‏إظهار الرسائل ذات التسميات فراس السقال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فراس السقال. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

بريطانيا وإسرائيل.. حين يتمرد الوعد على صاحبه

 بريطانيا وإسرائيل.. حين يتمرد الوعد على صاحبه

فراس السقال


يقول مثل شعبي قديم: "أركبناه خلفنا على الحمار فمد يده إلى الخُرج". ولعل هذا المثل يختصر، من وجهة النظر البريطانية لا من وجهة نظرنا، شيئاً من المشهد القائم اليوم بين بريطانيا وإسرائيل. فنحن لا نعترف أصلاً بحق بريطانيا في أن تعد اليهود بفلسطين، ولا بمشروعية أن تهب أرضاً لا تملكها لغير أهلها، ولا نرى في وعد بلفور حقاً يمكن أن يُبنى عليه أو منّةً بريطانيةً يمكن الاحتجاج بها على الفلسطينيين.


لكن إذا نظرنا إلى المشهد بعيون لندن نفسها، بدت المفارقة واضحة. بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، ثم سخّرت خلال الانتداب نفوذها وقوتها لتهيئة الظروف التي ساعدت المشروع الصهيوني على النمو والتمكين، تجد نفسها اليوم أمام إسرائيل لا تكتفي بما حصلت عليه وثبّتته بالقوة والدعم الغربي، بل تمد يدها إلى مزيد من الأرض. وكأن بريطانيا تقول اليوم لإسرائيل: "أركبناه خلفنا على الحمار فمد يده إلى الخُرج".

لكن علينا ألا نتسرع في الحكم، فبريطانيا لم تصبح اليوم عدواً لإسرائيل، ولم تنقلب فجأة نصيراً للفلسطينيين، ولم تستيقظ بعد أكثر من قرن لتصحح خطيئةً تاريخيةً وتعيد الحقوق إلى أصحابها. ما يحدث أدق من ذلك بكثير؛ الخلاف البريطاني مع إسرائيل ليس على وجودها، بل على حدود توسعها، وليس رفضاً للمشروع الذي ساهمت بريطانيا نفسها في تمكينه، بل اعتراضاً على اندفاعه إلى ما وراء الحدود التي يريد الغرب تثبيتها له.

تزداد المفارقة وضوحاً حين نتذكر غزة. فبريطانيا التي لم يكن ضغطها بمستوى ما شهدته غزة من قتل ودمار وتهجير، ترفع صوتها اليوم بقوة حين بات التوسع في الضفة يهدد حل الدولتين. وكأن المشكلة الغربية لم تكن في مقدار ما ابتلعته إسرائيل ودمّرته، بقدر ما أصبحت في أن شهيتها المفتوحة قد تبتلع أخيراً الصيغة السياسية التي يريد الغرب إنقاذها

بعبارة أكثر وضوحاً، بريطانيا لا تقول لإسرائيل: أعيدي ما أخذتِ، إنها تقول لها: يكفي ما أخذتِ، فلا تأخذي المزيد وتُقلبي علينا وعليك المحيط.

وهنا نفهم المواقف البريطانية الأخيرة من الاستيطان. لندن تتحدث عن حظر التجارة مع المستوطنات، وعن عدم الوقوف متفرجةً أمام تدمير حلّ الدولتين، وتحذر من التوسع الاستيطاني غير القانوني في الضفة الغربية. وقد وصل الخلاف إلى حدّ إبلاغ إسرائيل القنصليةَ البريطانية في القدس الشرقية بأن دبلوماسييها سيفقدون اعتمادهم خلال ثلاثين يوماً. مشهد يحمل مفارقةً تاريخيةً لافتةً؛ فالدولة التي أصدرت وعد بلفور قبل أكثر من قرن، تواجه اليوم غضب الدولة التي ساهمت في تمكين مشروعها، لأنها تحاول منعها من ابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية.

لكننا نستطيع النظر إلى هذا الصراع من جهتين؛ من جهة، من مصلحة الفلسطينيين أن تتسع الخلافات بين إسرائيل وحلفائها كلما تمادت في الاستيطان والضم، وأي ضغط سياسي أو اقتصادي يستطيع لجم التوسع الاستيطاني وحماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية هو أمر لا ينبغي التقليل من أهميته. فكل مستوطنة جديدة تعني أرضاً فلسطينيةً أقل، وكل طريق استيطاني جديد يعني مزيداً من تقطيع أوصال الضفة، وكل يوم يمر مع استمرار هذا التوسع يجعل إقامة دولة فلسطينية أكثر صعوبة. لذلك لا مشكلة في أن نستفيد من هذا الخلاف، وأن نرى فيه فرصةً للجم إسرائيل وكبح اندفاعها.

لكن من جهة أخرى، ينبغي ألا نغفل عما قد يكون وراء هذا الموقف الغربي. فالاعتراض على السرقة الجديدة لا يعني بالضرورة رفض السرقة القديمة، وقد يصبح منع إسرائيل من الاستيلاء على مزيد من الأرض وسيلةً لتثبيت ما استولت عليه سابقاً، وتحويل ما فرضته الحروب والقوة والاحتلال إلى واقع نهائي لا يريد الغرب إعادة النظر فيه.

وهنا تكمن خطورة المشهد، وتزداد المفارقة وضوحاً حين نتذكر غزة. فبريطانيا التي لم يكن ضغطها بمستوى ما شهدته غزة من قتل ودمار وتهجير، ترفع صوتها اليوم بقوة حين بات التوسع في الضفة يهدد حل الدولتين. وكأن المشكلة الغربية لم تكن في مقدار ما ابتلعته إسرائيل ودمّرته، بقدر ما أصبحت في أن شهيتها المفتوحة قد تبتلع أخيراً الصيغة السياسية التي يريد الغرب إنقاذها.

معركتنا تقوم على حق شعب سُلبت أرضه وشُرد أبناؤه ودفع أثماناً هائلةً طوال عقود. أما معركة بريطانيا اليوم فهي منع إسرائيل من تدمير الصيغة السياسية التي يريد الغرب الحفاظ عليها. والفارق بين الأمرين كبير

الغرب يريد إسرائيل قويةً وآمنةً ومستقرةً، لكنه لا يريدها مشروعاً بلا حدود. يريد الحفاظ على إسرائيل التي يعترف بها ويدعمها، وفي الوقت نفسه يريد إبقاء مساحة تسمح له بالحديث عن دولة فلسطينية وحل الدولتين.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن توقيته، وإسرائيل مقبلة على انتخابات حاسمة يخوض فيها نتنياهو معركةً سياسيةً صعبة. وهنا يبرز السؤال: هل يريد الغرب لجم الاستيطان فقط، أم لجم نتنياهو والتيار الذي أخذ إسرائيل أبعد من السقف الذي يريده حلفاؤها؟ لا دليل على أن الغرب يخوض معركةً لإسقاط نتنياهو، لكن يصعب تجاهل أثر هذه الضغوط في هذا التوقيت. فربما يكون المطلوب غربياً إسرائيل أخرى، لا فلسطين أخرى، وحكومةً أكثر انضباطاً بالحدود التي يريدها الغرب للمشروع الإسرائيلي. ولذلك نستفيد من خلافهم حين يلجم الاحتلال، لكننا لا نسميه انتصاراً لقضيتنا ما دام مستقبل إسرائيل، لا استعادة الحق الفلسطيني، هو محور هذا الخلاف.

ولهذا فإن بريطانيا لا تخوض معركتنا نحن؛ معركتنا تقوم على حق شعب سُلبت أرضه وشُرد أبناؤه ودفع أثماناً هائلةً طوال عقود. أما معركة بريطانيا اليوم فهي منع إسرائيل من تدمير الصيغة السياسية التي يريد الغرب الحفاظ عليها. والفارق بين الأمرين كبير.

نعم، قد يكون في الموقف البريطاني الحالي ما يخدم الفلسطينيين، وقد يؤدي الضغط إلى إبطاء الاستيطان أو لجمه، ولذلك لا ينبغي رفضه لمجرد أنه صادر عن بريطانيا، لكن الخطأ أن نقرأه باعتباره انقلاباً تاريخياً في الموقف البريطاني أو انتصاراً للحق الفلسطيني.

فبريطانيا الأمس ساهمت في تمكين المشروع الصهيوني، وبريطانيا اليوم تحاول ضبط توسعه، وبين الأمس واليوم لم تصل لندن بعد إلى السؤال الذي يهم الفلسطيني حقاً. 
فهي لا تقول لإسرائيل: أعيدي ما أخذتِ إلى أصحابه، بل تقول لها حتى الآن: احتفظي بما أخذتِ، ولكن لا تمدي يدك إلى الخُرج.

السبت، 29 أغسطس 2026

قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

 قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

فراس السقال


بعد صلح الحديبية دخلت خزاعة في عهد رسول الله، ودخل بنو بكر في حلف قريش، فصار أمن الحليف جزءاً من حرمة العهد. لكن بني بكر أغاروا على خزاعة ليلاً، وأعانت قريش حلفاءها، فسقط العهد وتغيّر ما بعده. وحين يتكرر الغدر تأتي لحظةٌ لا يعود فيها الصبر فضيلةً إذا تحول إلى تشجيع للغادر.


تذكرت هذه الحادثة وأنا أستمع إلى حكمت الهجري، لا تشبيهاً للأشخاص بأشخاص السيرة، بل لأن السؤال يتكرر: كم مرةً يمكن أن يُمد حبل التفاهم قبل أن يقطعه الطرف الآخر بيده؟

قال الهجري: "إن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، وإنهم مشتركون معها في "العقيدة والفكر". لكن أخطر كلمة في كلامه ليست "إسرائيل"، بل "نحن".

من تقصد بنحن يا شيخ؟ إن كنت تقصد نفسك فقل أنا، وإن كنت تقصد جماعتك فسمّها. أما أن تضع جبل العرب كله في جيبك، ثم تقرر باسم أهله هويتهم وعقيدتهم ومصيرهم، فهنا تصبح المسألة أكبر من تصريح سياسي.

عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟

ولعل أبلغ رد جاءه من الدروز أنفسهم. فمن السويداء وجرمانا ولبنان وفلسطين المحتلة خرجت أصوات ترفض أن يتحدث الهجري باسمها. أهالي جرمانا أعلنوا أن وجهتهم دمشق، ومشيخة العقل في لبنان رفضت وضع الدروز في "شراكة مصطنعة" مع إسرائيل، ومن داخل فلسطين المحتلة وُصف حديثه عن "العقيدة المشتركة" بأنه محض ترهات.

وهكذا وجد الهجري نفسه أمام مفارقة قاسية: كلما وسّع كلمة "نحن"، خرجت أصوات من "نحن" نفسها لتقول له: "لا تتحدث باسمنا".

ومن جبل العرب خرج سلطان باشا الأطرش، ومنه انطلقت الثورة السورية الكبرى عام 1925. لم تكن ثورةً من أجل كانتون درزي، بل من أجل سوريا. فكيف يراد لهذا الجبل بعد قرن أن يبحث عن مستقبله عند دولة تحتل الجولان السوري والأرض الفلسطينية؟

وعلى مدى عقود، ولا سيما منذ 2011، ذاق السوريون القتل والاعتقال والتغييب والتهجير، وضُربوا بمختلف صنوف السلاح حتى الكيماوي، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها. ومع كل هذا الوجع، لم يتحول طلب الخلاص من الاستبداد إلى دعوة لاقتطاع جزءٍ من سوريا وإلحاقه بإسرائيل. فما الذي تغيّر عند الهجري اليوم حتى رأى في المحتل خلاصاً لم يره السوريون فيه وهم في أشد ساعات محنتهم؟

وفي السياسة كما في غيرها، القيادة ليست لقباً ولا مقاماً، بل أمانة. وقد قال النبي ﷺ: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة."والمشكلة تبدأ حين يصبح مصير مجتمع كامل رهناً برأي رجل يصر على الحديث باسمه، بينما أصوات من ذلك المجتمع نفسه تقول له: "أنت لا تمثلنا".

وهنا سؤال لا يمكن القفز فوقه. عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟ وما الذي تغير حتى أصبحت إسرائيل ضامناً وممراً إلى "الاستقلال"؟ وهل لتوقيت التصعيد علاقة بسقوط رهانات أخرى؟ فمع حل "قسد" واندماجها في الدولة، وجد من راهن على تشظي سوريا واحداً من أكبر ملفاتها يُغلق بالتسوية. فهل ما نسمعه اليوم هو الرجفة الأخيرة لمشروع يرى أوراقه تتساقط، فلم يجد صاحبه سوى إسرائيل حبلاً أخيراً يتعلق به؟

ثم لنفترض أن الانفصال تحقق غداً. ماذا بعد؟ السويداء محافظة داخلية بلا بحر ولا ميناء، وإمكاناتها الاقتصادية محدودة، وترتبط ببقية سوريا بالطاقة والأسواق والنقل والخدمات. الدول لا تُبنى براية وخطاب حماسي، بل باقتصاد ومؤسسات وموارد وعمق جغرافي. وقبل السؤال متى ننفصل، هناك سؤال أبسط: على ماذا ننفصل، وبماذا نعيش؟ وأي استقلال هذا الذي يخرج من دمشق ليضع مصيره عند إسرائيل؟

أما في الداخل، فالصورة لا تشبه كثيراً وعود "الاستقلال"، وسط انقسام وفوضى وانتشار للسلاح والجريمة، وفي مناطق نفوذ فصائل مرتبطة بالهجري برز ملف المخدرات بصورةٍ خطيرة، حتى استهدف الطيران الأردني مواقع ومستودعات مرتبطة بتصنيعها وتهريبها. وتلاحق بعض فصائل "الحرس الوطني" اتهامات بالتورط في شبكات التهريب. فأي دولةٍ يراد بناؤها إذا كانت البيئة التي يفترض أن تكون نواتها تعاني أصلاً من اقتصاد السلاح والفوضى والمخدرات؟

وفي المقابل، لم تكتفِ دمشق بخطوةٍ أو خطوتين، بل أبقت أبواب الحل السياسي والدبلوماسي مفتوحةً، وقدمت التطمينات والمبادرات، ودخل الأردن على خط الوساطات بحثاً عن تسوية توقف التصعيد، لكن العناد ورفض التسويات ظلا عقبةً أمام الوصول إلى حل.

وحتى حين وصل الأمر إلى مستقبل الطلاب، لم تجعل الدولة أبناء السويداء رهائن للخلاف، بل منحتهم دورةً امتحانيةً استثنائيةً وجهزت المراكز لهم. فإذا كانت أبواب السياسة والوساطة والتسوية ما تزال مفتوحةً، فلماذا الإصرار على البحث عن الحل عند إسرائيل؟

حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

ثم يبقى السؤال الديني والفكري الذي فتحه الهجري بنفسه. حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

وهنا يحضر البيت القديم:

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعدهُ    وإن الفتى بعد السفاهة يحلمُ

فالمشكلة ليست في رأي شخصي يملكه صاحبه، بل في أن يصدر هذا الرأي عمن يريد لجماعةٍ كاملة أن تحمل تبعاته. المعارضة حق، وانتقاد الأخطاء حق، والمطالبة بحقوق السويداء وأمنها حق. أما الاستقواء بإسرائيل ومشروع الانفصال فشيء آخر تماماً.

وقد يبقى باب العفو والتسوية مفتوحاً إن تراجع الهجري وعاد إلى مظلة الوطن، فالدولة لا تحتاج إلى خصومة دائمة مع أحد، لكن التساهل مع مشروع انفصال يستقوي بإسرائيل بات أمراً مختلفاً بعد تصريحاته الأخيرة.

قد تبقي دمشق شعرة معاوية ممدودةً، لكن السؤال هو: هل أبقى الهجري في يده طرفاً منها، أم قطعها بنفسه؟ ولعل تصريحه الأخير كان بالفعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

ولهذا لا يحتاج الرد إلى شتيمة، بل إلى جملة واحدة: قل أنا يا حكمت الهجري ولا تقل نحن.. قل أنا أريد إسرائيل. أنا أراها ضامناً. أنا أريد الانفصال. وأنا أتحمل نتيجة خياري.

لكن لا تقل إن الدروز يريدون، ولا تقل إن جبل العرب يريد. فجبل العرب أكبر من الهجري ومن توجهاته ومشروعه وفكره الأعوج، وتاريخه الوطني أكبر من أن يختزله رجل أو تبدده مغامرةٌ سياسية. وسيبقى جبل العرب جزءاً لا يتجزأ من سوريا، لا تفصله عنها رغبة شيخ، ولا أوهام كانتون، ولا وعود إسرائيل.

الثلاثاء، 17 يونيو 2025

الركبان.. خيمة طُويت وكرامة بقيت

الركبان.. خيمة طُويت وكرامة بقيت



أستاذ جامعي في جامعة تركية، ماجستير في العلوم الإسلامية والعربية

 في أقصى البادية، حيث الصمت يغلب الصوت، وحيث لا ظلّ إلا لشمس لاهبة، ولا جدار إلا لخيمة تهتزّ في وجه الرياح، هناك كان مخيم الركبان، أو – كما سمّوه بحقّ – مثلث الموت.

كثير من أحرار العالم، ممن في قلوبهم بقايا إنسانيّة ورحمة، شاركوا هذا الفرح، لأن "الركبان" لم يكن مجرد مخيم، بل وصمة سوداء على جبين الصمت الدولي

سنوات عجاف قاسية مرت على أهله، سُلبوا فيها أبسط مقومات الإنسانية، وذاقوا مرارة العيش في صحراء منسية، لا ماء فيها ولا دواء ولا غذاء، ولا حتى أمل. لكنهم لم يهجَّروا عبثًا، ولم يُلقَ بهم في تلك الأرض القاحلة صدفة، بل طُردوا من ديارهم لأنهم قالوا "لا" في وجه الطاغية، لأنهم هتفوا للحرية، ورفضوا العبودية تحت حكم نظام المجرم بشار الأسد.

هؤلاء المعذبون الأحرار اختاروا الخيمة على المذلة، والوحشة على الركوع، والموت البطيء في العراء على الحياة في ظل نظام قتل أبناءهم ودمر مدنهم، وخيَّرهم بين السجن والموت والانكسار. كان الركبان جرحًا نازفًا، لكنه جرح الكرامة النابضة، لا جرح الخنوع المهين.

الحمد لله.. اليوم أُغلقت أبواب الخوف، وهُدمت آخر خيمة من خيام العذاب، وارتفع الغبار الأخير من تراب الركبان إيذانًا بنهاية قصة حزينة، طالما أثقلت الضمائر وبللت العيون.

اليوم يُكتب فرح جديد على صفحات التحرير، ويضاف نصر آخر إلى سجل الصامدين.. ويا لها من فرحة! فرحة لا تقتصر على من كانوا هناك، بل تتعدى حدود المخيم، هي فرحة كبرى عمَّت قلوب المهجَّرين أنفسهم وهم يغادرون أرض القهر إلى أفق الحياة، فرحة غمرت السوريين في الداخل والخارج، أولئك الذين ظلت أعينهم شاخصة إلى "الركبان" سنوات طويلة، تدعو وتنتظر.

بل حتى كثير من أحرار العالم، ممن في قلوبهم بقايا إنسانية ورحمة، شاركوا هذا الفرح، لأن "الركبان" لم يكن مجرد مخيم، بل وصمة سوداء على جبين الصمت الدولي، وصفحة دامية من تاريخ القهر.. لم تكن الخيام تؤوي بل كانت تقهر، ولم تكن ملجأً بل سجنًا من القهر والعزلة والجوع.

غار مخيم الركبان واندمل إلى غير رجعة.. والعقبى لجميع مخيمات اللجوء في العالم، للسوريين ولغيرهم ممن بحثوا عن الحرية والحياة الكريمة

واليوم، رغم أن كثيرين عادوا إلى بيوت مهجورة، وجدران بلا سقوف، وبلدات مدمرة، فإنهم عادوا إلى الوطن الذي حُرموا منه سنوات طويلة، عادوا إلى حارات الذكريات، حيث خبز الأم وحنان الجيران، لا إلى صحراء لا تعرف سوى الوحدة والوحشة.

من الركبان خرجوا، لا بدموع اليأس بل بدموع الفرح المؤلم! خرجوا من غبار الجوع إلى سماء الوطن، التي وإن أظلت بيوتًا محطمة، فإنها تسع القلوب كلها. وهكذا تُطوى صفحة سوداء من كتاب الجرح السوري، وتفتح صفحة العودة، صفحة البداية، صفحة الحياة.

لقد غار مخيم الركبان واندمل إلى غير رجعة.. والعقبى لجميع مخيمات اللجوء في العالم، للسوريين ولغيرهم ممن بحثوا عن الحرية والعدالة والحياة الكريمة.