الخميس، 1 فبراير 2018

الولايات المتحدة وتركيا وعملية عفرين

الولايات المتحدة وتركيا وعملية عفرين
صورة أرشيفية لزيارة الرئيس التركي أردوغان للولايات المتحدة ولقائه بالرئيس ترامب


بشير موسى نافع
كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

طبقًا لدوائر إعلامية تركية مقربة من حزب العدالة والتنمية الحاكم، تلقى إبراهيم كالن الناطق باسم الرئيس التركي، اتصالًا من سكرتير مجلس الأمن القومي الأمريكي جنرال ماكماستر، مساء 26 من يناير/كانون الثاني، خلال الاتصال أكد ماكماستر أن الولايات المتحدة ستوقف إمدادات السلاح لحزب الاتحاد الديمقراطي، الكردي السوري، وقوات حماية الشعب، التابعة للحزب.

هذه المرة الثانية التي قدمت فيها إدارة ترامب لتركيا مثل هذا الوعد، في 27 من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كان الرئيس نفسه، دونالد ترامب، من أخبر نظيره التركي طيب أردوغان، أن إدارته لن تقدم المزيد من السلاح للمسلحين الأكراد السوريين، مثيرًا حالة من الاحتفال في الإعلام التركي، بعد محادثة الرئيسين الهاتفية بأيام قليلة، رصدت قافلة إمدادات عسكرية أمريكية تقطع الحدود العراقية ـ السورية في طريقها للوحدات الكردية في منطقة الرقة، فهل يمكن لأنقرة أخذ وعود ماكماستر هذه المرة على محمل الجد؟

الحقيقة، أن تركيا لم تر في الموقف الأمريكي من المسألة السورية، منذ 2011، سوى الأكاذيب والخذلان، ولم يكن هذا هو المتوقع في أنقرة على الإطلاق؛ ليس فقط لأن تحالف الناتو يجمع الدولتين منذ مطلع الخمسينيات، ولكن أيضًا لأن تركيا ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، اقتصادية ـ مالية وثقافية وعسكرية، في المرحلة الأولى من الأزمة السورية، قبل التدخل الروسي المباشر، عندما أصبحت سوريا مسرحًا هائلًا للصراع بين المعارضين المسلحين، من جهة، وقوات النظام والميليشيات الشيعية الموالية لإيران، من جهة أخرى، رفضت إدارة أوباما التدخل لصالح الشعب السوري.

عندما وقع الصدام التركي ـ الروسي، بإسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، لم تتلق أنقرة سوى دعم لفظي من واشنطن ودعوات أمريكية لمنع التصعيد

وحتى قبل ظهور النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ترددت واشنطن في تقديم أي دعم جوهري للثورة، أو السماح لحلفائها في الإقليم توفير السلاح النوعي للثوار، على الأقل بما يسمح بمواجهة وحشية طيران النظام، وما إن بدأ صعود تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والنصرة على حساب جماعات المعارضة الأخرى، حتى تخلت إدارة أوباما كلية عن هدف التخلص من نظام الأسد، لتتبعها، خلال فترة قصيرة، السعودية وعدد من دول الدول العربية الأخرى.

في نهاية سبتمبر/أيلول 2015، أصبحت روسيا طرفًا مباشرًا في الصراع على سوريا، وتغيرت بالتالي معادلة القوة بصورة كبيرة، وبدلًا من أن تتقدم الولايات المتحدة لتعديل ميزان القوى، تركت تركيا منفردة في مواجهة الروس، أعلنت إدارة أوباما أن مهمتها في سوريا محصورة بمكافحة الإرهاب، وأسست مجموعة تنسيق عملياتي مع موسكو لتجنب صدام محتمل بين الطرفين على أرض وفي سماء سوريا.

وعندما وقع الصدام التركي ـ الروسي، بإسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، لم تتلق أنقرة سوى دعم لفظي من واشنطن ودعوات أمريكية لمنع التصعيد، سوغت إدارة أوباما موقف عدم الاكتراث بأن سوريا لم تكن أبدًا منطقة اهتمام إستراتيجي للسياسية الأمريكية في الشرق الأوسط، ولكن موقف عدم الاكتراث سرعان ما تحول إلى تباعد عدائي، عندما بدأت واشنطن في دعم الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، التي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمال الكردستاني.

لم يكن الاتحاد الديمقراطي قوة رئيسية في المناطق الكردية السورية في بدايات الثورة، ولكن الحزب اتبع سياسة دموية لإقصاء القوى الكردية المتآلفة في المجلس الوطني الكردي، والممثلة في الائتلاف السوري المعارض، ومع 2014 – 2015، عندما انطلقت معركة تحرير بلدة عين العرب (كوباني) الكردية من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، أبدى الاتحاد الديمقراطي وميليشياته الاستعداد للتعاون مع الأمريكيين لدحر داعش، وبدأت بالتالي العلاقة التحالفية غير السوية بين واشنطن والاتحاد الديمقراطي. 

ساعد الدعم العسكري الأمريكي، سلاحًا وتدريبًا، الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب على تحقيق سيطرة كاملة على المناطق الكردية في شمال شرق سورية، وفي شمالها الغربي

خلال 2014، وحتى صيف 2015، انخرطت الحكومة التركية والعمال الكردستاني في عملية سلمية؛ ولم يكن ثمة قلق كبير في أنقرة من الصعود المستمر لامتدادات الحزب السورية، وقد لعبت تركيا دورًا مساندًا لتحرير عين العرب من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، حتى وهي تعلم أن القوة الكردية المسلحة الرئيسية في العملية تتبع للاتحاد الديمقراطي، ولكن كسر العمال الكردستاني وقف إطلاق النار في آب/أغسطس 2015، ونهاية العملية السلمية في تركيا، ولد قلقًا متصاعدًا من هيمنة امتدادات العمال الكردستاني على الساحة الكردية السورية.

خلال الشهور التالية، توفرت أدلة متزايدة لدى الأتراك على تعاون وثيق بين العمال الكردستاني في تركيا ووحدات حماية الشعب والاتحاد الديمقراطي في سوريا، ليس فقط على صعيد التدريب والاتصال، ولكن أيضًا فيما يتعلق بإمدادات السلاح والمتفجرات، وحتى أشتون كارتر وزير دفاع أوباما، خلال جلسة استماع بالكونغرس في أبريل/نيسان 2016، لم يستطع إنكار العلاقة العضوية بين حلفاء إدارته من الأكراد في سوريا والعمال الكردستاني في تركيا.

ساعد الدعم العسكري الأمريكي، سلاحًا وتدريبًا، الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب على تحقيق سيطرة كاملة على المناطق الكردية في شمال شرق سورية، وفي شمالها الغربي، راقبت تركيا، بقلق بالغ، تطور العلاقة بين الاتحاد الديمقراطي والأمريكيين في شمال سوريا الشرقي، وأعلنت بوضوح أنها لن تسمح بانتشار كردي مسلحة غربي الفرات، وسرعان ما ولد الدعم الأمريكي للأكراد السوريين مشكلة من نوع آخر. 

فرغم أن هناك مناطق وجود كردي ملموس في سوريا، لا يتمتع الأكراد بأغلبية قاطعة في هذه المناطق، ولذا، وكلما كان ذلك ضروريًا أو ممكنًا، اتبعت القوات الكردية المسلحة في سوريا سياسة تطهير عرقي ضد العرب والتركمان، بهدف توسيع نطاق منطقة الحكم الذاتي التي أعلنها الاتحاد الديمقراطي في الشمال السوري.

إدارة ترامب، ورغم الانتقادات التي توجهها لسياسة أوباما السورية، لم تغير شيئًا من هذه السياسة

ولكن، وطالما استمر الأكراد في تحمل عبء المواجهة مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وتجنب الأمريكيون دفع جنودهم إلى ساحة المعركة، غضت واشنطن النظر عن المخاوف التركية وعن سياسة التطهير العرقي التي اتبعها الأكراد.

في المقابل، وفي محاولة خداع ساذجة، دفع الجنرال رايموند توماس قائد القوات الخاصة في سوريا، وبرت ماكغورك مبعوث الرئيس أوباما للتحالف ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، الاتحاد الديمقراطي، في أكتوبر/تشرين الأول 2015، إلى تشكيل ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية، التي تضم أكرادًا وعربًا، كمظلة لقوات حماية الشعب وميليشيات الاتحاد الديمقراطي الأخرى. 

في نهاية يوليو/تموز 2016، طلب الرئيس أوباما من أردوغان، في اتصال هاتفي، السماح بمشاركة القوات الكردية في تحرير منبج، المدينة العربية، من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، على أن تعود الوحدات الكردية المسلحة إلى مواقعها شرقي الفرات مباشرة بعد تحرير المدينة، دحرت تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من منبج في مطلع أغسطس/آب، ولكن وعود أوباما لم تتحقق، ورغم الإلحاح التركي، لم تزل وحدات حماية الشعب الكردية تسيطر على المدينة.

تمامًا كما أن تحرير الرقة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي وضع المدينة العربية تحت السيطرة الكردية، وفي هذا الإثناء، كان الاتحاد الديمقراطي قد نجح، على خلفية فوضى الفصائل في الشمال السوري، وبفعل وجود قوات حماية الشعب في منبج، في تأسيس خطوط إمداد منتظمة للوحدات الكردية في منطقة عفرين، شمال غربي سوريا، التي تحولت خلال العام الماضي إلى قلعة حصينة للحزب وميليشياته.

بمعنى، أن إدارة ترامب، ورغم الانتقادات التي توجهها لسياسة أوباما السورية، لم تغير شيئًا من هذه السياسة، حتى بعد وعد ترامب الشهير لأردوغان بوقف إمدادات السلاح لميليشيات الاتحاد الديمقراطي.

أدى سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا، من دون معرفة الحكومة التركية، خلال الأزمة الكوبية، في مطلع الستينيات، ورسالة جونسون لأنقرة في منتصف الستينيات بخصوص قبرص، إلى إجراء مراجعة شاملة للسياسة الخارجية التركية.

نجم عن تلك المراجعة تحسن ملموس في العلاقات مع الاتحاد السوفييتي والاعتراف بمنظمة التحرير وعضوية تركيا في منظمة المؤتمر الإسلامي، إصرار أنقرة على تنفيذ عملية عفرين، والتقارب مع روسيا، بما في ذلك شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400، مؤشرات على أن التحالف التركي ـ الأمريكي لم يعد كما كان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق