‏إظهار الرسائل ذات التسميات آخر الكلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات آخر الكلام. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 26 أغسطس 2026

بتر ذراعَي الشر والعدوان بالمنطقة

   آخر كلام       
بتر ذراعَي الشر والعدوان بالمنطقة 


د. محمد المقاطع 
 
لم يعد أمام دول المنطقة وإقليمنا من خيارٍ سوى التصدي لمصدرَي اللااستقرار والعدوان والفوضى والشر في المنطقة، وهما: الكيان الصهيوني، وإيران. فهذان الحليفان بالخفاء والعدوّان بالظاهر، يقومان بدورين متكاملين في فرض نفوذهما على المنطقة، والصراع بينهما يتعلَّق بكيفية اقتسام هذا النفوذ فقط، ظناً منهما أن المنطقة لقمة سائغة، وأن قوتهما العسكرية، وربما البشرية بالنسبة للفرس، كافية لتحقيق تلك الهيمنة. وقد فاتتهما قدرة وإمكانية دول المنطقة، العربية، والإسلامية، على قلب الوضع، ليرتد عليهما، ومن ثم ينبغي لدول المنطقة والإقليم العربية والإسلامية أن تحسم أمرها، وأن تكون على يقين بأنه لا خيار لها إذا أرادت الاستقرار والازدهار والتطور لهذا الإقليم ولدولها سوى بتر ذراعَي الشر والعدوان في المنطقة، وهما: الكيان الصهيوني اللقيط، وإيران الفارسية. 
إن تفجير المنطقة وتفكيك دولها والهيمنة عليها في عقلية وذهنية هذين النظامين الشريرين والعدوانيين التوسعيين، وهو مخططهما ومسلكهما اللذان لن يحيدا عنه، وقد نفذ كل منهما أجزاء منه، استفادةً من بعض الترتيبات والدعم الأميركي سابقاً، وسيواصل كلاهما تنفيذ بقيته. فإن لم يتم بتر ذراعيهما، فإن المنطقة لن تشهد استقراراً، بل ستشهد حروباً متعاقبة، ومجازر، وإبادات متتالية، وجرائم تطهير عرقي فظيعة. ولم يعد الأمن الإقليمي يعني الكثير للدول الكبرى، وخصوصاً أميركا، التي تدعم بشكلٍ واضح هيمنة إقليمية لمَنْ تكون له القوة والغلبة فيها، وهي ترى ذلك متحققاً للكيان الصهيوني، ولا تمانع في حصول إيران عليه أيضاً. 
وربما ترى في التحالف السعودي - التركي - الباكستاني بديلاً أكثر ملاءمة. ولعل تصدي قوى إقليمية عربية وإسلامية لمخطط ذراعَي الشر والعدوان وإجهاضه أمر حتمي، وأرى بارقة الأمل قد لاحت في أُفقنا بالتحالف التركي - السعودي - الباكستاني، ولزوم وضرورة أن تنضم إليه كل من مصر وبقية دول مجلس التعاون وسورية والأردن ولبنان، ليتم من خلاله وبه إفشال تلك المخططات ببتر ذراعَي الشر والعدوان قبل أن تعيثا فساداً في بلداننا، وتقوم بتدميرها وإبادة شعوبها، فلدى كل من الكيانين الشريرين والعدوانيين معتقداته وتوجهاته ومخططاته الشريرة تجاه الإقليم ودوله، فإما أن نكون بجاهزية وقدرة كافية، بل يجب أن يتم ذلك، وإلا فإن ذراعَي الشر والعدوان سينفذان مخططاتهما، والتي بدأت إرهاصاتها تتزايد في السنتين الماضيتين، وظواهرها ومظاهرها تتكشَّف وتتعاظم يوماً تلو الآخر، مع حدوث تراجع في الدعم وقدراتهما، وهو ما يجب اغتنامه. 
هذا نداء أخير ومُلح لدول المنطقة والإقليم للتحرُّك العاجل القوي والمدروس، فقد قِيل في المثل الشعبي الكويتي «إذا فات الفوت ما ينفع الصوت». 
«وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ». 

الجمعة، 21 أغسطس 2026

وجهة وطن: البحث عن بن غفير

 آخر كلام 
 وجهة وطن: البحث عن بن غفير 



محمد البغلي 
دفعتني التصريحات الأخيرة لوزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير، التي دعا فيها إلى قتل عشرات الفلسطينيين يومياً في غزة، إلى البحث في شخصيته باعتباره الأكثر عنصرية وإجراماً في حكومة كيان قائم أصلاً على العنصرية والجريمة. 

حسب المعلومات المتوافرة على شبكة الإنترنت، وُلد بن غفير عام 1976 لأسرة يهودية هاجرت من العراق في منتصف ستينيات القرن الماضي إلى الأراضي العربية المحتلة، ومنذ فترة شبابه كان بن غفير مثالاً غير منضبط حتى في أوساط المتطرفين اليهود، كتهرُّبه من خدمة جيش الاحتلال، كما أنه رغم إتمامه دراسة «القانون»، فقد رفضت نقابة المحامين طلب عضويته بسبب سجلّه الجنائي، ولم تقبله إلّا بعد احتجاجات قادها بنفسه مع أصدقائه المتطرفين. 

تطرُّف بن غفير واندفاعه، بل وحماقاته المتكررة، هي التي جعلت اسمه وهو وزير الأمن القومي، ربما لأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني عام 1948، أشهر من وزراء آخرين على المستوى الدولي كوزيرَي الدفاع أو الخارجية، بل إن اسم بن غفير في العديد من المناسبات يظهر في الإعلام متقدماً على اسم رئيس حكومته نتنياهو! 
بن غفير هو صاحب ما يُعرَف بـ «هندسة الإجرام» تجاه الفلسطينيين من خلال تبنّيه ودفعه لإقرار قوانين وسياسات خارج منظومة العدالة والإنسانية، كقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، أو قانون تقييد رفع الأذان في المساجد، إلى جانب اقتحاماته المتكررة للمسجد الأقصى، وإخراج المصلين منه قسراً، فضلاً عن دعواته التي لا تحترم قانوناً دولياً ولا حقوقاً إنسانية بتهجير الفلسطينيين من منازلهم، ليحلّ محلهم المستوطنون، ووصفه لأصوات الجرّافات التي تهدم هذه المنازل بأنها «رائعة ومذهلة»، إلى جانب حرصه على كل ما يُفضي إلى الإبادة الجماعية. 

ولا تتوقف معاناة الفلسطينيين المساكين عند سياسات بن غفير وصلاحياته الإجرامية، فقد ابتلوا ببروز زوجته أيالا بن غفير (أيالا نمرودي سابقاً) - التي لا علاقة لها بالسياسة - إلى واجهة العمل العام، والتي اشتهرت عند تقديمها لكعكة عيد ميلاد زوجها - لا أعاده الله عليهما - على شكل حبل مشنقة، بالتزامن مع إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين... 
في مشهد يعكس همجية هذه العائلة ومدى دمويتها. 

وبعد البحث السريع في شخصية وتاريخ وسياسات المجرم الوضيع بن غفير، تيقنت أن هذا ونماذجه وأمثاله من الصهاينة مَن سيكتبون نهاية الدولة الصهيونية الطارئة على أرض فلسطين، فكلّما زاد إجرامهم وعدوانيتهم وعنصريتهم كان ذلك أدعى لكشفهم دولياً وإدانتهم إنسانياً وأقرب لسقوطهم الحتمي.

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

الحرب الأميركية الإيرانية... حقيقة أم مناورة؟

   آخر كلام       

الحرب الأميركية الإيرانية... حقيقة أم مناورة؟ 




د. محمد المقاطع

وضع الإقليم في مأزق اللاحرب واللاسلم، الذي أُقحمت فيه دولنا وصار عبئاً ثقيلاً، لم يكن قرار دولنا ولا خيارها، بل كان أميركياً صرفاً بدفع وتحريض صهيوني! وكل من أميركا والكيان الصهيوني له حساباته وأهدافه من الحرب مع إيران. وربما تصدق رواية تورط أميركا فيها! 

بالمقابل أعتقد أن إيران كانت تريد حرباً في مواجهة أميركا لأنها بحاجة ملّحة إلى مخرج لها من أزمات عديدة تعيشها قبل الحرب: منها تصاعد التذمر الشعبي والمواجهة مع سياسات النظام وطريقة معاملته للشعب! انقسام متفاقم بين القيادات التقليدية والإصلاحيين بلغ مرحلة المواجهة! تزايد احتمالات تقسيم إيران مع وجود مؤشرات تدل على ذلك! 

وضع اقتصادي متردٍّ وغلاء فاحش للأسعار وتضخم غير مسبوق وتذمر متزايد من أحوال معيشية سيئة!

 فالحرب لإيران كانت مخرجاً لتوحيد جبهتها وتعزيز قبضة النظام وقمع التذمر وتسويق حالة الضائقة الاقتصادية كونها جزءاً من الحرب، وإضعاف قدرة الأقليات والأقاليم الإيرانية على الانفصال أو زيادة وتيرة مطالباتها! فإيران هي المستفيدة من ذلك بل المستفيد هو التيار المتشدد الإيراني وفي معيته الحرس الثوري وأذرع إيران الإرهابية! 

وأمام حالة المأزق الذي تم توريط إقليمنا فيه بهذه الحرب، وجلاء تخلي أميركا عن نهجها التقليدي لحماية الحلفاء، والذي بدأ بأوروبا ومر على القارة الأميركية، وصار جلياً في منطقتنا بعد أن قامت الحرب الأميركية الإيرانية! 

فخيارات دولنا في حماية نفسها وشعوبها هي خمسة مسارات: 

النأي بالنفس عن التورط في الحرب واتباع سياسة الحياد والحكمة. 

تعزيز حالة الدفاع عن النفس واتخاذ ما يلزم من إجراءات وتسليح وحشد عسكري لمواجهة الخطر وردعه إن لزم الأمر. 

تفعيل الحلول السياسية والتحركات الدبلوماسية لتجنيب المنطقة التصعيد وللحيلولة دون الانزلاق في الحرب! 

البحث عن بدائل للقوة العسكرية والتحالف الإقليمي بين دول مجلس التعاون ودول عربية مثل مصر والأردن، وتوسيع التحالف ليشمل تركيا وباكستان وربما سورية وغيرها، وهو ما نفذت بعض إجراءاته ومنها «إعلان مكة». 

اللجوء إلى المنظمات الدولية للاستفادة من مظلة مشروعيتها لدعم دول المنطقة في مواجهة العدوان والعجرفة الإيرانية وحشد دعم دولي! 

وهذه الخيارات مستمرة وفي توسع حتمي واستراتيجي! 

لكن الأسئلة المهمة، في ظل غياب أهداف محددة لأميركا في حربها مع إيران! وغموض توجهاتها غير المنفتحة بصراحة مع دولنا! 

وفي ظل العديد من التناقضات بالتصريحات والمواقف ومنها مد أمد حالة اللاحرب واللاسلم: هل أميركا كانت تنوي إسقاط النظام الإيراني في حربها التي بدأتها في فبراير؟ 

وهل مسار أميركا العسكري والسياسي يدلل على رغبتها في إسقاط النظام؟ 

هل أميركا أُقحمت في حرب ليست لديها أهداف واضحة بشأنها ووجدت نفسها في ورطة حرب استنزاف ونهايات غير مضمونة، مما جعلها تعيش التردد والبحث عن المخارج والاكتفاء بما تم؟ 

هل أميركا قاصدة من الحرب إنقاذ النظام الإيراني بتأديبه قليلاً ليعود إلى نطاق قبول ترتيبات النفوذ؟ أم كانت تهدف إلى تضخيمه بعبعاً في المنطقة خصوصاً مع إغفالها لتداعيات غلق مضيق هرمز الذي تم تنبيهها لمخاطر سيطرة إيران عليه من قيادات سياسية وعسكرية أميركية؟ هل تقصد أميركا إدخال منطقتنا في حالة اضطراب وعدم الاستقرار لغايات سياسية وعسكرية واقتصادية هي على علم ودراية بمآلاتها!

 وعليه فالسؤال الأهم والذي يجب بحثه والتفتيش عن إجابته هو: 

هل نحن أمام حرب حقيقية أم مناورة لها أغراضها وعواقبها الخفية! ألم تأتِ هذه الحرب لمصلحة الكيان الصهيوني وربما إيران أيضاً؟ ومضرة بدولنا واستقرارها؟ 

نقاش مهم وما لم تحسم حالة اللاحرب واللاسلم ويسقط النظام تبقى تساؤلات مشروعة ومطروحة!



الاثنين، 10 أغسطس 2026

وجهة وطن: رئيس بعقلية مضارب

آخر كلام       

وجهة وطن: رئيس بعقلية مضارب 



محمد البغلي 


ثمة شخصية متعارف عليها في أسواق الأسهم والعقارات، هي تلك التي تحمل عقلية المضارب الذي يستهدف الربح السريع ضمن مدى زمني قصير.

  وغالباً لا ترتبط حركة المضارب ببناء استراتيجيات أو رسم سياسات وخطط بعيدة المدى بل بالفرص المتاحة في فترة محددة، وهي مصحوبة بمخاطر عالية، مما يترتب عليها مكاسب عالية أو خسائر فادحة... حسب التحليل أو التحالفات أو حتى الحظ.

 وتوصف شخصية المضارب في الأسواق بأنها «ملح السوق»، أي أنها ضرورية في حركة التداولات، ولكن زيادتها عن حدودها المقبولة قد تسبب أضراراً «نظامية» وفقاعات تدمر الثقة والمؤسسية والشفافية.

 هذا ما يترتب على الإفراط في المضاربة في أروقة البورصات والأسواق، أي المرافق التي يفترض أنها تتقبل أو تنسجم مع شخصية المضارب، 

فكيف يمكن أن يكون الأمر عندما تكون هذه الشخصية في موضع لا يناسب وجودها أصلاً، كأن يتصرف رئيس الولايات المتحدة الأميركية بعقلية المضارب؟ 

عقلية ترامب المضاربية لا تتعلق فقط بالاتهامات والشكوك المتزايدة بوجود منافع وتضارب مصالح في الربط بين قراراته وتصريحاته مع أداء أسواق الأسهم والنفط والعملات المشفرة والتي في أكثر من مناسبة تتحرك في اتجاه يسبق تصريحات ترامب بشكل يعزز من مخاوف تسريب المعلومات، بل أيضاً بالطريقة الفوضوية السريعة والمتقلبة في إدارة العديد من الملفات الحساسة والدقيقة سواء الهجرة والحدود في الداخل الأميركي أو خارج أميركا كالرسوم الجمركية فضلاً عن الحرب التي شنتها أميركا مع الكيان الصهيوني في منطقة الخليج العربي وترتب عليها اعتداءات إيرانية غاشمة على دول مجلس التعاون الخليجي. شخصية ترامب المضاربية هي التي شجعته على اقتباس مخاطرة عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته مطلع العام الحالي في عملية شن حرب سريعة على إيران عنوانها الأساسي حملة اغتيالات لصفوف القيادة الإيرانية دون وضع احتمالات بكيفية التصرف في حال لم تفضِ إلى استسلام إيراني مماثل لاستسلام الفنزويليين. 

وهذه الشخصية هي التي خفضت أهداف حربها «أو كما يقال في الأسواق: الحد من الخسائر» في إقليمنا الخليجي من الإطاحة بالنظام الإيراني وتدمير السلاح النووي والقضاء على منظومة الصواريخ إلى العمل على مجرد إعادة افتتاح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب، بل إن هذه الشخصية لا تتورع عن المزايدة على مطالب الإيرانيين غير المستحقة في عملية الحصول على رسوم مرور عبر مضيق هرمز عندما تصرح بأن «أي رسوم عبر المضيق ستحصلها أميركا لا إيران» وهو تصريح غير مسؤول، لأن الأصل هو ضمان حرية الملاحة في الإقليم لا أخذ رسوم غير مبررة. 

قد يكون في سلوك ترامب اليومي وتصريحاته المتابعة أمثلة لا حصر لها على شخصيته المضاربية، وهذا ما يستوجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتعامل من خلاله وفق مصلحتها البعيدة المدى من خلال توسيع نطاق الشراكات الدولية والإقليمية وتنويعها والتوصل إلى صيغ تضمن عدم التعرض لأي اعتداءات إيرانية جديدة وعدم وضع عوائق في حركة ملاحة مضيق هرمز.  

شخصية المضارب كما هي معروفة في الأسواق حادة ومتقلبة وعنيفة ومخيفة أيضاً، فكيف يمكن الاطمئنان عندما يرأس هذا المضارب أقوى دول العالم اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً؟



الأربعاء، 5 أغسطس 2026

انتهاء اتفاقيات السلام وانهيار الإبراهامية

آخر كلام       

انتهاء اتفاقيات السلام وانهيار الإبراهامية

 

د. محمد المقاطع  

أظن أن اتفاقيات السلام بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية، بما فيها اتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية، دخلت مرحلة الموت السريريّ، وبدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة واحدة تلو الأخرى، وبدأت شواهد وإرهاصات الموت السريريّ لهذه الاتفاقيات تنعكس بشكل متزايد في السلوك العدائي للكيان الصهيوني وتزايد وتعاظم سلوك الإبادة والتطهير العرقي والتهجير، والتحريض المباشر الذي يقوم به هذا الكيان على الفلسطينيين للتحلل من اتفاق «هدنة غزة» الهزيل، بعد أن رأى جدية ترامب في تطبيق بنود الهدنة، ومن أهمها انسحاب الكيان الصهيوني الكامل من غزة، وكذلك نرى السلوك العدواني للكيان الصهيوني على دول عربية أطراف باتفاقيات السلام تلك، ما يؤكد دخولها مرحلة لفظ الأنفاس وعدم رواج نموذجها ولا توسيع رقعتها. 

وهذه الحقيقة الجلية تتزامن بصورة طردية مع توقف عجلة التطبيع مع الكيان الصهيوني بكل أشكاله وصوره، بما في ذلك انهيار مشروع اتفاقات إبراهام التي حظيت بضغوط وبدعم أميركي مباشر، وها هو الموقف العربي والإسلامي متماسك وصلب في التصدي لها، وفي مقدمة هذه الدول باكستان وتركيا والسعودية وإندونيسيا، ولن أفاجأ بعد اليوم بأن نرى تصاعداً لتيار عربي وإسلامي عكسي يجهض ويفشل ويتحلل من كل أشكال الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني ويفشل عجلة ومسار التطبيع مع الكيان الصهيوني اللقيط. وخصوصاً أن التجارب المريرة للدول الموقعة لهذه الاتفاقيات عايشت تنكر الكيان الصهيوني لالتزاماته بتلك الاتفاقيات وتحلله منها وعدم إيلائها أي اعتبار في سلوكه العدواني والإجرامي، والأيام حبلى بكثير من الخفايا والوقائع المؤكدة لذلك. بل إن أحداث غزة وعدم التزام الكيان الصهيوني باتفاق وقف إطلاق النار وعدم تنفيذ مراحله ومضيه في إرهابه والإبادة الجماعية في غزة وسياسة التجويع والتطهير العرقي المستمر والذي لم يتوقف يوماً فيها على نحو وحشي وعدواني، شكّل قناعات عربية وإسلامية واسعة مناوئة لتيار السلام واتفاقياته مع هذا الكيان اللقيط، فضلاً عن وقف ورفض التطبيع معه، ولا يغيب عن الأذهان تنصل ورفض الكيان الصهيوني لحل الدولتين والقيام بأعمال خبيثة وعدائية لإفشاله. 

بل إن الاعتداءات المتكررة للكيان الصهيوني على الضفة ونقل معركة الإبادة والحصار والتطهير العرقي والتهجير وحرق الأراضي الفلسطينية فيها سيكون شرارة إعلان نهاية المشروع الصهيوني وتوسيع دائرة التصدي العربي والإسلامي له بصورة غير مسبوقة خصوصاً مع تصاعد وتتابع إجراءات الكيان الصهيوني في انتهاكاته للمسجد الأقصى ومساعيه الخبيثة الرامية لتهويد المسجد الأقصى والقدس الشريف. 

وستكون تلك هي القاصمة التي ستكسر ظهر هذا الكيان اللقيط المتغطرس ووجوده ومخططه إلى غير رجعة، وسيكون ذلك أقرب وأسرع مما يمكن أن يتصوره أي منا. 

فلحظة انهيار اتفاقات السلام أوشكت أن تحدث!  وعلى الصهاينة ستدور الدوائر ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


الأربعاء، 29 يوليو 2026

بوصلة الخطر صهيونية وإيرانية متصهينة

   آخر كلام      

بوصلة الخطر صهيونية وإيرانية متصهينة 

د. محمد المقاطع 

العدو المركزي والمحوري للأمة العربية والإسلامية ولدول الخليج العربية هو الكيان الصهيوني اللقيط ومَن يدعمه ويتحالف معه ضمن الصهيونية العالمية أينما وجدت وعلى أية هيئة وبكل مؤسساتها وأشكالها. 

ويجب ألّا نخطئ بتحديد اتجاه بوصلتنا القومية والإسلامية، حتى لا توجّه ولا تتجه لغير العدو الحقيقي للأمة العربية والإسلامية، واتجاهها باختصار «للخطر الصهيوني وإيران المتصهينة». 

فالقلاقل والاضطراب وعدم الاستقرار بالمنطقة مُشعلها والمحرّض عليها ومن وراءها هو الكيان الصهيوني اللقيط والدخيل على منطقتنا، كيان سرطاني خبيث متحوّل ومدمّر يجب القضاء عليه واجتثاثه، وكل يوم، بل كل ساعة بل كل دقيقة تمرّ على بقائه واستمراره تعني مزيداً من الدمار والخراب لدولنا والإبادة الجماعية والتطهير العرقي وإراقة الدماء والفتن لشعوبنا، والحروب والاستنزاف لمقدراتنا وثرواتنا، ونجاسة متجددة بمنطقتنا، وإشاعة للروائح النتنة والكريهة! 

فلا مفرّ إلا بالتخلص منه والقضاء عليه واجتثاثه من جذوره وبلا هوادة أو تراخٍ!  


فالصهيونية القائمة في الكيان اللقيط على أرض فلسطين بلغت مرحلة خساسة لامتناهية، فجمعت أردأ لقطاء شتات شعوب العالم لتزرع فيهم كل يوم قيم الخساسة والإجرام والتجرّد من الإنسانية، وتلتحف بالديانة اليهودية رداءً ولم ولن ينجح في ستر كيانها الخسيس بنتانته وقبحه البشع ومعه عصاباته الخسيسة المكونة لهذا الكيان، وهي مكمن الخسة والقذارة اللاإنسانية، وفي مقدمتها النتن ياهو وبن غفير وسموتريتش، وبقية زعامات العصابات الصهيونية الخسيسة، عليهم لعنة الله. 

نحتاج إلى انتفاضة رسمية وشعبية شاملة على مستوى الأنظمة العربية والإسلامية وشعوبهما بوقفة رجل واحد وبسيف بتّار واحد يضرب الكيان اللقيط ويشطره ويقطّعه أوصالاً، ليجبر أوصاله للعودة لأماكنها القذرة التي قدمت منه لفلسطين! لينعم إقليمنا وعالمنا الإسلامي بهواء نقي واستقرار! 

ولن يتحقق ذلك بوجود الكيان اللقيط والدخيل في منطقتنا وفي قلبها النابض فلسطين واحتلاله لأحد أهم مقدساتنا، المسجد الأقصى الشريف! 

ولن يعجزنا ولا ينقصنا لتحقيق هذه النتيجة إلّا إيمان وإرادة وعمل موّحد مشترك، وأراه قادماً لا محالة! وأما الربيب الوليد لتك الصهيونية ومصيره مرتبط به وبوجوده منذ نشأة كل منهما، فهو إيران الملالي المولود للصهيونية الخبيثة، بعد أن كان حملاً كامناً لأوروبا المستأجرة للرحم الفرنسي ليكون إعلان دولة الملالي عام 1978 - 1979، وما نراه اليوم من نزاع هو محاولة اقتسام تركة ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، إقليمنا ودولنا وثرواتنا، فنحن لهم تركة وغنيمة اختلفوا على حجمها وكيفية تقسيمها بينهما مع الأطراف التي تقتات معهم على حسابنا بأميركا وروسيا وأوروبا وربما في دول أخرى. 

مقالي القادم سيكون عن انهيار مسار الاتفاقيات الإبراهيمية.

د. محمد المقاطع 


السبت، 25 يوليو 2026

وجهة وطن: انتصار الصراصير

آخر كلام       

وجهة وطن: انتصار الصراصير 



محمد البغلي


نجحت حركة الصراصير في الهند في تحقيق أحد أهم أهدافها أمس عندما أعلن وزير التعليم الهندي دارمندرا برادان استقالته، أمس السبت، إثر احتجاجات شبابية قادتها الحركة منذ نحو شهرين في البلاد.  

فكرة حركة أو حزب الصراصير، وقد كتبت عنها مقالاً عند بداية انطلاقها في تاريخ 13-6-2026 تحت عنوان «حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج»، هي حركة احتجاجية عفوية قادها الشباب من الفئات الأصغر سناً في منصات الإنترنت، على خلفية اكتشاف تلاعبات في اختبارات الامتحانات المؤهلة للكليات الطبية، فضلاً عن احتجاجات تتعلق بالبطالة وتراجع فرص العمل. 

إلى هنا تبدو المشكلة طبيعية، وقد تكون متكررة في أكثر من دولة بالعالم، إلا أن التصريحات التي أطلقها رئيس المحكمة العليا الهندية «سوريا كانت» الذي وصف الشباب المحتجين بـ «الصراصير القذرة» هو ما أشعل نطاق الاعتراض والحراك ضده وضد بقية مسؤولي الحكومة الهندية. 

فقد اعتمدت حركة الصراصير على وسائل التواصل الاجتماعي، واستخدمت المقاطع القصيرة والسريعة لتوجه رسائلها إلى الفئات الأصغر سناً، وتمكنت خلال الأيام الأخيرة من أن تجعل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يستخدم خلال اليومين الماضيين مقاطع تفاعلية (ريلز) لتوجيه خطاب يؤكد فيه سلامة مطالب الشباب المحتجين الذي بلغ عددهم في الشوارع الآلاف، لكنهم كانوا بالملايين خلف شاشات الكمبيوتر والأجهزة والمقاطع التفاعلية.


 باعتقادي أن التعامل مع الأجيال الشابة عالمياً، أو كما يقال «جيل Z» التي لديها خبرة تلقائية في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات التفاعلية هو أمر ضروري، فهذه الفئة هي التي تمثل المستقبل، وبالتالي التفاهم معها وفهم تطلعاتها بالتأكيد، سيكون نتائجه أكثر ايجابية في أي مجتمع.



الأربعاء، 15 يوليو 2026

بين المخطط والفخ..أفول نظام وبناء بديل

 آخر كلام 

 بين المخطط والفخ..أفول نظام وبناء بديل 

د. محمد المقاطع 

هناك مساران للتحليل والقراءة بشأن وضع الشرق الأوسط في قادم السنوات، أحدهما لا يزال يظنّ أن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وإعادة تقسيم النفوذ بما يجعل للكيان الصهيوني اليد الطُّولى في شؤون المنطقة تحت عنوان «الشرق الأوسط الجديد»، والذي كان ضمن ترتيباته تقاسُم النفوذ بينه وبين إيران بمخطط وترتيب وإشراف أميركي هو الحال القادم والراجح للشرق الأوسط في العقد القادم من الزمان. 

وثانيهما بدأ يعيد حساباته ليرى حالة توازن أكثر حضوراً سيكون حال الشرق الأوسط، مع رجحان كبير للتحالف الجديد التركي - السعودي - المصري - الخليجي، وفي معيّتهم سورية والأردن، وتنسيق كامل مع باكستان هو المخاض الواقعي والمتشكل بعجلة سريعة منذ أقل من عامين ماضيين هو الذي سيكون سائداً في الشرق الأوسط، والاتجاه الثاني هو ما أتبنّاه وأرجّحه، وأرى أن شواهده صارت مدركة وبحضور مؤثر ومباشر لأطرافه. 

فالكيان الصهيوني، رغم أنفه، سيمرّ بحالة انكماش وتراجع - وربما ما هو أكثر من ذلك، ولن نستعجل في الحديث عمّا هو أكثر من ذلك - فقد شهد هذا الكيان تداعيات كبيرة على وجوده ودعمه وقدرته في تحقيق أطماعه التوسعية، بعد «طوفان الأقصى» وما تمخّض عنه من سلوكيات إجرامية بشعة ومدانة من الكيان عجّلت بتخلّي حلفائه الأوروبيين عنه، بل وإدانته وربما سنشهد عقوبات ومقاطعة ومحاصرة ستُفرض عليه من قبلهم، ورافق ذلك أن الأميركيين بدأوا، شعبياً، في التخلي عنه والتحريض عليه، وتعددت اللوبيات الأميركية التي أصبحت تعمل علناً ضد مصالح الكيان في أميركا وتلاحق وتدين مَن يؤيده ويدعمه علانية وبعمل منهجي، وسيكون لذلك وضوحه في قادم الأيام وكلفته الباهظة على مَن يدعم الكيان أو يبرّر وجوده، ما دامت لم تقم لفلسطين دولة حقيقية على أراضي ما قبل عام 1967، وهي المطالبة المتصاعدة في أميركا وتلاقي قبولاً داخل حركة الماجا، مثل غيرها من تلك اللوبيات. 

 وقد بدأ هذا التوجه وتأثيره ينعكس على أكثر حكومة صهيونية في تاريخ أميركا، فبدأ ترامب بالتخلي شيئاً فشيئاً، وكذلك شخصيات مؤثرة في إدارته وحزبه. وإيران، هي الأخرى بطريق انتهاء حالة النفوذ التي مُنحت لها بالتقاسم والتفاهم مع الكيان الصهيوني، فقد انتهى وجودها في سورية وفي الطريق نهايتها في لبنان، ودورها في بسط النفوذ على دول الخليج في أفول، كما هي حال الكيان الصهيوني، وبَتْر يد إيران عن مضيق هرمز سيكون من أهم مظاهره، بمخطط واقعي وليس فخاً استدراجياً، في طرح مشكلة المضيق، والتي ولدت أزمة العالم للطاقة من رحمه، حتى يتم «تدويله»، وهو ما نرى إرهاصاته حاضرة أميركياً وأوروبياً. 

وستتسع حالة التوازن الذي سيتولاه التحالف الجديد التركي - السعودي - المصري - والخليجي، وفي معيّتهم سورية والأردن، وبتنسيق مع باكستان، وسيتشكل هذا سريعاً، فينتهي الوجود الإيراني في اليمن والعراق، وأظن ذلك سيكون أقصاه خلال عام 2027، وسيوكل أمر ترتيبات المنطقة واقعياً وبمباركة أميركية لهذا التحالف الذي يتمتع بالقبول الدولي، وبالشرعية الداخلية والدولية، وبمكوّن سياسي قوي الحضور وإمكانات عسكرية فائقة ومقدرات مالية لا نظير لها، ليعود من خلاله للشرق الأوسط دوره المهم في بسط الاستقرار في هذا الإقليم، وتفعيل دوره كبوابة اقتصادية ومالية للعالم، وقوة ردع في مواجهة الماردين الصهيوني والإيراني الفاقدين للشرعية والإمكانات، وهو ما أرى ملامح تشكُّله والمُضيّ في مساراته وقيامه بمسؤولياته بتعاون وتوافق غير مسبوق، وستتقلّص كل من إيران والكيان الصهيوني إلى حدود متضائلة، مع احتمال استقطاع جزء من إيران، وقيام فعلي للدولة الفلسطينية في نطاق حدود ما قبل 1967. 

فما كان مخططاً وربما فخّاً تحوّل إلى مخطط جديد واقعي براغماتي، وأفول حالة القوتين اللتين كانتا تتحكمان في الشرق الأوسط، وربّما كانتا تحلمان بما هو أكثر من ذلك، وها هو قد انتهى، وطريقه إلى أفول، وأخذ محلّه نظام بديل يتولاه ويملؤه التحالف الجديد. 

الأربعاء، 8 يوليو 2026

راعي البقر والصهيونية... عقلية واحدة

آخر كلام      
راعي البقر والصهيونية... عقلية واحدة 



د. محمد المقاطع 

أنتجت «هوليوود» فيلماً سينمائياً عام 2011 بعنوان Cowboys & Aliens، وهي محاولة لإعادة إنتاج أسطورية رعاة البقر الذين أسّسوا أميركا، وجزء من غسيل الأدمغة! فمن كوَّنوا أميركا في نشأتها الأولى عبارة عن عصابات منفية أو عصابات إرهابية أو تجّار جشعين يبحثون عن الثراء والهيمنة وحُكم الناس بقوة النار والحديد، وأخذوا معهم الكثير من العبيد والمأجورين لخدمتهم، ويُلاحظ أن المكوّن الأساسي لأميركا يلتقي بقاسم مشترك للأساس من مكونات الصهاينة، الذين هم عبارة عن عصابات وإرهابيين وتجار جشعين! 

ولعل المكوّن المشترك والمتماثل للاثنين يكشف نمط السلوك الإجرامي الذي يسلكه كلاهما، فأميركا أُسّست على أشلاء سكانها الأصليين من الهنود الحمر بمسار اعتمد الإبادة الجماعية والتصفية العرقية والتمييز العنصري والاستحواذ على الأرض والموارد والثروات، واستمرار السيطرة لمجاميع من العصابات المهاجرة أو المأجورة، التي جعلت من السلاح والقتل والإرهاب أدواتها للاستقرار والتوسّع والاستمرار! 

ولا غرابة في أن ترى أميركا نفسها اليوم مرتكز السِّلم والحروب عالمياً، فتلك هي استراتيجيتها للبقاء قوية وللاستمرار من خلال إشعال الحروب وبيع الأسلحة وتحريض أطراف على أخرى في كل الأقاليم! باعتبار أن الاستقرار والازدهار للعالم معناه تراجع السطوة والنفوذ اللذين تتمتع بهما أميركا اليوم!

 ولا يستغرب أيُّ منكم حينما يرى في كل النزاعات والحروب الماضية والحالية أن الأميركيين يختفي لديهم الحسّ الإنساني، رغم بشاعة الحروب ودمويتها، فما حصل في أفغانستان والعراق وغزة، وحالياً في أوكرانيا وغيرها الكثير، ليس سوى دليل واضح على ذلك. 
وحينما نلتفت جهة الصهيونية العالمية والعصابات الصهيونية المحتلة لفلسطين نجد النموذج ذاته متكرراً، فالصهاينة عبارة عن عصابات إجرامية. ولدى الحديث عن الإرهاب الصهيوني قبل قيام دولة الكيان المحتل، يُشار إلى نشاط أربع عصابات رئيسية هي «الهاغاناه»، و«الإرغون» (إتسيل)، و«شتيرن»، و«ليحي»، وفي سنة 1909، أُسّس تنظيم هشومير، الذي يعني بالعربية «الحارس»، على يد يتسحاق بن تسفي، ودافيد بن غوريون، بصفته أول تنظيم عصابي إرهابي تحت غطاء «عسكري» كاذب، وما يكشف طبيعته العصابية الإرهابية رفعه لشعار «بالدم والنار سقطت يهودا، وسترتفع يهودا بالدم والنار»، وبدأ نشاطه بتسلُّم مسؤولية الأمن في مستوطنات الجليل، والبدء بكل صنوف التدمير والتصفية العرقية والإبادة والتشريد للسكان الأصليين في فلسطين وهم الفلسطينيون، واستمرت عملية التطهير والإبادة والتهجير إلى اليوم بالنَّفَس العنصري والأطماع التوسعية والسلوك الوحشي نفسه، وتدمير كل ما هو إنساني، وحرق الأراضي واستئصال الأعضاء وغيرها، تحقيقاً لأطماع تلك العصابات المتوحشة التي تتلذذ بالقتل والتدمير والتشريد، وهو ما عايشناه ولا نزال في فلسطين، وعلى الأخص في غزة والضفة والقدس، وما نشاهده اليوم في لبنان وسورية وجميع الدول المحيطة بالكيان الذي يرغب في تحويلها إلى ركام ورماد، ويحاول أن يوسّع كيانه ومكاسب عصاباته على حسابها! ولكن هيهات لمثل هذه العصابات أن تدوم أو تستمر، مهما طال الزمن أو قَصُر، ومآلها إلى الزوال والاضمحلال، ولن يكون ذلك بعيداً، حيث يتوقع ذلك في غضون عقد من الزمان! ومَن يشاهد الفيلم الأميركي، الذي ذكرته في بداية المقال (Aliens)، سيلاحظ تجدُّد محاولة إعادة إنتاج أسطورية رعاة البقر، رغم أن مكونها الأساسي عصابات إرهابية وقتلة، شأنهم شأن الصهاينة في تشارُكهم قيم القتل والإرهاب والتشريد والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.

الأحد، 28 يونيو 2026

وجهة وطن: «أبي أصير مثقف»!

  آخر كلام       

وجهة وطن: «أبي أصير مثقف»! 


محمد البغلي 


يظن البعض أن التعالي على الناس وتسفيه آرائهم أو حتى همومهم هو ما سيجعله مُصنّفاً في خانة «المثقفين» أو من أصحاب الرأي والحكمة في المجتمع. لا أدري كيف أو متى تنامى الاعتقاد بأن التميّز في التفكير والحكمة في الرأي ينطلقان من تحميل المجتمع مسؤولية إخفاقات لا شأن له بحدوثها أو تراكمها عبر عقود وسنوات، سواء خدمية أو اقتصادية أو حتى إنسانية. 

فلن يحدّثك أحد من «المتثيقفين» الذين ابتُلي بهم المجتمع من بعض الأكاديميين والمسؤولين السابقين، وربما الحاليين، أو الكتّاب وحتى أصحاب «الفلورز»، أي عدد المتابعين المرتفع، ومعهم فئات لا نعلم صفتها أو تصنيفها، بأن علّة التعليم في الكويت مثلاً هي النظام التلقيني، وضعف الارتباط باحتياجات سوق العمل، وليست في «الطالب الكسول»، أو أن تفاقم أزمة الإسكان ليس بسبب «المواطن اللي يتشرّط»، بل بعجز الإدارة العامة عن طرح الأراضي السكنية الكافية، فضلاً عن تفاقم المضاربات والممارسات الاحتكارية في السكن الخاص. 

أما المتعالون على هموم الناس في الشأن الاقتصادي فتفسيرهم الوحيد لأي شكوى من قصور مالي في المجتمع يرجع إلى أنها نتيجة التبذير والإسراف، ولا يناقش أو يتطرّق إلى علل اقتصادية ومالية متراكمة، كالتضخم والاحتكار وعبء الاستيراد وتراجع مستوى الخدمات الحكومية، باعتبارها أساس الخلل الذي يجعل راتب المواطن وحتى المقيم في واحدة من أغنى الدول بالعالم لا يلبّي الاحتياجات الشهرية. 

أو أن يحمّل الوافدين مسؤولية الاختلال في التركيبة السكانية، دون أن يفكر في مناقشة أسباب اختلال سوق العمل أو تجارة الإقامات! 

بل إن البعض يرى في حرّيته الشخصية، حتى في مناحي الحياة الثانوية، أولوية على الحريات العامة وحقوق الإنسان، ولو هددت حريّة وسلامة وحتى حياة ومستقبل فئات عديدة من المجتمع، فلا تستغرب منه مَن يرى في الحفلات الغنائية تطوراً وتقدُّماً، بينما لا تشكّل مناطق «الچينكو»، التي تعيش فيها أجيال من البدون، أي تأنيب للضمير أو وخز للإنسانية. 

في اعتقادي أن المثقف الحقيقي هو مَن ينتمي للمجتمع دون تعالٍ على همومهم أو احتياجاتهم، وأيضاً دون أن ينجرف مع الآراء الشعبوية أو تلك التي تعالج مظاهر الخلل دون أساسه، أما مَن يدّعي «الثقافة» بتحميل الناس أخطاء وأعباء لا علاقة لهم بإدارتها أو قراراتها، فهُم أبعد الناس عن الثقافة والفهم. 


السبت، 13 يونيو 2026

وجهة وطن: حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج

آخر كلام       

وجهة وطن: حزب الصراصير... من الإهانة إلى الاحتجاج 

محمد البغلي 

صراصير الهند أو حزب شعب الصراصير هي حركة سياسية احتجاجية ساخرة انفجرت في الهند خلال الأسابيع القليلة الماضية، وجذبت عشرات الملايين من الأجيال الشابة على منصات التواصل الاجتماعي. 

ما القصة؟  

حركة الصراصير جاءت بعد تصريحات غاضبة لرئيس المحكمة العليا الهندية «سوريا كانت»، الذي وصف الشباب العاطلين عن العمل بالصراصير القذرة الذين يهاجمون المسؤولين، ومكانهم الطبيعي في أنفاق المجاري لا المهن المحترمة. 

هنا كانت ردة الفعل غير متوقعة، إذ أسس شاب هندي اسمه أبهيجيت ديبكه منتصف مايو الماضي موقعاً على الإنترنت باسم «صراصير جاناتا» كمسمى ساخر من الحزب الهندي الحاكم «بهاراتيا جاناتا»، ليتحول الموقع إلى منصة احتجاج جماهيري ضمت، خلال أيام قليلة، ما يتجاوز 20 مليون متابع معظمهم من الأجيال الشابة (خاصة Gen Z) على «الإنستغرام» و«التيك توك» وغيرهما من المنصات. 

لم تكتفِ حركة الصراصير الساخرة برد الإهانة التي أطلقها المسؤول الهندي، بل فتحت المجال لمناقشة قضايا متنوعة تبدأ بمشكلات القبول في الكليات الجامعية والبطالة وصولاً إلى الفساد، وحتى التركّز غير العادل للثروات في الهند. 

لم يحد تراجع رئيس المحكمة العليا عن تصريحاته بأنها كانت عن مزوّري الشهادات الجامعية لا العاطلين عن العمل، من انتشار الحركة بين الشباب في أكبر مدن الهند، ليتحول الاحتجاج الإلكتروني إلى الميدان وتحديداً في العاصمة، حيث المطار والبرلمان والمراكز المالية والسياسية، من خلال وقفات احتجاجية ارتدى فيها المتظاهرون ثياباً تنكرية على هيئة صراصير! 

ربما يكون حزب الصراصير الهندي مجرد ردة فعل ساخرة تنتهي خلال أيام، وربما أيضاً يمثل انطلاقة لحركة احتجاجية أو حراك يمثل حالة تحول في واحدة من أكبر دول العالم سكاناً... 

والعبرة هنا في كيفية قراءة الفعل وردة الفعل عند التعامل مع الأجيال الشابة التي تمتلك قدرات غير تقليدية ومحترفة في تحويل الإهانة إلى سلوك ساخر وصولاً إلى الاحتجاج وربما التغيير، مما يستدعي دائماً استقطابها واحتواءها وفهم متطلباتها واحتياجاتها لا استفزازها. 




الخميس، 28 مايو 2026

أميركا: الحليف الهشّ... والبديل

  آخر كلام 

 أميركا: الحليف الهشّ... والبديل 



د. محمد المقاطع

منذ يناير 2025 استيقظ الأوروبيون من سباتهم العميق القائم والمعتمد على حلفهم مع أميركا. 

ومنذ أن فاز ترامب في دورته الرئاسية الثانية، وهو يعلن جهاراً نهاراً وفي كل المحافل أن "الناتو" حلف استغلّ أميركا استغلالاً سيئاً، وأنه آن الأوان للخروج منه، وأن "الناتو" ليس سوى نمر من ورق، وأنه آن لأوروبا أن تعتمد على نفسها. 

وقد كانت تصريحاته وتصرّفاته مؤلمة لأوروبا بإعلانه المتكرر التخلي عنها في حرب أوكرانيا، وكذلك مطالبته بالحصول على "غرينلاند"، وقوله قبل وأثناء وبعد الحرب مع إيران أن أوروبا خيّبت آماله، وأن حليفه الوحيد هو "الكيان الصهيوني" المغتصب لفلسطين. 

وقد أظهر ترامب في كل تصريحاته عن أوروبا هشاشة حلفه مع أوروبا وتصريحاته وتصرّفاته المتسارعة، التي تهدف جميعاً إلى التخلي عن أوروبا وتركها وحدها، بل عاقبها بسحب بعض القوات الأميركية منها، كما في قراره سحب 5000 جندي من ألمانيا! 

 هذه أوروبا أيها السادة، الحليف الذي خاض مع أميركا حربين عالميتين، وهي التي صنعت أميركا في الأساس ومع ذلك يتخلّى عنها بهذه البساطة، ومن دون أي أساس منطقي سوى نظرة شخصية ومزاج متقلّب ليس له قرار ولا استقرار، فكيف بالله تظنون أن يكون موقفه معنا نحن الدول العربية والإسلامية؟ بالتأكيد هو وضع أكثر هشاشة، وتحالف خاوٍ من كل عزم ورغبة في الدفاع عن دولنا! 

 وقد كشفت الحرب الأميركية - الإيرانية هشاشة هذا الحلف مع دولنا، فقد كانت عقيدة أميركا الدفاعية والقتالية، ولا تزال، هي حماية أصولها وقواعدها وجيشها ومواطنيها! ولم تكن الدول العربية والإسلامية تمثّل همًّا لأميركا كي تحميها! 

ولولا الاستعداد الفائق والحيطة والحذَر والحكمة في التعامل مع الحرب الأميركية - الإيرانية من قبل قياداتنا الخليجية لكان تدمير دولنا من قِبَل إيران سهلاً!

 فأميركا لم تسعَ إلى حماية دولنا، وهو ما دفع دولنا إلى الاعتماد على ذاتها والبحث عن منظومات جديدة للتحالف، تشمل باكستان وتركيا ومصر وبريطانيا إلى جوار منظومة مجلس التعاون الخليجي، وقد سارعت كل من السعودية وقطر والكويت إلى إعادة ترسيم تحالفاتها الإقليمية والدولية على أساس قواسم المصلحة المشتركة، وتأمين الحماية لدولها وشعوبها وثرواتها واقتصادها، وهو تصرُّف حكيم وحصيف في ظل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، وما كشفته من تداعيات ونتائج، وربما يضع ذلك على دولنا مسؤولية مضاعفة لتحقيق أمنها وأمانها وتعزيز تحالفاتها الصحيحة، فليس من الخطأ، بل المطلوب الانفتاح على تحالفات جديدة تمتد إلى أوروبا بأكملها، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا وغيرها، وأيضاً مد جسور مثل هذا التحالف لكل من روسيا والصين! 

ففي ظل هشاشة التحالف مع أميركا وتخلّيها عن حماية دول الخليج والاكتفاء بحماية أصولها وقواعدها، فإن هذا جرس إنذار مبكّر لنا للاستيقاظ قبل فوات الأوان، ورؤية الحقيقة كاملة جليّة بلا رتوش أو غموض أو تمويه. 

فكما بدأت أوروبا بالاعتماد على نفسها، فقد آن الأوان للدول العربية أن تعتمد على نفسها، وأن يكون تحالف السعودية وباكستان وتركيا ومصر منطلقاً لرسم إطار وسياسات تحالفاتنا الآنية والمستقبلية! 

ولعل التصريح الأخير للرئيس ترامب في تغريدته قبل يومين، الذي يضع فيه دولنا أمام إلزامية الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية شرطاً للحماية والوقاية من تداعيات الحرب، يُعدّ نموذجاً واضحاً للمزاج المتقلب لترامب الواقع تحت السيطرة الكاملة "للكيان الصهيوني"، الذي يملك أوراقاً وملفات عديدة أظهرت ترامب في العديد من الأحوال مرتبكاً متردداً غير قادر على المُضي بأي قرار إذا لم يحصل على موافقة الكيان الصهيوني! 

فلا بارك الله في تحالف هشّ كُلفته وتداعياته وآثاره علينا كدول وشعوب أكبر من فائدته ودفعه للضرر عنّا، بل يسعى لتكريس ضرر أكبر وفرض واقع جديد للشرق الأوسط مرفوض عقائدياً وقومياً وحضارياً، فالكيان الصهيوني اللقيط هو الذي عليه الخروج من محيط هو لقيط فيه أو مغتصب! 

ولندرك أن إيران كيان غريب في محيطنا، ولذلك تسعى إلى ترتيب أوراقها مع أميركا والكيان الصهيوني، مادام ذلك يؤمّن لها هيمنة توسعية في المنطقة، وهو ما مارسته فعلاً طوال 47 عاماً مضت

الأحد، 24 مايو 2026

النوستالجيا .. ذاكرتك كاتب دراما

 النوستالجيا .. ذاكرتك كاتب دراما

حمد حسن التميمي

حين تسمع أغنية قديمة فجأة في مكان عام، تتوقف لثانية، وتشعر أن تلك الأيام كانت أجمل، والناس أصدق، والحياة أبسط. هذا الشعور الدافئ الذي يغمرك ليس ذاكرة، بل هو إعادة تشكيل. 

ديفيد هيوم في تحقيقه في الفاهمة البشرية رصد ما يفعله العقل حين يستدعي الماضي: 

لا يسترجعه كما كان، بل يعيد تلوينه بما تحتاجه حالتك النفسية الآن. الذاكرة ليست أرشيفاً أميناً، بل كاتب دراما يعيد صياغة الأحداث في كل مرة تطلبها، يحذف ما يؤلم ويضخّم ما يريح، حتى يصبح الماضي نسخة منقّحة لم تعشها بهذا الجمال يوماً، غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه: 

إذا كانت ذاكرتك تعيد كتابة ماضيك بحسب ألمك الحاضر، فهل الشخص الذي تحن إليه في تلك الأغنية كان حقيقياً فعلاً، أم أنت من رسمه هكذا؛ لأن الحاضر يؤلمك؟

النوستالجيا في جوهرها آلية بقاء يلجأ إليها العقل حين يجد الحاضر ثقيلاً والمستقبل ضبابياً. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من زيارة عابرة إلى سكن دائم. 

الإنسان الذي يعيش في نوستالجيا مزمنة لا يعاني من فرط الذاكرة، بل من شُح الحاضر، لأن الحاضر لم يعد يقدم ما يكفي لتبرير الاستمرار فيه. وهكذا يصبح الماضي المُزيف ملاذاً لا يمكن التخلي عنه لأن البديل أكثر إيلاماً من الوهم، والأخطر أن هذا السكن في الماضي لا يبدو مرضاً، بل يبدو وفاءً وعمقاً وإحساساً مرهفاً، وهذا ما يجعله فخاً لا يُرى.

ما يجعل هذا الفخ أكثر إحكاماً هو أن الصناعة الحديثة تعرف هذا جيداً وتستثمر فيه بإتقان بارد.

 براون وإليس ولوفتوس أثبتوا عام 2002 

أن الإعلانات النوستالجية قادرة على زرع ذكريات لم تحدث أصلاً، حين أقنعت المشاركين بأنهم صافحوا شخصية خيالية اخترعها الباحثون، فأصبحوا مقتنعين بأن هذه المصافحة حدثت فعلاً. 

الإعلانات إذن لا تبيعك منتجاً، بل تبيعك ذاكرة مزيفة تشعر بأنها حقيقية. وعلى هذا الأساس بالضبط تعمل منصات البث حين تعيد إنتاج ما أحببته في زمن مضى، والموسيقى القديمة تُعاد تغليفها وتُباع لك مرة أخرى. 

النوستالجيا هنا ليست شعوراً عفوياً، بل منتج مُصنع يستغل هشاشتك، لكنك مستعد لدفع ثمنه مرات ومرات.

والأكثر مرارة أن النوستالجيا المزمنة لا تعيدك إلى الماضي، بل تسرق منك الحاضر دون أن تعطيك الماضي فعلاً. 

تجلس بين زمنين لا تملك أياً منهما، تتألم من حاضر لم تعشه بالكامل وتحن إلى ماضٍ لم يكن كما تتذكره. من يجمّل ذاكرته باستمرار يتعلم في الوقت ذاته أن يُقبّح حاضره، وهذه المعادلة لا تنتج راحة، بل تنتج إنساناً يعيش في مكان لا يريده ويحن إلى مكان لم يوجد إلا في خياله. 

دفء الألم الذي تشعر به حين تسمع تلك الأغنية ليس حنيناً حقيقياً، بل هو اعتراف صامت بأن الحاضر لا يكفيك.

الثمن الحقيقي لهذا الوهم ليس الحزن على الماضي، بل فقدان القدرة على الانتماء للحاضر. الرمادي الموحش الذي يلف حياة كثيرين ليس غياب الفرح، بل غياب اللحظة الراهنة، لأن ذاكرة تعيد كتابة الأمس تجعل اليوم دائماً أقل مما كان، وتحكم على كل لحظة حاضرة بالنقص قبل أن تُعاش.

حين تسمع تلك الأغنية، اسأل نفسك سؤالاً واحداً: هل كنت سعيداً فعلاً، أم أنك فقط لم تكن تعرف بعد ما الذي ينتظرك؟

حمد حسن التميمي

الثلاثاء، 19 مايو 2026

المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية

 المسمار البارز.. وفخ الرغبة المحاكاتية


المسمار البارز وفخ الرغبة المحاكاتية حين تفعل شيئاً مختلفاً في بيئة متجانسة، لا تحتاج أن ترتكب خطأ لكي تُعاقب، يكفي أن تبرز.

 المسمار البارز يُطرق، هذا المثل الياباني القديم ليس وصفاً للحكمة، بل اعتراف صريح بآلية قمع يمارسها المجتمع بانتظام وبلا خجل. 

غير أن ما رصده رينيه جيرار في نظرية الرغبة المحاكاتية يذهب أعمق من ذلك: 

نحن لا نكره المتميز لأنه أخطأ، بل لأن تميزه يكشف أن رغباتنا ليست ملكنا، بل انعكاس لما يريده الآخرون. والإنسان الذي يجرؤ على الاختلاف يهدد هذا الوهم الجماعي فيتحول إلى كبش فداء لا لذنب اقترفه، بل لحقيقة جسدها. 

لكن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال لا مهرب منه إذا كان المجتمع يعاقب التميز لأنه يكشف زيف رغباته الجماعية، فهل المتميز الذي يصمد ويرفض الانصياع يحرر نفسه فعلاً، أم أنه يتحول بدوره إلى نموذج يُحاكيه الآخرون ويفقد بذلك جوهر تميزه؟

في بيئات بعينها لا في كل مكان، المجتمع لا يقول لك صراحة لا تتميز، بل يبني منظومة دقيقة من الإشارات غير المرئية تُعلمك أين الحد الآمن. الإعجاب المشروط الذي يتحول إلى نقد حين تتجاوز سقفاً معيناً، والمديح الممزوج بتحذير مبطن، والنجاح الذي يُستقبل بابتسامة لا تصل إلى العيون. 

هذه الإشارات تتراكم في صمت حتى تتعلم أن البقاء في المنتصف أكثر أماناً من الصعود، وأن الاختلاف ثمنه عزلة لا تستحق. 

وما يجعل هذا التدجين ناجحاً هو أنه لا يحتاج إلى أوامر صريحة، يكفي أن تشعر بالبرود حين تبرز وبالدفء حين تنسجم.

وهكذا يكتمل الفخ الحقيقي للرغبة المحاكاتية: مجتمع يصفق للتميز في خطاباته ويطرقه في ممارساته، ويجعلك تؤمن أن الاختلاف فضيلة بينما يعاقبك عليها بصمت. والأكثر مرارة أن كثيراً من المتميزين الذين دفعوا الثمن ووصلوا يتحولون تدريجياً إلى أدوات قمع لمن يأتي بعدهم، يحملون جرح الطريق ويصبحون أقل تسامحاً مع من يختلف، كأن اللاوعي يقول أنا دفعت الثمن فلماذا لا تدفعه أنت؟ وهكذا تتكرر الدائرة، والمسمار البارز يُطرق بمطرقة مسمار بارز سابق.

الخسارة الحقيقية ليست ما يدفعه المتميز حين يُضرب، بل ما يخسره المجتمع حين يُطرق كل مسمار يبرز. 

التجانس الذي يحرص عليه الجميع ليس استقراراً، بل تعفن بطيء، لأن المجتمعات لا تتقدم بمن ينسجم بل بمن يجرؤ على الاختلاف ويدفع ثمنه صامتاً. والثمن الأعمق لهذا الفخ ليس العقاب الاجتماعي، بل اللحظة التي يبدأ فيها المتميز بالشك في نفسه، حين يتساءل إن كان تميزه فعلاً موهبة أم مجرد عناد يستحق الطرق.

حين تفكر في آخر مرة أخفيت فيها شيئاً يميزك؛ خوفاً من نظرة المحيط، هل كنت تحمي نفسك فعلاً، أم كنت تساعد المجتمع على قمع ما فيك؟​​​​​​​​​​​​​​​​

الاثنين، 18 مايو 2026

وجهة وطن: الطالب المصري... ماذا لو حدث العكس؟

آخر كلام       

وجهة وطن: الطالب المصري... ماذا لو حدث العكس؟ 







تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي مع مقطع فيديو لطالب مصري اسمه مصطفى مهدي مبارك، حمل وشاحاً عليه علم بلاده مصر مع علم الكويت، التي درس فيها تعليمه العام، أثناء إلقائه كلمة خريجي جامعة كنتاكي في أميركا. 

ما فعله الطالب المصري مصطفى، وهو ليس مجبراً عليه، يعبر عن لمسة وفاء يحملها مع مئات الآلاف من الوافدين تجاه الكويت، لاسيما أولئك الذين استقروا بها لسنوات طويلة، وهو سلوك إنساني طبيعي لأي شخص يغترب عن وطنه الأصلي ليعيش فترة من طفولته الأولى في بلد غير بلده، أو استفاد من فرصه وخدماته. 

ولا حاجة لتفصيل طبيعة امتنان الإنسان تجاه الدولة التي قدمت له أو لبلده خدمات أو امتيازات استثنائية خلال فترة ما من عمره أو من تاريخ بلده، فهذه مسألة بديهية في الأوضاع الطبيعية التي لا يكون فيها السعار العنصري على أشده ومشاعر الوطنية الزائفة مرتفعة. 

أول سؤال دار في ذهني عند مشاهدة فيديو الطالب المصري مصطفى هو: ماذا لو حدث العكس؟ وحمل شخص كويتي علم مصر أو فلسطين أو أي دولة عربية أخرى عرفاناً بفضائل هذه الدول مثلاً في التعليم أو المسرح أو الرياضة أو الصحة أو الأنظمة الإدارية والقانونية على الكويت، خصوصاً في بدايات تأسيسها كدولة حديثة، وفي وقت لم تكن الكويت ثرية بالدرجة التي قد يقول بعض الموهومين إن الاستعانة بالخبرات العربية كانت أجراً مقابل عمل؟ 

لا أظن سيسلم هذا الكويتي، الذي رفع علماً آخر مع علم الكويت، امتناناً وعرفاناً بدور تاريخي لدول عربية ساهمت في نهضة الكويت ومعاونتها في فترة معينة، كما ساهمت الكويت في مساعدة ونهضة دول أخرى في فترات لاحقة من حملات التحريض وحفلات التخوين وسعار الاستنطاق من مجاميع المنبوذين الذين وجدوا في العنصرية ملاذاً لتغطية أمراضهم النفسية والاجتماعية. 

إن مسألة رفع علم دولة أخرى ليست مرتبطة بنقص الوطنية أو اختلال في الولاء، بل قد تأتي على سبيل الامتنان، كما فعل الطالب المصري مع الكويت، ونال كثيراً من إعجابنا، أو التضامن، كما فعل اللاعب الإسباني لامين يامال مع العلم الفلسطيني، وتبعه دعم حكومي إسباني له، وقد يأتي بصورة أبسط مع قرب مباريات كأس العالم، وتفاعل الجماهير مع أعلام الدول التي نشجعها... وبالتالي علينا ألا نفسر كل مسألة على أنها تتعلق بالوطنية والولاء، خصوصاً عندما يعجبنا الفعل من زاوية ونحرمه من زاوية أخرى.



الثلاثاء، 12 مايو 2026

وجهة وطن: «لا يشربكنا ترامب»

آخر كلام       

وجهة وطن: «لا يشربكنا ترامب»


محمد البغلي
 
باستثناء الإيجابية الوحيدة المتمثلة في توقف العمليات العسكرية في المنطقة وما صاحبها من اعتداءات إيرانية غاشمة على دول الخليج العربية، فإن الأوضاع الإقليمية لا تزال في حالة توتر جيوسياسي مرتفعة بشكل ضاغط وبدرجة تعبر عنها مخاوف غير مسبوقة على أمن دول «التعاون» واقتصاداتها. 

توقفت الحرب... ولم يحقق الرئيس الأميركي أيّاً من أهدافها المعلنة، لا أسقط النظام الإيراني، ولا انتهى برنامج إيران النووي، ولا أوقفت طهران دعمها لحلفائها الإقليميين، بل تقلصت القضية إلى مجرد إعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب. 

كذلك انعكست تداعيات الحرب على الولايات المتحدة واقتصادها، متمثلة في ارتفاع حاد في مستويات التضخم لشهر مارس الماضي بـ 0.9%، مدفوعة بارتفاع لافت في أسعار البنزين بالتوازي مع الضغط الذي شكله ارتفاع أسعار وقود الطائرات على توقعات الحضور الجماهيري لمونديال 2026 الذي تستضيفه أميركا مع جارتيها كندا والمكسيك، مما يشكل ضغوطاً كبيرة على حزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية المقررة شهر نوفمبر المقبل. 

لا يهم كثيراً إن كان ترامب دخل هذه الحرب بـ «دفاشته» المعهودة ومحدودية خبرته السياسية والعسكرية، أو أنه استسهل الحرب على إيران قياساً على انتصاره السهل في خطف رئيس فنزويلا السابق مادورو، أو طبيعة دور الصهاينة، وتحديداً نتنياهو في تقديم المعلومات وترتيب الاحتمالات... فالأهم هو كيفية تحاشي دول مجلس التعاون تحمل فاتورة هذه الحرب وتبعاتها على المدى الطويل، بعد أن تحملت كثيراً من التكاليف الأمنية والعسكرية والسياسية وطبعاً الاقتصادية على مدى الشهور الماضية. 

لا يزال مضيق هرمز مغلقاً، مما يعني على الأقل لدول «التعاون» خنقاً اقتصادياً شديد الأثر يتمثل في انخفاض جوهري في صادرات النفط والغاز التي تشكل أساس تمويل ميزانيات دول الخليج، وتراجع واضح في وارداتها الأساسية من النقل البحري، لا سيما الأغذية والأدوية والبضائع الاستهلاكية... والأثر السلبي طبعاً يزداد على الدول التي تعتمد على «هرمز» كمنفذ مائي وحيد. 

دون فتح المضيق كما كان وضعه قبل الحرب سوف تزداد الاحتمالات الاقتصادية غير المحبذة لدول الخليج والتي ترفع من مخاطر الاستنزاف الظالم لثرواتها مثل تسييل الأصول السيادية أو التوسع في الاقتراض وتقلص حجم الاقتصادات الخليجية، فضلاً عن تأخر تنفيذ أو ارتفاع تكاليف إصلاح المرافق الحيوية أو تضخم تكاليف مصروفاتها العسكرية. من يطلع على التقارير المنشورة من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يعلم أن توقعات الاقتصاد الخليجي رغم المصدات المالية والثروات التريليونية السيادية سوف تتأثر سلباً في عامي 2026 و2027 لا سيما فيما يتعلق بتقلص النمو الاقتصادي أو انكماشه.  

لقد «تشربك» ترامب في حرب لم تعكس قوة إيران أو كفاءتها الحربية أو تطورها العسكري، بل بينت محدودية قدراته وخبرته وكفاءته كرئيس أميركي يدخل حرباً معظم نتائجها حتى اليوم بعيدة عن أهدافها، في حين يراهن الإيرانيون على إجراءات جديدة - حسب تعبيرهم - في «هرمز» تعكس فرضاً لأمر واقع يمثل نفوذاً إيرانياً على ممر مائي دولي طبيعي لم يخضع يوماً لسلطة أو قوة دولة تتحكم في حرية الملاحة من خلاله. 

ما يهمنا اليوم أن تنأى دول مجلس التعاون بنفسها عن «شرباكة» ترامب، وتبحث عن حلول دبلوماسية مع مختلف القوى العالمية كالصين والاتحاد الأوروبي وروسيا وبريطانيا، فضلاً عن المنظمات الدولية، لإعادة حرية الملاحة بالمضيق كما كانت عليه حرة ومجانية وآمنة قبل اشتعال فتيل الحرب يوم 28 فبراير الماضي... وهذا هو الحد الأدنى من مصالحنا الإقليمية.



الأحد، 10 مايو 2026

ما لم تقله.. ولوبون يحفظه

 ما لم تقله.. ولوبون يحفظه 

حمد حسن التميمي


في اللحظة التي تبتلع فيها كلمة كانت تستحق أن تُقال، لا تختار الحكمة، بل تختار السلامة. 

هذا الفعل اليومي الصغير الذي يبدو فضيلة هو في حقيقته تدريب ممنهج على إسكات الذات، تدريب بدأ مبكراً، حين علمك المحيط أن الغضب عيب والهدوء فضيلة، وأن من يصمت يُكرم ومن يتكلم يدفع الثمن. 

غوستاف لوبون حين درس سيكولوجيا الجماهير رصد شيئاً يزعج هذه المعادلة من الداخل: 

ما لم تقله لم يختف، بل ذهب إلى مكان آخر تحت السطح يتراكم كضغط لا مخرج له، حتى ينفجر في لحظة لا تتوقعها وبطريقة لا تتحكم فيها. 

غير أن ما يزعج هذه الفكرة من الداخل هو سؤال أكثر إقلاقاً: إذا كان المجتمع هو من علمك أن غضبك خطأ، فهل الهدوء الذي تفخر به فضيلة حقيقية، أم أنه جرح قديم تعلمت أن تسميه نضجاً؟

المشكلة ليست في الغضب نفسه، بل في الخلط بين كبته وإدارته. 

الغضب الصحي بوصلة داخلية تُخبرك أن حداً قد انتُهك وأن ثمة شيئاً يستحق الدفاع عنه. 

لكن المجتمع لا يُفرق بين النوعين، يعاقب على التعبير ويكافئ على الصمت، حتى تتعلم أن تُسمي كبتك نضجاً وابتلاعك للإهانة حكمة. 

وهنا يكمن الثمن الحقيقي، ليس في لحظة الغضب بل في سنوات الصمت التي تسبقها والتي لا يراها أحد لأنها تشبه الاتزان.

وما يجعل هذا الفخ أكثر إحكاماً هو أن الجسد لا يعرف الكبت. ما يبتلعه العقل يحفظه الجسد في مكان آخر، في توتر مزمن لا سبب له، أو إرهاق يأتي دون مقدمات، أو قسوة مفاجئة تفاجئك قبل أن تفاجئ من أمامك. 

الغضب المبتلع لا يتبخر، بل يغوص أعمق ويتخذ أشكالاً أخرى، حتى يصعب أن تربط بين ما تشعر به اليوم وبين الكلمة التي لم تقلها منذ سنوات.

والمفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي يُجيد كبت غضبه لا يصبح أكثر هدوءاً، بل أكثر قابلية للانفجار. 

لوبون رصد هذا في الجماهير حين تحولت من صامتة مطيعة إلى عنيفة لا تُسيطر عليها في لحظة واحدة، والآلية ذاتها تعمل في الفرد. 

الغضب المكبوت لا يتبخر، بل يبحث عن منفذ، وحين يجده يخرج بحجم سنوات لا بحجم اللحظة التي استفزته. 

وهكذا يدفع الإنسان المؤدب ثمناً مضاعفاً، مرة حين يكبت، ومرة حين ينفجر في لحظة لم يخطط لها.

الثمن الأكبر لهذا الأدب المفروض ليس الانفجار المفاجئ، بل شيء أبطأ وأكثر إيلاماً: 

فقدان القدرة على معرفة ما تشعر به فعلاً. الإنسان الذي كبت غضبه سنوات طويلة يجلس يوماً ويُدرك أنه لم يعد يعرف متى يكون غاضباً حقاً ومتى يكون راضياً، لأن الحد بين المشاعر الحقيقية والمشاعر المقبولة اجتماعياً ذاب ببطء حتى لم يعد يرى الفرق. الرمادي الموحش الذي يلف حياة كثيرين ليس غياب الفرح فقط، بل غياب الغضب أيضاً، لأن من لا يستطيع أن يغضب لا يستطيع أن يشعر بالكامل.

حين تفكر في آخر مرة ابتلعت فيها كلمة كانت تستحق أن تُقال، هل كان ذلك نضجاً فعلاً، أم كان تدريباً إضافياً على نسيان صوتك؟​​​​​​​​​​​​​​​

الأربعاء، 6 مايو 2026

الكويت بلد هجرات: بلد آمن وعيش رغيد

 آخر كلام      

الكويت بلد هجرات: بلد آمن وعيش رغيد 



د. محمد المقاطع 

 

الكويت جزء من الجزيرة العربية، وهي بلاد عربية منذ فجر التاريخ وحضاراته، وكان كل مَن يسكنها أو يقيم فيها عربياً، مع وجود قلة من المهاجرين أو المارين بها من الأعاجم، لكنها رقعة جغرافية وسكانية عربية منذ القدم. 

أقول ذلك في خضم محاولة البعض خلطاً للأوراق - بتكرار عبارة "الكويت مجتمع هجرات"، وهي عبارة في بعض المواضع حُرّفت عن مقصودها، فمَن يسعى لخلط الأوراق يهدف إلى تسطيح جذور تأسيس الكويت حينما كانت الحياة قاسية، وكانت أرضها قاحلة طاردة، فلم يصمد عليها ولم يصمم على البقاء فيها ومكابدة شظف العيش إلا أولئك المؤسسون، الذين كانوا في الأساس في الكويت أو توافدوا إليها منذ أواسط القرن الثامن عشر، حوالي عام 1760 إلى نهاية القرن التاسع عشر في عام 1899 تقريباً، هؤلاء لم تكن المصلحة الحياتية ولا الأحوال المعيشية سبباً لبقائهم في الكويت والقدوم إليها، بل كان الإيمان العميق والارتباط الوجودي هو السبب الحقيقي لوجودهم رغم شظف العيش والمكابدة لأحوال الحياة وسبلها، حتى تمكنوا من بناء مجتمع، فوطن، ثم صار دولة.

 أقول ذلك في خضم محاولة البعض تسطيح الجذور وحقيقة التواجد والوجود - بتكرار عبارة "الكويت مجتمع هجرات"، فتلك عبارة حقٍّ أُريد بها معنى خاوٍ لا يصمد، ولا وجاهة له، وهو السبب الذي حمل الكويتيين ودفعهم إلى أن يقفوا في وجه الهجرات غير المشروعة للأعاجم منذ نهاية القرن التاسع عشر، خوفاً على الهوية العربية والإسلامية للكويت، وتحصيناً لها من عوادي الأيام، وهذا هو السبب الذي جعل أول قانون للجنسية لعام 1948 أن يتخذ من عام 1899 سنة الأساس للكويتيين، وهوالتواجد في ذلك العام، أخذاً في الاعتبار تلك المعطيات والأسس وتاريخ نشأة البلاد. 

نعم الكويت بلد هجرات، منهم المستقر منذ القدم وآخرون بتواجد قديم ممتزج بكل ظروف نشأة الكويت وحروبها وصمودها ومكابدة أهلها، وأخرى حديثة بعد أن أصبحت الكويت آمنة مستقرة وتتمتع بعيش رغيد، فلا يمكن أن يقبل التسطيح والقفز على الحقائق والتاريخ، ونشير هنا إلى أن حالة ما يسمى بالمواطنين الأصليين أو المؤسسين هي حالة وسنّة إنسانية ودينية وحضارية قديمة قائمة ومستقرة في كل الأدبيات والثقافات. 

ليست الغاية من الإشارة إلى ذلك هي التفاخر أو التمايز أو التعالي من المؤسسين على غيرهم، لكنه معيار ينبغي ألا يُهدر ويُسطح في خضم الارتباط المصلحي للبعض بالكويت، وفي خضم تنفّع البعض الآخر من جنسية الكويت، وفي خضم ازدواج الجنسية لدى البعض، وفي خضم وضع البعض لقدمٍ في الكويت وأخرى في بلد مجاور أو بعيد، والأخطر والأشد في خضم هذا الحوار هو ازدواج ولاء البعض، بل كشفت عوادي الأيام أن البعض الأخير في ساعات المحن والعسرة كشف عن وجهٍ قبيح بتنكره لبلده الكويت، ومنح ولاءه لبلد آخر ونظام آخر ولكيانات وقوميات أخرى، وأضمر للكويت، التي احتضنت ورعت ومنحت ووفرت كل أسباب العيش الرغيد، حقداً دفيناً وغدراً لئيماً وولاءً خارجياً. 

ولهذا لا غرابة أن الكويتيين اختاروا على التعاقب 1899 ثم 1920 عامي تأسيس، حمايةً لهوية الكويت ومكونها الاجتماعي والسياسي، وكان ذلك مرجعاً وفاصلاً في إرساء ذلك، إلى جوار العديد من الاعتبارات الأخرى التي أشرت إليها، تحصيناً للبلاد ووجودها ككيان حتى لا يفرط عقدها ولا يذبل حبلها المتين.



الأربعاء، 29 أبريل 2026

التخادم الإيراني الصهيوني أم الخادم الفارسي؟

 آخر كلام       

التخادم الإيراني الصهيوني أم الخادم الفارسي؟ 



د. محمد المقاطع 


لم يكن متاحاً ولا ممكناً ولا في مقدور الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين أن يدمر أو يسيطر على الدول العربية الكبيرة في المشرق العربي!

 فجاءت فكرة التحالف الفارسي - الصهيوني، أو قُل التخادم الفارسي - الصهيوني، بل قل الخادم الفارسي للصهيونية هو مدخل ذلك وأداته لتحقيق ذلك، وقد كان. 

فقد بدأ التمهيد بالعراق بعد عام 2003، وتمت الاستفادة من التواجد الأميركي الكبير في العراق لإنجاز مهمة إضعاف وكسر أي مكون مخالف لعقيدتها الثورية   في العراق! وقد تم! 

لكن الأمر يحتاج إلى تواجد عسكري وبشري قادر على أن يكون شريكاً في استمرار إضعاف العراق وتغيير موقعه من دولة مواجهة وصدّ الصهيونية إلى كيان مهلهل سهل اللفتراس! 

فكان الرأي إسناد الدور لإيران التي كانت مليئة بالحقد والضغينة تجاه العراق وأهله، وهي التي مرّت بحرب مريرة استمرت 8 سنوات، فسُمح لإيران أن تهيمن على العراق وتمزّقه وتستنزف ثرواته وتجزئته لميليشيات مسلّحة تديم حالة اللاستقرار وتمكّنها من الهيمنة عليه، وهو مخطط صهيوني نفّذته إيران بتوافق تام. 

واستخدم النمط نفسه في لبنان، وقد كان حزب الله هو الذراع المنفذة للدور الإيراني، بمباركة ودعم أميركي وصهيوني، سمح للحزب بالتمدد والتوسّع والتسلح، بل وسمح أن يقود منظوماته الحرس الثوري الإيراني بجسور بحرية وجوية لتسليحه ودعمه بالكوادر القيادية والفنية، بل والمقاتلة من حزب الله لتفكيك لبنان، وتمّ شرذمته وضُيّعت هيبة الدولة، ليكون لبنان لُقمة سائغة لحزب الله في مرحلته، ثم للكيان الصهيوني توافقاً أو قسراً في مرحلة لاحقة، وهو ما نشهد بقية مراحله اليوم!

 وقد تمددت إيران عبر العراق إلى سورية، واستغلت ثورة 2011 لتكون مدخلاً لتعزيز الدعم الأميركي، للوقوف بوجه «داعش» والمتطرفين من الجهاديين السنّة! 

والحقيقة أنه مخطط لكسر سورية وإضعافها وتقسيمها، والسماح بالسيطرة الإيرانية التي تمت لاحقاً عليها بترتيبات مع الكيان الصهيوني، وقد تم تدمير سورية وإذاقة شعبها في مكونه السنّي القهر والمسالخ والمجازر الجماعية، وكانت إيران الفاعل على الأرض في القيام بهذا الدور لتكون سورية، بعد ذلك، لُقمة سائغة للكيان الصهيوني، وهو ما تم فعلاً! 

ورغم النجاح الباهر الذي حققته ثورة 8 ديسمبر 2024، لا يزال شبح سورية الضعيفة وتقسيمها خطراً محدقاً! 

وعلى المنوال نفسه، تمكّن الإيرانيون من التغلغل باليمن في أواخر مرحلة حكم علي عبدالله صالح، بدعم وتعزيز التواجد الإيراني، من خلال الإسناد المباشر للحوثيين، وأفسح الأميركيون والصهاينة المجال لإيران براً وبحراً وجواً بتواجد عسكري بشري ومعدات وفنيين وقيادات، حتى صار اليمن مفككاً منشغلاً بانقسامات داخلية وتسلّط طائفي يقوم على أساس التطهير العرقي والفرز المذهبي، وبتخطيط ومشاركة إيرانية مباشرة! ورغبة ودعم صهيوني في جعل إيران أداة تنفيذ ذلك! وقد تم!

 وانتهى الدور المسنود لإيران حتى تتحرك الآلة الصهيونية للقضاء على إيران، واستكمال المخطط بعد التخادم الإيراني - الصهيوني، وتركت هذه الدول للكيان الصهيوني اتفاقاً أو عنوة أو تقاسماً للنفوذ، وهو ما نرى تحقُّقه اليوم! 

وهو سبب وسرّ الغطرسة الصهيونية في تصوير هيمنتها على دول المنطقة كأمر سهل وميسّر، وهو ما لم يكن ليتم لو لم يكن ذلك بالترتيب والتخادم الإيراني - الصهيوني!  

ولكن يبدو أن لله سبحانه حكمته بأن يختلف المتواطئون وهم رؤوس الشر بالمنطقة! فطوال 47 عاماً لم تخرج طلقة واحدة على الكيان الصهيوني من إيران، حتى نصدق اليوم أنهم أعداء! 

هم الحلفاء المتواطئون الذين تغيّرت مصالحهم، والدور الإيراني انتهى بتدمير العراق ولبنان وسورية واليمن وإضعافها لمصلحة الكيان الصهيوني!  


الاثنين، 27 أبريل 2026

وجهة وطن: قولوا إن شاء الله

آخر كلام       

وجهة وطن: قولوا إن شاء الله 


محمد البغلي  

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بعد نطق الممثلة الأميركية آن هاثاواي عبارة «إن شاء الله» Inshallah باللغة العربية، خلال مقابلة صحافية الأسبوع الماضي، في سياق حديثها عن أملها في عيش حياة طويلة وصحية.  

استخدام الممثلة آن هاثاواي لفظ «إن شاء الله» بقدر ما أثار التفاعل إلا أنه لم يكن مستغرباً نتيجة لترسخ هوية الملايين من أبناء المهاجرين العرب والمسلمين في دول الغرب الأوروبية والولايات المتحدة، وتأثيرهم في مجتمعاتهم، بل إننا نجد أن قاموس دودن، الذي يعد أهم قواميس اللغة الألمانية، قد أدرج لفظ «إن شاء الله» (inschallah) عام 2020 كمصطلح مرتبط بإثبات المشيئة الإلهية والتوكل على الله.  

ولست في مجال استعراض موسع للكلمات العربية أو المعربة التي وجدت لها طريقاً إلى اللغات الأخرى، مثل الجبر والخوارزميات إنما لجاذبية قياس لفظ «إن شاء الله» في الاستخدامات الأجنبية على حالة محلية متنامية خلال السنوات وربما العقود الماضية، ترى أن اللهجة الكويتية جامدة لا تقبل التجديد ولا التطور أو المزج مع لهجات المحيط الإقليمي أو حتى البادية، وأن سلامة نطقها هي مسألة مناطقية تماماً كالوكالة الحصرية!  

وفي الحقيقة، فإن من يطلع على تاريخ الكويت الثقافي والأدبي يعلم أن اللهجة الكويتية شهدت تحولات لافتة خلال القرن الماضي، تتجاوز مسألة نطق «السكر» أو الشكر إن كان بكسر الشين أم فتحها وصولاً إلى الخلاف حول زهرة «العرفج أو العرفي»، وهي تحولات تبين أن ما كان دارجاً من كلمات ومصطلحات في فترات زمنية سابقة لم يعد مستخدماً اليوم، بل من المستغرب أو المستهجن استخدامه اليوم.  

فمثلاً يقول الشاعر فهد بورسلي في وصف سوء أحوال الزمان:  

لاعاد شان الوقت والحظ مدبور  

الليث وندخ والقطو رز ذيله 

في حين يصف الشاعر زيد الحرب تدهور أوضاع الناس بعد كساد الغوص وتجارة اللؤلؤ:  

عسر الدهر كابح زنودي بكمبار  

وألوى على العرقوب زنجيل الأفكار  

افتراضياً، وعلى طريقة مسرحية «1,2، 3,4 بم» للراحلين عبدالعزيز السريع وصقر الرشود التي تقوم فكرتها على عودة مجموعة من المتوفين إلى الحياة في الزمن الحاضر «السبعينيات»، 

ماذا لو عاد بورسلي والحرب إلى الحياة، ومعهم شعراء وأدباء كويتيون آخرون، مثل صالح النصرالله أو عبدالله سنان، واستمعوا إلى حديثنا الكويتي اليوم؟ 

هل سيستنكرون لهجتنا الحالية؟  

وكيف سيكون المشهد لو استحضرنا شعراء وأدباء الكويت في القرن التاسع عشر، مثل محمد بن فوزان وضويحي بن رميح وعبدالله الفرج بمفرداته «مدلمج دعج أغنج مغنج غنج فطين»... هل سيعتبروننا كويتيين أصلاً؟  من المفيد الاعتراف بأن اللهجة مثل اللغة، كائن متجدد ومتطور بفعل الثقافة والاكتساب والاطلاع، ومن الطبيعي أن تتعدد وتختلف أوجه النطق والاستخدام، ليس بين بيئة وأخرى فقط بل داخل البيئة الواحدة بمرور الزمن وتعاقب الأجيال... وهي بالتأكيد ليست مجالاً لتمايز المناطق أو تفكيك المجتمع أو لترويج الخطاب العنصري. 

فإن اقتنعتم بالفكرة... فقولوا كما قالت الممثلة الأميركية: إن شاء الله.


\