‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الرحمن بشير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الرحمن بشير. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 2 أغسطس 2026

متى نعود الي القيادة؟

  متى نعود الي القيادة؟

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي


نحتاج في البداية إلى استعادة الوعي، والوعي ليس كمية المعلومات التي نملكها، وليست كذلك كمية الأموال التي نملكها، وليست كذلك المساحات الجغرافية التي نقطنها، وليست في البشر الذين يعيشون في أوطاننا، بل هي في النوعية، أي كيف نفهم؟ وكيف يمكن أن نستفيد من عندنا؟ وكيف نوظف الامكانيات الموجودة لدينا؟

نحتاج إلى قراءة حقيقية وصادقة لعالم الأفكار، فالفكر هو الذي يصنع التاريخ، وليس العكس، ومن هنا نجد ان الناس ينقسمون في فهمهم للتاريخ إلى نوعين:

1- قراءة لما يجرى حولهم من الأحداث، ومنغمسون حتى النخاع في الأحداث، فلديهم تكديس من المعارف، ولكنهم لا يمكن لهم ربط الأحداث بعضها ببعض.

2 – قراءة ما وراء الأحداث من السنن، والأشخاص الذين يملكون الرؤية، ويقرؤون التاريخ بعد أن ملكوا الرؤية، وقراءة الجغرافيا السياسية.

لدينا مستويات ثلاثة لفهم التاريخ، وذلك قبل صناعة التاريخ، وهي:

1- السير في الأرض بدون توقف، والقراءة الحقيقية لما جرى، وكيف جرى؟ وما هي الأسباب التي كانت وراء النهوض؟ ووراء السقوط؟

2- نحن لا يمكن أن نفهم التاريخ بدون إحاطة للسياقات، فالتاريخ هو عمل البشر في الجغرافيا، والجغرافيا هو عمل الرب تبارك وتعالي، ولكن الجغرافيا السياسية للدول خليط بين عمل البشر وعمل الرحمن، فالناس هم الذين صنعوا الجغرافيا السياسية، ولكن الذي خلق الجغرافيا هو الله.

3- الاستنباط، وفهم السنن الحاكمة، وهذا من قام به ابن خلدون رحمه الله، وكذلك المفكر مالك بن نبي رحمه الله، وحاول بعد ذلك فهمها المفكر السوري الكواكبي رحمه الله، وما زال يحاول المفكر العراقي القدير عماد الدين خليل، فلا يمكن ان نتحرك في التاريخ بدون فهم للتاريخ.

هناك ركائز خمسة في إمكانية عودتنا للتاريخ:

أولا: العودة إلى مركزية الوحي بفهم وعمل.

ثانيا: الانطلاق من قوة التاريخ لصناعة المستقبل، فمن لا جذور له لا مستقبل له.

ثالثا: بناء الفكر، والانطلاق من التوحيد كقوة فكرية تحررية، فالتوحيد الإسلامي عقيدة تحررية، فلا قداسة للأشخاص، ولا مكانة للخرافات، ولا مجد للطغاة.

رابعا : ربط العلوم بالمصدر، والاستفادة من الطاقات العلمية، وبدء الحركة التاريخية من حيث بدأ الوحي (العلم، والوعي، وصناعة القوة)

خامسا : صناعة العلاقة الصحية بين القيادة الواعية، والقاعدة الشعبية الصادقة، فلا يمكن أن تنجح نهضة بدون قيادة، ولا يمكن أن تنجح قيادة بدون تنظيم للطاقات، ولا يمكن تنظيم الطاقات بدون نظام سياسي صارم وقوي، ولا يمكن نجاح هذا النظام بدون طاعة للقيادة، وكذلك فلا نجاح لكل ذلك بوجود نظام فرعوني فوقي يتجاوز الشورى.

لدينا مشكلتان، إحداهما هي الفوضى التي تدمر السلم الأهلي، والثانية هي الاستبداد الذى يدمر الطاقات، فالغزالي رحمه الله تحدث عن الطاقات المعطلة، ومن أهم الطاقات المعطلة (الطاقات الفكرية) والتي يمكن من خلالها صناعة المستقبل.

لا يمكن أن نعود إلى التاريخ بالكلام الشعري المنمق، ولا بالشعارات المزخرفة، ولا بالخطابات الحماسيّة، ولا بالعمل غير المنظم، بل يمكن ان نعود إلى التاريخ بالوعي، والعمل، ومن الناس من يخلط بين الماضي والتاريخ، فالماضي جزء من التاريخ، ولكن التاريخ اوسع من الماضي، فالتاريخ ما بقي من الماضي، وما هو معاش الآن، وما نريد صناعته في المستقبل، كل ذلك هو التاريخ، ومن ترك التاريخ فلا يمكن له فهم التاريخ، ومن لا يتمكن فهم التاريخ لا يمكن له فهم واقعه الذي تشكل من التاريخ، ومن لا يفهم هذا الوقع لا يمكن له فهم وصناعة المستقبل.

أحييكم من ولاية ميشاغن في أمريكا،

الأحد، 19 أبريل 2026

خواطر الفجر من أوهايو الأمريكية

خواطر الفجر من أوهايو الأمريكية
داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

تعلمت من المفكر المصري الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله ثلاثة أمور:

١- لا أكتب، ولا أتكلم إلا بعد القراءة والبحث، وانتظر كثيرا حتى يتضح الأمر، وأراجع افكاري باستمرار، وقد أتراجع من فكرة كنت اعتقدها صحيحة إن لاحت لي أنها ليست كذلك.

٢- تعلمت منه أن الناس نوعان، عضوي ووظيفي، فالعضوي ينتمي إلى المجتمع والوطن بشكل تام، والوظيفي له انتماء محدد، فهو يستفيد ويفيد، وبقاؤه في المجتمع في هذه النقطة، ولهذا نجد اليوم أن أغلب الفتن تأتى من الوظيفيين، ولكن الوظيفي يتغير وفقا للجغرافيا والثقافة.

٣- تعلّمت منه قبل أن أعيش في الغرب أن المجتمع الغربي تقوم علاقاته على التعاقد، لا على التراحم، فهم قد تجاوزوا علاقات التراحمية، فهم اليوم يعيشون في مرحلة ما بعد الحداثة، ومن أهم مظاهرها (العلاقات التعاقدية)، بينما تكون العلاقات في العالم الإسلامي تراحمية، ولكن ليست كذلك في كل الازمنة، فهو قد تحدث في سيرته الذاتية إن والده، وكان تاجرا مصريا مارس العلاقات التعاقدية بشكل مهني، ولكنه في شهر رمضان يتحول إلى إنسان تراكمي بشكل غير عادي.

رأيت بالتجربة أن العلاقات هنا في الغرب تعاقدية حتى ما بين الجاليات المسلمة، فهم يعيشون تلك اللحظات منفعلين بالواقع، ولكنهم لا يعرفون أن هذه اللوثة قد أصابتهم وهم لا يدرون، ومع هذا، فاننى توصلت إلى أنه من المهم إن تقوم العلاقات الإنسانية على ركنين:

– الركن المعنوي، وهو أن لا تخرج العلاقات من خط الرحمة (فالراحمون يرحمهم الرحمن)، وأن الإنسان حين يخرج من هذا الإطار فيصبح بلا أدنى شك (l, Homme Machine) اي الإنسان الآلي، كما يقول الأستاذ علي عزت بيجوفيتش.

– الركن القانوني، وهو أن لا تكون العلاقات مفتوحة بلا حدود، فلا بد من عقود تنظم الحياة البشرية، ولهذا كانت العلاقات الزوجية في جانب منها تقوم على العقد، وفي جوانب منها تقوم على الرحمة والمودة، وهكذا تصير كل علاقة بين الإنسان والإنسان يجب أن تقوم على العقد، فكانت العلاقة السياسية تقوم على البيعة، والبيعة عقد سياسي بين الحاكم والمحكوم، والتجارة عقد بين البايع والمشترى، والإبحار، وكل حركة قاصدة في الحياة البشرية يجب أن تتحدد عبر عقود قانونية وفقهية.

إن النهضة الإسلامية لا تتحقق إلا بهذين الشرطين، التراحم والتعاقد، فالعلاقات التراحمية مه أهميتها لا تصنع وحدها نهضة، كما أن العلاقات التعاقدية مهمة جدا لبناء المجتمع الحديث، ولكنه لن يقوم إنسانية إذا ابتعد عن التراحم والتعاطف والتضامن.

في بعض الأحيان نحتاج إلى تقنين (العلاقات التراحمية) حتى لا تكون سيولة بلا هدف، ولهذا نجد مثلا قوله تعالي (فلا اقتحم العقبة. وما أدراك ما العقبة. فكّ رقبة. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. يتيما ذا مقربة. او مسكينا ذا متربة. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. أولئك أصحاب الميمنة).

نحن أمام معضلة حضارية في هذه اللحظات الصعبة، فكيف نحول هذه المشاريع القرآنية إلى أفكار اجتماعية ذات نفع عام؟ كيف نصنع المجتمع التراحمي في القرن الواحد والعشرين؟ كيف يعرف المسلم الفاعل اجتماعياً الطبقات الهشة؟ وكيف يصل إليهم؟ وكيف يمكن للمسلم أن يساهم بشكل فاعل تحرير الناس من العبودية بكل اشكالها (فك رقبة)؟ وكيف يمكن للمجتمع المسلم صناعة التضامن من خلال بناء المجتمع المدني (وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة).

إن العمل المدني (الطوعي) تحوّل في زمن الحضارة الإسلامية إلى مشاريع وقفية، فالوقف إضافة حضارية للإسلام في المسيرة البشرية، فهو ايضا تحويل المشاريع القرآنية والنبوية إلى عمل منظم وقانوني، فهو يجمع بين التراحم والتعاقد، والعجيب أن المسلمين فتحوا في هذا الباب فتحا مبينا، ومن خلاله أسّسوا مجتمعا مدنيا بعيدا عن قبضة الحكام، وتدخل السياسيين، ولكن الدولة الحديثة (الغول) الجديد بعد لحظات الاستعمار حولت الوقف من مشروع مدني إسلامي إلى مشروع مسيس لا رحمة فيه، ولا نظام يحقق الأمل للبشرية.

لم ينجح مشروع الوقف باعتباره عملا خيريا فقط، بل كان عملا حضاريا، فمن خلاله تأسست الجامعات العريقة كالأزهر الشريف، والزيتونة، والقرويين، ومن خلاله تم رعاية العلماء والأطباء والمهندسين، ومن خلاله تبنت الأمة النوابغ في مصر والشام والهند وفي غيرها من حواضر الأمة، والغريب، أن ثقافة الوقف كانت تنتشر في الحواضر أكثر من غيرها، لأن الوقف يمثل في عمقه مشروعا حضاريا.

قرأت كتاب (من روائع حضارتنا) للفقيه السوري الدكتور مصطفي السباعي رحمه الله، فذكر فيه أنواعا من الوقف، منها الاوقاف الخاصة بالحيوانات كالإبل والأحصنة والقطط والكلاب وغيرها، ومنها توفير الأمن النفسي للمرضى في المستشفيات، بل ومن الأوقاف إعداد حاجات المرأة الفقيرة في أيام عرسها حتى لا ينكسر قلبها، وغير ذلك من الأمور التي تجعل العمل الخيري يتجاوز بعد (الرحمة الفردية) فيصبح مشروعا عاما للأمة والدولة.

 يرى الإمام الشافعي رحمه الله أن الوقف خصيصة إسلامية حيث لم تكن الأمم تعرف ثقافة الوقف قبل الإسلام، وبهذا يصبح الوقف مشروعا إبداعيا للحضارة الإسلامية، فتتحول الرحمة من العفوية إلى التنظيم، ومن الفردية إلى الجماعية، ومن الإلزام إلى الطوعية، ومن السيولة إلى التعاقد، وبهذا يجمع المجتمع المسلم بين الحسنيين، العلاقات التراحمية، والعلاقات التعاقدية لصناعة النهضة الربانية والإنسانية.

الاثنين، 13 أبريل 2026

التوحيد بين الشكل والمقصد

 التوحيد بين الشكل والمقصد

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي


قال سيد قطب رحمه الله: لن أعتذر عن العمل مع الله.

كلام قوي، ولكنه بسيط، ومع ذلك فلا يمكن أن يقول ذلك في زمن المحنة إلا الكبار، ويوما ما قال: ان الإصبع التي تشهد أن لا إله إلا الله خمس مرات في اليوم أبت أن تكتب حرفا واحدا للطاغية، هكذا ارتفع الرجل في أزمنة الحضيض، وعاش في القمة مع فكره، ولم يتنازل عن القمة بحال من الأحوال، بل ظل فيها حتى الرمق الأخير، وجاء إليه مرة شيخ معمّم أراد أن يذكره نطق الشهادة قبل إعدامه، فابتسم، ثم قال: أنت ترتزق بلا إله إلا الله، ونحن نموت لأجلها، ما أطول المسافة بين الرجلين، فهذا يدّعى، وذاك يعيش لأجل الحقيقة، ويموت لأجلها، ومع ذلك فالناس يتيهون بينهما، والسبب أن الطريق طويل، وأنه ليس مفروشا بالزهور والورود، فهو مفروش بالدموع والتضحيات.

ان سيد قطب قد يخطئ، لأنه بشر، ولكن الجميع متفقون على أن الرجل لم يكن كاذبا في دعواه، ولم يكن لاعبا بالمبادئ، ولم يكن يعرف بالتلون الفكري والمذهبي، بل كان جادا لا يعرف الهزل، ورافضاً للذل والجري وراء السراب، فعاش كريما، ومات عزيزا، بينما الناس اليوم يتحدثون عن الدعوة بلغة باردة، وكلام مرسل، ولا يفكرون ماذا تعنى كلمة (التوحيد)، فهي لا تعنى سوى الرفض لكل الآلهة المزيفة، والمعبودات الأرضية، والاستسلام لله الواحد القهار، فهذا هو لبّ التوحيد، وبهذا يصبح قضية القضايا، وجوهر الجواهر، فليس كلمة تقال بلا حساب، أو ترفع كشعار في السوق الفكري، بل هي عقيدة تعاش، وإيمان في القلب، وذكر في اللسان، وترجمة عملية في السلوك، فالتوحيد ثورة في العقل، ورحمة في القلب، ونور في الحياة، فهو رفض وقبول، وليس رفضا لأجل الرفض، وليس كذلك قبولا لأجل القبول، بل هو رفض يحمل دليلا وحجة، وقبولا مع الدليل والحجة، ولهذا، يصبح التوحيد قضية لا تنتهى، وفكر لا يبلى، وروح تسرى في الحياة لا تتوقف، وحجة دامغة عند لسان الدعاة الصادقين.

إن الإنسان بلا عقيدة جثة هامدة، فهو مع العقيدة يكون ذا وزن كبير، ومن هنا، رفع كل الأنبياء شعار التوحيد، وجعلوا مركز دعوتهم (فاتقوا الله وأطيعون)، فدعوة الأنبياء لم تكن فارغة من الفكرة المركزية، ففكرتهم المركزية تكمن في التوحيد، وفي قضية (لا إله إلا الله)، وقد بيّن سيد قطب رحمه الله أن (لا إله إلا الله) منهج حياة، وليس فقط كلمة تقال في اللسان، فهي مشروع كامل للتغيير، ومدرسة عظيمة لصناعة التاريخ، ومن هنا، كان التغيير عند الأنبياء صعبا، وعند غيرهم سهلا، والسبب هو أن الناس يبدأون التغيير من السطح، بينما منهج النبوة يبدأ التغيير من العمق، والعمق يحتاج إلى شيء واحد، وهو التوحيد الحقيقي، فالتوحيد الحقيقي يكمن في إخلاص العمل لله، وفي عدم الإشراك بغيره، وأن لا يمنح واحدا من المخلوق ما هو خالص لله، فالله هو المعبود، وهو المشرع، وهو المقصود في الطاعات، وحينها فقط يمكن أن يصبح التوحيد مشروعا لبناء الإنسان، وصناعة التاريخ، وانهاء الأرباب المزيفة من التاريخ، وإعادة البشرية إلى فطرتها الأولى، ومحاربة الفساد بكل أنواعه، وهذا ما صنعته التجربة النبوية من لدن نوح حتى محمد عليهم الصلاة والسلام.

لن يكون الداعية عظيما ما لم يكن سليم العقيدة، وصحيح العبادة، ومتين الخلق، ومثقف الفكر، وقوي البدن، ونافعا لغيره، وقادرا على الكسب، ومنظما لشؤونه، وحريصا على وقته، ومجاهدا لنفسه، وبهذا يمكن له أن يتميز عن غيره، فالداعية الصادق ليس من يعيش كما يعيش الناس، ولكنه هو الذي يعيش مع الناس، ولكنه ليس كالناس، فهو يهتم بذاته كثيرا، كما يهتم بقضايا أمته، ويعيش لفكره، ويشعر بخطورة الواقع، ويعمل مع غيره في تغيير هذا الواقع بقدر المستطاع، فيبدأ من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبدأ من التوحيد بشموله، وليس بأجزائه المفصلة، فهو لا يقدم للناس عقيدة باردة، وكأنها فلسفة عقلية فقط، بل يقدم للناس عقيدة التوحيد كمنهج خلاص للبشر مثلما فعل نبي الله يوسف عليه السلام حين دعا إلى التوحيد الشامل (إن الحكم إلا لله، أمر أن لا تعبدوا إلا إياه) فهذا كلام قوي وواضح، فالحكم لا يكون إلا لله، والعبادة لا تكون إلا لله، فهذه هي معادلة التوحيد، وهذا هو الدين القيم (ذلك الدين القيم)، ولكن هناك من يجادل، ويناقش، ويراجع، ولكن الله قال (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) فالدين القيم هو التوحيد الشامل، وليس من التوحيد محاربة شرك القبور فقط، وقبول شرك القصور، وليس من التوحيد محاربة شرك القصور، وقبول شرك السوق (تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم) فهذا الزمن هو زمن عبودية السوق، فالشرك الظاهر ليس في المعابد فقط، بل هو منتشر في الأسواق العالمية والمحلية حيث يصبح الدولار إلها من دون الله، فيجب أن نتعلم فقه العقيدة والتوحيد بشمولية، ونعمل للدين بفهم أعمق، ونحاول أن نصحح الواقع بفهم وعلم وحكمة.

نعتبر التوحيد قضية القضايا، ونعتبر الشرك الفساد الأخطر في حياة الناس، ولكن المشكلة ما التوحيد الذى ندعو الناس إليه؟ وما الشرك الذي نحذر منه؟ فالتوحيد ليس كلمات تحفظ، بل هو قضية تعيش في الوجدان، ويعمل لها الإنسان ما دام في الدنيا (قل إني وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)،

فالتوحيد بهذا المنظور القرآني قضية للحياة، وليس فلسفة تدرس فقط في المساجد والجامعات ثم تحفظ، وتبقى في الرؤوس دون أن تتنزل في الحياة، فهذا ليس من التاريخ، ولا من الواقع، ولا تصنع مستقبلا، ومن هنا، يجب على الدعاة أن يعودوا إلى رشدهم من جديد، فالإسلام واحد، والفهم للإسلام قد يتنوع، وقد يتشكل، ولكن الذى لا يتنوع هو التوحيد، ومن هنا، كانت التجارب عند الأنبياء مختلفة، فالنبي هود عليه السلام عالج مسألة الاستكبار الحضاري، كما عالج لوط عليه السلام مسألة الهبوط الأخلاقي، بينما عالج شعيب عليه السلام مسألة الظلم الاقتصادي في حين عالج موسى عليه السلام قضية التأله السياسي، ولكن كل ذلك يكون في إطار التوحيد الشامل (يا قوم اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره).

في هذا الزمن، وفي هذه اللحظات التي بدأت بعض التجارب تعلن إفلاسها تبيّن لي بعد تأمل عميق لواقع الدعاة بأن منهج سيد قطب رحمه الله وشقيقه محمد قطب رحمه الله أقرب إلى الصواب في الكليات، وليس في الحزئيات، وما ورد في كتاب (واقعنا المعاصر) لمحمد قطب بحاجة إلى الدراسة من جديد، كما أن ما كتبه الشيخ العلامة الندوي رحمه الله (التفسير السياسي للإسلام) بحاجة أيضا إلى الدراسة، ولكن بسياقها، وبعقل نقدي، فالتيه الذي نعيشه يجعلنا نسأل، أين نحن اليوم؟ وما الذي فعل الدعاة؟ وأين نجحوا؟ ولماذا نجحوا؟ وأين أخفقوا؟ ولماذا أخفقوا؟

إن السقوط لا يعنى النهاية، وإن النجاح المادي لا يعنى الفوز، فالسقوط مرحلة، وليس نهاية، والفشل تجربة، وليس خسارة، والدعوة ليست قضية فردية، بل هي قضية أمة، ومسألة حضارة، وبناء تاريخ، فهي ليست مسألة دروشة، وخلافات عقيمة مع أفكار عفا عليها الزمن، فالدعوة حركة نحو عمق الإنسان، وأخرى نحو عقل الإنسان، وثالثة نحو حياة الإنسان، فالدعوة حركة إصلاحية، وتغييرية، (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب).


الخميس، 2 أبريل 2026

خاطرة سياسية في لحظة المفاصل التاريخية

  خاطرة سياسية في لحظة المفاصل التاريخية

د. عبد الرحمن بشير
داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

يقولون وراء كل لحظة صعبة ولادة، ووراء كل ولادة مخاض، ووراء كل مخاض ألم، ولكن ماذا بعد الألم؟

هناك احتمالات أربعة وراء كل ألم في الحياة، فليس هناك احتمال واحد، لأن العقول العادية تنتظر احتمالا واحدا وراء كل حدث خطير، بينما علماء الفكر الاستراتيجي يطرحون احتمالات عدة، ومن وراء كل احتمال يجب وضع خطة للتجاوز، ولكن وفقا لما يسمى بعلوم التربية، وخاصة في التربية النفسية، فالناس ينقسمون إلى صنفين، صنف يعيش مع الأحداث، فلا يرى سوى ما يجرى أمامه، فهو حسّي بلا حدود، وفي بعض الأحيان مشاعري بلا سقف، ويتحدث عن احتمال واحد، فلا يرى غيره، وهناك صنف آخر، فهو يرى ما لا يراه غيره، ويناقش ما لا يُناقش في المجالس، فالناس غالبا لا يلتفتون إليه إلا نادرا، ولكنهم يعودون اليه حين يقع ما حذّر منه، وهؤلاء هم الكبار في القراءة. 

 قبل عقدين من الآن تحدث الأستاذ محمد حسنين هيكل عن مستقبل السعودية، وحذر بأن نهاية السعودية كنظام تكون بيد الجيل الثاني من آل سعود، فهذا الجيل ليس له الفهم السياسي للوضع الداخلي، ولا للتشابكات القبلية، ولا كذلك للقوة الدينية في الجزيرة العربية، ولديهم ميل غير عادي للحداثة بدون فهم الحداثة، وكذلك حب صادق للتجربة الغربية بدون فهم للفكر الغربي، فهم سيأخذون القشور، ويتركون اللباب، كما كان الأوائل يفعلون مع الدين، ومن هنا، يقل عندهم التدين الظاهري، ويأخذون بدلا عن ذلك العلمانية السطحية، ومن هنا، يبدأ النظام ينكشف أمام الناس على حقيقته، فيسقط، لأنه فقد قواعده، فهكذا تحدث الرجل قبل عقدين من الآن، واليوم نجد المآلات التي تحدث عنها في زمن الغفلة عند الغزو الأمريكي للعراق. 

 لقد وقع بدايات ما حذر منه الأستاذ هيكل، وسيقع قريبا ما نتحدث عنه، ذلك لان سنة الله في خلقه واحدة، فقد تحدث كذلك الدكتور خالص جلبي المفكر الطبيب السوري عن النظام المستبد في سوريا قبل عقدين من الزمن، وقال: 
انه كجثة سليمان، ونحن كعفاريت سليمان عليه السلام، فنعمل له بلا فهم، وحين يسقط أمامنا بقوة سنصيح معا وبقوة (لو كنا نعلم الغيب ما لبثنا في العذاب المهين)، تماما كما قال عفاريت سليمان عليه السلام، فالقوة الظاهرة لا تمثل القوة الحقيقية، والقوة العسكرية لا تفيد في استمرار الحكم على الحياة، فكلما خاف المستبد من شعبه يزداد بطشا، وكلما ازداد بطشا وجبروتا ازداد بعدا عن الناس، وكلما ازداد بعدا عن الناس اقترب إلى الأعداء، وكلما اقترب إلى الأعداء استفادوا منه بلا حدود، فهو يصبح بقرة حلوبة لغير المواطنين، ويتّكأ على غير المواطنين في التعامل مع الأحداث، ولكن حين يجدّ الجدّ فلا يجد من حوله سوى حفنة من البشر، وكلهم يفرون منه قبل فراره كما فعل بشار الأسد في نهاية حكمه، ولكن الدكتور خالص حلبي تحدث عن هذه النهاية في وقت سابق، كان النظام يبدو أنه بمكان من القوة، ومن قبله تحدث كذلك الاستاذ جودت سعيد، فالتغيير قد يأتي بطيئا، ولكنه حتما سيأتي، والواقع قد يبقى مدة، ولكنه حتما يفنى بلا شك، وتلك سنة الله في خلقه. 
 هناك من يقرأ الأحداث من خلال الوجدان، ولدينا من يقرأ من خلال العقل المنهجي، فالذين يعيشون مع الأحداث من خلال العواطف يسرعون نحو التحليل العاطفي، فقد يبكون، أو يكتبون من خلال الدموع، ولكن الذين يعلمون عواقب الحياة، فهم يكتبون وعندهم خريطة الحياة واضحة. 
 يقول البعض: وراء كل ألم ملل، وهذه صحيحة، فهناك من يملّ مع كثرة الألم، ويستسلم للواقع، ويترك النضال، ويعتقد أن الألم لا نهاية له، فهذا النوع من البشر لا يدرك معنى قوله تعالي (ان مع العسر يسرا) فالعسر لا يبقى أبدا، بل مع العسر اليسر، وليس بعد العسر اليسر كما يظن بعض الناس. يرى بعض الناس: وراء كل ألم أمل، وهذه صحيحة، فهناك من يعيش في لحظات العسر الأمل، وفي لحظات الشدة الفرج، وفي لحظات السقوط الرفعة، فالأمل مفتاح الحياة، ومنه ينطلق الدعاة إلى الله في صناعة الحياة. 
 هناك من يعتقد بأن وراء كل ألم خروج من التاريخ وهروب من الحياة، فالألم صعب، وخاصة إذا طال عهده، بل هناك من يعتقد إن الألم لا مفر منه، فقد ذهب زمن الأمل، والخروج من الأزمات، ولهذا، فهذا النوع من البشر يأخذ طريقين كحلّ، إمّا الاستسلام لمن صنع الألم، أو الخروج من الحياة، والنوع الثاني يفرّ نحو التدين المغشوش، فيدخل المسجد بلا عمل، ويبقى فيه بلا حركة. لدينا فريق رابع يؤمن بأن الألم قتّال، فهو يشكو من الألم بدون وضع لخطّة الخروج من الألم، فهو يناقش كيف جاء الألم؟ وما هو مواصفاته؟ 
ولكنه لا يطرح كيف نخرج من الألم؟ وما هي الخطة البديلة عن الألم؟ وما هي المسافة بين الألم والأمل؟ وما المانع من الملل؟ وما السبيل رفع الهمّة والوعي معا؟ هناك سؤال وجيه، كيف يمكن لنا زرع الأمل في القلوب؟ بل كيف يمكن لنا صناعة المستقبل من خلال العمل المنظم؟ 
لدينا خريطة غير عادية، فلم ينجح بعض الدعاة تفعيلها حتى هذه اللحظة، فهم يقرؤون من الكتب، ويناقشون في جلساتهم الروحية والفكرية، ولكن هل يمكن لنا رسم المستقبل من خلال الألم والامل؟ يطرح خبير من خبراء العمل الدعوي أركانا خمسة في التغيير، وفي العبور نحو المستقبل، والخروج من الألم إلى الأمل وهي: 
 أولا: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول (حاكمية العقل على العاطفة) وبناء العقل المنهجي في التعامل مع المتغيرات للوصول إلى النتيجة. ثانيا: وانيروا أشعة العقول بلهب العواطف (ضرورة الحماس، وإذكاء العواطف لصناعة التغيير) فالعقل بدون عاطفة برودة، والحماسة بدون تعقل انتحار سياسي. 
 ثالثا: والزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع (لا بد من الحلم لأصحاب التغيير) فلا نجاح بدون حلم، والحلم هو الخيال، ولكن الخيال يحتاج إلى عدم القفز فوق الواقع الحقيقي. 
 رابعا: واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البرّاقة، ولا تميلوا كل الميل لتذروها كالمعلقة (هناك ميزان دقيق ما بين الخيال الفسيح، والواقع المعقد) إن العمل الناجح يقوم على الدراسات والإحصاءات الدقيقة، ولكنه لا يكون عملا أكاديميا فقط، بل عمل تغييري، ولديه مشاريع، وينظر إلى المستقبل من خلال الحقائق. خامسا: ولا تصادموا نواميس المؤن، فإنها غلّابة، ولكن غالبوها، واستخدموها، وحوّلوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد (التعامل العلمي والواقعي مع السنن) فهناك من يتحدث عن قوة السنن في الحياة البشرية، ولكنهم لا يتعلمون كيف يتم استخدام السنن من خلال السنن؟ 
وهذا معنى قول الرجل (ولكن غالبوها) بل وأخطر من ذلك (واستخدموها)، وأهم من كل ذلك (وحوّلوا تيارها) 
فهناك خطوات ثلاثة : 
 ١- المغالبة. 
 ٢- الاستخدام.
 ٣- تحويل التيار. 
 ان هذه الخطوات الثلاثة تمهّد للخطوة الرابعة والخطيرة، وهي الاستعانة ببعضها على بعض للوصول إلى النتيجة، وهذا يعنى بأن الذين يصنعون الأمل ليسوا دراويش ينتظرون لحظة تدخل السماء، بل هم رجال يتحركون وفق الفهم والعمل والأمل معا.

السبت، 24 يناير 2026

قراءات استشرافية نبوية في زمن القحط الفكري

 قراءات استشرافية نبوية في زمن القحط الفكري

د. عبد الرحمن بشير
داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

تأملت في أحاديث ثلاثة كلها تتحدث عن ما يسمى عند العلماء (الملاحم وأشراط الساعة)، وهي كذلك، ولكنها تمثل في مجموعها عندي نظرات نبوية في المستقبل البشري، ودراسات استشرافية تعلّم الأمة أن تستعد لمفاجآت المستقبل، والغريب أن تلك الأحاديث ليست كلاما حول المعاملات، ولا حتى حول العبادات، وإنما هي كلام خطير حول مستقبل الأمة من جانب، ومستقبل البشرية من جانب آخر.

إن دراسات المستقبل جديدة في عالم التفكير والتخطيط، ولكنها عند الأنبياء قديمة قدم الرسالات، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُعثوا لإنقاذ البشرية من شقاوة الدنيا (الواقع)، ومن شقاوة الآخرة (المستقبل)، ولهذا قال بعض الفقهاء عن رسالة الأديان السماوية: إن فيها كل المصالح، (العاجلة والآجلة)، أي المصالح الآنية، والمصالح المستقبلية.

إن الذين يخططون للخروج من المشكلات الآنية، ولا يخططون للمستقبل يصنعون مشكلات حقيقية للأجيال القادمة، ولهذا فلا بد من التخطيط للحاضر والمستقبل في آن واحد، وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الآية (والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلّا للذين آمنوا، ربّنا إنك رؤوف رحيم)، وهذا هو التكافل بين الأجيال، فالجيل الحاضر يدعو للجيل السابق، لأن الجيل السابق خطط وفكر للجيل الحالي قبل أن يأتي، ومن هنا، فالجيل الحاضر يجب أن يخطط للجيل الآتي قبل أن يأتي، ولهذا سيظل الجيل الآتي يدعو للجيل الحاضر.

أولا: الحديث الأول:

رواه البخاري، أن رجلا سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: متى الساعة؟ فقال له: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.

في الحديث جملة من التساؤلات، وجملة من القيم، وجملة من النظر إلى المستقبل، فالتساؤلات تكمن في السؤالين التاليين: متى الساعة؟ وكيف إضاعتها؟

في التساؤلين، نفهم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قمّة في قراءة الحياة، وكانوا كذلك قمّة في طرح الأسئلة،

 فالسؤال الأول حديث عن الزمن،

والسؤال الثاني حديث عن الكيف، والفلسفة تطرح الأسئلة الحرجة، والعميقة، وتترك الإجابة للناس، ولكن الدين خلافا للفلسفة يطرح الأسئلة ذاتها، ولكنه لا يترك الناس حيارى في فلسفة الحياة.

أما ما يتعلق بالقيم، هي الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، والخطير في المسألة هي الرؤية الثورية للأمانة، والقرآن تحدث عن الأمانة بشكل عجيب (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، ومن هنا كان فهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عميقا حين قرر تعقيبا للآية (إنها آية الحكام)، ولنا أن نسميها (آية الدولة الراشدة) أو (الحكم الرشيد).

أما فيما يتعلق بالمستقبل، فهناك حديث عن ساعة نهاية الكون والحياة، والأسباب التي تؤدى إلى خراب الكون والحياة، ونفهم من خلال الحديث نهاية الدول والشعوب والحضارات، وما هي المقدمات التي تمهّد لذلك المصير المروّع؟

إن قراءة الحياة من خلال القيم، وقراءة المستقبل من خلال مدافعة الأفكار والقيم، وقراءة الشعوب من خلال الأفكار السائدة هي التي تقرر مصير الشعوب، وفي الحديث كلام عميق عن أفكار حقيقية (الأمانة، وضياع الحكم، وسيادة الرويبضات) حينها تبدأ الحياة نفقد معنى بقائها واستمرارها، فالرسول عليه الصلاة والسلام يُسأل عن الساعة الكبرى، وهذه حقيقة لا يعلمها إلا الله، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بطريقة عملية، فساعة الانهيار تبدأ حين تفقد الحياة القيم، وفقدان القيم يبدأ من إخراج الحكم من حقيقته، فيتحول إلى نظام حكم شكلي فقط.

ثانيا: روى الإمام مسلم رحمه الله حديثا طويلا جاء في آخره: ما أمارتها؟ قال …… وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.

في هذا الحديث المعجز ثلاثة أمور، ولكن قبل ذلك أريد أن أحيط بكم علما كلمة للإمام النووي رحمه الله في شرحه للحديث، يقول رحمه الله: (إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تُبْسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان).

إن الحديث النبوي يحمل في طياته معجزة هائلة، وكلام عن مستقبل البشرية، وخاصة مستقبل الشعوب العربية، ولكن السؤال، ما الجديد في هذا الحديث؟

الجديد هو ما يسمى بالتحوّل الفجائي للشعوب، وهذا التحول الذى لا يأتى من خلال التراكمات العلمية والعملية الذى يصنع جيلا بلا هوية، وإنسانا بلا داخل، فالحضارة بناء تراكمي، وليس استيرادا من الخارج، وصناعة حقيقية في الداخل وليس استنساخا للأشياء،، وتفاعل مع المعطيات العلمية، وليس فقط أدوات تستورد من الخارج، فهذه الحالة اللاحضارية موجودة بشكل كبير في البنية العربية الصحراوية، فهذا هو الجديد في الحديث، (وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء)، لا يوجد في هذه المنطقة تحولات فكرية عميقة، ولكن الذى جرى هو التحولات السطحية.

أما الأمر الثاني:

 هو التسابق الشكلي، وليس هناك التسابق العلمي والفكري، والذي يزرع الثقة في النفوس، ومن هنا نجد الحديث صريحا (يتطاولون في البنيان)، ولا يتنافسون كما صنع بناة الحضارة الإسلامية في بناء المكتبات، وإنتاج المعرفة، وترجمة الكتب، وصناعة الجيل العلمي، وغيرها، والتطاول في البنيان هنا أيضا عملية مستمرة، وقد وردت بصيغة (التطاول) على وزن التفاعل.

أما الأمر الثالث:

هو أن الذين يتطاولون في البنيان ينسون الأصالة، ويقيمون نهضتهم العمرانية على التطاول لأجل التطاول فقط، أي الذهاب إلى الفوق، ويقومون بتكثير طبقات البيوت، ورفعها إلى الأعلى فقط، وكأنهم يشكون من قحط في الجغرافيا، وهم يعيشون في الصحراء حيث السعة، وينسون أن الجمال الحقيقي ليس في البنايات، ولكنه في البناء الذي يجيب عن متطلبات الناس.

إن هذا التنافس المجنون في البناء ينبئ عن غياب المنهجية، والتخطيط الرشيد، وبناء القدرات، واستغلال المال في صناعة مستقبل الشعوب، ولهذا نجد اليوم أن مدينة دبي كنموذج تسابق الرياض، والرياض تنافس الدوحة، وهكذا، ولكنى بحكم إقامتي في الغرب في العقد الأخير من حياتي وجدت الكنديين، وهم يعيشون في حالة تقدم مادي وفكري تراكمي لا يحبون الأبنية العالية، وناطحات السماء كما يقولون، بل يحاولون أن يعيشوا في البيوت الهادئة، والحياة الطبيعية، والبعيدة عن الضوضاء والضجيج.

ثالثا: روى البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، فقلت: فهل بعد هذا الشر من خير، فقال: نعم، وفيه دخن …)

في هذا الحديث خبر خاص، وهو خبر الرجال الذين يعيشون في هموم الأمة، ويخافون تقلبات الحياة، ويطرحون التساؤلات الدقيقة، ويبحثون عن الحلول قبل الناس، ويحذرون من المشكلات قبل وقوعها، فهم يتوقعون الأسوأ، ويقرأون السيناريوهات المختلفة، فهؤلاء نوعان من البشر، القيادات السياسية الذين لديهم الحاسة السادسة (الحاسة الاستراتيجية)، والمفكرون الذين يقرؤون المستقبل من خلال الأفكار والأطروحات، وكان من هؤلاء، ذلكم الصحابي الجليل حذيفة رضي الله عنه، وليس من العبث أن يكون لديه ملف (أهل النفاق) من المدينة، ويعنى ذلك أنه كان أحد رجال الدولة النبوية الخطيرين، والحاملين لفكرة الدولة عن قناعة وخيار.

هناك من لا يستطيع أن يقرأ الواقع كما هو فضلا عن فهم المستقبل ومفاجآته، وهناك من لا يستطيع قراءة الخريطة السياسية المعقدة كما هي فضلا عن فهم التوقعات الفكرية والسياسية محليا وإقليميا وعالميًا، ومن هنا يجب دراسة هذا الحديث للقيادة الإسلامية في هذا الزمن.

إن التفكير الاستراتيجي يجعل الإنسان كالصحابي حذيفة رضي الله عنه يخاف من المستقبل، ويستعدّ للمفاجآت، ويطرح الخيارات الممكنة من خلال قراءات معمقة، وتساؤلات غير منتهية، فهل بعد هذا الخير من شر؟ وهل بعد هذا الشر من خير؟ فلا سبيل للمعرفة بدون أسئلة، والأسئلة يجب أن تكون صادقة، وصريحة، وواضحة، وجريئة، فالمجتمع الذي يملك هذه النفوس لجدير بأن يتأهل لقيادة الحياة.

نحن اليوم نعيش في لحظات مفصلية، والشعوب في منطقتنا تواجه مصيرا غامضا، ولهذا يجب أن نتحرر من العيش في الانتظار لمستقبل قد لا نعرف منه شيئا، فنخوض في تجربة قاسية في الولوج إلى عالم التفكير والتخطيط لأجل أن نفهم سؤالين محوريين، السؤال الأول: من نحن؟ والسؤال الثاني: ماذا نريد؟ 

ومن خلال الجواب عنهما نعرف خريطة الطريق نحو المستقبل.

إننا مقتنعون بأن أغلب المعارك في منطقتنا وهمية، أو وراءها أطماع سياسية، واقتصادية، ونحن نلعب فيها دور الحطب، أو يتم استخدامنا كأوراق فقط، واللاعبون الكبار يضحكون علينا، وهم على أسرّتهم جالسون، وفي مكاتبهم يخططون، وكثير منا يؤدى الدور بإتقان دون وعي، أو في بعض الأحيان مع وعي مزيف.