‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سوريا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 29 أغسطس 2026

قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

 قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

فراس السقال


بعد صلح الحديبية دخلت خزاعة في عهد رسول الله، ودخل بنو بكر في حلف قريش، فصار أمن الحليف جزءاً من حرمة العهد. لكن بني بكر أغاروا على خزاعة ليلاً، وأعانت قريش حلفاءها، فسقط العهد وتغيّر ما بعده. وحين يتكرر الغدر تأتي لحظةٌ لا يعود فيها الصبر فضيلةً إذا تحول إلى تشجيع للغادر.


تذكرت هذه الحادثة وأنا أستمع إلى حكمت الهجري، لا تشبيهاً للأشخاص بأشخاص السيرة، بل لأن السؤال يتكرر: كم مرةً يمكن أن يُمد حبل التفاهم قبل أن يقطعه الطرف الآخر بيده؟

قال الهجري: "إن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، وإنهم مشتركون معها في "العقيدة والفكر". لكن أخطر كلمة في كلامه ليست "إسرائيل"، بل "نحن".

من تقصد بنحن يا شيخ؟ إن كنت تقصد نفسك فقل أنا، وإن كنت تقصد جماعتك فسمّها. أما أن تضع جبل العرب كله في جيبك، ثم تقرر باسم أهله هويتهم وعقيدتهم ومصيرهم، فهنا تصبح المسألة أكبر من تصريح سياسي.

عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟

ولعل أبلغ رد جاءه من الدروز أنفسهم. فمن السويداء وجرمانا ولبنان وفلسطين المحتلة خرجت أصوات ترفض أن يتحدث الهجري باسمها. أهالي جرمانا أعلنوا أن وجهتهم دمشق، ومشيخة العقل في لبنان رفضت وضع الدروز في "شراكة مصطنعة" مع إسرائيل، ومن داخل فلسطين المحتلة وُصف حديثه عن "العقيدة المشتركة" بأنه محض ترهات.

وهكذا وجد الهجري نفسه أمام مفارقة قاسية: كلما وسّع كلمة "نحن"، خرجت أصوات من "نحن" نفسها لتقول له: "لا تتحدث باسمنا".

ومن جبل العرب خرج سلطان باشا الأطرش، ومنه انطلقت الثورة السورية الكبرى عام 1925. لم تكن ثورةً من أجل كانتون درزي، بل من أجل سوريا. فكيف يراد لهذا الجبل بعد قرن أن يبحث عن مستقبله عند دولة تحتل الجولان السوري والأرض الفلسطينية؟

وعلى مدى عقود، ولا سيما منذ 2011، ذاق السوريون القتل والاعتقال والتغييب والتهجير، وضُربوا بمختلف صنوف السلاح حتى الكيماوي، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها. ومع كل هذا الوجع، لم يتحول طلب الخلاص من الاستبداد إلى دعوة لاقتطاع جزءٍ من سوريا وإلحاقه بإسرائيل. فما الذي تغيّر عند الهجري اليوم حتى رأى في المحتل خلاصاً لم يره السوريون فيه وهم في أشد ساعات محنتهم؟

وفي السياسة كما في غيرها، القيادة ليست لقباً ولا مقاماً، بل أمانة. وقد قال النبي ﷺ: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة."والمشكلة تبدأ حين يصبح مصير مجتمع كامل رهناً برأي رجل يصر على الحديث باسمه، بينما أصوات من ذلك المجتمع نفسه تقول له: "أنت لا تمثلنا".

وهنا سؤال لا يمكن القفز فوقه. عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟ وما الذي تغير حتى أصبحت إسرائيل ضامناً وممراً إلى "الاستقلال"؟ وهل لتوقيت التصعيد علاقة بسقوط رهانات أخرى؟ فمع حل "قسد" واندماجها في الدولة، وجد من راهن على تشظي سوريا واحداً من أكبر ملفاتها يُغلق بالتسوية. فهل ما نسمعه اليوم هو الرجفة الأخيرة لمشروع يرى أوراقه تتساقط، فلم يجد صاحبه سوى إسرائيل حبلاً أخيراً يتعلق به؟

ثم لنفترض أن الانفصال تحقق غداً. ماذا بعد؟ السويداء محافظة داخلية بلا بحر ولا ميناء، وإمكاناتها الاقتصادية محدودة، وترتبط ببقية سوريا بالطاقة والأسواق والنقل والخدمات. الدول لا تُبنى براية وخطاب حماسي، بل باقتصاد ومؤسسات وموارد وعمق جغرافي. وقبل السؤال متى ننفصل، هناك سؤال أبسط: على ماذا ننفصل، وبماذا نعيش؟ وأي استقلال هذا الذي يخرج من دمشق ليضع مصيره عند إسرائيل؟

أما في الداخل، فالصورة لا تشبه كثيراً وعود "الاستقلال"، وسط انقسام وفوضى وانتشار للسلاح والجريمة، وفي مناطق نفوذ فصائل مرتبطة بالهجري برز ملف المخدرات بصورةٍ خطيرة، حتى استهدف الطيران الأردني مواقع ومستودعات مرتبطة بتصنيعها وتهريبها. وتلاحق بعض فصائل "الحرس الوطني" اتهامات بالتورط في شبكات التهريب. فأي دولةٍ يراد بناؤها إذا كانت البيئة التي يفترض أن تكون نواتها تعاني أصلاً من اقتصاد السلاح والفوضى والمخدرات؟

وفي المقابل، لم تكتفِ دمشق بخطوةٍ أو خطوتين، بل أبقت أبواب الحل السياسي والدبلوماسي مفتوحةً، وقدمت التطمينات والمبادرات، ودخل الأردن على خط الوساطات بحثاً عن تسوية توقف التصعيد، لكن العناد ورفض التسويات ظلا عقبةً أمام الوصول إلى حل.

وحتى حين وصل الأمر إلى مستقبل الطلاب، لم تجعل الدولة أبناء السويداء رهائن للخلاف، بل منحتهم دورةً امتحانيةً استثنائيةً وجهزت المراكز لهم. فإذا كانت أبواب السياسة والوساطة والتسوية ما تزال مفتوحةً، فلماذا الإصرار على البحث عن الحل عند إسرائيل؟

حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

ثم يبقى السؤال الديني والفكري الذي فتحه الهجري بنفسه. حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

وهنا يحضر البيت القديم:

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعدهُ    وإن الفتى بعد السفاهة يحلمُ

فالمشكلة ليست في رأي شخصي يملكه صاحبه، بل في أن يصدر هذا الرأي عمن يريد لجماعةٍ كاملة أن تحمل تبعاته. المعارضة حق، وانتقاد الأخطاء حق، والمطالبة بحقوق السويداء وأمنها حق. أما الاستقواء بإسرائيل ومشروع الانفصال فشيء آخر تماماً.

وقد يبقى باب العفو والتسوية مفتوحاً إن تراجع الهجري وعاد إلى مظلة الوطن، فالدولة لا تحتاج إلى خصومة دائمة مع أحد، لكن التساهل مع مشروع انفصال يستقوي بإسرائيل بات أمراً مختلفاً بعد تصريحاته الأخيرة.

قد تبقي دمشق شعرة معاوية ممدودةً، لكن السؤال هو: هل أبقى الهجري في يده طرفاً منها، أم قطعها بنفسه؟ ولعل تصريحه الأخير كان بالفعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

ولهذا لا يحتاج الرد إلى شتيمة، بل إلى جملة واحدة: قل أنا يا حكمت الهجري ولا تقل نحن.. قل أنا أريد إسرائيل. أنا أراها ضامناً. أنا أريد الانفصال. وأنا أتحمل نتيجة خياري.

لكن لا تقل إن الدروز يريدون، ولا تقل إن جبل العرب يريد. فجبل العرب أكبر من الهجري ومن توجهاته ومشروعه وفكره الأعوج، وتاريخه الوطني أكبر من أن يختزله رجل أو تبدده مغامرةٌ سياسية. وسيبقى جبل العرب جزءاً لا يتجزأ من سوريا، لا تفصله عنها رغبة شيخ، ولا أوهام كانتون، ولا وعود إسرائيل.

الخميس، 16 يوليو 2026

إسرائيل تشتري الأراضي في سوريا

 إسرائيل تشتري الأراضي في سوريا

كاتب في صحيفة حرييت

ترجمة وتحرير ترك برس

قبل قيام دولة إسرائيل، كان اليهود يشترون الأراضي في فلسطين.

ولم يتركوا هذا الأمر للأثرياء اليهود وحدهم، بل أنشأوا صناديق صهيونية لهذا الغرض. 

وكان أشهرها الصندوق القومي اليهودي. 

ولعدم لفت الانتباه، استخدموا أساليب مختلفة، فكانوا يشترون الأراضي عبر يهود أثرياء يحملون جنسيات دول غربية. 

كما كانوا يشترونها من كبار ملاك الأراضي في دمشق ولبنان وبيروت، ومن صغار المزارعين أيضاً، بينما كانت الإدارة البريطانية تدعمهم. 

وقد اتخذت الإدارة العثمانية تدابير مختلفة لمنع بيع الأراضي للصهاينة، إلا أن الصناديق الصهيونية واصلت شراء الأراضي بطرق مختلفة. 

ويقال إن نسبة هذه الأراضي كانت في حدود 6 إلى 7 بالمئة، لكن أراضي الدولة التي خصصتها إدارة الانتداب البريطاني لا يجري الحديث عنها.

درعا والسويداء والقنيطرة

تطبق إسرائيل مشروع التوسع والاستيطان عبر شراء الأراضي في سوريا. فقبل احتلال الأراضي الفلسطينية كانوا قد اشتروا الأراضي، وهذه المرة أدخلوا الأسلوب نفسه إلى سوريا. وجزء من سوريا يقع أصلاً تحت الاحتلال الإسرائيلي. كما أنهم يوسعون احتلالهم في هضبة الجولان يوماً بعد يوم. وتُظهر القوات التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي وجودها العسكري في العديد من مناطق جنوب سوريا، وعلى رأسها درعا والسويداء والقنيطرة. 

وفي هذا الإطار، يمتلكون نقاط سيطرة عديدة تحت مسميات أعمال الاستطلاع والمراقبة والدوريات.

الأسلوب المتبع في فلسطين

ولا تكتفي إسرائيل بذلك. فهي بدأت هذه المرة بتطبيق الأساليب نفسها التي استخدمتها في الأراضي الفلسطينية داخل سوريا. فإسرائيل التي لا تكتفي بالاحتلال، تحاول جعل وجودها دائماً في جنوب سوريا عبر شراء الأراضي هناك. وتشير المعلومات الواردة من الميدان إلى أن إسرائيل تشتري الأراضي في جنوب سوريا منذ مايو/أيار 2026. وقد سرّعت عمليات الشراء خلال الأشهر الأخيرة. ويُزعم أنه جرى التواصل مع المخاتير ووجهاء المناطق والعاملين في تجارة العقارات في درعا والقنيطرة، ولا سيما بشأن الأراضي الواقعة على عمق يصل إلى 15 كيلومتراً من الحدود السورية.

مواطنو الدول الغربية

في فلسطين كانوا يشترون الأراضي عبر الصناديق الصهيونية الدولية، كما كانوا يدفعون أثرياء اليهود في الدول الغربية إلى الشراء لتجنب لفت الأنظار. وكانت الاتحادات الصهيونية الدولية هي التي تنظم عمليات شراء الأراضي. 

وهم يطبقون الأسلوب نفسه في سوريا أيضاً. فهم يعملون على مسارين في آن واحد. إذ يشترون مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عبر يهود يحملون جنسيات أجنبية. ويفضلون بشكل خاص استخدام أشخاص يحملون الجنسية الكندية والأسترالية والبريطانية. هل رأيتم؟ الأسلوب هو نفسه، والعقلية هي نفسها، والهدف هو نفسه كما كان في فلسطين.

للأسف

هناك علاقة لافتة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. فالإمارات العربية المتحدة كانت أول دولة عربية مسلمة توقع "اتفاقيات إبراهيم" مع إسرائيل. ومنذ يونيو/حزيران من هذا العام، بدأت تتكثف الأخبار عن شراء أراضٍ في هضبة الجولان والمناطق المحيطة بها، الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، عبر مواطنين من الإمارات العربية المتحدة.

إن مواطني الإمارات العربية المتحدة أثرياء، ولديهم عقارات في أفخم مناطق العالم. فهل لم يبق مكان على وجه الأرض حتى يأتي الدور على شراء الأراضي في هضبة الجولان الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي ومحيطها؟

ومن الواضح أن رأس المال الإسرائيلي يقف وراء شراء الأراضي في سوريا عبر مواطني الإمارات العربية المتحدة. وقد يحدث أيضاً أن تقوم شركة عقارية بشراء الأراضي عبر مواطنين إماراتيين، ثم تقوم إسرائيل بشرائها منهم لاحقاً.

قوة المال

تستخدم إسرائيل قوة المال في عمليات شراء الأراضي في سوريا بصورة فعالة للغاية، حتى إن رجال الأعمال الذين يزعمون أنهم يرغبون في الاستثمار في القطاع الزراعي يشترون الأراضي في درعا والقنيطرة بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بكثير. وتسير الخطة الإسرائيلية بطريقة ماكرة إلى درجة أنه يُلاحظ أن بعض الدروز والعلويين يحاولون بيع أراضٍ غير صالحة للزراعة أو لبناء المنازل أيضاً.

وهم يديرون هذه العمليات عبر سماسرة الأراضي ووكلاء العقارات. فإذا قلت إنها أراضٍ زراعية فهي غير صالحة للزراعة، وإذا قلت إنها لبناء المنازل فهي غير مناسبة للبناء. فلماذا إذن يشترون هذه الأراضي بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية؟ أما تسجيل الملكيات فيحرصون على إتمامه دائماً وبشكل حتمي عبر كتاب العدل. لماذا؟ لكي تدخل هذه العمليات في السجلات الرسمية.

يمارسون التهديد

تُعد هضبة الجولان المنطقة التي تضم مصادر المياه في سوريا وأخصب أراضيها. وهناك سوريون يرفضون بيع أراضيهم. ويعرضون على من لا يرغب في البيع مبالغ مالية كبيرة. وإذا استمر البعض في المقاومة، تبدأ التهديدات هذه المرة. 

فيقولون لهم: "إن الجيش الإسرائيلي سيسيطر بالفعل على المنطقة التي تقع فيها هذه الأراضي. بيعوا أراضيكم، لكن يمكنكم الاستمرار في العيش فيها وممارسة الزراعة داخلها. أما إذا لم تبيعوا، فإن إسرائيل ستحتل هذه المنطقة بالكامل على أي حال، وعندها لن يبقى لكم أي شيء". وهكذا يمارسون الضغوط عليهم.

ثقوب الجبن

هذه ليست عملية تجارية. وإلا فإن اليهود المعروفين بإجادتهم للتجارة يعرفون كيف يشترون تلك الأراضي بنصف ثمنها. إن الأمر يتعلق بخيار استراتيجي بحت. فالمهم ليس المال، بل شراء الأراضي السورية، وتوسيع الاحتلال الإسرائيلي عبر شراء الأراضي وجعله دائماً. إن الأراضي الفلسطينية تشبه قطعة جبن مليئة بالثقوب والفجوات. فإسرائيل تستولي أولاً على بقعة صغيرة، ثم توسعها لاحقاً. وهي تريد هذه المرة تطبيق سياسة "ثقوب الجبن" في سوريا. فمن خلال شراء الأراضي في الجولان ودرعا والقنيطرة، تهدف إلى التغلغل داخل الأراضي السورية مثل الخلايا السرطانية، ثم توسيع هذه البؤر تدريجياً خطوة خطوة كما فعلت في فلسطين.

يجب حظر بيع الأراضي

ولمنع ذلك، ينبغي على الدولة السورية أن تبادر بصورة عاجلة إلى حظر بيع الأراضي في المنطقة حتى إشعار آخر. وإلا فإن إسرائيل تحاول، من جهة عبر الاحتلال ومن جهة أخرى عبر شراء الأراضي، توسيع احتلالها للأراضي السورية وجعله دائماً.

الاثنين، 25 مايو 2026

المسيرة الإسلامية الشامية بين الانحراف والاستواء إضاءات منهجية شرعية سياسية أخلاقية

المسيرة الإسلامية الشامية بين الانحراف والاستواء
إضاءات منهجية شرعية سياسية أخلاقية
مضر أبو الهيجاء

كان لافتًا أن يتزامن حديث د. حسين الشرع، الذي أثنى فيه على حكم حافظ الأسد وبرّأ حزب البعث، مع ما صدر عن ابنه الأخ أحمد الشرع من مديح ودعاء مبالغ فيه تجاه ترامب الذي أهداه العطر والتمثال!

وإذا كان النظر مقطوعًا بأن خلفية حسين الشرع وأسرته ليست إسلامية بالمعنى الدعوي العلمي الحركي والسياسي، فإن خلفية ابنه أحمد الشرع إسلامية، فقد شق طريقه انطلاقًا من مساجد دمشق نحو تجربة مختلطة التطورات والمواقف في العراق والشام. ودون الدخول في تقييم التجربة وما تضمنته من مواقف صحيحة أو خاطئة، فإن ما يعنينا اليوم متعلق بواقع اليوم، وهو مسار التجربة الإسلامية الواعدة على أرض الشام المباركة.

الشرع يخالف الشريعة!

إن أخطر ما تضمنه كلام الدكتور حسين الشرع هو إعادة توليد المناهج الجاهلية البعثية المعادية بعمق للهوية الإسلامية والمتصادمة مع القرآن. أما الجانب الخطر فيما صدر عن الرئيس أحمد الشرع تجاه عطور ترامب وهداياه فهو ما يمس عقيدة الولاء والبراء والتعامل السياسي بعيدًا عن ميزان الشريعة، بشكل مفارق لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه الذي ميّز بين عقيدة الولاء والبراء واستقلالية الشخصية الإسلامية، وبين ضرورة التعامل مع القوى الدولية الفاعلة في واقع الحال بشكل لا يمس جوهر الشريعة، ولا يقفز عن حقائق الصراع، ولا يشوه الوعي الإسلامي، مع التعامل بحكمة تحقق مقصد حفظ مصالح المسلمين.

سورية الثانية في ظل مهندسها كيسنجر الثاني!

بعيدًا عن إشكالية العقل التآمري، إلا أن تجاوز حقائق الواقع الموضوعي فيه غياب للمسؤولية ويخفي شهوة خفية، فحقيقة الحضور الخطر للإدارة الأمريكية في سورية بادية عبر كيسنجر الثاني توم باراك، الذي جاء ليهندس سورية الثانية، فيمنع تحقيق آمال شعبها ويحول دون استرداد هويتها الأصيلة، عبر تلويث وحرف ممنهج في مناحٍ سياسية وفكرية ومجتمعية تصاغ ببراعة ساحر أمريكي داهية.

إن الترافق بين ترويج كلام د. حسين الشرع في مديحه لحافظ الأسد والبعث، ومديح أحمد الشرع لترامب والدعاء له عبر منصة X، يشي بأن سورية تسير نحو اضطراب منهجي كبير على المستوى الداخلي الشعبي وعلى المستوى السياسي الخارجي.

وإذا كان خطأ قيادة حماس الثالثة والأخيرة في مدحها للمجرم قاسم سليماني بيّنًا، فلماذا تكون الصورة ضبابية عندما يبالغ أحمد الشرع بمديح القاتل ترامب، والذي لا تزال دماء أهل فلسطين تقطر من يديه، كما لا تزال لحوم الأطفال في جزيرة إبستين عالقة بين أسنانه؟

دور العلماء فيصل في استواء المسار

إذا كان دور توم باراك ومن معه هو في حرف المسار الإسلامي في الشام، فإن دور العلماء هو في المحافظة على سوية المسار الإسلامي وتسديد التجربة.

وكما أسهم الضعف والدور السلبي لبعض العلماء في اتساع دائرة الانحراف السياسي لدى حركة حماس عبر سكوتهم عن الأخطاء في بدايتها ووسطها، فإن سكوت كثير من العلماء والدعاة في أرض الشام عن جوانب الخلل المرتبطة بأداء الحكومة السورية وتوجهات ومواقف رئيسها سيكون سببًا مباشرًا في اتساع زاوية الانحراف السياسي السوري، لا سيما وأن الطرف الأمريكي حاضر في جميع التفاصيل ويمارس دوره بلا خجل ولا تردد.

جدلية العلاقة بين المجتمع والعلماء

لا شك بأن الدور المنوط بالعلماء هو وراثة النبوة في دور بيان الحق في زمن الحاجة إليه، وأما دور المجتمع فهو السير باتجاه البوصلة الصحيحة خلف العلماء، وهي الجدلية التي تحقق النتائج كما تحققت في تجربة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة، فيما لم تتحقق في تجربة بعض الأنبياء كيحيى وزكريا، وكما ذُبحوا ونُشروا ورحلوا، فيمكن أن يُذبح علماء الشام ويرحلوا دون تحقيق نتائج، إذا ما لم يجدوا أتباعًا فاعلين ومتفاعلين في الشرائح المجتمعية على أرض الشام.

السباق الحقيقي على سورية بيننا وبين الأمريكان

إن السباق الحقيقي في سورية هو بيننا كمسلمين وبين الإدارة الأمريكية الصهيوصليبية التي تسعى لاستكمال تدمير سورية بعد أن حققت نتائج حقيقية في حقبتي البعث والأسدين.

وحتى ننجح في استكمال ما سقط لأجله ملايين من أصلاب الصحابة على أرض الشام، فعلينا أن نجسد معادلة التغيير من خلال موقف العلماء الربانيين غير المداهنين ولا المتعصبين، وتفاعل الشرائح المجتمعية خلفهم باتجاه البوصلة السوية في كل منحى على أرض الشام.

وإذا كانت حداثة عهد أحمد الشرع بالسياسة وعقدة الفردية واللون الواحد سببًا في التيه والاضطراب الكبير والانحراف المحتمل في ظل الإدارة الأمريكية الخبيثة، فإن ما نملكه من سحر أكبر بكثير من عطر ترامب اللعين، وهو حركة شعبية واعية مسؤولة وناضجة خلف علماء رساليين، ستعزز السوية عند رئيس مسلم ذي خلفية إسلامية، وكما ستنصره مظلومًا فإنها ستنصره ظالمًا بالأخذ على يديه، وليس صحيحًا أن آخر من أخطأ في التاريخ الإسلامي هو ابن الخطاب عمر.

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 20/5/2026

الأربعاء، 13 مايو 2026

المناطق العازلة في النظرية الأمنية الصهيونية الجديدة

 المناطق العازلة في النظرية الأمنية الصهيونية الجديدة

 . حسن الرشيدي


كيف أعادت هجمات السابع من أكتوبر تشكيل العقيدة الأمنية الإسرائيلية لتقوم على توسيع المناطق العازلة وفرض التهجير والمراقبة التكنولوجية؟ وهل تنجح هذه السياسة في صناعة عمق استراتيجي دائم، أم تتحول إلى عبء عسكري واقتصادي يفاقم أزمات إسرائيل الداخلية والخارجية

المدقق لواقع المنطقة وأفعال دولة الاحتلال الصهيوني بعد طوفان الأقصى، يلاحظ تغيرا عميقا في استراتيجيات الصهاينة، وسلوكهم السياسي.

ومن بين عدة تغيرات في تلك الاستراتيجية، تأتي فكرة استخدام المناطق العازلة، في قلب هذا التغير.

وفكرة المناطق العازلة ليست جديدة كليًا على السياسة الأمنية الصهيونية، لكن بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 اتسع نطاق استخدامها وأصبح من الواضح أنها جزء أساسي من العقيدة الأمنية الجديدة.

فقبل السابع من أكتوبر، أقام الكيان الصهيوني منطقة عازلة داخل القطاع بعمق يتراوح بين 300 متر وكيلومتر واحد على طول السياج الحدودي منذ عام 2005. وكان يُمنع الاقتراب منها تحت طائلة القصف.

وفي لبنان بعد عام 1985 أنشأ الجيش الصهيوني حزاما أمنيا بعمق 15 إلى 20 كيلومترًا داخل جنوب لبنان بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي، واستمر ذلك حتى الانسحاب في عام 2000.

أما في سوريا، فمنذ عام 1974، أقام الكيان منطقة فاصلة تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. وظل جيش الصهاينة يستهدف أي وجود عسكري يقترب منها.

ولكن ما الذي تغيّر بعد السابع من أكتوبر؟

ففي غزة، وسّع الجيش الصهيوني المنطقة العازلة، لتصل إلى عمق 1-2 كيلومتر داخل القطاع على طول الحدود الشرقية والشمالية. وتم هدم معظم المباني فيها بشكل كامل، وقد صرّح وزير الدفاع الصهيوني بأن هذه المنطقة ستبقى حتى بعد انتهاء الحرب.

وفي جنوب لبنان، وبعد الهدنة الأخيرة، توسعت دولة الاحتلال الصهيوني في تطور غير مسبوق، حيث تم منع العودة إلى أكثر من 62 قرية حدودية بشكل كامل.

وشملت أوامر ​الإخلاء القسري مناطق واسعة حتى شمال الليطاني أحياناً بدعوى وجود بنية تحتية عسكرية، مما أدى لتهجير مئات الآلاف لضمان خلو المنطقة العازلة من السكان لتسهيل المراقبة التكنولوجية.

وفي سوريا، وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، توغل جيش الاحتلال الصهيوني بريًا لأول مرة منذ عام 1974، واحتلت المنطقة العازلة بالكامل إضافة إلى جبل الشيخ. وأعلن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتانياهو، أن الجيش سيبقى هناك إلى أجل غير مسمى، وبدأت بشن غارات وتنفيذ توغلات في محافظتي درعا والقنيطرة لإنشاء منطقة عازلة جديدة بعمق 15 إلى 30 كيلومترًا، بحجة منع أي تهديد من الحكومة السورية الجديدة.

فكرة المنطقة العازلة

لفهم وتحليل فكرة المنطقة العازلة، يُعد الاقتراب الجيوبوليتيكي، هو نقطة الانطلاق الأكثر شمولاً ودقة.

يقوم هذا الاقتراب، على دراسة تأثير المعطيات الجغرافية مثل: الموقع، والتضاريس، والمساحة، والمسافات، على السلوك السياسي والأمني للدولة.

في هذا الإطار، تنظر الدولة لنفسها ككائن يسعى لحماية نواته الصلبة (المراكز الحيوية، العاصمة، التجمعات السكانية الكبرى) من التهديدات الخارجية.

فالدولة عندما تشعر بأن المسافة الجغرافية التي تفصلها عن التهديد غير كافية لاستيعاب الصدمة الأولى لأي هجوم، فإنها تسعى لتعديل هذا الواقع عبر ايجاد فضاءات جغرافية جديدة (مناطق عازلة). هذه المناطق نظرياً هي عبارة عن هوامش أمنية يتم تفريغها من مصادر التهديد (بشرياً وعسكرياً) لتشكيل درع مكاني يمنح الدولة وقتاً للإنذار المبكر ومساحة لامتصاص الهجمات.

والاقتراب الجيوبوليتيكي يقدم عدة أدوات لتطبيقها على الواقع المتعلق بتلك المناطق العازلة لفهمه، أهمها:

التحليل المكاني والطبوغرافي، وقياس العمق الاستراتيجي، والخرائط الديموغرافية، وتحليل خطوط الإمداد ونقاط الاختناق، والخرائط التفاعلية وتقنيات الاستشعار المكاني.

وسنقوم بشرح هذه الأدوات، ونحن نحاول تطبيقها لفهم فكرة المناطق العازلة الصهيونية.

الصهاينة بعد الطوفان

لتطبيق أدوات الاقتراب الجيوبوليتيكي الخمس على الحالة الصهيونية، يجب أن نضع أنفسنا في موقع العقل الاستراتيجي الصهيوني وكيف ينظر إلى الجغرافيا بعد صدمة السابع من أكتوبر.

هذا التطبيق يفكك لنا كيف يترجم الكيان مخاوفه الوجودية إلى إجراءات مكانية صلبة، وسنحاول تطبيق هذه الأدوات الخمس على حالة المنطقة العازلة في غزة، وان كانت حالتها في لبنان وسوريا لا تقل خطورة، ولكنها لا تبعد كثيرا عن الفكر الصهيوني في هذا الاطار.

١. أداة التحليل المكاني والطبوغرافي

فالرؤية الصهيونية تدرك أن طوبوغرافية غزة كمناطق حضرية كثيفة وأراضٍ زراعية متداخلة مع الحدود، قد وفرت غطاءً بصرياً وميدانياً سهّل اقتراب التشكيلات الفلسطينية المسلحة من الجدار الفاصل دون رصدهم مبكراً.

هنا يستخدم الكيان هذه الأداة لهندسة التضاريس من جديد. يتمثل ذلك في قيام سلاح الهندسة لجيش الاحتلال (عبر جرافات D9 العملاقة)، بتسوية الأرض وتدمير كافة المباني والأشجار بعمق يتراوح بين 1 إلى 2 كيلومتر داخل القطاع.

وكان الهدف هو ايجاد خط رؤية مفتوح، ومناطق قتل منبسطة تماماً، لا توفر أي نقطة اختفاء طبوغرافية أو معمارية لأي من عناصر المقاومة تحاول الاقتراب من مستوطنات الغلاف.

2. أداة قياس العمق الاستراتيجي

فالدولة الصهيونية تعاني تاريخياً من غياب العمق الاستراتيجي، والمسافة بين حدود غزة والتجمعات الصهيونية الحيوية مثل عسقلان، وأسدود، وحتى النقب الغربي، تقاس بالكيلومترات القليلة أو الأمتار.

وفي السابع من أكتوبر، دارت المعركة الأولى داخل المستوطنات والقواعد الصهيونية. وبتطبيق أداة العمق الاستراتيجي، نفهم أن الكيان تبني المنطقة العازلة، لاستعارة عمق استراتيجي من داخل الأراضي الفلسطينية.

وتقوم نظريته في ذلك، على نقل خط الاشتباك الأول ليكون داخل غزة وليس داخل الكيان، بحيث إذا وقع هجوم بري مستقبلي، فإن هذه المساحة العازلة ستوفر للجيش زمن إنذار مبكر كافٍ لاستيعاب الصدمة وتعبئة القوات قبل وصول الخطر إلى النواة السكانية الصهيونية.

3. أداة الخرائط الديموغرافية

فالرؤية الصهيونية ترى أن التداخل الديموغرافي يُبطل التفوق التكنولوجي. فالكثافة السكانية الهائلة على تخوم الحدود تجعل من الصعب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتعيق استخدام القوة النيرانية الكثيفة دون قيود.

وتطبق دولة الكيان هذه الأداة عبر الهندسة الديموغرافية القسرية، فمن خلال تدمير البنية التحتية في الشريط الحدودي، فإنها تمسح هذا الحيز من الخريطة الديموغرافية لغزة (تهجير دائم لسكان الأطراف نحو الوسط والجنوب).

وهذا يضمن للصهاينة أن المنطقة العازلة خالية تماماً من أي كتلة بشرية، مما يسمح بتطبيق قواعد اشتباك فضفاضة؛ حيث يُعتبر أي جسم متحرك داخل هذا الحيز الديموغرافي المُفرّغ هدفاً عسكرياً مشروعاً تلقائياً.

4. أداة تحليل خطوط الإمداد ونقاط الاختناق


فالرؤية الصهيونية لهذه الأداة، موجهة نحو جماعات المقاومة العسكرية، فالكيان يرى ان بقاء تلك التشكيلات المسلحة يعتمد على مرونة الحركة، ونقل السلاح، والقدرة على المناورة بين مناطق القطاع المختلفة، وتلقي الإمداد من الخارج.

لذلك لا يقتصر جيش الاحتلال في المناطق العازلة التي يوجدها على الأطراف، بل تُطبق هذه الأداة لصنع مناطق عازلة داخلية.

ولعل إنشاءه محور نتساريم يصب في هذا الاتجاه، فقد تم شقه كمنطقة عازلة تقطع غزة عرضياً لفصل الشمال عن الجنوب، وهو يمثل سيطرة على نقطة اختناق تمنع حركة المقاتلين والإمدادات، وتحرمهم من إعادة التموضع.

ونفس الحال ينطبق على محور فيلادلفيا، فهو بمثابة منطقة عازلة أمنية تُطبق لخنق خط الإمداد الاستراتيجي الوحيد (الأنفاق الحدودية مع مصر)، بهدف تجفيف منابع التسليح جذرياً.

5. أداة تقنيات الاستشعار المكاني

حيث ترى الحاجة الصهيونية لها في حل إشكالية في أن التواجد البشري (الجنود) بشكل دائم وثابت داخل هذه المناطق العازلة يجعلهم أهدافاً سهلة في حرب استنزاف.

لذلك فإن المنطقة العازلة بهذه الأداة، تساهم في تجريف الأرض وتفريغها ديموغرافياً، وباستخدام نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات الاستشعار لإدارة هذه المساحة الميتة بتكلفة بشرية أقل. يتم زرع مجسات زلزالية تحت الأرض (لرصد أي محاولة لحفر أنفاق جديدة تخترق المنطقة العازلة)، وتغطية المجال الجوي بطائرات استطلاع مسيرة، وربط هذه المساحات المكانية بمنظومات إطلاق نار آلية.

فالأداة هنا تشرح كيف تحولت المنطقة العازلة من مجرد أرض محروقة إلى حقل رصد مكاني متكامل يُدار عن بُعد.

ولكن ما هو مستقبل المناطق العازلة الصهيونية في طورها الجديد؟.


مستقبل المناطق العازلة

باستشراف المستقبل، نجد أن الاعتماد المفرط على الحلول المكانية (كالمناطق العازلة) هو في الحقيقة اعتراف بالفشل الاستراتيجي، ويسرع الانهيار للأسباب التالية:

​أولا، استنزاف الجيش الصغير في مهمة كبيرة.


فالمنطقة العازلة ليست مجرد أرض خالية؛ هي مساحة تحتاج لحماية، مراقبة، واشتباك مستمر. في ظل أزمة القوى البشرية (الاحتياط) التي يعاني منها الجيش الصهيوني، حينها يتحول الحزام الأمني إلى مستنقع يستنزف الوحدات القتالية، مما يضعف كفاءة الجيش في مواجهة جبهات أخرى أكثر خطورة، وهذا ما حذر منه اللواء الصهيوني اسحاق بريك.

​ثانيا، التكلفة الاقتصادية والنزيف الصامت

​فالكيان يعيش حالة اقتصاد حرب مستدامة. وتكلفة صيانة مناطق عازلة تكنولوجية وعسكرية هائلة، وفي ظل تراجع التصنيف الائتماني وهروب الاستثمارات، حينها تصبح هذه المناطق عبئاً مالياً، يسرع من التآكل الاقتصادي الداخلي، وهو أحد أهم ركائز نظرية الانهيار من الداخل.

ثالثا، تعميق العزلة الدولية


فالمناطق العازلة تُصنف دولياً كاحتلال فعلي، وتغيير ديموغرافي قسري.

وهذا المسار يضع الكيان في صدام دائم مع القانون الدولي والمؤسسات الأممية، مما يسرع من تحولها إلى دولة منبوذة، وهو ما يراه بعض المفكرين الصهاينة النهاية الفعلية للمشروع الصهيوني في شكله الحالي.

الخلاصة

استراتيجية المناطق العازلة لن تحول دون وقف منحنى انحدار دولة بني صهيون نحو نهايتها المحتومة، ولكن هذه النهاية مشروطة أيضا بضرورة استيقاظ أهل الحق، والنهوض بمشروعهم العالمي كخير أمة أخرجت للناس.

الاثنين، 27 أبريل 2026

رؤية غير قانونية لاعتقال تلميذ سفاح الشام الآبق

رؤية غير قانونية لاعتقال تلميذ سفاح الشام الآبق
جهد العلماء وقيم الثورة ومؤسسة الدولة عماد حراسة الدين وبناء الأوطان


مكّن الله المجاهدين والثوار من إلقاء القبض على أحد المجرمين من قتلة الموحدين في الشام، وهو ممن اشتهر بعداوته للدين وعدوانه على المسلمين، قتلاً وحرقاً واستباحة للأعراض، وهو المجرم أمجد يوسف، تلميذ فادي صخر أحد عبيد بشار الأسد.

ركيزة العلم والعلماء في مسار البناء والإصلاح والتغيير

رغم حجم الألم الذي يعتري أهالي الشهداء والضحايا من السوريين والفلسطينيين أبناء الشام المبارك، الذين قُتلوا على أيدي مجرمي النظام الأسدي، فإن لحظة اعتقال هذا المجرم شكّلت نموذجاً دالاً على تحولات نوعية في سلوك قوى الثورة. 

فقد عبّرت هذه الواقعة عن منظومة قيمية وأخلاقية مختلفة، أسهمت في إعادة تشكيل صورة الثورة في العصر الحديث، من خلال التزامها بضوابط أخلاقية وإنسانية واضحة. 

ويُعزى ذلك، بدرجة كبيرة، إلى أثر جهد العلماء والدعاة الذين عملوا خلال سنوات الثورة على ترسيخ معاني الشريعة وقيمها في الوعي الجمعي، مما أفضى إلى نشوء جيل جديد يختلف في تكوينه وسلوكه عن كثير من تجارب الثورات المعاصرة.

أرض الشام نموذج التسامح والتعايش قديما وحديثا

لقد تمكّن رجال الدولة وأبناء الثورة من القبض على الجاني دون أن ينجرّوا إلى أنماط الانتقام الجماعي؛ فلم تُحرق البيوت، ولم تُنتهك الحرمات، ولم تُمارس أشكال التنكيل التي كانت سمة بارزة في ممارسات النظام السابق لعقود طويلة. 

وهذا السلوك يكتسب دلالته من كونه جاء في سياق مشحون بالآلام والذكريات الدامية، حيث كان من الممكن – من الناحية النفسية والاجتماعية – أن تنزلق الأوضاع نحو ردود فعل انتقامية واسعة، على غرار ما قامت به العصابة الأسدية -التي كانت تختطف سورية برعاية غربية صهيونية- في أحداث مدينة حماة عام 1982. إلا أن واقعة القبض على المجرم بن غفير سموتريتش السوري أظهر انضباطاً ملحوظاً، حيث بقيت الممتلكات والأرواح في مأمن، ولم يُؤخذ الأبرياء بجريرة فعل الفرد، بل إن حجم الأمان الذي شعرت به أم القاتل وأخوات المجرم حين اقتحام قوات الأمن للدولة السورية الجديدة كبير وكبير جدا، وهو غير مشهود لا في الشرق ولا في الغرب.

شرعة الإسلام وأحكامه صمام الأمان للأخلاق الإنسانية

إن هذا النموذج يسلط الضوء على أهمية البعد الأخلاقي في إدارة الصراعات والتحولات السياسية. فالسلوك المنضبط الذي ظهر بعد امتلاك الثوار الأحرار والدعاة الأبرار للقوة والسلطة يعكس انتقالاً من منطق رد الفعل إلى منطق البناء المسؤول، ويؤكد أن ترسيخ القيم يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في توجيه مسارات التغيير وضمانة مبرى لنجاح التجربة، كما يدل على أن الاستثمار في التربية الفكرية والدعوية ليس أمراً هامشياً، بل هو ركيزة أساسية في تشكيل المخرجات السلوكية للمجتمعات في لحظات التحول الكبرى، وهنا يبرز فضل العلماء الرساليين وأهمية جهود الدعاة على الثغور وفي الميادين.

ثلاثية البناء: الدولة، والعلم، والمجتمع

يمكن النظر إلى عملية النهوض الحضاري بوصفها نتاج تفاعل بين ثلاثة عناصر رئيسة: الدولة، العلم والعلماء، والمجتمع. فإذا كانت الدولة تمثل الآلية المؤسسية اللازمة لتنفيذ السياسات وتحقيق الاستقرار، فإن العلم والعلماء يشكلون الإطار المرجعي الذي يضبط الاتجاه ويقوّم وينقي المسار بلا توقف وباستمرار.

وعليه، فإن تعزيز مؤسسات الدولة وتماسكها يظل ضرورة لا غنى عنها، إلا أن حصر الإنجاز في البعد المؤسسي وحده يُعد اختزالاً قاصراً غير مدرك لمرتكزات الخيرية. فاستقامة المسار واستدامة البناء ترتبطان، في جوهرهما، بمدى حضور العلم وتأثير العلماء في توجيه الوعي العام وصياغة القيم. ومن هنا، تبرز مسؤولية النخب الفكرية والعلمية في بيان هذه الحقيقة، والعمل على ربط النجاحات الميدانية بالأسس الشرعية والقيمية التي أنتجتها.

إن العلاقة المتوازنة بين هذه العناصر الثلاثة تضمن بقاء الدولة في إطارها الطبيعي كأداة لخدمة الإنسان، لا كسلطة متغولة عليه. كما أن إغفال أي من هذه الأضلاع يؤدي إلى اختلال في البنية العامة لعملية التغيير.

خاتمة

يمكن القول إن التجربة الإسلامية الواعدة في أرض الشام المباركة تكشف عن أهمية التكامل بين البعد الشرعي القيمي والبعد المؤسسي في مراحل التحول. فنجاح أي مشروع نهضوي لا يتحقق بالقوة المادية وحدها، بل يحتاج إلى قواعد شرعية معرفية قانونية وأخلاقية راسخة تسند هذه القوة وتوجهها. 

ومن ثم، فإن دور العلماء والدعاة، إلى جانب الفاعلين في مؤسسات الدولة، يظل محورياً في صناعة مسار متوازن يحقق الاستقرار ويحفظ كرامة الإنسان.

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 25/4/2026