‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عامر عبد المنعم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عامر عبد المنعم. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 9 أغسطس 2026

من عجائب القدر

من عجائب القدر

غزة المدمرة والمحاصرة هي التي تحدد من يفوز في الانتخابات الأمريكية.

عامر عبد المنعم


فاز عبدول (عبد الرحمن السيد) في انتخابات الحزب الديمقراطي بميشيغان على اللوبي الإسرائيلي، والتأكيد على أن الرأي العام الأمريكي قرر الفكاك من الأسر الصهيوني.

لقد فاز من قبل زهران ممداني في نيويورك بذات الخطاب، أي أننا أمام تحول في اتجاهات الرأي العام يعصف بما كان يروجه اللوبي المؤيد لـ إسرائيل على أنه ثوابت لا يمكن تغييرها.

غزة كانت سببا في رحيل بايدن، وفي نوفمبر القادم في التجديد النصفي للكونجرس ستكون سببا في هزيمة الجمهوريين، وقصقصة ريش ترامب والتمهيد لرحيله.

نتنياهو يريدها تحترق ولكنه لا يدري أن النار المشتعلة والدماء التي تسيل ستقضي على حلفائه قبل أن ينال هو جزاء شمشون الذي هدم المعبد فوق رأسه.

هل تعلم أن التوراة روت قصة شمشون الذي كانت نهايته في غزة.

قصة شمشون

قائد أسطوري صاحب قوة خارقة، جاءت قصته في التوراة، وورد في سفر القضاة أنه فتك بشبل أسد بيديه، و«قتل ألف فلسطيني بفك حمار» كانت نهايته على أيدي الفلسطينيين في غزة، حيث تم أسره بعد أن تحايلوا عليه وعلموا سر قوته فأفسدوها، وأمسكوا به وأذلوه، فقرر الانتحار، وانتشرت المقولة المنسوبة إليه “عليَّ وعلى أعدائي”.

كان شمشون من الذين يقضون للإسرائيليين ويحكمونهم في زمن القضاة، وهي الفترة التي تلت موت يوشع بن نون فتى موسى وحتى مجيء طالوت، حيث حكم شمشون 20 عامًا، وكان سر قوته في شعره الذي لم يحلقه طوال حياته، حتى عرف الفلسطينيون سر قوته عن طريق دليلة العاهرة التي كان يتردد عليها وخدعته وأفشت سره، فجاء الفلسطينيون الوثنيون وحلقوا له شعره وهو نائم، وتمكنوا منه وقلعوا عينيه، وقيدوه في سلاسل الحديد، وسجنوه حتى قتل نفسه.

جاء في التوراة أن الله أرسل شمشون لإنقاذ بني إسرائيل من يد الفلسطينيين الذين كانوا يذلونهم منذ 40 سنة، فكان بمنزلة المنقذ، لكن سيرته ليس فيها شيء من هذا، حتى انتحاره في غزة، فقد كان فاسدًا يتردد على البغايا، وعندما أحرق حقول الفلسطينيين هرب واختبأ، سلمه اليهود إلى الفلسطينيين خوفًا من انتقامهم، ولكنه تخلص من قيوده وقتل الفلسطينيين وهرب، وفشلت أكثر من محاولة للإمساك به والسيطرة عليه حتى عرفوا سر قوته وأسروه.

كانت نهاية شمشون عندما اجتمع قادة الفلسطينيين للاحتفال، وقالوا “هاتوا شمشون يسلينا” فأحضروا شمشون من السجن وكان قد نبت شعره، فلعب أمامهم ثم أوقفوه بين الأعمدة، فقال شمشون للشاب الذي يقوده بيده “دعني ألمس الأعمدة التي يرتكز عليها هذا المعبد لأستند إليه، ثم قبض شمشون على العمودين اللذين في الوسط وكان المعبد يرتكز عليهما، واستند عليهما الواحد بيمينه والآخر بشماله وصرخ “أموت ويموت الفلسطينيون معي، ودفع العمودين بكل قوته فانهار المعبد على القادة والشعب الموجودين”، ومات شمشون ونزل إخوته وعائلته بالليل وأخذوا جثته وصعدوا بها إلى الجبل ودفنوه.

السبت، 8 أغسطس 2026

تحالف مكة بداية جديدة للعالم الإسلامي بعد فشل كل التحالفات

 تحالف مكة

تحالف مكة بداية جديدة للعالم الإسلامي بعد فشل كل التحالفات

عامر عبد المنعم

تحالف مكة بداية جديدة للعالم الإسلامي بعد فشل كل التحالفات
الاتفاق الدفاعي بين الدول الثلاث: السعودية وباكستان وتركيا في مكة المكرمة له دلالات بالغة الأهمية؛ فالمكان يعني الكثير بالنسبة للمسلمين، والبداية تحتاج إلى تأكيد النية في الالتزام بالهوية وتصحيح الكثير من المواقف التي لم تكن في صالح الأمة.
باكستان تملك السلاح النووي ومتقدمة في صناعة الصواريخ، وتركيا تملك الأسلحة المتطورة الحديثة مثل الصواريخ الفرط صوتية والمسيرات المتفوقة، والسعودية أرض الحرمين لها الزعامة الروحية وتمتلك أكبر اقتصاد في المنطقة.
في الحرب الإيرانية أثبتت الدول الثلاث أنها قادرة على التأثير في حركة الاحداث وتعطيل بعض الخطط الأمريكية، ولكن الدول الثلاث غير منخرطة في حرب فعلية، ولكنها تواجه تحديات؛ فباكستان تواجه الخطر من الهند، وتركيا تواجه التهديد الإسرائيلي في سوريا والتهديد اليوناني المدعوم من إسرائيل وبعض دول أوروبا، والسعودية تتحسب للتهديد الإيراني من الشرق وميليشيات العراق من الشمال والحوثي من الجنوب.
يفيد التحالف الجديد باكستان التي -لأول مرة منذ تأسيسها- ستكون في حضن العالم الإسلامي، وتركيا تزيد من قوتها الإقليمية وتقديم أسلحتها وخبراتها العسكرية للدول الشقيقة وكسر الاعتماد على السلاح الغربي، والسعودية تبحث عن أمنها بعد أن تسبب ترامب لها في خسائر وعمليات تخريب كبرى والزج بها في صراع ليس للمملكة صلة به، وإنما لصالح إسرائيل.
بعد هذا الاتفاق يمكن للمنطقة العربية أن تشهد تطورا كبير في مواجهة قضاياها ومواجهة إسرائيل، وفتح أبواب التفكير في تغيير الولاءات.
أهم المكاسب من تحالف مكة هو سقوط كل الهويات البديلة، وسقوط كل التحالفات مع الخصوم بمزاعم الحماية، وسقوط المكر المعادي الذي كان يحرض على الانقسام الداخلي وافتعال الصراعات داخل كل دولة، وثبوت كذب الوسواس الخناس الذي يزعم أن العدو في الداخل وليس من الخارج.
رغم أن التحالف على أساس الإسلام تأخر طويلا، لكنه خطوة جيدة لوقف الانهيار ولملمة الأمة المهددة بالتدمير، انطلاقا من العقيدة التي كانت مستبعدة لإرضاء الخارج والتعلق بخيوط العنكبوت.
هذه هي البداية، وسينجح تحالف مكة بشرط أن يكون فاعلا، وأن يكون محورا في حشد طاقات الأمة، وإذا انضمت إليه الدول الإسلامية الكبرى الأخرى بعد حسم أمرها.
عامر عبد المنعم

الأربعاء، 22 يوليو 2026

دروس من الحروب الجارية

 دروس من الحروب الجارية



عامر عبد المنعم

1- لا بناء للأبراج وناطحات السحاب؛ فصاروخ واحد يتسبب في انهيار المبنى كاملا على رأس من فيه، ويجب أن يكون التوسع العمراني أفقيا وليس رأسيا.
2- الأسلحة التقليدية مثل الدبابات والمدرعات والمدافع وحتى الطائرات المقاتلة انتهى مفعولها، والمستقبل للمسيرات والطائرات الشبحية والصواريخ بكل أنواعها، ومنظومات دفاع جوي ذكية متكاملة مع الأسلحة الجديدة.
3- لا مراكز قيادة على سطح الأرض وفي أماكن معلومة، ففي لحظات يتم مسحها بالصواريخ، وإنما التمويه والتخفي، والانتشار وليس التجميع في نقطة واحدة.
4- حفر المدن العسكرية في بطون الجبال والعودة إلى بناء الملاجئ تحت الأرض (ألمانيا تخطط لبناء مليون ملجأ تحت الأرض للمدنيين).
5- المعارك لم تعد على الحدود والجبهات البعيدة وإنما في قلب العمران وفي كل المدن والقرى.
6- لا دولة آمنة في الصراع على زعامة النظام العالمي الجديد الذي يتشكل، ففي لحظة تتغير كل الحسابات، وتهب العواصف وتشتعل النيران.
7- لا معاهدات وضمانات دولية (في مذكرة بودابيست عام 1994، سلمت أوكرانيا صواريخها النووية ووافقت على تجريدها من الردع مقابل تعهد كل من روسيا وبريطانيا وأمريكا بضمان أمنها فتعرضت للغزو)
8- المستقبل للتكتلات القائمة على العقيدة، ولا مستقبل للدول المنفردة التي لا هوية لها أو التي تدخل في تحالفات مع الخصوم.
9- سرعة تحقيق الاكتفاء الذاتي من الاحتياجات الغذائية، لتفادي الكساد الاقتصادي القادم وشلل الملاحة وإغلاق طرق المواصلات.
صفحة عامر عبد المنعم

الخميس، 16 يوليو 2026

عامر عبد المنعم يكتب: الاستيلاء على أموال الخليج

 الاستيلاء على أموال الخليج



عامر عبد المنعم 

عندما قرر ترامب جمع “الخُمس” من ثروات الخليج، بفرض رسوم الـ 20% على سفن الشحن التي تمر عبر هرمز؛ كشف عن عقلية القراصنة التي سادت في القرون الوسطى؛ هؤلاء اللصوص الذين خربوا حركة التجارة في البحار واستباحوا السطو والنهب (يشمل التفسير بجانب السفن الخارجة المحملة بالنفط والغاز والمنتجات؛ السفن الداخلة المحملة بالبضائع المستوردة، أي أكثر من 40%).

قرار ترامب بفرض رسوم المرور في هرمز تسبب في غضب عالمي، لأنه يتجاهل القوانين الدولية ويقضي على حرية الملاحة، ويوجه ضربة لحركة التجارة وما يترتب عليه من تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، فهو يضع سابقة ستفتح الباب لفرض رسوم مماثلة في الممرات الدولية الأخرى، خاصة مضيق ملقا وبحر الصين الجنوبي.

أمام اعتراضات منظمات التجارة الدولية وشركات الشحن البحري اضطر ترامب للتراجع، ولكن مع تغيير شكل الإتاوة (الجزية) على دول الخليج، التي يطالبها بدفع تكلفة الحرب والتعويضات للإيرانيين والأمريكيين، من ثرواتها بوسائل دفع متنوعة (دفعات بالدولار وشحنات من النفط والغاز ومنتجات واستثمارات)، وهذا الموقف يؤكد أن هدفه الذي يريد تحقيقه أيا كانت نتيجة الحرب مع إيران هو السيطرة على ثروات الخليج، والبقاء في المنطقة بزعم الحماية.

أهدى ترامب الإيرانيين ما كانوا يريدونه من مشروعية التحكم في مدخل الخليج، فبإعلانه تحصيل الرسوم مقابل الحماية وأنه “الملاك” الذي يحمي الملاحة في مضيق هرمز؛ يؤكد ما يعلنه الإيرانيون من حقهم في فرض الرسوم مقابل الحماية أو الخدمات، رغم أنه هو شخصيا ومساعدوه دي جي فانس وروبيو وهيغسيث كانوا يرفضون فرض الرسوم في الممرات الدولية.

القرارات المتضاربة والغريبة التي يتخذها الرئيس الأمريكي تكشف عمق الأزمة والتخبط والعشوائية؛ فترامب لم يحقق أي إنجاز يحسن من صورته قبل الانتخابات، فلا هدف من الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب تحقق، ولا حتى خطته لتغيير النظام من الداخل نجحت، وفشل في إحداث انقسام داخل القيادة الإيرانية واستمالة قطاعات من السياسيين لعزل المرشد والحرس الثوري.


بيان مجلس الخبراء الإيراني

يظهر بوضوح أن قنوات التواصل والتفاوض قد توقفت منذ صدور بيان مجلس الخبراء الإيراني وهو أعلى هيئة دينية في إيران، التي تختار المرشد، والذي نشر يوم 27 يونيو، ووجه تحذيرات شديدة للسياسيين الذين يتفاوضون مع الأمريكيين، وهددهم بشكل صريح إذا لم يلتزموا بـ “عدم احترام الخطوط الحمر التي وضعها القائد”.

من بين 10 بنود قرر مجلس الخبراء إغلاق مضيق هرمز حيث ورد في البيان أن ” فتح مضيق هرمز يتعارض مع التزامات المسؤولين ويعتبر خطأً استراتيجيا”.

وأيضا قرر المجلس عدم التفاوض حول المشروع النووي حيث أكد البيان أنه “وفقاً للتوجيهات الملزمة للقائد الأعلى، لا ينبغي مناقشة الحقوق النووية للبلاد أو التنازع عليها، ويجب استبعادها تماماً من المفاوضات”.

وجاء في البيان الذي وقع عليه 62 عضوا من أصل 86 إن “تثبيت الإدارة على مضيق هرمز، وتلقي التعويضات عن أضرار الحرب، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع جميع العقوبات، وانسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، هي مطالب غير قابلة للمساس للقائد الأعلى والشعب، ويجب متابعتها. وأي تقاعس في هذا الصدد سيواجه برد فعل عنيف من الأمة بأكملها”.

ومن الواضح التزام السياسيين الإيرانيين بالخطوط الحمر، وهذا ما يزعج ترامب ويضعف موقفه، ويدفعه لتوسيع القصف والتهديد بضرب الأهداف المدنية والجسور ومحطات الطاقة للضغط على الحرس الثوري والقيادة الدينية.

الحرب أصبحت معركة وجود للطرفين، ولكن الضربات المتبادلة بين ترامب وإيران ستستمر -كما يبدو- بدون حسم حتى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر، فلا إيران ستعلن الاستسلام والتنازل عن مشروعها النووي، ولا ترامب يريد شن حرب شاملة يصعب الفوز بها قبل الانتخابات، وقد تنتهي بالخسارة التي تضع نهاية مشروعه، وبداية الانسحاب الأمريكي من البحار.

خامنئي وترامب الآن وجها لوجه، والصراع وصل إلى نقطة حرجة لكلا الدولتين، ولا حلول وسط، فالقيادة الدينية الإيرانية تدافع عن نفسها، وترى أن أي تراجع بعد كل هذه التضحيات يعني السقوط والنهاية، وفي الناحية الأخرى فإن ترامب الذي يطمع في السيطرة على ثروات الخليج بضفتيه يتوقف مستقبله ومستقبل الولايات المتحدة على نتيجة الحرب.

لكن الملاحظة الجدير بالتأمل الآن، أن الكيان الصهيوني في كامل الارتياح بحكم اقتصار الرد الإيراني -على القصف الأمريكي- على قصف دول الخليج دون الكيان. وأن كلا من إيران وترامب يتناوبان على طرح مشروعات لتحصيل أموال من دول الخليج.

الاثنين، 29 يونيو 2026

حوار عامر عبد المنعم مع أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي (claude.ai)

حوارعامر عبد المنعم مع أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي (claude.ai)


عامر عبد المنعم 

هذا جزء من حوار أجريته مع أفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي (claude.ai) عن هرمز ومستقبل الوجود الأمريكي بالمنطقة، ولأن به تحليل جيد ومعلومات مفيدة رأيت النشر من باب العلم بالشيء.
**هل الرئيس الأمريكي ترامب لديه تصور استراتيجي واضح أم أنه يتصرف بشكل فردي عاطفي؟
* سؤال جوهري يشغل كبار المحللين الاستراتيجيين. إليك تحليلاً متوازناً يعرض الحجج من الجانبين:
الموقف من السؤال: ليس إجابة ثنائية
المحللون منقسمون بين ثلاثة مواقف، لا موقفين فقط.
الحجة الأولى: ثمة منطق داخلي قابل للقراءة
لا أعتقد أن ترامب يملك عقيدة سياسة خارجية متماسكة، لكنه يملك "كتاب قواعد" يمكن التنبؤ به إلى حد ما. مفتاح فهم هذا الكتاب هو إدراك أوجه التشابه بين أسر مادورو وقصف إيران — كلاهما يعكس رؤية ترامب للعالم من منظور مناطق نفوذ، حيث هو مرتاح لتقسيم العالم إلى "إقطاعيات".
سياسته الخارجية تقوم على أربعة محاور: الاستخدام العدواني للرسوم الجمركية، والتدخلات العسكرية الانتقائية، وإعادة التوجه الاستراتيجي نحو نصف الكرة الغربي، وإعادة هيكلة منظومة التحالفات الأمريكية.
ثمة سمتان متكررتان: تفضيل صانع العقارات لإتمام "الصفقات" ذات العائد التجاري، وعقلية "القوة تصنع الحق" التي تتيح له التصرف باندفاع مع غياب الضوابط. يمكن تسمية هذا النهج "القومية التعاملية".
الحجة الثانية: غياب الاستراتيجية الحقيقية
قراءة متأنية لوثيقة الأمن القومي تكشف ادعاءات لا أساس لها وتناقضات داخلية كثيرة. لا توجد وثيقة مكتوبة قادرة فعلاً على توجيه سياسة خارجية تتسم بالاندفاع والتذبذب والانتهازية، أو ضبطها. طريقة الإعلان عنها في منتصف الليل دون خطاب رئاسي يوحي بأن البيت الأبيض يراها مجرد إجراء شكلي لا التزاماً استراتيجياً.
ما يجري هو سياسة خارجية يقودها الحدس والاندفاع — تفتقر إلى الوعي التاريخي، وخالية من الرزانة، ومجردة من الإجراءات التداولية المعتادة في الفن الحقيقي للدولة.
الاستراتيجية الحقيقية لا تكتفي بتحديد المشكلات وإعلان الأهداف؛ بل تُصمم الوسائل لتحقيقها، وتوازن بين البدائل، وتقيّم المخاطر. في غياب البنية الاستراتيجية، يصبح الأداء هو الوسيلة — لا الاستراتيجية.
الحجة الثالثة: التناقض الداخلي للإدارة ذاتها
"أعتقد أن الرئيس محاصر بين دافعين متعارضين: عدم الانزلاق في مستنقعات، وفي الوقت ذاته الحفاظ على السيادة الأمريكية. أيهما يختار؟ إدارته تضم في طاقمها أشخاصاً على كلا الجانبين".
الاستراتيجية الأمنية الصادرة في ديسمبر 2025 عكست التناقضات داخل الإدارة وفشلت في رسم مسار متماسك. وكما قال ترامب نفسه: "أنا وحدي من يقرر ما تعنيه 'أمريكا أولاً'".
ترامب قوّى التحالفات وأضعفها في آنٍ واحد — حفّز الحلفاء على الإنفاق العسكري وتحمّل مسؤولياتهم الأمنية، لكنه جعلهم في الوقت ذاته يتحوطون من التقلبية الأمريكية. السؤال الأهم في 2026: هل سيتجه نحو الاتساق الاستراتيجي أم يضاعف من نهجه الارتجالي؟
الخلاصة:
الرؤية: موجودة. أمريكا أولاً، مناطق نفوذ، الصفقات التجارية
التخطيط: ضعيف. غياب التسلسل والبدائل وخطط الطوارئ
التنفيذ: متقطع. انتصارات تكتيكية مع خسائر استراتيجية
الاتساق: منقوص. يتحكم فيه الحدس الشخصي والعلاقات الفردية
الإرث مفتوح. لا أحد يعرف "ما الذي سيبقى"
الإرث الدائم يستلزم التكرار والتفويض والمتابعة من قِبَل كوكبة من المريدين الفكريين والأيديولوجيين. "الحركات السياسية الناجحة تتجاوز مؤسسيها — لكن الترامبية تبدو مرتبطة بشخص ترامب وحده".

** هل تؤدي سياسة ترامب الحالية إلى البقاء في الشرق الأوسط أم الخروج منه؟
*هذا السؤال الآن في قلب الحدث — فالوضع يتطور باستمرار. إليك تحليلاً شاملاً يجمع بين الصورة الكبرى وآخر المستجدات:
الإجابة المختصرة: لا هذا ولا ذاك — بل ورطة غير مقصودة.
ترامب أراد الخروج فوجد نفسه أكثر تورطاً. وأراد الانتصار السريع فوجد نفسه في مفاوضات معقدة. هذا هو جوهر المفارقة.
أولاً: كيف دخل ترامب بعمق في الشرق الأوسط
في يناير 2026، أجرت الولايات المتحدة أضخم حشد عسكري في الشرق الأوسط منذ غزو العراق 2003، شاملاً مجموعتَي حاملتَي طائرات ومئات الطائرات في قواعد المنطقة.
ترامب محاصر في فخَّين من صنعه: نفوذ إيران على مضيق هرمز ورفضها الاستسلام يعني أنه لا يستطيع إنهاء الحرب بثمن عسكري مقبول. ومع استمرار الصراع، تضيق هامش خياراته السياسية الداخلية. بنسبة تأييد في الثلاثينيات وأسعار بنزين تتجاوز 4.5 دولار وتصاعد معارضة الحرب، لا مساحة سياسية لمواصلتها.
ثانياً: جوهر التناقض — أراد الضربة السريعة فاستُدرج إلى المستنقع
ترامب أعلن "الانتصار" بعد 12 يوماً لم يكسبه ولم يقبله خصمه. يواجه الآن المهمة المستحيلة: التوفيق بين حاجته الجامحة للظهور منتصراً وإصرار إيران الراسخ على عدم الرضوخ. انتظار الإرهاق ليس خطة، لكنه يبدو الوحيد المتاح الآن.
منذ بداية الحرب في فبراير، أدلى ترامب بتصريحات متناقضة بصورة متصاعدة حول استراتيجية الولايات المتحدة. وقد أحصت CNN أنه ادّعى بين مارس ويونيو 38 مرة على الأقل أن الصفقة وشيكة.
ثالثاً: آخر المستجدات — مذكرة تفاهم يونيو 2026
في 14 يونيو 2026، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق لإنهاء صراع دام ثلاثة أشهر ونصف أغلق مضيق هرمز وأحدث صدمات في أسواق النفط العالمية. المذكرة تبدأ بإعادة فتح المضيق، ثم 60 يوماً من المفاوضات حول العقوبات والبرنامج النووي.
لكن المفارقة الكبرى:
"الإنجاز الوحيد لوقف إطلاق النار هو إعادة فتح مضيق هرمز — الذي كان مفتوحاً قبل الحرب. وسندفع لإيران مقابل ذلك." — وصف وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن. إيران استخدمت إغلاق هرمز ورقة ضغط انتزعت بها من ترامب تنازلات تفوق ما حصلت عليه في اتفاقية أوباما النووية من حيث الحجم المحتمل. NPR
رابعاً: الإجابة الاستراتيجية الكبرى
النية المعلنة: الخروج، لا الهيمنة، تجنب المستنقعات
النتيجة الفعلية: 50,000 جندي، ثلاث حاملات طائرات، حرب ممتدة
هرمز: أراد فتحه بالقوة، انتهى بالتفاوض مع خسائر للطرفين
الميراث: وصف المنتقدون الاتفاق بأنه يشبه JCPOA لكن بشروط أسوأ
لبنان وغزة لا حل، ملفات معلقة تهدد بتفجير أي اتفاق
بين مارس ويونيو، طالب ترامب بـ"الاستسلام غير المشروط" لإيران، وتحدث عن الاستيلاء على جزيرة خارك النفطية، وقال إنه يريد "أخذ النفط الإيراني" — وانتهى بتوقيع مذكرة تفاهم تمنح إيران إعفاءات من العقوبات وتفتح الباب لتحرير أصولها المجمدة.
الخلاصة: "بقاء بغير إرادة"
ترامب لا يريد إمبراطورية في الشرق الأوسط، لكن منطق الأحداث استدرجه إليها. دخل بهدف ضربة سريعة حاسمة، فوجد نفسه في:
• حرب ممتدة تكلف أكثر من تريليون دولار على الميزانية العسكرية
• مفاوضات معقدة تشمل إيران، إسرائيل، لبنان، حزب الله
• اتفاق هش يبقي كل الملفات الجوهرية مفتوحة لستين يوماً قادمة
كما قال ترامب نفسه عن الاتفاق: "إنها مذكرة تفاهم. وإن لم تعجبني، سنعود إلى إطلاق النار عليهم." — وهذه الجملة تلخص المشهد بأكمله: لا بقاء مقصوداً، ولا خروج كاملاً.

** لماذا يعترض الإسرائيليون على مذكرة التفاهم؟
* هذا من أكثر الملفات الراهنة تعقيداً ودراماتيكية. إليك التحليل الشامل:
الاعتراض الإسرائيلي: خمسة أسباب جوهرية
1. أُقصيت إسرائيل من المفاوضات كلياً
إسرائيل جُرِّدت تماماً من المشاركة في مسار التفاوض، وهو ما برز بجلاء حين أعلن نتنياهو لصحفي أن إسرائيل لا تعرف بعد تفاصيل الاتفاق المزمع توقيعه رسمياً في سويسرا.
نتنياهو فوجئ بإعلان ترامب الصفقة، وادّعى المسؤولون الإسرائيليون أن إسرائيل لم تُتح لها مراجعة نص المذكرة. وقد أقرّ مسؤول أمريكي بأن نتنياهو ربما لم يطلع على النص النهائي.
2. الملف النووي لم يُحسم
فيما يخص البرنامج النووي الإيراني — الذراع المُعلن لعملية "Epic Fury" — اكتفت المذكرة بوعود خطابية، مرجئةً الآليات الفعلية لمنع إيران من امتلاك طاقة نووية عسكرية دون أي ضمان بالتوصل إلى اتفاق على هذه المسألة البالغة الحساسية.
ترامب نفسه اعترف بأن الاتفاق لا يعالج سوى "مبدئياً" مسألة المواد النووية الإيرانية. المذكرة تتضمن التزام إيران بعدم صنع أسلحة نووية — وهو ذات الوعد الذي أطلقته طهران منذ سنوات — دون معالجة مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب.
3. لبنان وحزب الله: الخلاف الأشد
المسألة الأشد إلحاحاً لنتنياهو هي لبنان. تنص المذكرة على أن وقف إطلاق النار يشمل القتال بين إسرائيل وحزب الله، وأن على إسرائيل الانسحاب من لبنان في إطار أي اتفاق نهائي. مستشار نتنياهو صرّح بأن إسرائيل لا تعتبر نفسها ملزمة بالبند اللبناني في المذكرة.
وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس قال إن القوات الإسرائيلية ستبقى في المناطق التي سيطرت عليها جنوب لبنان طوال فترة الحرب، مضيفاً أن 200 ألف نازح لبناني من المنطقة الأمنية لن يُسمح لهم بالعودة أبداً.
4. الشروط المالية: كارثة استراتيجية من المنظور الإسرائيلي
إيران لم تتنازل عملياً عن شيء مقابل تعهد ترامب بوقف العمليات الأمريكية. والمذكرة تفتح الباب أمام إنهاء كامل العقوبات الأمريكية والدولية على إيران — وهو ما يتجاوز اتفاقية أوباما النووية من حيث الحجم المحتمل.
تُشير التقارير إلى خطة لإعادة إعمار إيران بمبلغ لا يقل عن 300 مليار دولار من القطاع الخاص بإذن أمريكي — وهو ما ينفيه ترامب لكن نصّ المادة السادسة من المذكرة يتضمنه صراحةً.
5. الشرخ الشخصي مع ترامب
رفض ترامب مشاركة نتنياهو في النص الأولي للمذكرة، وشكّك في حكمه بألفاظ بذيئة، بينما وصف المفاوضين الإيرانيين بأنهم "أناس عقلاء جداً ولطيف التعامل معهم". وحذّره قائلاً: "احذر وإلا ستجد نفسك وحيداً قريباً جداً".
موقف نتنياهو الفعلي: ورطة بين ترامب والداخل
نتنياهو وعد الجمهور الإسرائيلي بـ"النصر المطلق" على إيران، فاضطر إلى القبول بمذكرة تفاهم أمريكية — مع انتقادات علنية متكررة من ترامب — وذلك قبل أربعة أشهر فقط من الانتخابات. حتى الإمارات، الأكثر تشدداً في الخليج، انضمت إلى الإجماع الإقليمي المؤيد للاتفاق. نتنياهو يقف وحيداً دولياً في رفضه.
المعارضة للاتفاق في إسرائيل لا تقتصر على اليمين المتطرف، بل تمتد عبر المؤسسة الأمنية بأسرها، بما فيها وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وكبار الضباط الذين يرون الاتفاق "كارثة استراتيجية". "يجب على إسرائيل أن تكون مستعدة للتصرف منفردة"، هكذا قال عضو بارز في مجلس الأمن الوزاري.
الخلاصة: المذكرة أمام اختبار وجودي
ما قُدِّم بوصفه "أفقاً لستين يوماً" يبدو أقرب إلى استراحة تكتيكية منه إلى مسار سلام دائم. السيناريو الأرجح: لن تتحول المذكرة إلى أساس لاتفاق شامل، بل ستغدو ترتيباً مؤقتاً متمدداً تبدو فيه الحرب متوقفة لكن السلام الحقيقي لا يتحقق — حالة "لا حرب ولا سلام".
لبنان هو مفتاح الأزمة الكبرى: إذا استمر القتال هناك بسبب إسرائيل، وجدت إيران نفسها أمام خيارين مرّين: الرد العسكري فتنهار المذكرة وتتحمل المسؤولية، أو الصمت فتظهر ضعيفة أمام حلفائها في المنطقة.

** إذا اصرت إيران على شروطها ماهي السيناريوهات الممكنة أمام ترامب؟
* الوضع الراهن بالغ الدقة لأن المذكرة موقّعة لكنها هشة، وإيران تتمسك بشروط جوهرية. إليك تحليلاً للسيناريوهات:
إليك التحليل المعمّق للسيناريوهات الأربعة:
السيناريو الأول: العودة للحرب — الأقل احتمالاً
إعادة إشعال الحرب سيكون له تداعيات سياسية واقتصادية وخيمة. وإنهاؤها بأفضل الشروط المتاحة قد يكون مسألة إشكالية تقريباً بنفس المستوى. هذا هو جوهر معضلة ترامب.
وزير الدفاع هيغسيث قال إن القوات الأمريكية جاهزة للعودة للقتال وأشد استعداداً مما كانت عليه في اليوم الأول، لكن الرئيس يُفضّل تجنب ذلك.
السيناريو الثاني: تمديد المفاوضات — الأرجح
التاريخ يُظهر أن إيران تحب إطالة أمد الدبلوماسية في جولات مطوّلة غير حاسمة تمتد لأشهر وسنوات. ومن غير الواضح أن إيران، مع نظام حكمها الأكثر غموضاً بعد مقتل القادة خلال الحرب، ستقبل أي اتفاق سلام مستعدة الولايات المتحدة لتقديمه.
السيناريو الثالث: السيطرة على هرمز بالقوة — الأقل احتمالاً
المشرّع الجمهوري غراهام صرّح: "إن فشل هذا الاتفاق، فإن ترامب سيسيطر على مضيق هرمز بالقوة. ستتحكم الولايات المتحدة في المضيق وستفرض رسوماً على كل من يمر به لتمويل العملية. وإن عارضت إيران ذلك، فسنُبيدها." لكن هذا الخيار يلقى رفضاً دولياً شبه تام.
السيناريو الرابع: القبول بالشروط الإيرانية — متوسط الاحتمال
المنتقدون يقولون إن "الإنجاز الوحيد لوقف إطلاق النار هو إعادة فتح مضيق هرمز — الذي كان مفتوحاً قبل الحرب — وسندفع لإيران مقابل ذلك." إيران استخدمت إغلاق هرمز لانتزاع تنازلات تفوق ما حصلت عليه في اتفاقية أوباما.
القيد الحقيقي: ترامب محاصر في الداخل
ترامب محاصر في فخَّين من صنعه: نفوذ إيران على المضيق ورفضها الاستسلام يعني أنه لا يستطيع إنهاء الحرب بثمن عسكري مقبول. ومع نسبة تأييد في الثلاثينيات وأسعار بنزين تتجاوز 4.5 دولار، لا مساحة سياسية لمواصلة الحرب.
المتغير الأخطر: إسرائيل
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأسرها — وزير الدفاع، رئيس الأركان، كبار الضباط — تعتبر الاتفاق "كارثة استراتيجية". وصرّح عضو بارز في مجلس الأمن: "يجب على إسرائيل أن تكون مستعدة للتصرف منفردة."
ضربة إسرائيلية منفردة على إيران ستُفجّر كل هذه السيناريوهات في لحظة واحدة — وهو ما يجعل لبنان وحزب الله المتغيّر الأكثر قدرة على قلب الطاولة.
***
يغيب عن توقعات العقول الاصطناعية المفاجآت البشرية، والأقدار التي تختفي أمامها الأسباب المادية

عامر عبد المنعم 

 

الخميس، 25 يونيو 2026

الصراعات لا ترحم والحروب لا تجامل

 الصراعات لا ترحم والحروب لا تجامل

عامر عبد المنعم

عندما يقول ترامب: لولاي لما بقيت إسرائيل، وعندما يتحدث الإعلام الأمريكي عن زوال إسرائيل، مثل نيوزويك التي طرحت سؤالا بعنوان "هل يمكن لإسرائيل أن تبقى على قيد الحياة؟" فاعلم أن تغييرات كبرى حدثت وسط الضجيج الذي يشغلنا عن الرؤية الصحيحة لما يجري.
كان طبيعيا أن يفشل المشروع التوسعي، الذي توهم أن القوة العسكرية وحدها قادرة على تغيير الخرائط، كما فعل الغرب في سايكس بيكو، ولكنهم لم يقدروا حجم القوة المضادة.
الاستعمار الأوربي اجتاح العالم عندما تفوق في التسليح، حيث تمدد الإنجليز بالمدفع الرشاش "ماكسيم" الذي كان يطلق 600 رصاصة في الدقيقة في مواجهة شعوب تقاتل بالرماح والسهام، وانتشر البرتغاليون والإسبان والفرنسيون بالمدافع التي كانت تحرق المدن والقرى وتبيد الشعوب.
أما اليوم فالوضع تغير ولم يعد سهلا بقاء قوات الدول الكبرى والمعتدية على الأرض، بعد انتشار التسليح الذي ضيق الفارق، فكانت هزيمة الروس في أفغانستان، ثم هزيمة الأمريكيين في فيتنام ثم العراق وأفغانستان، وتم طرد الفرنسيين بدون قتال من مالي وبوركينافاسو والنيجر، وتعثر الروس في أوكرانيا.
ومع حيازة الدول الإقليمية والمتوسطة، والجماعات والأحزاب العقائدية للصواريخ والطائرات المسيرة الرخيصة يضيق الفارق في معارك الجو، ولم يعد هناك أحد يستسلم أو يرفع الراية البيضاء.
بكل الحسابات فإن المشروع الاحتلالي التوسعي متعثر، وينفض من حوله كل الذين زرعوه ودعموه.
العالم تغير، ومن يغريه الغرور ويواصل الاندفاع وسط النار؛ ستتكسر رأسه وتتهشم قرونه من كثرة النطح في الصخر والاصطدام بالقوى الصاعدة التي أنضجتها الحروب وزادتها صلابة.
العالم الإسلامي اليوم يستعيد قوته بالإكراه، ولم يعد ممكنا أن تستمر العقول التي أدمنت الخذلان في مواجهة النوازل والدواهي، ومن يرفض مواجهة التحديات بعلم وعقيدة وعدالة ستقتلعه العواصف، ومن يتهرب من الأمانة ستتجاوزه الأحداث ويصبح من الماضي.
الصراعات لا ترحم والحروب لا تجامل.


عامر عبد المنعم

الأحد، 21 يونيو 2026

عدوانية الغرب

 عدوانية الغرب

 بين غريزة سفك الدماء وتصدير الكراهية!

 . قراءة محمد عبد الشافي القوصي




 

عدوانية الغرب بين غريزة سفك الدماء وتصدير الكراهية!

نجح كتاب (عدوانية الغرب) في كشف حقيقة الصراع بين الغرب والإسلام، بلْ نجح بامتياز في الوصول إلى أصل الصراع وجذوره التي تمتد منذ نشأة الدولة الإسلامية في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم؛ حيث أوضح المؤلف أن الإمبراطورية الرومانية لمْ تتسامح مع الإسلام، بلْ تعاملت معه على أنه عدو منذ البداية؛ فهي التي بادرت المسلمين بالعداء وواجهت الدعوة الجديدة بالرفض والمعاداة. وارتكبت تلك الإمبراطورية آنذاك جريمة تنكرها جميع الأعراف والمواثيق الدولية قديماً وحديثاً، وذلك بقتلهم مبعوث رسول الله! وهو الأمر الذي تسبب في معركة نشوب (مؤتة) في جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة!

أشكال الصـراع:


إنَّ كتاب (عدوانية الغرب) الصادر عن مكتبة مدبولي الصغير بالقاهرة لمؤلفه عامر عبد المنعم، يعد وثيقة تاريخية مهمة، وحجة دامغة لمن أراد أن يقف على خلفية الصراع بين الغرب والإسلام.


فقد أوضح المؤلف أن صراع الغرب مع الإسلام لمْ يكن عسكرياً فقط إنما اتخذ أشكالاً أخرى؛ فقد تم تشويه صورة الإسلام باختلاق كثير من الأكاذيب التي ساقها الكُتَّاب الغربيون، كما كان الهجوم على الإسلام هدفاً للإمبراطورية الغربية؛ سواء على الصعيد العقدي أو الصعيد الدعائي من جانب المؤرخين والمستشرقين المدعومين بعلماء اللاهوت في البلاد الخاضعة لسيطرة المسلمين، وقد تبعهم في المنهج نفسه أحبارٌ وقساوسةٌ بدءاً من القرن الثاني عشر الميلادي وحتى يومنا هذا. كانت هذه الدعاية قائمة على أساطير وأكاذيب جديدة لكتَّاب لمْ يعدموا الجهل بالأحاديث التاريخية، كما لمْ يُحرَموا موهبة تلفيق الأكاذيب، وكانت ثمرة هذه الدعاية ما اصطُلِح على تسميته في أوروبا باسم أسطورة مُحَمَّد.


إنَّ ما كتبه المستشرقون ضد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم يوضح بجلاء كَمَّ الكراهية وسوء النية المبيتة، وقد شهد «أرنيست رينان» على تحامل أبناء جنسه وملَّته من المستشرقين على الإسلام ونبيِّه صلى الله عليه وسلم. 
يقول رينان: «لقد كتب الغربيون تاريخاً غريباً عن مُحمَّد صلى الله عليه وسلم، إنه تاريخ مليء بالحقد والكراهية له».


ولم يحدث أن سعى الغرب لمراجعة مواقفه وتغيير أسلوب تعامله مع المسلمين، فموقفه العدائي هو الأصل الراسخ، وصراع الغرب مع الإسلام هو صراع لا يمكن أن يصل إلى حل؛ لأنه صراع بين مواقف نهائية. فالغرب يرى في الإسلام خطراً عليه، ثم إنه لا يعترف بأنه دين سماوي! وذلك يجعلهم يعتقدون أن الإسلام عدو يجب مواجهته والحد من أثره.


مراحـل العدوان الغربي:


يقول المؤلف: لقد اندفع الأوروبيون لغزو العالم في ظل تفوقهم العسكري، واستخدموا القوة لحكم الدول الرافضة لهم. 
وقد شهد التاريخ المعاصر ظهور ثلاث موجات متتالية من الهجمات الغربية على العالم، تتلخص هذه الهجمات في (الحروب الصليبية)، و(الحملات الاستعمارية)، ثم (الحروب الاستباقية). 
وما حدث في هذه المحطات من خسائر كلَّف البشرية كثيراً على حساب عقائدها وأمنها ومصيرها؛ فقد أشاعت تلك الحروب الكراهية والعداوات الدينية، وبذرت التقسيمات الجغرافية والسياسية في حروب بين الجغرافيات والأعراق لا زالت ترهق الشعوب حتى اليوم.


كان الدافع الديني هو المحرك الأبرز وراء الحروب الصليبية؛ إذ توحَّدت أوروبا تحت راية الصليب. 
أما في الموجة التالية - وهي الموجة الاستعمارية - فقد اختلط الدافع الديني بالاقتصادي. 
وفي المواجهة المعاصرة اختلط الديني بالاقتصادي مع الرغبة في الهيمنة والسيطرة على العالم في الحروب الاستباقية.

لقد حرص الغرب منذ الحملات الاستعمارية على الهيمنة على العالم الإسلامي كما يقول المؤلف، ورغم سحب وتخفيف الوجود العسكري إبَّان حركات الاستقلال في الخمسينيات والستينيات، فإن الغرب نفذ كثيراً من الإجراءات التي حافظت على استمرار الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية. لكن مع ظهور وتنامي الحركات الإسلامية، وتصاعد الدعوة للاستقلال عن الغرب، وإعادة بناء الدولة الإسلامية، بدأ الغرب يكثف من وجوده العسكري لفرض سيطرته. وتطور الأمر إلى المبادأة بالاعتداء على المسلمين لإجهاض أي قوة ناشئة يمكن البناء عليها.

سياسة الحروب الاستباقيـة:


يشير المؤلف إلى أن الغرب بدأ في البحث عن عدو جديد مع نهاية الحرب الباردة وتفكُّك الاتحاد السوفييتي (سابقاً) فلم يجد سوى الإسلام. من أجل ذلك عقدت المؤتمرات والندوات، وصدرت التصريحات تلو التصريحات، ثم أُعلنت الإستراتيجيات والخطط لحشد التأييد الغربي للمواجهة مع العدو الجديد، الذي بالغوا في تضخيم خطره لتجهيز حلبة المصارعة للقضاء عليه، وتوج ذلك كله بنظرية صمويل هنتنغتون «صدام الحضارات».

فقد لوَّح هنتنغتون بخطر الحركات الإسلامية، والدعوة إلى مواجهتها قبل أن تمتلك أدوات القوة العسكرية. وقد لقيت هذه الدعوى الكاذبة تأييداً من أصحاب القرار في الولايات المتحدة، فسيطرت بشكل كبير على تفكيرهم، وانتقلت هذه التصورات إلى وسائل الإعلام الغربية التي بدأت بتعزيز صورة نمطية عن الحركات الإسلامية في المخيلة الاجتماعية الغربية ضد الإسلام والمسلمين.


وكان لروح الصراع دورها في تطوير الهجوم واستهداف الدول الإسلامية التي ترفض التبعية الكاملة للغرب وتضييق الخناق عليها. 
وفي هذا الإطار وضعت أمريكا قائمة حمراء لهذه الدول أطلقت عليها اسم «الدول المارقة». 
وتم ضم دولتين غير إسلاميتين هما «كوبا، وكوريا الشمالية» للقائمة، لتمرُّدهما على الهيمنة الغربية وللضغط عليهما، ومنعهما من تقديم أي دعم في مجال التسليح للدول الإسلامية.

وقد بدأت أمريكا هذه الدول بالعدوان بحشد الدول الغربية المتحالفة معها لحصارها وتضييق الخناق عليها. 
وفي هذا الإطار هاجمت أمريكا ليبيا والسودان وأفغانستان والعراق بالصواريخ خلال الثمانينيات والتسعينيات، ثم غزو الدولتين الأخيرتين واحتلالهما عسكرياً مع بداية الألفية الجديدة.

ولمَّا كان الغرب لا يستطيع شن حروب عسكرية ضد كل الدول الإسلامية في وقت واحد، فإنه نوَّع أساليب الحرب تحت الاضطرار، وجَيَّش كلَّ ما هو متاح في الإجراءات الاستباقية. 
وفي هذا الإطار ابتكر الغرب الحرب على ما يسمى «الإرهاب» لاحتواء ظاهرة عودة المسلمين إلى الدين، ومواجهة الحركات الإسلامية التي تريد إعادة الخلافة الإسلامية مرة أخرى كوعاء يستعيد القوة الإسلامية.


وبالفعل فقد سعت الولايات المتحدة لحشد تحالف عالمي للصراع مع المد الإسلامي تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، ورصدت ميزانيات ضخمة وشكلت منظمات أمنية وأطراً مؤسسية لتجنيد العالم في معركة المطاردة والمحاصرة. وحرَّضت أمريكا دولاً وحكومات للانخراط معها في هذه الحرب، وقدَّمت المعونات والخبرات الفنية لإلزام دول العالم وإجبارها على المشاركة. كما استطاعت الولايات المتحدة إدخال المنظمات الدولية في الصراع، واستخدمت الأمم المتحدة لإصدار التشريعات والمواثيق لإلزام العالم بالتورط في المعركة.


يرى المؤلف أن الحروب الأخيرة التي أشعلها الغرب عقب أحداث سبتمبر 2001م لا يمكن النظر إليها على أنها ردُّ فعل، أو عزلها عن المعتقد والسلوك الصراعي للغرب مع المسلمين. فالعداوة سابقة على هذا التاريخ، والاستعداد للحرب كان مُبَيَّتاً؛ سواء وقعت أحداث سبتمبر أمْ لم تقع. لكن التوقيت ربما كان سيتأخر قليلاً. 
وأما هذا الانتقام من دول وشعوب المنطقة بالشكل المأساوي الذي حدث لا نجد له تفسيراً إلاَّ أن روح الصراع تجعل الغرب ينزع إلى الاعتداء والإبادة في كل الأحوال.

حصاد العدوان الغربي ونتائجه:


إن تفوُّق الغرب العسكري أغراه بالعدوان، وتسببت عقلية الصراع في توريط الغرب في مغامرات عسكرية، فوجئ أنها فاقت قدرته على تحمل اتساعها وامتدادها؛ فمع كثرة اعتداءات الغرب على المسلمين ظهرت نقاط الضعف لديه، في الوقت نفسه الذي تجلت فيه عناصر القوة لدى الطرف الآخر. وقد ثبت أن الإفراط في استخدام القوة يضعف تأثيرها مع الوقت، ولا تجلب النصر دوماً.


لقد دفعت روح الصراع الغربَ لغزو العراق وأفغانستان لتقديم عبرةٍ لباقي المسلمين، فإذا بالنتائج تأتي عكسية؛ فقد تسبب هذا التقطيع في أوصال الدولتين وتجريب أسلحة الدمار الفتاكة في شعبيهما، وانكشاف الوجه العدائي للغرب، تسبب في ردة فعل في الجانب الإسلامي؛ فأيقظ روح المقاومة وأحيى فكرة الجهاد. ووجدت أميركا نفسها متورطة في مستنقع لا مثيل له. وتحول النصر السريع في البداية إلى انكسار واستنزاف في ما بعد. وبدلاً من الاحتفال بالانتصار أصبحت الأُمنية هي الانسحاب والفرار.


نعم، لقد تسببت روح الصراع العدائية لدى الغرب في ولادة روح المقاومة في الجانب الإسلامي، وقوبلت القوات الغازية بروح قتالية لم تكن تتوقعها، ولم تستطع ترسانة الأسلحة الأمريكية كسر عزيمة المقاومين الذين يقاتلون بأسلحة لا تُقارن بما لدى الجيوش الغربية المتحالفة. ولم يرهبهم الهجوم الغربي المسلمين بقدر ما قوَّى قدرتهم على التحمل وامتصاص الضربات، وأفقد الجيوش الغازية هيبتها. ومقابل حشود الجيوش الغربية المتدفقة على مناطق القتال، احتشدت حركات المقاومة الإسلامية هي الأخرى، التي تشكلت من جنسيات عربية وإسلامية عدة وكونت جبهة مضادة، وقد تسبب توسيع ساحة الصراع في خروج المعارك عن السيطرة.


إن القدرة على شن الحروب لا تعني القدرة على إنهائها.
ربما كانت الصـورايخ والقنابل والقصف من الجو مؤلمة للخصم لكنها غير كافية لإنهاء المعركة؛ فهناك عوامل أخرى تحسم المعارك بجانب الأسلحة والتخطيط العسكري؛ فقد ظهر العنصر البشري عاملاً حيوياً في تحقيق النصر. 
هذا الصمود البشري والتفاني في القتال ربما لا يظهر في بداية المعارك لكن مع استمرار واتساع الحروب التي تحركها عقلية صراعية لا هدف لها سوى قهر الآخرين، تولد عناصر بشرية لا تتأثر بقوة الخصم ولا تبالي بقدرته التسليحية، وتفرض حقائق جديدة تقلب المتعارف عليه في الحسابات الإستراتيجية.

وصفة علاج:


يشخِّص المؤلف عِلَلَ الغرب وأمراضه، ثم يقدم وصفة علاج ناجعة، فيقول: 
إنَّ التاريخ القديم والحديث يثبت أننا أمام كيان يعاني من مرض مزمن. 
فالغرب مريض بداء الولع بالصراع مع الآخر والعدوان عليه، وهذا المرض الذي ألمَّ به تسبب في استنزافه، واستنزاف العالم معه، ومن ثَمَّ على العالم أن يساعد هذا المريض كيْ يتعافى. وأول مرحلة للعلاج أن نشخص المرض، وأن نوضح للمريض حقيقة مرضه. وفي حالة رفض الغرب الاعتراف بجرائمه في حق البشرية وفي حق نفسه، ليس أمام شعوب العالم إلاَّ التكاتُف والتصدي له، ووقف عدوانه وعزله ووقف خطره.

إن استمرار مرض الغرب لا يعني أنه سيظل يواصل تأثيره العدائي إلى الأبد، فها نحن نرى اتساع ظاهرة التمرد على الهيمنة الغربية في أمريكا اللاتينية وفي آسيا. لكن التمرد الإسلامي هو الأهم بالنسبة لنا وللعالم؛ فهو الكفيل بردع هذه الروح الشريرة. وها نحن نشعر بأن جسد العالم الإسلامي قد بدأ يُكَوِّن الأجسام المضادة ويُقَوِّي جهازه المناعي لكبح جنون «فيروس الصراع». 
وتبدو إرهاصات عودة الإسلام مرة أخرى محركاً وقائداً لاستعادة الدولة الإسلامية التي أصبحت ضرورة حتمية لحماية المسلمين وغيرهم، ولإعادة التوازن العالمي المختل.


في المقابل لم يعد لدى الغرب القوة القادرة على مواصلة الصراعات، بسبب الانهيار الذي أصاب الإنسان الغربي الذي سيطرت عليه المادية وملكت كيانه، وجعلته غير قادر على التضحية والقتال بسبب ظهور إرادة المقاومة وحب الموت عند المسلمين. وهنا الفرق بين إرادتين: 
إرادة محبة المتعة والحياة، وإرادة محبة القتال والشهادة. وعند الصدام تنهار الإرادة الأولى أمام الإرادة الثانية.


وفي سبيل مواجهة المرض العضال الذي ابتُلِي به الغرب (الصراع العسكري) يطالب المؤلف بضرورة كشف روح الصراع عند الغرب وإظهار مرضه المزمن حتى يتعامل معه الآخرون بما يفيدهم وبما يؤدي إلى عزل الكيان المريض والحد من خطره.


ويرى أيضاً ضرورة وقف انتشار روح العداء الغربية ومنع تصديرها إلى شعوب العالم؛ بتقوية المقاومة ضدها، وإحياء حالة الممانعة (فكرياً واجتماعياً وسياسياً)، ووقف حملات تحسين صورة الغرب التي يقوم بها بعض الناس عن عمد وسوء نية، أو عن جهل وسذاجة بإظهار مزاياه فقط، والتكتم على المشكلات الحقيقية التي يعاني منها.


كذلك البدء بتحرير البؤر التي تعاني من تصدير الصراع إليها في العالم الإسلامي؛ سواء من تدخلات خارجية في صورة احتلال أو هيمنة، أو تدخُّلات غير مباشرة في صورة محاولات تغيير السياسات والنُّظُم الاجتماعية.


وأيضاً السعي لتوحيد الجهود لإعادة الكيان الإسلامي لرد الاعتداء وصد العدوان الغربي والحد من أثره وإعادته إلى حدوده القديمة والسيطرة عليه.


ولا بد من التواصل مع الكيانات الحضارية الأخرى في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا لبناء جبهة واسعة للتصدي لروح الصراع الغربية.


ويرى التحاور والتفاهم في الوقت ذاته مع الغربيين الذين يشعرون بخطورة المرض، ويشاركون في أداء أدوار إيجابية ضد روح الصراع السائدة في الغرب.


الحق أقول:
إنَّ كتاب (عدوانية الغرب) لمؤلفه (عامر عبد المنعم) غاية في الأهمية للباحثين والمفكرين الإستراتيجيين على وجه الخصوص؛ للوقوف على حقائق الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب، أو بين الشمال والجنوب. ومعرفة جذور العداوة التاريخية، وكيفية التعامل مع هذا الملف الشائك، إنها معركة الوجود بين القرآن والتلمود!


 . محمد عبد الشافي القوصي