الثلاثاء، 1 أبريل 2025

«وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ»

آخر كلام      

 «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» 



د. محمد المقاطع  



التحدي المُلح الذي يواجه الفلسطينيين والقضية الفلسطينية هو الانقسام والعداء الفلسطيني - الفلسطيني، هذا الانقسام والعداء غُرِس منذ اللحظات الأولى التي نشأت فيها الفصائل الفلسطينية، إذ سرعان ما حدث التشرذم والانقسام بينها على أسس فكرية هشة ظاهرياً، وعلى أسس التبعية والدوران في فلك دولة عربية أو أجنبية أو لافتة حزبية لدولة عربية أو غيرها من الدول الشيوعية أو الاشتراكية أو الفارسية أو غيرها من اللافتات الهزيلة. 

ثم حدث شرخ إضافي وانقسام أعمق بعد ظهور جناح المفاوضات والسلام الموهوم مع «الكيان الصهيوني اللقيط» والذي انخرطت به بعض الدول العربية، ولم تجنِ من ذلك إلا مزيداً من الضرر والتقهقر فلسطينياً وعربياً، وفي المقابل تعززت قوة واستقرار وتطور «الكيان الصهيوني اللقيط» وعصاباته المجرمة في فلسطين. 

وتفاقم الانقسام وكبر الشرخ بعد إنشاء ما سمي بـ «السلطة الفلسطينية» والتي أصبحت مطمعاً وطموحاً للفصائل المتنافسة بل والأكثر ضراوة مطمعاً وطموحاً لزعاماتها ليحظى من يظفر بذلك بلقب رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء ويتم استقباله خارجياً كذلك، في دولة على الورق، في حين أنه يتم قضم أراضيها يوماً تلو الآخر، كما قُضِمت فلسطين الـ 1948، وكما تقضم كل يوم بعد ذلك أجزاء من القدس، وقاد ذلك - في ظل الانقسام والنزاع والخصومة والشروخ المتلاحقة- إلى إبرام اتفاقية أوسلو عام 1995، والتي كرست وَهْم الدولة الفلسطينية على الورق، على أمل قيام دولة فلسطينية على أراضي ما قبل عام 1967، وصولاً لما سمي بحل «الدولتين»، والذي طال أمده وانتظاره مدة 30 عاماً، حدث خلالها تجذير الانقسام والتشرذم والنزاع بقيام كيانين فلسطينيين أحدهما بيد السلطة (أي فتح) وهي الضفة الغربية، والآخر بيد «حماس» وهي غزة. 

وقد سهل ذلك على الكيان الصهيوني عملية القضم، فأقام مستوطات على نصف أراضي الضفة وأبقى الفلسطينيين في سجن المخيمات المقسمة والمحاصرة والمحكومة بالنار والحديد، وكذلك الحال في غزة التي أقام فيها ثلاث مستوطنات، اضطر إلى مغادرتها وهدمها، لكنه ظل محاصراً لغزة مواصلاً الحصار والخنق وشن الحرب تلو الأخرى، حتى تفجر طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وما زال الكيان الصهيوني هو المتحكم في المصير الفلسطيني وشعبه، حيث يمارس يومياً كل صنوف الإبادة الجماعية والتهجير والاعتقال والتعذيب، ويسير بخطى محكمة ومرسومة ومدعومة من أميركا لإفراغ الضفة وغزة من شعبها وفرض الهيمنة والسيادة الصهيونية عليها، تمهيداً لإقامة كيانه على كل أرض فلسطين وإجلاء أهلها منها وهو المخطط الذي يتم السير عليه وفقاً لما عُرِف بـ «صفقة القرن»، التي أدخل عليها تعديلاً مؤخراً بتحويل غزة لمنتجع سياحي عالمي مفتوح للاصطياف ولعب الغولف، كما أعلن ذلك الرئيس ترامب بتوجهاته الاستعمارية والتوسعية الجديدة، والتي بموجبها غيّر اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا، وسيضم إليه جزيرة غرين لاند، ويتملك قناة بنما، ويرغب في ضم كندا لتصبح الولاية الـ 51 لأميركا، وغيرها من أشكال الهيمنة الاقتصادية والاستثمارية التي ستفرض فرضاً على دول أخرى، مع فرض الجمارك العالية عليها. 

في ظل تلك الحقائق والمعطيات، وفي نطاق الوقت المحدود والآيل للنفاد، ليس أمام الفلسطينيين إن بقي لهم أي نصيب من الحكمة والعقل والوطنية سوى الوحدة والتماسك لتعزيز بنيانهم كشعب وكدولة ولضمان الصمود والبقاء إن كانوا حقاً يؤمنون بمقولة «لا وطن بديل»، وأنه لا بد من الصمود والمقاومة لضمان التحرير واستعادة فلسطين، فلا يَعرِفْ التاريخ شعباً تحرر واستعاد دولته إلا حينما كان موحداً ومتماسكاً، وقد قال الله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا»... كما قال سبحانه: «وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ». 

فلا خيار للفلسطينيين في غير الوحدة والتماسك، في ظل ضعف وتفكك وفرقة عربية وإسلامية شديدة تبرهن على أن التعويل على الأمتين العربية والإسلامية لإنقاذ فلسطين ليس أمراً مدركاً في الظروف الراهنة التي تسودها الفرقة والانقسام وضعف الإرادة في مواجهة الصهاينة ومن يقف وراءهم، إلا إذا صحت الأمة من سُباتِها وتوحّدت واعتصمت بحبل الله القوي. 

ألا هل بلغت اللهم فاشهد.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق