استقالة من القضية الفلسطينية
هل حقًا ستقلّص الإدارة الأميركية الحالية حجم انخراطها وتدخّلها في الشرق الأوسط وقضاياه وأزماته، وفي مقدّمتها المسألة الفلسطينية؟
تؤكّد شواهد التاريخ أن الموضوع الفلسطيني ليس شأناً خارجياً تهتم به وتتدخّل فيه واشنطن، بل هو قضية أميركية بالقدر الذي تنشغل به إسرائيل بمعادلاتها وتطوّراتها، إلى الحدّ الذي يمكن معه ادّعاء أن النضال الفلسطيني يواجه خصماً "صهيوأميركياً"، ذلك أنه بالنظر إلى أدبيات السياسة الأميركية ومحدّداتها، فإن بقاء إسرائيل أقوى من الجميع، والحرص على تقويتها وتمدّدها في الإقليم عقيدة أميركية لا تتغيّر بتبدّل الإدارات وتحديث الاستراتيجيات.
يتردّد تعبير "الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط" كل بضع سنوات، متضمّناً فيما يعرف بالاستراتيجية الأميركية الجديدة، تلك الاستراتيجية التي تتبدّل مع كل ساكن جديد للبيت الأبيض، حاملةً بعض التغييرات في مقاربة واشنطن قضايا العالم ومشكلاته، لكنّها في كل مرّة تلتزم ثوابت، في مقدمها مصلحة الكيان الصهيوني وتفوّقه، وبدرجة مقاربة نفط الخليج وأمواله. والحال كذلك، يلقى الشرق الأوسط الأهمية نفسها التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى أميركا اللاتينية، التي يحكم علاقتها بها ما يعرف باسم "مبدأ مونرو"، الذي اشتملت استراتيجية ترامب المُعلَنة هذا الأسبوع على تحديثٍ له، وهو مبدأ قديم يعود إلى بدايات صعود الولايات المتحدة، ويقوم على أن أميركا اللاتينية منطقة محظورة على القوى المنافسة، وهو ما تظهره الاستعدادات الأميركية للتدخّل عسكرياً في فنزويلا لفرض نظام حكم جديد تابع للإدارة الأميركية، ولا يتبنى مواقف تُغضب واشنطن وتل أبيب، كما يجري مع الرئيس نيكولاس مادورو الذي يريد ترامب استبدال زعيمة المعارضة، صاحبة الانحياز الصهيوني الكامل، به، وكما في تحرّشات إدارة ترامب برئيس كولومبيا غوستافو بيترو الذي بدا مدافعاً عن فلسطين ضدّ الاحتلال الصهيوني أكثر وأوضح من جلّ الرؤساء العرب، كما أنه، من ناحية أخرى، أعلن تحدّيه قرار ترامب فرض الحصار على الجارة فنزويلا.
لن تستقيل إدارة ترامب من الشرق الأوسط، ولن يتراجع انحيازها للاحتلال الصهيوني، كل ما في الأمر أنها بصدد تسليم الإدارة والوصاية على المنطقة إلى إسرائيل، التي بدأت بالفعل تسلك وكأنّها تتصرّف فيما تملك،
*-إذ يمرّ إعلان جيش الاحتلال بدء مناورات عسكرية في الأراضي السورية المحتلة حديثاً، جبل الشيخ الذي ضمّته إسرائيل في العام الماضي إلى المناطق السورية التي تسيطر عليها منذ عقود، من دون أيّ ردّة فعل من سورية الجديدة المشغولة باحتفالات مرور سنة على سقوط نظام آل الأسد.
*-احتلال جبل الشيخ حدث في احتفالات سقوط الأسد، والمناورات في جبل الشيخ تأتي في صخب أفراح الاحتفال بالذكرى الأولى للسقوط!
*- ينطلق الخطاب الصادر عن سورية الجديدة حيال العلاقة مع الاحتلال الصهيوني من أن دمشق لا تريد أن تبقى من بؤر الصراع في الشرق، وأنها تنشد الاستقرار عن طريق حلّ ما تسميها "المشكلات الأمنية" مع إسرائيل، ثمّ الدخول في علاقات طبيعية مع الكيان.
*- والأمر نفسه تجده في لبنان، حيث بدأت بالفعل المفاوضات المباشرة، التي تتأسّس على نزع سلاح المقاومة اللبنانية قبل انتهاء المهلة التي حدّدتها واشنطن وتل أبيب، في ظلّ حملة سياسية وإعلامية غير مسبوقة على "حرب الإسناد"، تلك العملية التي تألَّق فيها وجه لبنان العربي، من خلال خوض معركة الشعب الفلسطيني باعتبارها قضية لبنانية، كما نصّت على ذلك القرارات والتوصيات المُودَعة في أرشيف القمم العربية التي كانت تُشدِّد على أن فلسطين قضية العرب المركزية.
سورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، الذي قال مبعوث ترامب إليها توم برّاك إن رئيسه قرّر منحه الفرصة الكاملة لكي يواصل تجربته في حكم سورية، وكذلك لبنان، وهما بلدان عربيان محتّلان من إسرائيل، ينفضان أيديهما من القضية الفلسطينية، ويريدان استقراراً يتأتّى من الانكفاء على الذات وإنهاء العداء للاحتلال والذهاب إلى علاقات طبيعية معه.
وباستثناء بعض التصريحات المتقطّعة من الدبلوماسية المصرية عن رفض تهجير الشعب الفلسطيني من غزّة، واللمحات الخاطفة التي تأتي من منتدى الدوحة عن حقّه في البقاء على أرضه، يبدو أن النظام العربي قد توافق على تسليم زمام القضية الفلسطينية للإدارة الأميركية التي تعلن الآن استراتيجيةً جديدةً تشمل انخراطاً أكثر في أميركا اللاتينية والأزمة الروسية الأوكرانية والصراع الاقتصادي مع الصين، وهي مطمئنةٌ تماماً إلى أن الشرق الأوسط، كما تحلم به إسرائيل، بات جاهزاً للتطبيق.
مؤسفٌ أن تنتقل مسألة تحرير فلسطين من أن تكون قضيةَ الأمّة العربية مجتمعةً، فتعتبر كل دولة عربية نفسها طرفاً أصيلاً في الصراع مع "العدو"، إلى قضية جانبية أقصى ما يمكن أن يقدّمه العرب لها التعاطف… أو الوساطة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق