الجمعة، 26 أغسطس 2016

إغراق مصر بالقروض لذبحها بالإفلاس

إغراق مصر بالقروض لذبحها بالإفلاس


عامر عبد المنعم


وسط حالة التخبط في إدارة الاقتصاد المصري لجأت الحكومة في العامين الأخيرين إلى سياسة الاقتراض، وفتحت الباب أمام غزو جديد سيصل لا محالة إلى إعلان الإفلاس، ووضع البلد تحت الرقابة الدولية، على نحو مشابه لما جرى مع الخديوي إسماعيل. ومن جهتها، تتساهل الدول الكبرى في تقديم القروض وتتنافس لتتقاسم الحصص في صندوق الدين الذي سيشكله الدائنون لمصادرة ما بقي من مقدرات ومرافق وفاء للمليارات التي يدفعونها.


الغريب أن المسئولين المصريين يتحدثون في الآونة الأخيرة عن إعلان إفلاس الدولة المصرية وكأنه حل سحري لحالة التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وكأنهم يمهدون للاقتراب من نقطة الصفر التي يعلنون فيها القرار ويهيئون الرأي العام لتقبله، وهذا نوع من الخداع الذي يؤكد دورهم في مساندة المخطط الخارجي لتركيع مصر؛ إذ أن إشهار إفلاس الدولة يعني تسليم البلد للوصاية الدولية، وتمكين الدول الدائنة من حكم مصر والنهب بإرادة دولية، وتكرار تجربة القروض التي انتهت بالاحتلال الانجليزي الذي نعاني منه حتى هذه اللحظة.

إشهار إفلاس مصر كان هدفا استعماريا، ولخطورته نشأت الحركة الوطنية في أواخر عهد إسماعيل لمنع حدوثه، وكان بداية الحراك الوطني ضد التدخل الأجنبي، وكان أهم مطالب قادة الشعب المصري عدم الاعتراف بتقرير لجنة التحقيق الأوربية التي يقودها الانجليز والفرنسيين الذي أوصى بإعلان إفلاس مصر، وانضم الخديوي إسماعيل لزعماء الحركة الوطنية، وأيد مطالبهم في إقالة الحكومة المختلطة التي يديرها وزيران أجنبيان يمثلان الدائنين. 

بعد أن سلبه الأجانب كل شيء انضم إسماعيل مضطرا للحركة الوطنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتشكيل وزارة وطنية بدون وزراء أوربيين تكون مسئولة أمام مجلس نواب جديد تدخل الإنجليز والفرنسيين وعزلوه، وأتوا بابنه توفيق الموالي لهم لحكم مصر، لقطع الطريق على حركة الشعب المصري؛ لكن واصل المصريون نضالهم وظهرت الحركة العرابية التي أطاحت بالحكومة الموالية للاحتلال وأجبرت توفيق على انتخاب المجلس النيابي؛ إلا أن الإنجليز كانوا قد قرروا احتلال البلاد بشكل مباشر بعد أن تغلغلوا في كل مفاصل الدولة عام 1882، فجاء الجيش الإنجليزي وهزم الجيش المصري وأخمد الثورة العرابية بالقوة المسلحة.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فالحكم في مصر المدعوم غربيا غير مستقر وليس له مستقبل، وهذا ما يجعل الدول الغربية تستخدم كل الأوراق للسيطرة والتحكم في عجلة التغيير السياسي لعدم حدوث أي تغير غير محسوب ولمنع ظهور نظام حكم وطني يعيد إحياء الحلم المصري.

ولأن التاريخ يعيد نفسه فمن المهم الرجوع إلى كارثة إغراق مصر بالقروض، وهي مدونة بكل تفاصيلها في كتب التاريخ، أهمها ما كتبه المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي في كتابيه "عصر إسماعيل" و"الثورة العرابية والاحتلال الانجليزي"، ولا أضيف جديدا عندما أقول إن قراءة التاريخ مهمة لأنها تفيد في فهم الواقع، فالتجارب متكررة، والمكر المعادي كما هو، والأطماع القديمة في مصر وأمتنا ما زالت هي التي تحرك دول الغرب.

صندوق الدين
أغرقت الدول الأوربية مصر بالديون وقدمت للخديوي القروض لينفقها في حياة البذخ وبناء القصور، وتسابقت البنوك الأجنبية وبيوت المال، وفي مقدمتها عائلة روتشيلد لتقديم الملايين للوصول إلى النقطة التي يعجز فيها الحكم المصري عن السداد.

كان إسماعيل يأخذ القروض تلو القروض دون حاجة إليها، ومن غير أن يفكر في طريقة إيفائها أو إيفاء فوائدها، حتى ابتلعت هذه الفوائد معظم موارد الميزانية، ثم عجز عن الوفاء ووقعت الحكومة في الإعسار، فوقعت مصر كالفريسة وسط الدائنين. 

وبناء على مطالب الدول الدائنة تم تأسيس صندوق الدين في 2 مايو/أيار 1876 كأول هيئة أوربية تسطو على إيرادات الحكومة المصرية لصالح الدائنين، وتقرر أن تصب إيرادات الدولة في الصندوق مباشرة دون المرور على وزارة المالية، وخصص المرسوم لصالح الصندوق إيرادات مديريات الغربية والمنوفية والبحيرة وأسيوط وعوايد الدخل في القاهرة والإسكندرية، وحصيلة جمارك الإسكندرية والسويس وبورسعيد ورشيد ودمياط والعريش وتم ضم إيراد السكك الحديدية ورسوم الدخان وضريبة الملح ومصايد المطرية ورسوم الكباري وعوائد الملاحة في النيل وإيراد كوبري قصر النيل وإيراد الدائرة السنية أي ان الصندوق استولى على معظم موارد الخزانة المصرية.

الرقابة الثنائية
لم تكتف انجلترا وفرنسا بصندوق الدين فهدفهما كان السيطرة على مجمل النظام المالي، فأجبرتا الخديوي على فرض الرقابة الثنائية على المالية المصرية وأن يتولاها رقيبان بوظيفة مفتشين عموميين أحدهما إنجليزي والآخر فرنسي، وبمقتضى المرسوم الصادر في 18 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1876، تم تعيين المستر رومين مراقبا إنجليزيا على الإيرادات والبارون دي مالاريه مراقبا فرنسيا على المصروفات، ولما تألفت وزارة نوبار باشا الأولى في 28 أغسطس/آب 1878 وفيها وزيران أوربيان وقف العمل مؤقتا بنظام الرقابة الثنائية اكتفاء بالوزيرين الأوربيين.

لجنة التحقيق الأوربية
ولإحكام السيطرة وتوسيع نطاق الرقابة الأوربية اتفق الرقيبان وأعضاء صندوق الدين على تشكيل لجنة تحقيق أوربية لفحص شؤون الحكومة المالية، ولبحث موضوع العجز في أبواب الإيرادات وأسبابه، وأوجه النقص في القوانين واللوائح الخاصة بالضرائب ووسائل إصلاحها، وتحقيق موارد الميزانية، وأعطاهم المرسوم الذي صدر في 27 يناير/كانون الثاني 1878 الحق في الاتصال بجميع المصالح والدواوين وسماع من ترى لسماعه لجمع البيانات التي تطلبها. وصدر مرسوم آخر في 30 مارس/آذار 1878 بتعميم اختصاص اللجنة وجعله شاملا حالة الحكومة المالية بجميع عناصرها.

الوزارة المختلطة
طلبت لجنة التحقيق الأوربية تغيير نظام الرقابة الثنائية بتشكيل وزارة مختلطة بداخلها وزيران أوربيان أحدهما إنجليزي للمالية، والثاني فرنسي لوزارة الأشغال العامة، وتم تعيين السير ريفرس ويلسن رئيس لجنة التحقيق الإنجليزي وزيرا للمالية والمسيو دي بلينيير العضو الفرنسي بصندوق الدين وبلجنة التحقيق وزيرا للأشغال، وطلب الإنجليز تعيين نوبار باشا الصديق المقرب للأوربيين رئيسا للوزارة.
أول ما فعلته هذه الوزارة الأوربية هو الاقتراض من روتشلد 8.5 ملايين من الجنيهات، لتسديد أقساط أخرى، ورهنت في مقابله أراضي من أملاك الأسرة الخديوية، وبدأت في زيادة الضرائب وتوسيع حملة الجباية، وكان الوزيران الأجنبيان هما اللذان يسيران الحكومة، وعينوا موظفين أجانب في كل الوزارات وطردوا الموظفين المصريين.
تمادى الوزيران الأجنبيان في طغيانهما، وكانت الخطوة التي دفعت الوزارة المختلطة ثمنها عندما بدؤوا في تخفيض عدد الجيش حيث قررت الوزارة تسريح 2500 من الضباط بزعم ضغط النفقات، فقام الضباط بثورة على نوبار باشا فتمت إقالته لامتصاص الغضب، ووجدها إسماعيل فرصة لتعيين ابنه توفيق رئيسا للوزارة ، فوافق الإنجليز والفرنسيون على القرار بشرط منح الوزيرين الأوربيين حق الفيتو داخل الوزارة.

إعلان الإفلاس
سعت لجنة التحقيق الأوربية للخطوة الأخيرة والأهم، لفرض السيطرة الكاملة سياسيا واقتصاديا، وهي الإعلان رسميا عن إفلاس مصر، لوضع الدولة المصرية تحت الرقابة الأوربية الكاملة، ولكن شاء الله أن يكون هذا التوجه هو الشرارة التي أشعلت الحركة الوطنية وتسببت في تحرك طيف واسع من قادة الرأي والنخبة المصرية للوقوف ضد إشهار الإفلاس والتصدي للجنة التحقيق الأوربية.
تداعى قادة الرأي من النواب والعلماء والتجار وأكثروا من الاجتماعات، يتشاورون في إنقاذ البلاد من الهاوية التي تردت فيها، واجتمع الأحرار في دار السيد البكري نقيب الأشراف، ثم في منزل إسماعيل راغب باشا وزير المالية السابق ورئيس مجلس شورى النواب في أول نشأته وعقدوا بداره جمعية وطنية تضم صفوة كبراء البلاد وأصحاب الرأي فيها، واتفقوا على ما أسموها "اللائحة الوطنية" وخلاصتها أن البلاد ليست في حالة إفلاس وأنها تستطيع القيام بتعهداتها المالية، وطالبوا بوزارة وطنية مسئولة أمام مجلس نيابي ينتخب على نظام جديد.
وقع على هذه اللائحة الوطنية أعضاء مجلس شورى النواب الذي تم تجميده من الوزارة المختلطة، وستون من العلماء والهيئات الدينية و42 من الأعيان والتجار و72 من الموظفين العاملين والمتقاعدين و93 من الضباط.
استدعى الخديوي ممثلي الدول الأوربية في حضور الشيخ البكري وممثلي الحركة الوطنية وعرض على القناصل ملخص اللائحة الوطنية، ولكن الوزيرين الأوربيين رفضا اللائحة الوطنية وأرسلا الاحتجاج للخديوي؛ ولكن إسماعيل قد قرر السير في طريق المواجهة للنهاية وأعلن في ذات اليوم بالاتفاق مع زعماء الشعب، تكليف شريف باشا لتشكيل الوزارة بدون الوزيرين الأوربيين، والبدء في انتخاب مجلس النواب.
وسط هذه التطورات أتمت لجنة التحقيق الأوربية تقريرها الثاني وأعلنت فيه أن مصر في حالة إفلاس، وأنه يجب معالجة حالتها المالية على هذا الأساس، لكن التقرير لم يقدم إلى الوزارة لاستقالتها واشتغال شريف باشا بتأليف الوزارة الجديدة فقدم أعضاء لجنة التحقيق استقالة جماعية احتجاجا على تأليف الوزارة الوطنية قائلين في احتجاجهم إن الإصلاحات المالية لا ينتظر إنفاذها إلا على يد وزارة يتمثل فيها العنصر الأوربي!
واصل إسماعيل مساندة الحركة الوطنية حتى انتخبوا مجلس النواب الجديد وبدأ الأعضاء يناقشون الدستور وهنا تحركت انجلترا وفرنسا وعزلت الخديوي من خلال فرمان من السلطنة العثمانية التي كانت هي الأخرى خاضعة لنفوذ الدول الأوربية فتم تولية توفيق الذي أصبح لعبة في يد الأجانب فتواصلت الحركة الوطنية بقيادة عرابي ولكن ضعف الجيش ووقوف الخديوي الجدي ضد عرابي أجهض الثورة العرابية.

بمقارنة بين ما حدث مع إسماعيل وما يجري الآن نجد عناصر التشابه كثيرة، أهمها النزعة الفردية وغياب المؤسسات؛ وتوجه الحكم الحالي القائم على تبديد الأرصدة، وبيع كل شيء، كما أن القائمين على الاقتصاد المصري حاليا معظمهم من الموظفين السابقين في المؤسسات الدولية، ومن المرتبطين بعلاقات وظيفية بالاستثمار الأجنبي، أي أنهم يمثلون إرادات خارجية، يعملون لتنفيذ برامج لصالح الخارج محورها تفكيك القدرة الاقتصادية للدولة بما يعرف بالخصخصة وبيع الأصول ثم بفتح الأبواب أمام الاقتراض من الخارج، وهؤلاء الموظفون يقومون بالدور الذي كان يقوم به مستشارو الخديوي من الأجانب.

المكر المعادي يعمل بكل قوة للوصول إلى "إعلان إفلاس مصر" لتسليم البلد للدول الدائنة ووضعها تحت الرقابة الأجنبية لمنع خروجها من القبضة الغربية واستعادة قوتها؛ فمصر ليست كأي دولة، إنها قائدة أمتها رغم القيود التي تكبلها، وإن تحررت تحررت الأمة وتغير شكل العالم، لهذا فإن التدمير الاقتصادي لمصر، الذي يجري الآن، أخطر من التدمير السياسي، فلا يمكن لأمة أن تتحرر سياسيا وهي محتلة اقتصاديا.

أنت قبيلي أو هبيلي؟

أنت قبيلي أو هبيلي؟



الجمعة 23 ذو القعدة 1437 الموافق 26 أغسطس 2016





لم يرد في القرآن والسنة ذكر لهذين الاسمين (هابيل وقابيل)، ولكنهما متداولان على نطاق واسع في كتب التاريخ والتفسير، وموجودان في الروايات الإسرائيلية وكتب أهل الكتاب.

والمهم أصل القصة وعبرتها، ولا يضر اعتماد هذين الاسمين لشهرتهما، ولا يحتاج ذلك إلى أسانيد قوية، خاصة وقد ورد هذا عن ابن عباس وعبد الله ابن عمرو وغيرهما.

وفي القرآن سرد القصة في خمس آيات من سورة المائدة، وجاء السياق متصلاً بقصص أهل الكتاب مما جعل بعضهم يظن أن القصة وقعت في بني إسرائيل، والحق أنها كانت لولدين مباشرين من أبناء آدم، ولذلك جاء في الصحيحين:
(لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا, إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا, لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ) (أخرجه البخاري ومسلم).

إذاً فهي أول جريمة قتل تقع في الأرض بعد خلافة آدم.
معظم الروايات تتحدث عن خلاف على الزواج من البنت الأجمل، وهذا معنى ظل ساري المفعول في بني آدم كما قال ابن السمّاك : (لولا ثلاث لم يقع حيف ولم يرفع سيف: وجه أصبح من وجه، وسلك أنعم من سلك، ولقمة أسوغ من لقمة).

فالصراع على الجمال والثياب والطعام؛ سر كثير من الحروب التي يوظّف فيها من لا يدرك مغزاها.

والقرآن لم يعنَ بتفصيل ذلك؛ لأن المقصد هو العبرة بتعظيم الدم وحرمته وحفظ حقوق (الأخوة الإنسانية الآدمية) القائمة بين البشر كلهم، إلا ما يقتضيه العدل وتأذن به الشريعة.

كما لم يعنَ القرآن بتفصيل القربان، وكان هابيل صاحب غنم فقرَّب أفضل ما لديه بطيب نفس، وقابيل صاحب زرع فقرَّب شر ما لديه وبغير طيب نفس.

أما التَّقبُّل، ويعني قبول الله للقربان فورد مايدل على أن علامته أن تأتي نار من السماء فتحرقه، وجاء في القرآن قول اليهود: {الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} (183:آل عمران).

وفي صحيح مسلم في قصة "يوشع بن نون": أنهم جمعوا الغنائم فأقبلت النار فلم تأكلها، فأعادوا إليها الذهب المغلول فأقبلت النار فأكلتها.


حسد قابيل لأخيه أنموذج مصغَّر لما وقع من الشيطان مع آدم، شعوره بأفضليته أثار غيرته، فطفق يهدده {لَأَقْتُلَنَّكَ} (27:المائدة)، وكان رد هابيل: إن الله الذي جلبنا إلى الأرض سيثأر لي إن قتلتني.

الهمُّ بالقتل يحدث، والتسامي عن الانتقام يحدث أيضاً، فهابيل كان الأقوى، ولكنه كان الأتقى، ولذا لم تُحدِّثه نفسه بأن يبادر بالقتل، ولا خطرت في باله فكرة: (تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك).

مبدأ هابيل كان سلمياً: {إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} (29:المائدة)، كان عارفاً بأن القتل نار وعار وظلم: {فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ} (29:المائدة).

كان حريصاً على حماية نفسه، حذراً من غدر أخيه، ولا يغني حذر من قدر، لقد وجده قابيل نائماً على سفح جبل فرماه بحجر فقتله..

وقع لقابيل بعض التردد والإحجام فهو يهم بجريمة لم يرها قط، ولكنه يدرك أنها يمكن أن تقع، وبمقدوره أن يفعلها، تهيَّبَ من ذلك ولكن نفسه الأمارة بالسوء (طَوَّعَت) له قتل أخيه.

التعبير بالأخوة تذكير بالمشترك الإنساني بين البشر من بني آدم، وتعظيم لحرمته وحقه، وتحذير فوري من التجاوز والعدوان عليه.

يسجل القرآن ندم قابيل بعد أن رأى أخاه جثة هامدة، وتعبير القرآن: {فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} (31:المائدة)؛ يدل على شدة الندم وتمكّنه، فهو أبلغ مما لو قال: فأصبح نادماً!

وهذا يشبه قول الله تعالى لآدم وحواء: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ} (35:البقرة).

ولعل هذا الندم لم يكن ناشئاً من خوف الآخرة ولا قصد به التوبة الصادقة ولذا لم ينفعه، والتوبة تنفع في الآخرة من كل ذنب حتى من الشرك والقتل فما دونهما.

عبَّر عن ندمه بقوله: {يَا وَيْلَتَا} (31:المائدة)، وهي إنما تقال عند الوقوع في هلاك أو تعاسة أو حسرة، وتذكَّر فوراً أن المقتول أخوه: {فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي} (31:المائدة).

الأخطاء مهما عظمت لا تلغي الأخوة، وفي سياق مشابه بشأن القصاص يقول تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} (178:البقرة).

الذنب مهما عظم لا يعني الكفر ولا يخرج صاحبه من الدائرة الواسعة.

تقديم قابيل للقربان دليل على وجود أصل الإيمان، ولا دليل على أنه كان منافقا.

جاء عمران بن طلحة بن عبيد الله إلى علي -رضي الله عنه- فرحَّب به علي وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك (يعني طلحة الذي حاربه) والزبير ممن قال فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (47:الحجر).

يمر القرآن على مشهد القتل سريعاً دون إبطاء ولا تفصيل ولا تطويل: {فَقَتَلَهُ} (30:المائدة)، فمن الجدير عدم التركيز في السرد على لحظة الضعف بتفصيل قد يفضي إلى المحاكاة أو الإغراء.
العبرة هي الخسارة الناجمة عن القتل: خسر أخاه، وأسرته، وإنسانيته، وسعادته، وآخرته، خسر تاريخه وصار مثالاً يُتلى إلى يوم القيامة، ونموذجاً يحتذى في الشر والقطيعة.

العلاقة بين الإخوة في الأسرة الواحدة ذكوراً وإناثاً يجب أن تكون قائمة على الحب والاحتضان، والانسجام والإيثار، والاحترام المتبادل والتفاهم، ومراعاة حق الوالدين، والعفو والتسامح في حال حدوث مشكلات وحلها بالصبر والحلم والتنازل وتجاوز الحظوظ النفسية، والتسامي عن الأنانية.

(حضن الوالدين) يسعنا جميعاً وليس علينا أن نكثر من الشكوى: أيّنا يعتنون به ويحبونه أكثر، مأدبة الطعام التي نتحلّق حولها، المنزل الذي احتفظ بذكريات الطفولة، الجينات، المعبر الذي سلكناه جميعاً (الرحم)، المصير..

حالات العصبية أو الحساسية أو التوتر يجب أن تعالج بـ{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (134:آل عمران).

العلاقة بين المتنافسين في الأجواء الصحية هي تسابق بالخيرات، وتنافس في الطاعات دون تباغض أو تحاسد أو استسلام لنزعات النفوس المريضة، فرص الحياة تسعنا جميعاً فلماذا نتدافع؟ لماذا نعتقد أن نجاحنا هو في تقويض نجاح الآخرين؟

قابيل وهابيل أنموذجان بشريان.. أيهما تحب أن تكون؟


























































































































































باسم عودة.. الرجل الذي أحبه المصريون

باسم عودة.. الرجل الذي أحبه المصريون

آيات عـرابي


حين تشاهد فيلما عربيا يمكنك من البداية التنبؤ بنهايته، وفي أحيان كثيرة يكون بمقدورك التنبؤ بالمشاهد وسير الأحداث.

ويتكرر هذا بشكل ممل منذ الانقلاب، حتى إن المشاهدين أصبحوا يتعاملون مع الأفلام العسكرية بنوع من اللا مبالاة، وقد انكشفت كل الأوراق على الطاولة، ولم يعد لدى هؤلاء جديد يقدمونه. 

ماكينات العرض العسكرية لا تكف عن العمل منذ انقلاب 1952، تبث مشاهد وهمية عبر صفحات الجرائد وشاشات القنوات على مدار اليوم، ولكن الماكينات نفسها أصيبت بالصدأ، ولم تعد قادرة على العمل كما ينبغي. 

تابعتُ ردود أفعال الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي عندما بدأت صحف الانقلاب في نشر فضائح وزير تموين الانقلاب، وأعني هنا شريحة الشباب. 
ومعظمها كانت ردود أفعال باهتة تعاملت مع الأمر بعدم اكتراث وتراخِ بدا واضحا، ويعني هذا نموا متزايدا في فهم عقلية العسكر وأدواتهم الإعلامية. 

كثيرون أدركوا منذ اللحظة الأولى أن نشر أخبار عن الفساد المالي لأحد وزراء الانقلاب ما هو إلا تمهيد لإقالته، وكثيرون أدركوا أن إقالة وزير تموين الانقلاب ما هو إلا محاولة من العسكر لإطفاء الغضب الشعبي المتصاعد مع قرض صندوق النقد الدولي، وزيادة أسعار الكهرباء، والتمهيد لرفع الدعم. 

الثورة أحدثت شرخا في الجدار الذي حال بيننا وبين الرؤية عقودا طويلة. فصار بمقدور الشعب أن يرى النفايات التي يحرص العسكر على إخفائها خلف شاشة العرض التي لا تتوقف. 

ربما انطلى مشهد أو اثنان على المشاهدين، لضخامة الإنتاج، كخدعة هشام جنينة وكخدعة حسان، وهما سلاحان استخدمها العسكر، ولم يصيبا هدفا، إلا لأن البعض في معسكر الثورة يصر على الانخداع وقلت وقتها أن هناك معيارا ثابتا لا يتغير في التعامل مع تلك الأفلام، الأمر شديد البساطة، فكل من قبل العمل مع العسكر الذين انقلبوا على أصوات ملايين الناخبين واختطفوا الرئيس الشرعي، ثم ارتكبوا كل تلك المجازر، وأراقوا كل تلك الدماء، شخص لا يتمتع بأدنى وازع من ضمير. 

ليس الأمر معقدا إلى هذا الحد، طبق هذه القاعدة وسيحميك هذا من ألاعيب مخابرات العسكر التي لا تتوقف. 

ربما تعلم الجميع الآن تلك الألاعيب، وهو ربما السبب الذي جعل الكثيرين يتعاملون دون اكتراث مع زفة إقالة وزير التموين الانقلابي، وينظرون بكثير من الشماتة لصوره ملتحيا قبل الانقلاب على الرئيس مرسي. 

فهو أحد أكثر الوجوه التي كرهها الشعب من بين وزراء الانقلاب، وأعترف هنا أنني اشعر ببغض شديد كلما شاهدت صوره، وأظن أن كثيرين يشاركونني المشاعر ذاتها، فوجهه يذكرني بالدكتور باسم عودة، يذكرني بصورته وهو يقف بين سنابل القمح وينظر في طيبة لا تخلو من تصميم إلى المساحة المزروعة على مدى البصر، يذكرني وجهه بالوزير الباسم الذي لم يكن يستنكف أن يقفز فوق عربات الأنابيب ليفحصها. 

أذكر فيديو للدكتور باسم عودة وإحدى المذيعات تحاوره بعد أن أذاعت تقريرا مكذوبا حاولت به أن تتحدث عن أزمة أنابيب مكذوبة، فرد عليها الرجل بالأرقام. 

الرجل الذي أحبه المصريون، واعتبره العلمانيون خطرا على مشروعاتهم، واشترط البرادعي إقالته، الرجل الذي ائتمنه الرئيس مرسي على طعام المصريين يقبع الآن أسيرا محروما من أسرته، لا لشيء، إلا لأنه رفض المشاركة في وزارة انقلابية.

أعلم أن الكثيرين الآن حتى ممن هللوا للانقلاب يفتقدون دكتور باسم عودة، ويدركون أي كارثة تسببوا فيها حين يقرأون أن وزير تموين الانقلاب انفق 7 ملايين جنيه على عدة ليال في فندق. 

وأزعم أن كثيرين منهم يتذكرون دكتور باسم عودة وجولاته في أفران الخبز، ويدركون أنهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

الرئيس مرسي.. مُعيقُ الالتفاف ومُفَرِّق الاصطفاف


الرئيس مرسي.. مُعيقُ الالتفاف ومُفَرِّق الاصطفاف



مصطفى البدري


لا يخالف أحد حاليا من أبناء يناير أن عملية الالتفاف على ثورتهم قد بدأت يوم 11 شباط/ فبراير 2011، حيث كان قرار تنحي مبارك فرصة لتهدئة الشارع الثائر، خوفا من تحول الحراك الشعبي إلى ثورة شاملة على كل أركان النظام الفاسد (ومنه الجيش).

ورغم إقرار الجميع بخطأ قرار العودة إلى البيوت بعد إعلان التنحي، إلا أنه كان من الصعب استمرار الحراك بالقوة نفسها التي وصل إليها يوم 11 شباط/ فبراير.

وبدأ المجلس العسكري منذ هذه اللحظة محاولات متكررة لإجهاض الثورة والعودة بها إلى الوراء، ولولا فضل الله - عز وجل - ثم يقظة رجل مثل حازم أبو إسماعيل وغيره لكتبنا نهاية ثورة يناير في العام نفسه الذي وُلِدَت فيه.

وشاء الله سبحانه أن تكون المدافعة الجماهيرية عن الثورة قوية لدرجة أجبرت الجيش على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حُرّة لأول مرة في تاريخ مصر.

ورغم الأموال الضخمة التي تم إنفاقها، والقنوات الكثيرة التي تم توجيهها من أجل إسقاط الحركة الإسلامية أو إضعافها.. تمكنت الحركة من تصدر المشهد دستورا وبرلمانا ورئاسة.

وكانت المعركة الأخيرة بين د. محمد مرسي وشفيق خير شاهد على تكاثف المجلس العسكري وكل أركان الدولة العميقة ضد الثورة، كما كانت خير دليل على انتماء د. مرسي وكل أبناء الحركة الإسلامية (وليس منهم برهامي وأتباعه) للثورة.

وبدأ الدكتور محمد مرسي معركته مع الثورة المضادة بالتصعيد حينا وبالتهدئة حينا، حتى تمكن من تحقيق انتصارات متعددة مثل إبعاد طنطاوي وعنان، والتخلص من نائب عام مبارك، وتحصين لجنة وضع الدستور حتى تم إنجازه وإقراره.

ورغم تأخر الدكتور مرسي في إنجاز بعض الملفات المهمة في صالح الثورة، إلا أن أعداء الثورة قد أيقنوا -بل- واعترفوا بأن الصبر عليه حتى موعد الانتخابات الرئاسية القادمة لا يعني إلا استمراره في السلطة بسبب الإنجازات والإصلاحات المتتابعة داخليا وخارجيا.

ومن أراد التفصيل في ذلك، فليرجع إلى التقرير الذي نشرته الجزيرة نت بتاريخ 27 / 6 / 2013 تحت عنوان (إنجازات مرسي في عامه الأول)، وأضيف لهذا التقرير حالة الشعور العام عند كل المصريين بأن البلد ومقدراتها أصبحت ملكا للشعب، وأن كل من في السلطة موظفون عند الشعب، وأن الحكومة برئيسها ووزرائها خادمة للشعب، وما باسم عودة إلا مثال، كما ظهرت مصر كدولة قوية في المنطقة قادرة على رعاية مصالحها -بل- وحماية جيرانها عندما وقفت بجوار حماس والشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان الصهيوني على غزة أواخر عام 2012 (أي قبل مرور 6 أشهر على رئاسة د. مرسي).

كل هذا في ظل اضطرابات ممنهجة ومعوقات مفتعلة وحملات تشويه إعلامية لم تتوقف لحظة منذ توليه الحكم، فكيف لو استقرت الأمور وتحولت مؤسسات الدولة من موقف العداء للرئيس والحكومة إلى موقف الظهير والنصير؟

فكان قرار إنهاء حكمه بانقلاب عسكري، وكان قرار الرئيس بالثبات أمام الانقلاب وعدم قبوله تحت أي مسمى أو وصف.

ومنذ هذا الحين والمبادرات (الحقيقية والوهمية) لم تغرب عن سماء الساحة السياسية المصرية، وكلها تقريبا تتفق على شيء واحد فقط (تنازل د. محمد مرسي عن منصب رئيس الجمهورية).

فمرة بدعوى تنازل الحسن لمعاوية حقنا للدماء، ومرة بدعوى التعاطي المنطقي مع الواقع الذي تم تشكيله، ومرة بدعوى توحيد الصف الثوري، "كما زعموا".

وبما أن عامة أصحاب الادعاء الأول والثاني ليسوا من أنصار فكرة الثورة أصلا، فسأخصص نقاشي مع أصحاب دعوى (توحيد الصف الثوري) أو من يُسَمُّون أنفسهم (دعاة الاصطفاف).

ولن أناقش أصل فكرة الاصطفاف الوهمي الذي أقامه أصحابه على مبدأ تقريب البعيد والتودد إليه وإبعاد القريب وإقصائه!! فقد ناقشتها في مقال سابق بعنوان (الاصطفاف الثوري بين خلل الرؤية وفساد الاستدلال).

ولكني سأركز على كون هذا الاصطفاف مرهونا بخروج الرئيس مرسي من أي أطروحة مستقبلية، والأسئلة المتبادرة للذهن التي يتم توجيهها دائما لهؤلاء:

1- من هم الذين يرفضون الاصطفاف إلا بشرط تنازل الرئيس مرسي عن منصبه؟ وما هي تعليلاتهم لهذا الشرط؟ 
2- هل من حق الرئيس مرسي أن يتنازل في وقت ليس فيه أدنى درجات الحرية؟ 
3- لمن سيتنازل د. مرسي (مدني أم عسكري، مُعَيّن أم مُنْتَخَب، ومَن سَيُعَيّن أو مَن سينتخب)؟ 
4- ماذا بعد تنازل د. مرسي؟ (بكل ما يحويه هذا السؤال من معان)، وبمعنى أوضح: هل تم الاتفاق على كل شيء لإسقاط الانقلاب، وبقي فقط تنازل الرئيس هو العقبة الكؤود في سبيل تحقيق ذلك، أم أننا سننتقل من مرحلة الاصطفاف مع الثوار المدنيين لمرحلة الاصطفاف مع الثوار العسكريين، ونعود لشعار "الجيش والشعب إيد واحدة"؟ 
(والله مجرد سؤال يبحث عن جواب).

وهل سنسمي 3 / 7 / 2013 ثورة كما فعلنا مع انقلاب 1952، ونعيش طيلة حياتنا أسرى ثورة يوليو المجيدة، ومن ثَمّ نظل عبيدا عند الجيش المصري العظيم؟

وعندما تم توجيه هذه الأسئلة لأحد الأفاضل المتزعمين فكرة تنازل الرئيس مرسي أو التنازل عنه.. رد بإشكال في صيغة سؤال: وكيف سَنُخْرِج الدكتور مرسي من محبسه؟ وساعتها شعرت بصدمة شديدة من سؤال أستاذ العلوم السياسية. لأنه يعني أن مقتضى الاصطفاف هو أن يبقى الرئيس مرسي في السجن!! ومن يفهم غير ذلك فليفهمني، عسى أن يكون ثَمَّةَ إشكال عندي.

دعوني أقول وبكل صراحة: إن أي اصطفاف تحت راية التنازل عن شرعية أول رئيس منتخب في مصر، هو اعتراف مقنع بشرعية انقلاب تموز/ يوليو، بل بشرعية أي انقلاب في الماضي أو المستقبل، وستكون أول ثماره نزع مصطلح الثورة عن أي حراك ضد سلطة العسكر، وسنكتفي بوصف (المعارضة) التي هي أصلا أحد أركان النظام القائم.

ولو أن أصحاب هذا الطرح يملكون الشجاعة الكافية لمواجهة الجماهير بآرائهم فليفعلوا، ولو أنهم يملكون أي مُسَوّغٍ لهذا الطرح غير انتماء د. مرسي للحركة الإسلامية، فليضعوا حازم أبو إسماعيل كبديل له، خاصة وأن عامة انتقاداتهم للدكتور مرسي تدور في فَلَكِ ضعف النّفَسِ الثوري عنده وعند جماعته.

الخميس، 25 أغسطس 2016

الرئيس والإيفيهات والكمبوشة والتحويجة

الرئيس والإيفيهات والكمبوشة والتحويجة

أحمد عمر

صحيح: هذا الرئيس ملهم، لا يحتاج إلى كمبوشة، والكمبوشة هي قمرة تحت المسرح، يكمن فيها شيطان، ليوسوس للممثل العبارات التي نسيها، وقد يلقِّنه إيفيهات أيضاً، وهناك علاماتٌ كثيرة تدلُّ على أنّ عبد الفتاح السيسي يلجأ لسماعة الكمبوشة، فهو ينسى حتى وهو يقرأ من الورقة، فينقطع عن الناس، ويعتكف على الهواء الحي، وتصيبه حالة معروفة للقاصي والداني، ولا تنفعه معها أدوية الصيدليات، ولا رقّة زينة يازجي، التي مثلت معه دور البطولة في إحدى المقابلات.

لم يمتثل الرئيس لنصائح صحافي الانقلاب الأشهر، إبراهيم عيسى، بألا يرتجل خطاباته، لكن الرئيس الذي يفكّر أولياء أمره بالبحث عن دوبلير له، لأنه صار عبئا عليها، ومصاباً بإدمان الرز، غرَّته نفسه وصدقها، وآمن بالشاعر في داخله، كما آمن بالطبيب والفيلسوف. 

معلقاته كثيرة، أشهرها على الإطلاق "شينيته" التي يقول فيها: "أنا محمّل برسالةٍ من مصر، مصر قالتلي لازم تبلغ الرسالة للمصريين، بتقولكم كلكم، أنا أمانة في رقبتكم، اوعوا تختلفوا، أو حدّ (غيري) يضحك عليكم ويخدعكم". 
وغيري هذه من كمبوشة كاتب هذه السطور.
"مصر بتقولكم: مكاني مش اللي أنا فيه، بقى أنا برضو حجمي كده، أنا متحوجش وأنتم هنا". 


يقترح كاتب السطور هذه لأول ديوانٍ له عنوان "الحلزونة يما الحلزونة". 
تظهر الشعرية في نثر عتبة شينية السيسي، وليس في متنها، عندما يدّعي دور ساعي البريد، ويقول إنه محمَّل برسالةٍ من مصر التي يصلي لها في ختمة كل خطاب ثلاث مرات: تحيا ميسر، فيغشى على الجمهور من اللوعة والوجد.
قالت العرب قديماً: لكل شاعر شيطان. 

يقول حسان بن ثابت قبل إسلامه مفصحاً عن شيطان كمبوشته: ولي صاحب من بني الشَّيْصبَان/ فَطَورا أقول وطورا هوهْ.
ويقول الثعالبي إنَّ شيطان الأعشى ميمون بن قيس، اسمه مسحل، وإنّ مدرك بن راغم هو شيطان الكميت، وإنّ لافظ بن لاحظ اسم شيطان امرئ القيس، وإنّ هادر بن ماهر هو اسم شيطان النابغة الذبياني، وإنّ هبيد بن الصلادم هو شيطان عبيد بن الأبرص... 

وقال الفرزدق مفتخرا بشعره: أنا أشعر خلق الله شيطاناً".

وتروي كتب الشعر أنّ الشاعر الأندلسي ابن شهيد كانت له "بشرة خير"، زعم فيها أنَّ للناثرين شياطين، مثل عبد الحميد بن يحيى والجاحظ، وبديع الزمان لبشارته غرضان:
أولها أنَّه ناثر من أصحاب الشياطين، وثانيها السخرية من بعض زملائه الناثرين. جعل ابن شهيد الجنَّ شعوباً وقبائل، كل قبيلة تحمل اسم قبيلة من الإنس، لكننا لم نرَ اسم كاترين آشتون، ولا الآنسة لميس الجبالي (اثنان في واحد) بين أسماء الشياطين، فكلهم ذكور.

أغلب الظنِّ أنَّ شيطان السيسي منه وفيه، وهو شيطانٌ زاهد يعيش على الرز وحده، وليس له طمعٌ في أية حاجة، أقسم بالله تاني. لكنَّ بعض الظنِّ الآثم، وشياطين النثر، تدفعنا إلى الظنِّ بأنّ للسيسي شياطين بالألوف في مصر، يقيمون في عمارة ماسبيرو، وفي إرم ذات العماد، وفي تل أبيب، وفي البيت الأبيض.


يبدو للناظر، في هذه السنوات الخداعات، أنّ الله وضع له القبول، كما قال شيوخ السلفية، وأنّ لخطبهِ جاذبية وعاطفة، وأنَّ لحديثه شعرية، كنت أنوي أن أُفرد لها مقالاً، وقد أذهلني رئيس عربيات الخضار وترعة المفهومية، وأدخلني في "الحيطة"، عندما أطمأن على المفيض. 


يخرب عقله، الرئيس المشغول بالإرهاب، يجدُ وقتا للاطمئنان على صحة نهر النيل الأسير في بلاد الحبشة، وعلى غضبه، وأخشى أنْ يجبي الخراج من الغيوم، كما فعل هارون الرشيد، ويقول لها: ح تدفعي يعني ح تدفعي، غيوم أهل الشر فقط. 
لا أعرف من الذي نصح الطبيب السيسي بعيادة المفيض هاتفياً، ومن هي الشياطين التي َتؤُزُّهُ أزّاً؟
داخل في عرضك يا بن شهيد.

نهاية غير سارة لمشروع النهوض الشيعي!


نهاية غير سارة لمشروع النهوض الشيعي!

د.بشيرموسي نافع

ليس ثمة شك أن المشرق العربي ـ الإسلامي يشهد، منذ الثمانينيات، حراكاً شيعياً واسع النطاق. في أكثر من كتاب، وصف علماء سياسة متخصصون، مثل يتسحاق نقاش وولي نصر، هذا الحراك متعدد الأوجه بالنهوض الشيعي. 
خلف هذا الحراك، أو النهوض، كان التقاء عدد من العوامل والقوى؛ أهمها، بالطبع، انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بقيادة آية الله الخميني، رجل الدين الشيعي، وقوة الدين التحررية التي حملتها وأطلقتها الثورة في إيران. 
قاد الخميني الشعب الإيراني، بخطاب ديني واضح وصريح، ضد استبداد عميق الجذور، يعود في أصوله، ربما، إلى لحظة التأسيس الأولى لكيان الدولة الإيرانية في مطلع العهد الصفوي. وبالتفاف الشعب الإيراني، طوال شهور الثورة، خلف قيادة دينية، لم يعد ممكناً، لا في الشرق ولا في الغرب، الحديث عن الدين كأفيون للشعوب، أو باعتباره مسوغاً محافظاً لأنظمة الاستبداد والقهر. تركت الثورة أثراً واسع النطاق على الساحة الإسلامية برمتها، وعلى الساحة الشيعية بوجه خاص. وخلال العقود التالية، أصبحت الجماعات والتنظيمات الإسلامية الشيعية، التي كانت تحرص من قبل على تقديم صورة إسلامية جامعة، أكثر شيعية. 

ويتعلق العامل الثاني بالصعود غير المسبوق في المشرق، كما في أنحاء أخرى من العالم، لسياسات الهوية. والحقيقة، أن مظاهر قلقلة لهوية شيعية بدأت في البروز منذ نهاية القرن التاسع عشر، أولا، بفعل ترسيخ مؤسسة المرجعية أقدامها، والتفاف نسبي لعامة الشيعة حول الفقهاء. وثانياً، لردود الفعل الشيعية الدينية على تيارات التحديث القاجارية والعثمانية، وما واكبها من مؤثرات غربية ثقافية واقتصادية على حياة المسلمين ومعاشهم. ولكن التقدم الهائل في وسائل الاتصال، المطبوعة والمسموعة والمرئية، في الربع الأخير للقرن العشرين وفر، بلا شك، مجالاً أوسع لتعبيرات الهوية الشيعية. 

أما العامل الثالث، فيتصل بمجمل المتغيرات السياسية الكبرى التي شهدها المشرق منذ ما قبل نهاية الحرب الباردة بقليل، وما بعدها. كان لاندلاع الحرب ـ العراقية الإيرانية أثراً بالغاً على اللحمة قصيرة العمر للوطنية العراقية؛ ولم تلبث نتائج حرب الخليج الأولى، والعقوبات التي فرضت على العراق، أن أوقعت ضرراً بالغاً بالدولة الوطنية العراقية وقدرتها على احتضان شعبها وتمثيله. 
واكب هذه التحولات في العراق احتلال سوفياتي في أفغانستان واحتلال إسرائيلي في لبنان، دفعا بقوتهما الذاتية، من جهة، ونظراً لمحاولة إيران تعزيز نفوذها الإقليمي، من جهة أخرى، إلى بروز مقاومات ذات صفة شيعية. 
في معظم الحالات تقريباً، سواء في العراق ولبنان وأفغانستان، أو في غيرها من بلدان المشرق، حملت الحيوية الشيعية توجهاً تحررياً معارضاً للاستبداد والاحتلال الأجنبي. 
خلال الفترة بعد 2001، لم يكن على القوى الشيعية السياسية بذل كثير من الجهد لتمسك بمقاليد الحكم والدولة في عدد من البلدان، بعد أن عملت سياسة الحرب التي اتبعتها الولايات المتحدة على تمهيد الطريق لصعود شيعي سياسي غير مسبوق في العراق ولبنان وأفغانستان، وإيقاع خلل إقليمي كبير في ميزان القوى لصالح إيران. 

ولكن نتائج هذا الصعود كانت بالغة الضرر على التشيع وآمال التحرر التي حملها الحراك الشيعي السياسي.

في إيران نفسها، ساعدت التهديدات التي مثلتها الحرب مع العراق، والمعارضة الداخلية المسلحة في الثمانينات، على بروز حثيث للجوهر الاستبدادي، الذي استبطنته النظرية الشيعية السياسية على حساب آمال العدل والحرية التي حملتها الثورة في نهاية السبعينات.
 وربما كان تزييف نتائج انتخابات الرئاسة، والقمع الذي واجهت به الدولة المظاهرات الاحتجاجية، في 2009، مجرد توكيد لطبيعة التحول الذي شهدته الجمهورية منذ الثمانينات. 
في لبنان، لم يكن خافياً أن سيطرة حزب الله المسلحة على العاصمة بيروت في ربيع 2008 أشرت إلى أن الحزب في طريقه إلى تقديم الأولوية للطائفي على الوطني اللبناني، وعلى الإسلامي، معاً. 
ولكن كابوس الصعود الشيعي لم يتجل في مكان كما تجلى في العراق وسوريا.

على خلفية من تحالفها مع القوات الأنكلو ـ أمريكية الغازية، سلمت مقاليد العراق فعلياً منذ 2003 للقوى السياسية الشيعية. اليوم، بعد 13 عاماً من التحكم في مصادر السلطة والثروة، ليس ثمة ما يدعو للاعتزاز في ميراث السيطرة الشيعية السياسية. تحولت الدولة العراقية، التي حرصت كل الأنظمة السابقة على طابعها الوطني، إلى مؤسسة فتك طائفية، تمييزية هائلة؛ وتحولت الطبقة الشيعية الحاكمة، التي قدم أغلب عناصرها من المنفى، إلى عصابة من اللصوص، لم ير العراق لها مثيلاً حتى في أكثر لحظات تاريخه سواداً. عشرات مليارات الدولارات من المساعدات الأجنبية، ومن حصيلة الثروة النفطية العراقية، انتهت إلى حسابات حكام العراق الجدد الأجنبية.
ولم تحرم مناطق الأغلبية السنية، وحسب، من أي جهد تنموي ملموس، بل حتى أوضاع مناطق الأغلبية الشيعية تبدو اليوم أسوأ مما كانت عليه قبل الغزو وصعود الطبقة الشيعية السياسية إلى الحكم.
 في 2006 ـ 2008، شهد العراق حرباً أهلية ـ طائفية، أشرف على اشتعالها وزراء ومسؤولون حزبيون كبار في القوى الشيعية الحاكمة. 
ولم تكد نيران الحرب أن تخمد، حتى أشعل رئيس الحكومة المالكي حرباً طائفية من نوع آخر، سعى من خلالها على تدمير كل الشخصيات السنية السياسية الفاعلة، وتعزيز سيطرته على الحكم والدولة. ومنذ 2012، دفع العراق إلى حرب أهلية جديدة، أداتها الرئيسة ميليشيات طائفية، منحت، بدون أي مسوغ قانوني أو دستوري، شرعية الدولة.

ولم يكن دور إيران والقوى الشيعية السياسية في سوريا أقل سوءاً. فمنذ انطلاق الثورة الشعبية في سوريا، وفرت إيران والقوى الشيعية الرئيسة الغطاء لسياسة القمع الدموية التي تعهدها نظام الأسد لشعبه. 
ومنذ 2012، وحتى قبل أن تدخل النصرة وداعش ساحة الصراع، كانت قوات حزب الله تخوض معارك رئيسة ضد الثوار السوريين 
المسلحين، تحت شعار محاربة الإرهاب أو حماية أضرحة مقدسة شيعية. 
خلال السنوات التالية، حشدت الميليشيات الشيعية من كافة أنحاء العالم، إلى جانب قوات حزب الله والحرس والجيش الإيرانيين، لحماية النظام الفاشي في دمشق، مرتكبة كل الموبقات الممكنة ضد أبناء الشعب السوري.

ثمة إرهاب وقتل بلا تمييز وعنف أهوج تمارسه تنظيمات سنية بالتأكيد، تنظيمات لا تقل طائفية عن مثيلتها الشيعية. ولكن الفارق بين ما تشهده الساحة الشيعية وما تشهده الساحة السنية كبير. 
تعيش التنظيمات السنية الطائفية والمتطرفة ما يشبه العزلة الكاملة عن محيطها الشعبي، وقد رفع كبار العلماء والشخصيات العامة الإسلامية السنية عنها الغطاء، بل وشجعوا على مقاومتها وحربها. في المقابل، وطوال سنوات من التحلل والانحدار في سلوك وخطاب القوى الشيعية السياسية، تكاد الأصوات الناقدة لسلوك وخطاب التشيع السياسي تغيب كلية. 
وليس ذلك بمستغرب؛ فالسياسات الطائفية التي تتعهدها مؤسسات الدولة في إيران والقوى الشيعية السياسية خارجها مؤيدة من قبل أعلى المرجعيات الدينية والسياسية الشيعية مرتبة. 

ثمة أدلة مصورة بالغة البشاعة على ممارسات الحشد الشعبي في العراق، وممارسات الميليشيات الشيعية في سوريا، لا يجب أن يقرها أي ضمير إنساني. ولكن أحداً لم يسمع من المرجعية الشيعية في العراق، التي شكل الحشد الشعبي بدعوة منها، أو المرجعية الشيعية في إيران، التي توفر الغطاء الديني لنشاطات الميليشيات الطائفية في سوريا، أي شجب أو نقد أو مراجعة. 

وهذه هي المأساة في هذا كله. فالأسئلة حول نهج الطائفة ومصيرها لا تتعلق بالهامش، وحسب، بل والرؤوس والسراة، كذلك. وهذا، أيضاً، ما يطرح أسئلة ثقيلة الوطأة حول مستقبل الجماعات الوطنية وعلاقات الطوائف في المشرق.

قصيدة عمــران !!


  قصيدة عمــران !!




عمرانُ ليس لوحدهِ عمرانُ
       فاسْأل إذا شئتَ الأُلى قد خانوا

كم من ألوفٍ قبلهُ قد مُزِّقـوا
          قد هُدَّ فوق رؤسهم عُمرانُ

يا من تباكيتم على عُمْراننا
        والقصفُ يأتي منكمُ ، نيرانُ

كفُّوا دموع نفاقكم ، لانبتغي
        دمع النفاق ، وخلفهُ العدوانُ

عمران مالك قد صمتَّ ولم تقل
        شيئا ، أصمتكَ سِرُّهُ الأحزانُ

أم قد يئستَ من الكلام لعالَمٍ
          ما عـاد يحكم أمرَهُ الإنسانُ

هم كالوحوش بل الوحوشُ لطيفةٌ
            إنْ قِسْتَها ، وتكلَّمُ الميزانُ

لا ضيرَ ، صمْتكَ قد غدا متحدثا
       في شكلهِ المضمونُ والعنوانُ

ليس البيانُ بكلّ حالٍ ناطقاً
            فالصمتُ أحيـانا بهِ تبيـانُ

إني لأسمع في صُماتكَ صرخةً
         أصغت لهولِ دويِّها الآذانُ

دعني ألخّصها وأكشف سرَّها
         شعري بها بين الأنامِ لسانُ

 صاحت تقول أليسَ فيكم أمتي
             سعدٌ تكبّـرُ خلـفهُ الفرسانُ

أو فاتحٌ من نسلٍ معتصمٍ لهُ
            سيفٌ تخـرُّ لحدِّهِ الرومانُ

أو قلْ صلاح الدين يأتي منقذا
          أم أنَّهــم ما عادت الأزمـانُ

ما عادت الأزمانُ تنجبُ مثلهم
        عقــْــمٌ بكم ، أم ذِلةٌ وهوانُ؟!

يا أمتي : والله لستُ بغاضـبٍ
          مــن كافرٍ قــد أزَّهُ الكُفرانُ

قد جاء تملأُ صدرَهُ أحقادُهُ
          جندٌ يقود زمامَها الشيطانُ

قد رنَّ لمّا أنْ رأى بشآمنا
          هذا الجهاد يقودُهُ الإيمـانُ

لكنْ من الخذلانِ قضَّ مضاجعي
       ما زادَ معضلتي هو الخــوّانُ

من حاكمٍ في أمّتي في حصنها
      قد "وظّفتـْهُ" بحصننا الصُّلبانُ

قد صار همُّ همومِهِ قمعَ الأُلى
         من أجـلِ رفعةِ أمّتي ماهانوا

يقضي النهار بنهب ثروة أمةٍ
            والليلُ لـذّاتٌ بــها خُسْرانُ

يعطي كلاما بالنفاق منمّقاً
        والفعلُ في ظهر الشآم سِنانُ

يا أمّتي رُدّي إلى عزّ مضى
        عزِّ بديــنِ المصطفى يزدانُ

نحيـا وبينَ المسلمين أخوّةٌ
       غرّاءُ يجمعُ بينها الرحمنُ

نعلو بحدّ سلاحنا من صنعنا
       والعدلُ يحكمُ نهجنا القرآنُ

هذا الذي قد كان عمرانٌ بهِ
     قد كاد ينطقُ ، والقصيد بيانُ

حامد بن عبدالله العلي