال سبحانه: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63]؛ أي لا تنادوه باسمه المباشر وبغير تشريف، كما ينادي بعضكم بعضًا.

ولم يكن أحد ينادي المصطفى -عليه الصلاة والسلام- في زمانه باسمه مجرَّدًا إلا الكفار والمشركين، فتأمّل! ومن يستشهد بورود هذا الأسلوب في كلام بعض تراث السلف الكرام، فإنما كان ذلك غالبًا في مَعرِض شرح الكلام على لسان المشركين.

ومهما يكن من أمر؛ فأيهما أولى بالاتباع علميًّا وعرفيًّا؛ الأدب مع الله -تعالى- ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، وما جرى عليه العمل بالإجماع، أم بعض الممارسات المخالفة أيًّا كانت أسبابها؟!

ويرحم الله الأديب الرفيع، مصطفى صادق الرافعي، الذي كتب يُوبِّخ أحدًا في زمانه سلك ذلك المسلك المُشين، فقال: «أُنبِّهك إلى أنك كررت في كتابك ذِكْر النبي صلى الله عليه وسلم ، دون أن تُتبِع اسمه الشريف بصيغة الصلاة عليه! وهذا سوء أدب، لا أقبَلُه أنا من أحدٍ، ولا أقِرُّ أحدًا عليه. وأنت حين تقول في كتابك: «إن الألفاظ ألفاظ محمّد»، لا تكاد تمتاز عن رجل مُظلِم القلب! نعوذ بالله من هذه الظلمة. فانتبِه إلى ذلك، واستغفر الله لنفسك»[4].

فإذا جئنا للوجه العلمي:

- أين الوجاهة العلمية في هذه الخاصية؟ أليس من الأدب العلمي ذِكْر أصحاب الألقاب التخصصية بألقابهم التي اكتسبوها بالتخصص، بغضّ النظر عن القناعة على المستوى الشخصي بكفاءتهم؟ ففِيمَ يكون نزع ألقاب النبوة وحواشيها، مع أنها بالمنظور العلمي البحت كذلك ألقاب تخصُّص وأساليب إشارة إلى ذلك المقام من الناس؟ أين الوجاهة في هذا التعرّي من الأدب؟ وأين الموضوعية في هذا التحيّز العدواني؟

- وإذا قيل: إن «الدَّكْتَرة» إقرار بدرجة علمية، أما النبوّة فإقرار بدرجة إيمانية، والإيمان محله القلب لا العقل، فهذا منطق «غير علمي»؛ إذ القناعة عامة حين تَقرّ في كيان ابن آدم تَقرّ في القلب والعقل معًا، فلكُلٍّ دَوْره في استقبال العلوم وبناء القناعات. ولا يخلو فكر ابن آدم من عاطفة (أي: تحيُّز وانتماء)؛ فالعقل ليس عضوًا منفصمًا طائرًا بانفراد في الهواء، بل جزءٌ من كيانٍ مركّب ذي روحٍ وحواسّ ووجدان[5].

- ثم لماذا يُطالِب كاتب بسلخ شيءٍ من إيمانه مجاراةً لما يؤمن أو ما لا يؤمن به غيره؟ إنما الكتابة تعبير عما قام في النفس فكرًا وشعورًا، ولا يملك كاتبٌ مهما برع أن يعرض مادة تراعي قناعات الكل في آنٍ معًا، فمَن سيُرضي ومَن سيُغضب، وما معيار التحيُّز لهذا أو ذاك؟! وعصر اليوم هو عصر حرية التعبير إلى حد الفجور، حتى وُضع مقام الألوهية موضع الجدال بندّية واستخفاف، ففِيمَ التضييق على مَن إذا اعتقد في كرامة النبوة أن يُوقِّرها في كلامه أحسن التوقير؟

وإذا انتقلنا لمنهج الإحالات والاقتباسات في المراجع العلمية Bibliographic Citations ترى عَجبًا عُجابًا! تلوم النسويات اللغة العربية على خاصيتها الذكورية بتغليب خطاب التذكير على التأنيث، ثم تُجاري ببشاشة قواعد الإحالة القائمة على ذِكْر المرء أو المرأة باسم عائلتهم «الذكوري» متمثّلًا في الجد أو الأب! ومع أن ثمة العديد من أنماط الاقتباس والإحالة الأجنبية الأخرى Citation Styles التي تَذكُر الأسماء مرتبة بشكلها الطبيعي، لكن لسببٍ ما اختير هذا النوع، واقتُصر عليه في الأكاديمية العربية؛ رغم معاكسته الفجَّة للذائقة والعرف اللغوي العربي، فضلًا عن الكبرياء النسوي! فتقرأ اليوم: وقالت الدكتورة أحمد، وحاججت الأستاذة عمر، ونَفَت الباحثة إبراهيم! وهذه مهزلة لغوية وعلمية، ومثال فَجٌّ على التبعية العمياء، وابتغاء العزة في قعر المهانة!

والأدهى أن النسويات اللواتي ثقبن الآذان بالتظلُّم من ذكورية الأسلوب العربي يخضعن لممارسة «التذكير» هذه طائعاتٍ، مع أنها ممارسة لا أصل لها في اللغة ولا في الشرع، ولا في عُرف العرب جاهليةً وإسلامًا؛ إذ كانت النساء تكتب وتتكلم ويُحدَّث عنهن بأسمائهن المباشرة، في أوج أزمان «البَطْرِيَرْكِيَّة» Patriarchy [6] شرقًا وغربًا! ومع ذلك لم يُحتَفَ بهذا الانتصار النسائي عندنا على كونه سابقًا زَمنًا وممارسة، وإنما انتبه إليه المُغرمون بأسلمة النسوية بعد أن حقَّقته المرأة الأجنبية، وكانت محرومةً منه أصلًا!

وسبب تلك الغفلة -وغيرها أكثر- أن ذلك النهج كان عندنا أصلًا مستقرًّا لا مُكتَسبًا ثوريًّا، وأن النموذج الأجنبي هو المقياس العالمي للمرأة، فلا إشادة بما لم تحقّقه نِسْوَة الغرب وإن تحقق لغيرهن، ولا حفاوة بما لا يحتفين به وإن حظي به غيرهن!

ثم تُلَبَّس كل هذه العُقَد الدونية لباس الممارسة العلمية، لا لشيءٍ إلا لأن العرف الأجنبي تواضَع عليها، وتَلقَّفها البقية بالقبول والتسليم؛ مصداق المثل العامي: «أيش يا فرعون فرعنك؟ قال: ما وجدت أحدًا يَلمُّني!»، وهذا مبدأ كل فرعنة!


 


[1] لمزيد من التفصيل عن قواعد التجديد والتأصيل في مختلف العلوم مع نماذج تطبيقية، يُراجع كتاب (الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة) للكاتبة، متاح للتنزيل من مدوّنتها.

[2] سنن الترمذي: أبواب الدعوات، (حديث رقم: 3545).

[3] سنن الترمذي: أبواب الدعوات، (حديث رقم: 3546).

[4] من رسائل الرافعيّ لأبي ريّة.

[5] لمزيد تفصيل في هذه القاعدة، يُراجع كتاب (الأسئلة الأربعة لضبط بوصلتك في الحياة)، للكاتبة.

[6] بطريركية Patriarchy اصطلاح يُقصَد به النظام أو المجتمع الذي يتحكم فيه الرجال، بناءً على العُرف القديم بسيادة الذكر الأكبر في العشيرة أو الأسرة. يغلب استعمال لفظة (الأبوي)، أو (الذكوري) عند ترجمته للعربية، و(البطريركي) أدقّ منهما في هذا السياق.

السبت، 19 أغسطس 2023

هجرة المسلم إلى بلاد الغرب في عصر حكم اليسار.. رسالة مختصرة

 هجرة المسلم إلى بلاد الغرب في عصر حكم اليسار.. رسالة مختصرة

تعريف مختصر لمصطلح “اليسار” و”اليمين” السياسيين 

تاريخ هذين المصطلحين يعود إلى الثورة الفرنسية؛ حيث جلس أعضاء البرلمان حينها على يمين الرئيس وعلى يساره، منقسمَيْن بين مؤيدين للملك (اليمين) ومؤيدين للثورة (اليسار). 

وبذلك اليسار السياسي: هو فكر الابتداع والتجديد العشوائي باتجاه إعطاء كل فرد في المجتمع حريّة اتباع هواه، دون النظر في أبعاد وأثر ذلك على بنية المجتمع ككل. 

ويكون اليمين السياسي: هو فكر المحافظة على الأسس الاجتماعية التقليدية والمنبعثة من الترسبات الدينية في المجتمع؛ مما أدى إلى تسميتهم أيضًا بالمحافظين. 

المفهوم السائد لمصطلح “بلاد الغرب” هو أمريكا وأوروبا، إلا أنّ الصحيح هو أنّ بلاد الغرب تشمل أيضًا أستراليا وروسيا وكل بلد يشاركهما الثقافة الأصليَّة.

محاذير المسلم في بلاد الغرب

نقاط الحذر التي ينبغي على المسلم الانتباه لها قبل اتخاذ قرار الهجرة إلى بلاد الغرب:

هيمنة اليسارية السياسية (1)

إن اليسارية السياسية هي التي تهيمن على الحكم في معظم بلاد الغرب اليوم. وبالتالي فإنّ كل ما يخصّها من مبادئ وقِيم اجتماعية هو أيضا السائد والمروَّج له بقوة في بلادهم؛ مما يجعل إمكانية تمسّك المسلم الذي يعيش في بلادهم بقِيم دينه الحنيف في غاية الصعوبة.

الفرديّة لا المجتمعيّة

إنّ مسيرة التطور للقِيم في المجتمعات الغربية عبر العقود الأخيرة باتت مبنيّة على تقديس الحريّة الفرديّة. فإنّ للفرد ما هوى وما يرى وعلى المجتمع احترام بل وتقديس ذلك الهوى الفردي. وقد اتبعوا ذلك دون أدنى اعتبار لعواقب الهوى الفردي على المجتمع ككل. فإن شاء الفرد الزنى أو الشذوذ الجنسي أو حتى تحويل الجنس؛ فذلك يكون حقه المقدس ويدخل في نطاق الحرية الشخصية بغضّ النظر عمّا ينتج عن ذلك من آثار مجتمعية سلبية على المدى المتوسط والبعيد. 

التمادي في الفردية

لقد وصل بالنُظم الغربية التمادي بتقديسهم للحرية الفردية إلى درجة أنهم باتوا لا يميّزون بين راشد وطفل. ففي أيامنا هذه وفي كثير من المدارس الأمريكية، على سبيل المثال، باتت برامج التدريس تشمل تدريس العلاقات الجنسية والشذوذ الجنسي وحتى ثقافة حريّة التحوّل الجنسي لطلاب الحضانة الذين لم تتجاوز أعمارهم الخمس أو الست سنوات. فهم يرون بل ويقدّسون حرية الطفل حتى في اختيار المسلك الجنسي الذي يريد. 

مطالب بتعديل اللغة

لقد وصل بهم التمادي أيضًا إلى أنهم اليوم يطالبون بتعديل اللغة؛ بحيث يضيفون إليها ضميرًا جديدًا للغائب كي لا تظل محصورة بـ “هو” و “هي”. فهم يريدون ابتداع ضمير غائب جديد يحاكي الجنس المتحوّل، ويعطيه حق الوجود بصيغة خاصة تمثّله بانفرادية تامة.

سلب دور الوالدين

إنّ من أخطر تداعيات التمادي في تقديس الحرية الفردية على الطريقة الغربية اليوم؛ هي حصر دور الوالدين على توفير المسكن والمطعم والأمور المادية الأساسية، ومنعهما مساحة التأثير على أولادهما في الأمور التربوية والثقافية والسلوكية. فإنْ اختار ابنك صاحب الخمس سنوات أن يحوّل جنسه إلى أنثى، وعلمتْ مدرسته بذلك ومنعْتَهُ فستواجه عواقب ذلك المنع على شتى الأصعدة والتي قد تصل الى المحاكمات القانونية.

فرنسا تمنع الحجاب وتغلق مدارس ومساجد

إنّ ما تفعله فرنسا في أيامنا هذه من منع لارتداء الحجاب في المدارس وإغلاق لبعض المدارس الإسلامية بتهمة أنها “انفصالية” لتدريسها قِيَمًا إسلامية مخالفةً للقيَم الفرنسية وإغلاق المساجد التي تقوم بتعيين إمام غير مرخّص به من قِبل السلطات الفرنسية؛ كل ذلك هو دليل قاطع بأن فرنسا تشترط لعيشك فيها أن تكون مثلها وإلّا لا مكان لك في دارهم.

تجربة الآخرين

هناك تجارب لا تُعَد ولا تُحصى لعائلات مسلمة ملتزمة بتعاليم دينها؛ عاشت وأنشأت أولادها في بلاد الغرب وأدخلتهم المدارس الإسلامية هناك إلّا أنّ أولادهم انجرفوا مع التيار الهائج للمجتمع الغربي فأصبحوا نادمين!

ضد التيّار

وكيف لا يخسر أكثر الأهالي من المسلمين أولادهم في بلاد الغرب لتيار الهوى والدنيا الفانية؟ أهي حقّاً مفاجئة؟ ألم يكن خيار الأهالي منذ البداية أن يسكنوا تلك البلاد؟ كيف لا؛ وحالهم مع تربية أولادهم كمثل الذي يعلِّم الطفل السباحة في نهر جارف.. أنتفاجىء في حال انجرف الطفل مع النهر؟ وهل نلوم الطفل لانجرافه؟ 

حتى وإن وُفّقتَ أنت

صحيح أنه يوجد هناك بعض الحالات بحيث وُفقت بعض العائلات لتربية أبنائها وبناتها في بلاد الغرب على القِيَم الإسلامية، ونجحوا ونجا أولادهم من الانجراف مع التيار الفاسد. إلّا أنّ هناك نقطة في غاية الأهمية يجب التفكُّر بها؛ وهي أنّ احتمال النجاح في التربية الإسلامية في بلاد الغرب، وإنْ توفر في الجيل الأول، فهو يصبح شبه معدوم في الجيل الثاني، ناهيك عن الجيل الثالث والرابع وما بعد ذلك.

فكل الأجيال التابعة تكون أنت مسؤولًا عنها يوم القيامة، يوم يقول رب العالمين (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) {الصافات 24}. تكون أنت أول من زرع تلك البذرة في تلك البلاد؛ والتي انتجت أجيالًا لا تبت إلى الإسلام بصلة رغم حرصك في البداية. 

كلنا على يقين أن الغرب كمنظومة سياسية هم أعداء ديننا الحنيف، ولا يريدون لهذا الدين أن تقوم له قائمة حتى ولو بعيدًا عنهم في بلاد المسلمين، فكيف إذًا نثق بأنْ نُودِع فلِذات أكبادنا في عقر دارهم ليربّوهم على طريقتهم؟

العالم يتغيّر بسرعة، فماذا عن دورك؟

في ظل التغيّرات السريعة التي تحصل في العالم اليوم وانقسامه إلى معسكرين واضحَيْ المعالم؛ ما بين معسكر الشر ومعسكر الخير؛ فمن الأولى أن يفكر المسلم بدوره في هذه المرحلة وكيف يخدم ويشارك في تقوية معسكر الخير، بدلًا من أن يهاجر بأهله إلى بلاد الغرب ويكثّر سوادهم على أقل تقدير. 

في الختام، ينبغي الإشارة إلى أنه من المعلوم والواضح أن الأوضاع المعيشية في الكثير من بلاد المسلمين باتت مترديةً إلى درجة تكاد لا تُحتمَل. كما أنه من المعلوم أنّ ظاهر الحياة في بلاد الغرب جذّاب ومُغرٍ .. إلّا أن الإنسان المسلم لا يزن الأمور بهذه السطحية ولا بمكيال دنيوي فحسب؛ إنما يشمل في ميزانه الشق الأخروي كي يحظى بنتيجة سليمة بشموليتها وعواقبها.

المصادر

1-اليساريَّة الفكريَّة تميل إلى حريَّة الإنسان في أمور لا تجيزها الاتجاهات اليمينيَّة والمُحافِظة؛ مثل حريَّة الشذوذ وحريَّة التحوُّل الجِنسيّ. كما يسعى اليمين إلى الحفاظ على الأجناس الغربيَّة والأعراق الغربيَّة والدين المسيحيّ. ويَقصد الكاتبُ هنا اليساريَّة الفكريَّة، وتطبيق أفكارها عَلَنًا والتشدُّق بها. أمَّا سياسيًّا فاليمين واليسار كلاهُما يتناوب السلطة؛ إلا في السنوات الأخيرة التي صعد فيها “اليمين” السياسيّ، وانتعش اليمين الفكريّ -خاصةً مع توالي الهجرات من العرب والمسلمين بسبب الحروب-. وعلى وجه التدقيق فكلا الاتجاهَيْنِ اليمين أو اليسار لا يرضى بالوجود الإسلاميّ للتضادّ الموجود بين المَنظومَتَيْنِ في الفكر والقِيَم (المحرر).