الخميس، 11 ديسمبر 2025

قراءة سياسية في توقيت الفوضى والاستقطاب

قراءة سياسية في توقيت الفوضى والاستقطاب



في ظل الكارثة المستمرة التي حلت بغزة والتدهور الواضح في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المصرية، تتصاعد أصوات بعض منظري تيار الإسلام السياسي، تدعو لإسقاط النظام المصري فوراً، معتبرين أن "بقاء النظام الحالي أشد خطراً من بقاء نتنياهو"، باعتبار أن مصر هي مجرد "وكيل أمني" للاحتلال، وأن الحل الوحيد هو الثورة الشاملة الآن لإنقاذ مصر وفلسطين والأمة معاً.

ولكي نكون أمناء ونتحدث بواقعية، لا يمكن إنكار الحقائق. 
فالغضب الشعبي له مبرراته، والنظام الحالي يتحمل مسؤولية تاريخية عن أخطاء استراتيجية فادحة. ولكن، الفارق الجوهري بين "العمل السياسي الرشيد" وبين "الانتحار" يكمن في قراءة التناقضات وحسابات البدائل.

أولاً: كشف الحساب للنظام.. حقائق لا يمكن القفز فوقها
لكي نكون متسقين مع أنفسنا وصادقين، يجب أن نقر بأن "الاتهامات" لم تأتِ من فراغ ،
بل تغذت على ممارسات واقعية للنظام أضعفت مناعة الدولة المصرية وهي ليست محض اتهامات فارغة على الحقيقة بل هي حقائق :
عسكرة الدولة والاقتصاد:
تغول المؤسسة العسكرية في الاقتصاد لم يخنق المجال العام فحسب، بل أعطى ذريعة لخصومه للقول (وهو حق لا أجادل فيه) بأن الجيش انشغل بالمشاريع، مما أضر بصورته الذهنية عند الشعب.
أزمة سد النهضة وتيران وصنافير: التهاون في إدارة ملف النيل وتوقيع "إعلان المبادئ"، والتنازل عن السيادة على تيران وصنافير (مما جردنا من ورقة ضغط استراتيجية)، هي أخطاء بل خطايا استراتيجية (لا يمكن إلا الاعتراف بها) وقد كبلت يد الدولة المصرية وأضعفت وزنها الإقليمي.
إخلاء رفح: ما قام به النظام من تهجير لأهالي رفح المصرية لإنشاء منطقة عازلة -وإن كان تحت لافتة محاربة الإرهاب- صب عملياً في مصلحة الأمن الإسرائيلي بإحكام الحصار، وهو واقع لا يمكن تجميله.
ثانياً: مأزق سردية "العمالة"
رغم كل المآخذ السابقة، يقع خطاب "التخوين المطلق" في تناقضات منطقية صارخة تعجز سردية "العمالة" عن تفسيرها. فإذا كان النظام مجرد "أجير" عند الاحتلال كما يزعمون، كيف نفسر الحقائق التالية؟
الرفض القاطع حتى الآن للتهجير: لو كان النظام "عميلاً" ينفذ الأوامر، لكان الأسهل له قبول العروض الغربية السخية منذ البداية (تصفية الديون مقابل استيعاب الغزيين في سيناء). رفض النظام لهذا المخطط واعتباره "خطاً أحمر" وتهديداً بـ"تصفية القضية" حتى كتابة هذه السطور، يؤكد أن حسابات "الأمن القومي المصري" هي المحرك، وأن النظام يدرك أن التهجير يعني نقل الحرب لسيناء وتهديد بقاء الدولة.
القلق الإسرائيلي من التسليح: التقارير الإسرائيلية لا تتوقف عن التحذير من ما يقولون انه "تعاظم القوة العسكرية المصرية". النظام قام بتحديث حقيقي للقدرات البحرية والجوية (فرقاطات، غواصات، طائرات)، ويعلن عن البدء في توطين التصنيع العسكري وسواء كان هذا دعاية او حقيقة فله تأثيره الواضح على العلاقات المصرية الاسرائيلية. العميل بحسب السردية الحالية المفترض أن يقوم بـ"تفكيك جيشه" وإضعافه ولا يبني "قوة ردع" تقلق "أسياده"!
تنويع التحالفات: توجه مصر مؤخراً لبناء تحالفات استراتيجية مع قوى إسلامية وشرقية (تقارب مع تركيا، تعاون عسكري مع باكستان، والصين وروسيا) يتحدى فكرة "التبعية المطلقة" للغرب وإسرائيل. فالعميل لا يبحث عن أوراق قوة خارج مظلة من "يشغله".
ثالثاً: الفخ الإسرائيلي.. 
لماذا تعتبر "الثورة الآن" انتحاراً او إعادة إنتاج لنظام اشد شراسة من الحالي؟
إن إسرائيل اليوم لا تريد شيئاً أكثر من تحول مصر إلى "دولة فاشلة"، وذلك للأسباب التالية:
معادلة التهجير:
الموقف المعلن حتى الآن رافض فعلا للتهجير ويمنع تدفق الفلسطينيين لسيناء وافراغ القطاع من سكانه في حالة سقوط النظام ودخول البلاد في فوضى. 
صحيح الاستمرار النظام بوضعه الحالي يزيد من أزمات مصر وهذا مفيد من وجهة نظر اليسار الإسرائيلي كونه يطيل من عمر الأزمات المصرية ويحيد أكبر قوة تهددهم، ولكن اليمين الاسرائيلي يرى عكس ذلك ويتمنى الاسراع بتنفيذ مخطط "أرض اسرائيل الكبرى" اليوم قبل غدا، والمؤكد أن وقوع فراغ دستوري وأزمة بنيوية للنظام المصري سيصب في صالحهم حاليا، حينها سيتحول التهجير إلى أمر واقع وسيستغلون هذا بلا ريب ولا تردد، وهو ما فعلوه في سوريا ولبنان، هذا ما يريده اليهود منذ عقود.
ذريعة الاحتلال: الفوضى في مصر (قد) يمنح إسرائيل "الذريعة الشرعية" (Casus Belli) لاجتياح سيناء واحتلالها بحجة "حماية أمنها" وملء الفراغ، تماماً كما تفعل في الجولان.
رابعاً: ملف الغاز.. بين الغضب المشروع والقيود المكبلة
أما بخصوص ملف الغاز وما يثيره من سخط مستحق، فالأمر يحتاج لنظرة أعمق من مجرد الشعارات. لقد ورط النظام نفسه والبلاد في "شبكة مصالح معقدة" (مع أمريكا عبر شيفرون، ومع الإمارات).
هذا الوضع جعل قطاع الطاقة المصري (الكهرباء) مرتهناً لمعادلات دولية صعبة. ومحاولة كسر هذه القيود الآن عبر ثورة فوضوية لن تحرر القرار، بل ستؤدي غالبا لانهيار منظومة الطاقة وربما إلى إفلاس الدولة، مما (قد) يخرج مصر تماماً من أي معادلة إقليمية
ويجعلها عاجزة عن إطعام شعبها، ناهيك عن نصرة جيرانها.
وإذا وصل الحال إلى هذا فحتما سيحدث إنقلاب عسكري آخر يطيح بمن شغلوا البلاد وعرضوها (للخطر) !! نعم سيروجون لهذا والشعب سيقتنع بذلك وساعتها سيكون التنكيل مباحا ومتفهما ومشروعا بل ومرحب به شعبيا !!!
الخلاصة
نحن أمام مشهد معقد لا يحتمل التبسيط المخل:
بين نظام ارتكب أخطاءً جسيمة ولكنه يمتلك "غريزة بقاء الدولة" ويرفض تصفية القضية الفلسطينية على حسابه.. وبين تيار يدعو لعلاج هذا الخلل بـ "هدم المعبد على رؤوس الجميع" في توقيت يقف فيه العدو على الأبواب.
إن موقفنا الرافض لهذا الطرح، ليس نفاقاً للنظام ولا تزلفاً للحاكم، كما أنه ليس نتاج "نزعة قومية كيميتية" كما يحلو للبعض أن يصفه للتشغيب على كلامنا، إنما هي قراءة استراتيجية واقعية، تزن المصالح والمفاسد بميزان دقيق، وتدرك حجم التحديات والمخاطر الوجودية التي تحيط بنا.
سقوط مصر في الفوضى الآن يعني إما فراغاً دستورياً وانشغالاً بالداخل، أو حرباً أهلية. ودخول مصر في أي منهما لن ينقذ لا مصر ولا فلسطين، بل غالباً سينتهي بضياع غزة واحتلال جزئي أو كلي لسيناء.
هذا كلامي الذي أؤكد عليه وأصبر على الأذى لأجله.. والله المستعان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق