بريطانيا وإسرائيل.. حين يتمرد الوعد على صاحبه
فراس السقال
يقول مثل شعبي قديم: "أركبناه خلفنا على الحمار فمد يده إلى الخُرج". ولعل هذا المثل يختصر، من وجهة النظر البريطانية لا من وجهة نظرنا، شيئاً من المشهد القائم اليوم بين بريطانيا وإسرائيل. فنحن لا نعترف أصلاً بحق بريطانيا في أن تعد اليهود بفلسطين، ولا بمشروعية أن تهب أرضاً لا تملكها لغير أهلها، ولا نرى في وعد بلفور حقاً يمكن أن يُبنى عليه أو منّةً بريطانيةً يمكن الاحتجاج بها على الفلسطينيين.
لكن إذا نظرنا إلى المشهد بعيون لندن نفسها، بدت المفارقة واضحة. بريطانيا التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، ثم سخّرت خلال الانتداب نفوذها وقوتها لتهيئة الظروف التي ساعدت المشروع الصهيوني على النمو والتمكين، تجد نفسها اليوم أمام إسرائيل لا تكتفي بما حصلت عليه وثبّتته بالقوة والدعم الغربي، بل تمد يدها إلى مزيد من الأرض. وكأن بريطانيا تقول اليوم لإسرائيل: "أركبناه خلفنا على الحمار فمد يده إلى الخُرج".
لكن علينا ألا نتسرع في الحكم، فبريطانيا لم تصبح اليوم عدواً لإسرائيل، ولم تنقلب فجأة نصيراً للفلسطينيين، ولم تستيقظ بعد أكثر من قرن لتصحح خطيئةً تاريخيةً وتعيد الحقوق إلى أصحابها. ما يحدث أدق من ذلك بكثير؛ الخلاف البريطاني مع إسرائيل ليس على وجودها، بل على حدود توسعها، وليس رفضاً للمشروع الذي ساهمت بريطانيا نفسها في تمكينه، بل اعتراضاً على اندفاعه إلى ما وراء الحدود التي يريد الغرب تثبيتها له.
بعبارة أكثر وضوحاً، بريطانيا لا تقول لإسرائيل: أعيدي ما أخذتِ، إنها تقول لها: يكفي ما أخذتِ، فلا تأخذي المزيد وتُقلبي علينا وعليك المحيط.
وهنا نفهم المواقف البريطانية الأخيرة من الاستيطان. لندن تتحدث عن حظر التجارة مع المستوطنات، وعن عدم الوقوف متفرجةً أمام تدمير حلّ الدولتين، وتحذر من التوسع الاستيطاني غير القانوني في الضفة الغربية. وقد وصل الخلاف إلى حدّ إبلاغ إسرائيل القنصليةَ البريطانية في القدس الشرقية بأن دبلوماسييها سيفقدون اعتمادهم خلال ثلاثين يوماً. مشهد يحمل مفارقةً تاريخيةً لافتةً؛ فالدولة التي أصدرت وعد بلفور قبل أكثر من قرن، تواجه اليوم غضب الدولة التي ساهمت في تمكين مشروعها، لأنها تحاول منعها من ابتلاع المزيد من الأرض الفلسطينية.
لكننا نستطيع النظر إلى هذا الصراع من جهتين؛ من جهة، من مصلحة الفلسطينيين أن تتسع الخلافات بين إسرائيل وحلفائها كلما تمادت في الاستيطان والضم، وأي ضغط سياسي أو اقتصادي يستطيع لجم التوسع الاستيطاني وحماية ما تبقى من الأرض الفلسطينية هو أمر لا ينبغي التقليل من أهميته. فكل مستوطنة جديدة تعني أرضاً فلسطينيةً أقل، وكل طريق استيطاني جديد يعني مزيداً من تقطيع أوصال الضفة، وكل يوم يمر مع استمرار هذا التوسع يجعل إقامة دولة فلسطينية أكثر صعوبة. لذلك لا مشكلة في أن نستفيد من هذا الخلاف، وأن نرى فيه فرصةً للجم إسرائيل وكبح اندفاعها.
لكن من جهة أخرى، ينبغي ألا نغفل عما قد يكون وراء هذا الموقف الغربي. فالاعتراض على السرقة الجديدة لا يعني بالضرورة رفض السرقة القديمة، وقد يصبح منع إسرائيل من الاستيلاء على مزيد من الأرض وسيلةً لتثبيت ما استولت عليه سابقاً، وتحويل ما فرضته الحروب والقوة والاحتلال إلى واقع نهائي لا يريد الغرب إعادة النظر فيه.
وهنا تكمن خطورة المشهد، وتزداد المفارقة وضوحاً حين نتذكر غزة. فبريطانيا التي لم يكن ضغطها بمستوى ما شهدته غزة من قتل ودمار وتهجير، ترفع صوتها اليوم بقوة حين بات التوسع في الضفة يهدد حل الدولتين. وكأن المشكلة الغربية لم تكن في مقدار ما ابتلعته إسرائيل ودمّرته، بقدر ما أصبحت في أن شهيتها المفتوحة قد تبتلع أخيراً الصيغة السياسية التي يريد الغرب إنقاذها.
الغرب يريد إسرائيل قويةً وآمنةً ومستقرةً، لكنه لا يريدها مشروعاً بلا حدود. يريد الحفاظ على إسرائيل التي يعترف بها ويدعمها، وفي الوقت نفسه يريد إبقاء مساحة تسمح له بالحديث عن دولة فلسطينية وحل الدولتين.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن توقيته، وإسرائيل مقبلة على انتخابات حاسمة يخوض فيها نتنياهو معركةً سياسيةً صعبة. وهنا يبرز السؤال: هل يريد الغرب لجم الاستيطان فقط، أم لجم نتنياهو والتيار الذي أخذ إسرائيل أبعد من السقف الذي يريده حلفاؤها؟ لا دليل على أن الغرب يخوض معركةً لإسقاط نتنياهو، لكن يصعب تجاهل أثر هذه الضغوط في هذا التوقيت. فربما يكون المطلوب غربياً إسرائيل أخرى، لا فلسطين أخرى، وحكومةً أكثر انضباطاً بالحدود التي يريدها الغرب للمشروع الإسرائيلي. ولذلك نستفيد من خلافهم حين يلجم الاحتلال، لكننا لا نسميه انتصاراً لقضيتنا ما دام مستقبل إسرائيل، لا استعادة الحق الفلسطيني، هو محور هذا الخلاف.
ولهذا فإن بريطانيا لا تخوض معركتنا نحن؛ معركتنا تقوم على حق شعب سُلبت أرضه وشُرد أبناؤه ودفع أثماناً هائلةً طوال عقود. أما معركة بريطانيا اليوم فهي منع إسرائيل من تدمير الصيغة السياسية التي يريد الغرب الحفاظ عليها. والفارق بين الأمرين كبير.
نعم، قد يكون في الموقف البريطاني الحالي ما يخدم الفلسطينيين، وقد يؤدي الضغط إلى إبطاء الاستيطان أو لجمه، ولذلك لا ينبغي رفضه لمجرد أنه صادر عن بريطانيا، لكن الخطأ أن نقرأه باعتباره انقلاباً تاريخياً في الموقف البريطاني أو انتصاراً للحق الفلسطيني.
فبريطانيا الأمس ساهمت في تمكين المشروع الصهيوني، وبريطانيا اليوم تحاول ضبط توسعه، وبين الأمس واليوم لم تصل لندن بعد إلى السؤال الذي يهم الفلسطيني حقاً.

