الخميس، 10 سبتمبر 2026

هل يعرف أبناؤنا حقيقة ما فعله أجدادهم في أوروبا؟

هل يعرف أبناؤنا حقيقة ما فعله أجدادهم في أوروبا؟




د. جاسم الجزاع
* باحث وأكاديمي كويتي
Jassimaljezza@hotmail.com

عملتُ أستاذًا جامعيًا أدرّس مواد الإدارة والقيادة الإستراتيجية للطلبة في إحدى الجامعات في الكويت، لكن اهتمامي بالتاريخ وتعمقي فيه إلى جانب حضوري في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال المحتوى التاريخي، دفع الجامعة إلى تكليفي بتدريس مادة «الحضارة العربية الإسلامية» إلى جانب تخصصي الإداري، وقد درّست هذه المادة مرارًا وتكرارًا، وفي كل فصل دراسي كنت أكتشف حجم الفجوة بين أبناء الجيل الحالي وتاريخ أجدادهم، فالطالب الآن قد يعرف الكثير عن ما وصل إليه الغرب من حضارة ملموسة، وينبهر بجامعاتها وعلمائها ومدنها، لكنه يتفاجأ حين يسمع أن أوروبا نفسها أرسلت أبناءها يومًا إلى قرطبة وطليطلة وصقلية ليتعلموا ويترجموا كتب العرب، وعندها بدأت أتساءل:

كيف يعرف أبناؤنا تفاصيل النهضة الأوروبية، بينما يجهلون الدور الذي أداه أجدادهم العرب والمسلمين في صناعتها؟

لم تكن المشكلة حينها للأمانة في ضعف المعلومات
التاريخية وحده لديهم، بل في الصورة التي تكوّنت داخل وعي الجيل الحالي، فمخيلتهم ترى الغرب منتجًا دائمًا للعلم، وترى العرب مجرد مستهلكين له، حتى أصبح بعض شبابنا يتعامل مع التخلف وكأنه صفة أصيلة فينا نحن العرب، وحين كنت أشرح للطلاب أن الأندلس لم تكن مجرد حقبة سياسية، بل جسرًا انتقلت عبره المعارف العربية إلى أوروبا، كنت أرى الدهشة في وجوههم، وكأنهم يسمعون تاريخًا لا يخصهم، فعلاً.. 

لقد نجح أعداؤنا في تقديم حضارته بوصفها قصة إنسانية مبهرة، بينما فشلنا نحن في تعريف أبنائنا بتاريخهم، فتحولت ذاكرتهم إلى مساحة فارغة ملأها الانبهار بالغرب.

والحقيقة التي علمتها لهم أثناء المحاضرات أن العرب لم يقفوا على هامش النهضة الأوروبية في ذلك الزمان، فقد تحولت طليطلة إلى مركز لترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية اللغة الرسمية في كثير من دول أوروبا، وظل مثلاً كتاب "القانون في الطب" لابن سينا مرجعًا في الجامعات الأوروبية قرونًا عديدة، وأسهمت كتب أبو القاسم الزهراوي في تعليم الجراحة ووصف أدواتها، بينما وضع ابن الهيثم أسسًا مهمة لدراسة الضوء والرؤية البصرية، وفي الرياضيات، قدّم الخوارزمي علم الجبر، وارتبط اسمه بمصطلح "الخوارزمية" الذي يقوم عليه العالم الرقمي اليوم، أما ابن رشد فقد ترك أثرًا كبيراً في الفكر والفلسفة الأوروبية، فلم يكن أجدادنا العرب والمسلمون مجرد ناقلين لتراث اليونان والرومان كما تردد بعض الروايات والحجج، بل ترجموا ونقدوا وجرّبوا وأضافوا، ثم انتقلت أعمالهم الأدبية والمعرفية عبر الأندلس وصقلية وعن طريق حركة الترجمة والاحتكاك بالغرب، لتصبح جزءًا من المعرفة التي بنت عليها أوروبا نهضتها اليوم.

لذلك فإن تدريس هذه المادة جعلني أوقن أن أزمتنا ليست في غياب التاريخ نفسه، بل في ضعف تقديمه وترويجه وتشجيع الجيل لقراءته، ولذلك تقع المسؤولية على وزارات التربية والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية في تحويل منجزات الحضارة العربية الإسلامية من صفحات جامدة إلى وعي حي، وذلك عبر المناهج المشوقة، والأفلام الوثائقية، والمسلسلات التاريخية، والمتاحف الرقمية، والمحتوى القصير القادر على الوصول إلى الجيل بلغته.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق