السبت، 29 أغسطس 2026

قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

 قل "أنا" يا هَجَري ولا تقل "نحن"..

فراس السقال


بعد صلح الحديبية دخلت خزاعة في عهد رسول الله، ودخل بنو بكر في حلف قريش، فصار أمن الحليف جزءاً من حرمة العهد. لكن بني بكر أغاروا على خزاعة ليلاً، وأعانت قريش حلفاءها، فسقط العهد وتغيّر ما بعده. وحين يتكرر الغدر تأتي لحظةٌ لا يعود فيها الصبر فضيلةً إذا تحول إلى تشجيع للغادر.


تذكرت هذه الحادثة وأنا أستمع إلى حكمت الهجري، لا تشبيهاً للأشخاص بأشخاص السيرة، بل لأن السؤال يتكرر: كم مرةً يمكن أن يُمد حبل التفاهم قبل أن يقطعه الطرف الآخر بيده؟

قال الهجري: "إن الدروز جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، وإنهم مشتركون معها في "العقيدة والفكر". لكن أخطر كلمة في كلامه ليست "إسرائيل"، بل "نحن".

من تقصد بنحن يا شيخ؟ إن كنت تقصد نفسك فقل أنا، وإن كنت تقصد جماعتك فسمّها. أما أن تضع جبل العرب كله في جيبك، ثم تقرر باسم أهله هويتهم وعقيدتهم ومصيرهم، فهنا تصبح المسألة أكبر من تصريح سياسي.

عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟

ولعل أبلغ رد جاءه من الدروز أنفسهم. فمن السويداء وجرمانا ولبنان وفلسطين المحتلة خرجت أصوات ترفض أن يتحدث الهجري باسمها. أهالي جرمانا أعلنوا أن وجهتهم دمشق، ومشيخة العقل في لبنان رفضت وضع الدروز في "شراكة مصطنعة" مع إسرائيل، ومن داخل فلسطين المحتلة وُصف حديثه عن "العقيدة المشتركة" بأنه محض ترهات.

وهكذا وجد الهجري نفسه أمام مفارقة قاسية: كلما وسّع كلمة "نحن"، خرجت أصوات من "نحن" نفسها لتقول له: "لا تتحدث باسمنا".

ومن جبل العرب خرج سلطان باشا الأطرش، ومنه انطلقت الثورة السورية الكبرى عام 1925. لم تكن ثورةً من أجل كانتون درزي، بل من أجل سوريا. فكيف يراد لهذا الجبل بعد قرن أن يبحث عن مستقبله عند دولة تحتل الجولان السوري والأرض الفلسطينية؟

وعلى مدى عقود، ولا سيما منذ 2011، ذاق السوريون القتل والاعتقال والتغييب والتهجير، وضُربوا بمختلف صنوف السلاح حتى الكيماوي، وتشرد الملايين داخل البلاد وخارجها. ومع كل هذا الوجع، لم يتحول طلب الخلاص من الاستبداد إلى دعوة لاقتطاع جزءٍ من سوريا وإلحاقه بإسرائيل. فما الذي تغيّر عند الهجري اليوم حتى رأى في المحتل خلاصاً لم يره السوريون فيه وهم في أشد ساعات محنتهم؟

وفي السياسة كما في غيرها، القيادة ليست لقباً ولا مقاماً، بل أمانة. وقد قال النبي ﷺ: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة."والمشكلة تبدأ حين يصبح مصير مجتمع كامل رهناً برأي رجل يصر على الحديث باسمه، بينما أصوات من ذلك المجتمع نفسه تقول له: "أنت لا تمثلنا".

وهنا سؤال لا يمكن القفز فوقه. عقودٌ من حكم الأسدَين، بكل ما حملته من استبداد وقمع ودماء، لم نسمع خلالها الهجري يعلن بهذه الصراحة أن الدروز جزء من إسرائيل وأنهم مشتركون معها في العقيدة. فلماذا الآن؟ وما الذي تغير حتى أصبحت إسرائيل ضامناً وممراً إلى "الاستقلال"؟ وهل لتوقيت التصعيد علاقة بسقوط رهانات أخرى؟ فمع حل "قسد" واندماجها في الدولة، وجد من راهن على تشظي سوريا واحداً من أكبر ملفاتها يُغلق بالتسوية. فهل ما نسمعه اليوم هو الرجفة الأخيرة لمشروع يرى أوراقه تتساقط، فلم يجد صاحبه سوى إسرائيل حبلاً أخيراً يتعلق به؟

ثم لنفترض أن الانفصال تحقق غداً. ماذا بعد؟ السويداء محافظة داخلية بلا بحر ولا ميناء، وإمكاناتها الاقتصادية محدودة، وترتبط ببقية سوريا بالطاقة والأسواق والنقل والخدمات. الدول لا تُبنى براية وخطاب حماسي، بل باقتصاد ومؤسسات وموارد وعمق جغرافي. وقبل السؤال متى ننفصل، هناك سؤال أبسط: على ماذا ننفصل، وبماذا نعيش؟ وأي استقلال هذا الذي يخرج من دمشق ليضع مصيره عند إسرائيل؟

أما في الداخل، فالصورة لا تشبه كثيراً وعود "الاستقلال"، وسط انقسام وفوضى وانتشار للسلاح والجريمة، وفي مناطق نفوذ فصائل مرتبطة بالهجري برز ملف المخدرات بصورةٍ خطيرة، حتى استهدف الطيران الأردني مواقع ومستودعات مرتبطة بتصنيعها وتهريبها. وتلاحق بعض فصائل "الحرس الوطني" اتهامات بالتورط في شبكات التهريب. فأي دولةٍ يراد بناؤها إذا كانت البيئة التي يفترض أن تكون نواتها تعاني أصلاً من اقتصاد السلاح والفوضى والمخدرات؟

وفي المقابل، لم تكتفِ دمشق بخطوةٍ أو خطوتين، بل أبقت أبواب الحل السياسي والدبلوماسي مفتوحةً، وقدمت التطمينات والمبادرات، ودخل الأردن على خط الوساطات بحثاً عن تسوية توقف التصعيد، لكن العناد ورفض التسويات ظلا عقبةً أمام الوصول إلى حل.

وحتى حين وصل الأمر إلى مستقبل الطلاب، لم تجعل الدولة أبناء السويداء رهائن للخلاف، بل منحتهم دورةً امتحانيةً استثنائيةً وجهزت المراكز لهم. فإذا كانت أبواب السياسة والوساطة والتسوية ما تزال مفتوحةً، فلماذا الإصرار على البحث عن الحل عند إسرائيل؟

حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

ثم يبقى السؤال الديني والفكري الذي فتحه الهجري بنفسه. حين يقول إن الدروز مشتركون مع إسرائيل في "العقيدة والفكر"، فأي عقيدة يقصد تحديداً؟ وكيف ينسجم هذا الكلام مع الهوية التي عرّف بها الموحدون أنفسهم تاريخياً، والتي خرجت أصوات درزية دينية وفكرية للدفاع عنها ورفض كلامه؟

وهنا يحضر البيت القديم:

وإن سفاه الشيخ لا حلم بعدهُ    وإن الفتى بعد السفاهة يحلمُ

فالمشكلة ليست في رأي شخصي يملكه صاحبه، بل في أن يصدر هذا الرأي عمن يريد لجماعةٍ كاملة أن تحمل تبعاته. المعارضة حق، وانتقاد الأخطاء حق، والمطالبة بحقوق السويداء وأمنها حق. أما الاستقواء بإسرائيل ومشروع الانفصال فشيء آخر تماماً.

وقد يبقى باب العفو والتسوية مفتوحاً إن تراجع الهجري وعاد إلى مظلة الوطن، فالدولة لا تحتاج إلى خصومة دائمة مع أحد، لكن التساهل مع مشروع انفصال يستقوي بإسرائيل بات أمراً مختلفاً بعد تصريحاته الأخيرة.

قد تبقي دمشق شعرة معاوية ممدودةً، لكن السؤال هو: هل أبقى الهجري في يده طرفاً منها، أم قطعها بنفسه؟ ولعل تصريحه الأخير كان بالفعل الشعرة التي قصمت ظهر البعير.

ولهذا لا يحتاج الرد إلى شتيمة، بل إلى جملة واحدة: قل أنا يا حكمت الهجري ولا تقل نحن.. قل أنا أريد إسرائيل. أنا أراها ضامناً. أنا أريد الانفصال. وأنا أتحمل نتيجة خياري.

لكن لا تقل إن الدروز يريدون، ولا تقل إن جبل العرب يريد. فجبل العرب أكبر من الهجري ومن توجهاته ومشروعه وفكره الأعوج، وتاريخه الوطني أكبر من أن يختزله رجل أو تبدده مغامرةٌ سياسية. وسيبقى جبل العرب جزءاً لا يتجزأ من سوريا، لا تفصله عنها رغبة شيخ، ولا أوهام كانتون، ولا وعود إسرائيل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق