‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الرحمن بشير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الرحمن بشير. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

قواعد في الفقه السياسي

 قواعد في الفقه السياسي

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

أولا:(السلطة المطلقة فساد مطلق)، فحيثما وجدت السلطة، وجد الفساد، ذلك لأن العلاقة بين الفساد والسلطة كبيرة وعضوية، ومن هنا، لن تكون السلطة المطلقة إلا شرا مطلقا، ومن قديم الزمان وجد الغزالي أن هناك علاقة بين السلطة وادعاء الألوهية (ما علمت لكم من إله غيري) فرعون نموذجا.

ثانيا: (السلطة المقيدة فساد مقيد)، كلما نجح الإنسان في تقييد السلطة، نجح في تقييد الفساد، وكلما فشل في ذلك، فشل في تقييدها.

ثالثا: لأجل تقييد السلطة، لا بد من رفع الوعي السياسي للناس، فالعلاقة بين التقييد ووجود الوعي السياسي المرتفع ضرورة، ولهذا تجد في الولايات المتحدة حركة سياسية ترفض السلطة المطلقة لترامب، والسبب هو وجود الوعي السياسي المرتفع.

رابعا: السلطة قوة، والقوة من شأنها صناعة الطغيان، والطغيان هو تجاوز الحد، واستخدام القوة في غير ما وجه شرعي، فلا يمكن إيقاف الطغيان إلا بإيجاد قوة معاكسة له من الداخل والخارج، والوعظ لا يوقف الفساد السياسي، وإنما لا بد من صناعة القوة الفاعلة لإيقاف الطغيان السياسي.

خامسا: الطغيان السياسي له أسباب سياسية، والطغيان المالي له أسباب مالية، فلا طغيان بدون وجود أرضية مواتية له، ولا يتراجع الإنسان من الطغيان بالوعظ فقط كما ذكرت، وأخطر أنواع الطغيان حين يجتمع المال السياسي مع السياسة الحاكمة، حينها يكون الطغيان شرا مستطيرا

سادسا: هناك علاقة بين الطغيان والزوال، وكلما ازداد الطغيان عنفوانا، اقترب أكثر إلى الزوال.

سابعا: أزمة الإنسان في ثلاثية الطغيان، حين يصبح المال بلا حدود (قارون) نموذجا، والسلطة بلا سقف (فرعون) نموذجا، والعلم بلا أخلاق (الغرب السياسي) نموذجا.

ثامنا: الحل البشري في مشكلة الطغيان تكمن في ثلاثة: العلم المنبثق من الأخلاق والقيم (دولة سليمان) نموذجا، والمال الهادف لخدمة القيم والإنسان (عثمان) نموذجا، والسلطة الخادمة للإنسان والحضارة (الخلافة الراشدة) نموذجا.

تاسعا: السلطة أمانة، والحكم يدوم بالعدل، قاعدتان في الفقه السياسي عند ابن تيمية، فلا سلطة مطلقة، لأنها من الأمة وإليها (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، ولا حكم يدوم إلا بالعدل (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، فالبشرية اليوم تنتظر ثورة روحية وأخلاقية تنبثق من الوحي (سورة النساء، وسورة الحديد) نموذجا.

عاشرا: لا سلطة بدون قيادة، ولا حكم بدون قواعد، ولأجل تجاوز السلطة المطلقة فلا بد من قيود كثيرة، ولأجل تجاوز الفوضى فلا بد من سلطة تمنع ذلك، ولهذا قال ابن تيمية، لا بد من كتاب يهدي، ومن سيف يحمى، فالكتاب وحده لا يمنع الفساد، والسيف وحده لا يصنع المجتمع المتعايش والمتحضر، وكذلك نؤكد بأن السيف وحده يصنع مجتمعا منافقا، ولهذا يجب علينا كأمة ان نتحرك نحو صناعة الثراء الفكري، والدستوري لإيجاد مجتمع خلاق.

تلك هي القواعد العشرة في الفقه السياسي في هذا الزمن الصعب، وأعرف جيدا أننا نحتاج إلى الفهم الصحيح والهضم القوي للأفكار، كما نحتاج إلى تحويل النظريات إلى واقع معاش، فالعلم بدون تطبيق فلسفة باردة، والتطبيق بدون فهم وقراءة حركة عبثية بلا بوصلة.

الجمعة، 18 سبتمبر 2026

ما بعد التدين بنوعيه في منطقتنا

  ما بعد التدين بنوعيه في منطقتنا






د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي

هناك دراسات في الحقل الإنساني، وهي تبحث في ما سمي غربيا دراسات (ما بعديات، وما قبليات)، وأكثرها تنظيرا هي ما بعد الحداثة، ووجدنا دراسات حول (ما بعد الإنسان)، وهي مخيفة من جانب، ولكننا نجد أن ذلك حقيقة موضوعية، وهي أن الإنسانية في بعض محطاتها تجاوزت الإنسان كحالة، واكتشفت أنها أمام حالة (تشيؤ الإنسان) وهي الحالة التي يسميها المسيري (حوسلة الإنسان)، ولدينا حالات أخرى تدرس (ما بعديات)، وقد كتب البعض عن حالة ما بعد الدولة، أو حتى حالة (ما بعد الأسرة).

أين الطبيعة البشرية؟

إن هذه الدراسات تحمل في طياتها حالات مختلفة، فهذا تدرس الحالات التاريخية والواقعية، وتتأمل المآلات، ولكنها في العمق تتساءل، أين الطبيعة البشرية؟ هل هي في التاريخ؟ أم هي في الحالات الواقعية؟ ام هي في المآلات؟

ما المنهج الذي يجب أن نتبناه في لحظة الدراسة والفهم؟ هل نتبنى المنهج المادي الذي غلب مؤخرا في دراسته للإنسان؟ وجعل الإنسان جزءا من الطبيعة، وليس له ما يجعله ينفصل عن الطبيعة، ومن هنا تنتهي تجربة تاريخية تناولت الإنسان عن بعده الروحي.

ماذا بعد الصحوة الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي؟

إن من شان الحياة الحركة، وهي لا تتوقف عن المسار، ولكن بعض الأقلام توقفت عن ملاحظة المسارات، والاتجاهات، ودراسة البنية الداخلية للأفكار، ومراقبة النفوس، وتبدلات الحالات السياسية وتأثيرها على النفوس والمجتمعات، ولهذا يسير بعض المفكرين وراء التجارب، ولا يستطيعون التنبؤ بما تحملها الحياة من تقلبات ومفاجآت، ومن هنا فلا بد من طرح السؤال الآتي، ماذا بعد الصحوة الإسلامية في منطقة القرن الأفريقي؟ أي ماذا بعد التدين الإسلامي؟ إلى أين ذاهب؟ هل تم حوصلته؟ أم ما زال يملك بعض الشُعَاع؟

أنواع التدين

في المنطقة نوعان من التدين، أحدهما تقليدي، وهو المهتم بدراسة الفقه وقواعده، والتفسير وأصوله، واللغة العربية وفروعها، وفي بعض الأحيان يدرس المنطق والعقيدة، فهذا النوع من التدين محصور في طبقة واحدة (طبقة الوداد) أي الفقيه، وعندهم أسلوب متوارث في دراسة الدين وعلومه، وهناك نوع آخر من التدين، وهو التدين الحركي، وهو الذي يرى أن الإسلام منهج ورؤية، ويجب أن يقود الحياة، فهذا النوع من التدين من خصائصه، دراسة الدين، والفكر معا.

حاجة المجتمع إلى التدين

لقد كان التدين السابق (التدين التقليدي) جزءا من المجتمع، وعاش في الهامش طويلا، بل لم يكن المجتمع بحاجة إليه إلا في حالات ثلاثة:

أولا: كان الناس يستدعون الدين عند المصائب الكبيرة كالموت، ووقوع الكوارث الطبيعية والبشرية، وكان دور الفقيه حينئذ هو الدعاء، ولا يسأل عنه في غالب الأمر الحل.

ثانيا: كان من الأدوار الحقيقية للفقيه (الوداد) تقليديا القيام بعملية الزواج والنكاح، أي كان دوره الحقيقي هو محافظة ما يسمى الآن بالأحوال الشخصية.

ثالثا: في بعض الأحيان كان للفقيه دور محوري في الحياة، وخاصة في مجال المال، لو اختلف الناس في المسائل المالية كالمواريث، أو الزكاة، فكان المرجع في الغالب هو الشيخ والفقيه.

التدين ينحو نحو البساطة

إن الحياة في المنطقة كانت تنحو نحو البساطة، ولهذا كان التدين كذلك ينحو نحو البساطة، بل ولَم يكن ملاحظا (المتدين الفاعل)، بل كان من الواقعية في الماضي (المتدين السلبي) في الحياة حتى قال القائل حين سئل هل ثمة رجال في المنزل؟ فقال: لا أحد سوى سيدة، وفقيه، وهذا يدل على أن الفقيه في المنطقة لم يكن فاعلا في لحظة من لحظات التاريخ، ونستطيع أن نحكم اللحظة بأنها كانت لحظة (التراجع)، ولَم تكن لحظة التألق من الناحية الفكرية، فرجل الدين كالمرأة في هذه المرحلة لم يكن لهما الدور الفاعل في المجتمع.

لم تكن ظاهرة التدين واضحة في المجتمع،

ذلك لأن الفقيه حصر نفسه في زاوية من الحياة، أو تم حصره في زاوية لأسباب اجتماعية، واستغل الاستعمار هذه الثغرة، وأبعد الفقيه من التأثير، ولهذا عاش الناس في جوّ بعيد عن تأثير الدين.

كان في المجتمع تياران متصارعان، تيار الحداثة والعصرنة، وتيار التقليد والتاريخانية، فالأول فاعل وقائد، بينما الثاني يشكو من البرودة وعدم الفاعلية، ولهذا كانت الساحة خالية للأول، أما الثاني فكان يخلط في مواجهة الحداثة والعصرنة بالتقاليد والدين، بل كان الدين جزءا من التقاليد، وليس العكس.

انتصر تيار الحداثة والعصرنة في المدن، فكان (الإنسان المدني) في هندامه، وليس في حقيقته، وانتصر تيار التقليد في القرى والبوادي، ولكنه لم يسلم من أوساخ المدنية، ولهذا كان البعض يخطط في الذهاب إلى المدينة لأجل أن (يتمدّن)، ولو ظاهرا، وهذا يدل على أن التيار الحداثي أخذ مكانته من المجتمع، بينما التيار التقليدي، ومنه الفقهاء يشعرون بالخسارة أمام المد الحداثي.

في جيبوتي كان التيار الفرنكفوني كاسحا الشارع،

والفرنكفونية نوعان، هناك فرنكفونية مخففة، وهي التي تعتنى باللغة والثقافة فقط، وهناك فرنكفونية مشبعة، وتسمى الفرنكفيلية، وهي ظاهرة في الثقافة الفرنسية تعتقد الفرنسية عقيدة سياسية، ومنهجا حضاريا، وهكذا رأينا الطبقة الحاكمة في الصومال لاند تتمثل بأنها طبقة بريطانية الهوى، وفي جنوب الصومال، كانت العقيدة الفكرية إيطالية الهوى، ولَم تسلم الشعوب في إثيوبيا عن هذه اللوثة الفكرية، فأصبحت الأمهرية وحدها في لحظة ما لغة الثقافة والحضارة، ومن هنا تم إقصاء تيار ( التقليد ) عن الساحة.

ثم جئت على قدر يا موسى.

من خصائص التاريخ، الحركة، ومن خصائص الحركة أنها تسير نحو الأمام، وقد تتحرك نحو الوراء، والسبب هو أن الإنسان ككائن معقد هو وراء الفاعل في التاريخ، أي هو الذى يصنع التاريخ، ولهذا فلا بد من فهم الإنسان.

إن الإنسان في المنطقة شعر من الداخل الخوف من الخروج من التاريخ، فهذا القلق جعله يبحث عن جذوره، ولهذا تحرك بعض الشباب المسلم في دراسة الدين من خارج الأطر التقليدية، أي من خارج المنظومة الفكرية الموجودة في المنطقة، ومن هنا كان الإبداع، فقد وجد هؤلاء الشباب بأن الدين الحقيقي ليس منازعا للحداثة والعصرنة، وأن الحداثة الحقيقية ليست في صراع مع الدين الصحيح، ومن هنا وجدوا ضالتهم في الفكر الإسلامي الذى ينازع الفكر الغربي، وفي الفقه الإسلامي بنسخته التجديدية والتأصيلية، والذى ينازع القانون الغربي، ومن هنا انبثق تيار ثالث، لا هو من التيار الحداثي، ولا هو من التيار التقليدي، بل هو تيار في الوسط، لديه في الشكل ( مواصفات الحداثة )، وفي المضمون ( مواصفات المتدين ).

إن ظهور هذا التيار كان مفاجئا، ذلك لأن البعض من المفكرين والمحللين لاحظوا في الدين القدم والبلى والتاريخانية، وأن الدين لن يعود مرة أخرى، ولكن أن يظهر التيار المتدين من الجامعة، ومن أوكار الأفكار الوضعية، كان ذلك المفاجئ الأول، والظهور ليس محصورا في فئة، ولكنه ظهور عام، فامتلأت المساجد من الجنسين، ومن الشباب اليافع، واكتسح الحجاب الشارع، واستحيت المرأة من التبرج، وأصبح القرآن متناولا عند الجميع دراسة وحفظا، وكذلك السنة النبوية، وصار الكتاب الإسلامي مترجما للغات المحلية، بل والعالمية، ولكن السؤال، أين ذهب هذا التدين؟ هل بقي كما كان متألقا؟ أم أصبح التدين قنبلة قابلة للانفجار؟ هل تم تسييس التدين؟ أم تم تجاوز ظاهرة التدين ما بعد العولمة؟

لدينا مآلات ثلاثة للتدين الحركي، أو الصحوي،

فالتدين المتشدد انتهى في مرابع العنف، والعنف أنواع ثلاثة، العنف اللفظي، وهو الذي يقوم بتوزيع الكفر والبدع على المخالفين، والعنف السلوكي، وهو الذي يرى المخالف مشكلة، ولكن لا بد من التعامل معه بحذر، والعنف الميداني، وهو الذي حمل السلاح ضد المجتمع.

أما التدين الثاني، فهو التدين السلبي، وهو الذى قرر الانسحاب من ميدان العمل الدعوي والحركي إلى ميدان الحياة بدون فاعلية، فهذا النوع من المآل ملاحظ في جميع التيارات، فهناك شباب انسحبوا من مجالات التغيير، ولكن ما زال لديهم الحب والولاء، ولهذا فهم في الشكل منهم، ولكنهم في الواقع لا عمل عندهم معها، وكذلك تجد كثيرا من أبناء التيار السلفي، وهم يعملون في التجارة بروح سلفية، وفقه سلفي، ولكنهم تَرَكُوا العمل مع السلفيين، ووجدنا آخرين كانوا يوما ما من التيار الإخواني، وما زالوا يؤمنون بالفكرة، ولكنهم انفصلوا عن أجسام الحركة.

الهروب إلى الأمام

هناك نوع آخر من المآلات لهذا التدين، وهو الهروب إلى الأمام، فهناك دخول في الحياة العامة بدون لون، لدينا أكثر من فصيل سياسي، كان إسلامي الهوى، ولكنه بدأ يتخفف من اللون الديني، ويتم التنافس في السياسة بلا مرجعية حقيقية، ولهذا نجد أن التدين الشخصي بقي، ولكن التدين الجماعي (الفاعل) سياسيا وحضاريا انتهى مرحليا.

في الشارع متدين ناجح، ولكن لا وجود في الشارع مشروع ناجح للمتدينين، هل هذا السبب يعود إلى نوعية التدين في المنطقة؟ أم يرجع إلى تركيبة المجتمع البدوي؟ أم الأمر يعود إلى مشروع المتدينين المستنسخ من الخارج؟

لماذا ينجح المتدين في السوق؟ ويفشل مشروع المتدينين في الحياة السياسية؟ لماذا يقبل المتدين (الرأسمالية) كمشروع في السوق؟ ولا يرفض أعمالها سوى البنوك الربوية؟ ولماذا ترك المتدين مشروع الإصلاح باسم الدين؟

بحاجة إلى تدين جديد

نحن في المنطقة بحاجة إلى تدين جديد، وهو الذي يجمع في طياته (روحانية) المتصوف كتجربة النورسي، ولكن بنكهة أفريقية، وصحة في العقيدة، وبحث عن الدليل (سلفية المنهج)، ولكن لا يكون على حساب المنطقة استراتيجيا وفكريا، ويؤمن بالحركية، ويحمل مشروعا حضاريا (الإسلام الحضاري)، وبهذا المنطق يكون المتدين فاعلا، ومنتجا، وغير قابل للانفعال، والاستخدام.

لدينا تجربة في السودان نجحت، وتعثرت، وكادت تفشل، بل وحوربت بقوة، ولهذا فلا بد من مراجعة وقراءة التجربة السودانية، فهي أقرب إلي المنطقة جغرافية، وهناك تجربة في اليمن، نجحت، وبدأت تتعثر، وتعيش اليوم في الامتحان الأصعب، فلا بد من مراجعتها وهي أيضا قريبة إلينا، ولدينا تجربة تركيا، والتي بدأت صوفية، فصارت حركة، ثم تحولت إلى تيار سياسي، فلا بد من قراءة كل ذلك بروح الفقيه الاستراتيجي، ولدينا جماعة العدل والإحسان المغربية والتي أسسها الرجل الرباني الشيخ عبد السلام ياسين بجمعها بين الروحانية والتنظيم، ولكن ليس بروح الانبهار، أو الرفض.

لا مكان للتدين السلبي في الحياة، ولا مكان للتدين الخرافي في العقل المعاصر، ولا مكان كذلك للتدين المصلحي، فكل هذا يتناقض مع أبجديات الدين، ولهذا فلا بد من وعي جديد يصنع مناخا للتدين الجديد، ومن يفهم ذلك فهو من الأقلين عددا، والمؤثرين في الساحة بقوة الفكر، ومن لم يفهم قد يكون من الآفلين، والأفول لا مستقبل له في التدافع الكوني.


الجمعة، 11 سبتمبر 2026

الصحوة المسلمة المعاصرة في مواجهة الأسئلة الحرجة (الأسئلة الحرجة في لحظات ما بعد الصحوة)

الصحوة المسلمة المعاصرة في مواجهة الأسئلة الحرجة

(الأسئلة الحرجة في لحظات ما بعد الصحوة)


داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي




كتبت هذا المقال مرة ثانية بعد جلسة مع بعض الشباب الذين ولدوا في الغرب، وتخرجوا من جامعات عربية، ولديهم ميول دعوية، فكان الحوار معهم ثريا وجميلا، فكان هذا المقال مرة ثانية:

▪

السلفية كفكرة تواجه اليوم امتحانا صعبا، ويكمن ذلك في التساؤل التالي (ما شرعية الحركة بعد فصل الدولة السعودية من رموزها وفكرتها المركزية؟ والإخوان كتنظيم يواجه لحظة صعبة وخطيرة مفادها (ما العمل مع الرؤوس المختلفة للتنظيم في كل مكان؟)، وحركة التبليغ هي الأخرى كمشروع تواجه أسئلة الوجود والحركة معا، والسؤال الخطير هنا يكمن (ما تصنع حركة التبليغ مع المتغيرات الفكرية في العالم؟) ولهذا فالجميع ليسوا في مكان آمن، فاللحظة ليست سهلة على أحد، ولكن الخطير هو أن الجميع يعيش مع اللحظة بلا قلق فكري ومنهجي، هم كما كانوا، والزمن ليس كما كان، أليس هذا من عجائب الزمن؟!

السلفية ليست واحدة، ولكنها في مواجهة الامتحان واحدة، ما مبرر وجودها في هذه اللحظة؟ والإخوان ليسوا مدرسة واحدة، ولكن ماذا يريد تنظيم الإخوان من العالم بعد الصحوة؟ هذه اللحظة ليست مثل اللحظة التي انبثقت الجماعة فيها قبل عقود تسعة من الآن، والتبليغ ليسوا على مذهب عقدي واحد، لدينا فيهم من ينتمي إلي المذهب الأشعري،، ومنهم ما تريديون، وآخرون من الفكر السلفي، وجماعات مختلفة منبثقة من جماعة التبليغ، ولكن السؤال الأعمق يكمن هنا: ماذا وراء حملة الخروج في سبيل الله بعد ظهور التكنولوجيا الذى قرّب المسافات، وجعل العالم كله قرية واحدة؟ هل يمكن الخروج في سبيل الله عبر النت بلا سفر؟

ماذا بعد السلفية؟ وماذا بعد الإخوان؟ وماذا بعد التبليغ؟ وماذا بعد الحركات؟ وهل وصل القطار إلى المحطة الأخيرة؟ وهل استنفذت الحركات أفكارها؟ إنها أسئلة للشباب الجدد الذين لم يكونوا جزءا من الواقع القديم الذى أدّى إلى تشكّل الحركات، وظهور الصحوة.

لقد تغير الزمن بسرعة، وتغيرت الأوضاع بكل ما فيها، وازدادت تعقيدا وتشابكا، ويطرح الجيل الجديد أسئلة جديدة، وخطيرة، وغاية في الأهمية والعمق، وقلّ في داخل الحركات المفكرين والفقهاء، وكثر فيها العمليون والإداريون، ولهذا تسرّب منها المفكرون كما قال العلامة القرضاوي قديما في خطاب له في جلسة في الجزائر، وأعاد الخطاب في كتابه (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة)، وتحقق النبوءة في كثير من البلاد، والخطير أن العقول في العالم الإسلامي بدأت الهجرة من بلاد القهر، أو انتقلت من حالة السعة إلى حالة الضيق حيث السجون، والبعض منهم انتقل إلى رحمة الله، فقد فقد العالم الإسلامي الأستاذ طارق البشري، ذلك العقل الفقهي والقانوني الذى جمع بين الفكر والعمل، وقدم خلاصة تجاربه في كتب عدة، كما فقدت الأمة من قبل الدكتور محمد عمارة رحمه الله، والذى نجح في رصد الفكر الغربي بعلم، وواجه الغزو الفكري بهدوء المفكر، وحماس المؤمن، وقدم عصارة فكره عبر قلق منهجي، وهكذا عاشت الأمة في فقد العقول، ولكن بدون بديل عنهم.

إن الفكر الإسلامي يعيش اليوم في مرحلة قلق منهجي، ذلك لأن المرحلة المقبلة ليست سهلة كما يحسب كثير من المسلمين، فقد انتهى زمن الاستقطاب الفكري، وبدأنا زمنا جديدا من شأنه الخلوص إلى مرحلة تحاور ما بعد الأفكار، فهل يمكن للمسلم أن يعيش في ظل دولة علمانية تحترم آدميته بدل أن يكون تحت دولة مسلمة تدّعى تطبيق شرع الله، ولكنها تظلم وتقتل باسم الفقه والشرع، وباسم التأويلات الفقهية التي تسوّغ للحاكم والسلطات في جلد الظهور، وأخذ المال، بل وتسوّغ الزنا والسرقة علنا في القنوات، ولا يرفع أحد صوته ضد السلطات، لأن ذلك فتنة، فماذا يملك الفقه والخطاب الإسلامي لهذه الحالة؟ هل يمكن أن ينتج الخطاب الإسلامي فلسفة حكم تجمع ما بين حماية الذات، والديمقراطية؟ وهل ما زال الفكر الإسلامي يخلط ما بين العلمانية كمنهج، والديمقراطية كممارسة؟ وهل الديمقراطية كممارسة نكسة ونجسة في داخل المنظومة الإسلامية، وخطوة حضارية في الأمم الأخرى؟ إنها مرحلة جديدة تتطلب إصدار فقه جديد، وصناعة خطاب نوعي يقنع العقول الجديدة، ويجذب الجيل المخضرم المتسائل والقلق.

لقد ظهرت في الساحة ما بعد الربيع العربي ظاهرة جديدة، ظاهرة انتشار الإلحاد، وخاصة في الخليج العربي، كما ظهرت في الساحة كذلك، وخاصة في الصومال ظاهرة الابتعاد، من الصحوة والحركات، والانتماء إلى الفكر القبلي كبديل سياسي من جانب، أو الذهاب إلى مربع (اللا انتماء) وهو مشروع فكري، ولكنه لا لون له سياسيا، ولا حتى مذهبيا، بل ولاحظت في الغرب ظهور جيل يحاول الخروج من الدين، ولكن البعض منهم يبقى في مربع (اللادينية)، فهو بلا انتماء ديني، كما رأينا شبابا وشابات خرجوا من الدين الإسلامي، وتحولوا إلى المسيحية، فكل ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول نوعية

 الخطاب الذي يجب طرحه في السوق الفكري لإقناع الجيل الجديد، والذى بدأ يتمرد على الذات الحضارية.

إن هذه المرحلة تستدعى، وبلا ريب ظهور مفكرين من نوع (الغزالي القديم) والذى بدأ حياته فقيها، فتمردا فيلسوفا، فانتهى صوفيا مؤمنا، وكتب تجربته الفريدة في كتابه القيم (المنقد من الضلال)، ويعتبر هذا الكتاب الفريد سيرة ذاتية لهذا العقل العجيب في الحضارة الإسلامية، والمرحلة كذلك تستدعى ظهور (ابن تيمية) من جديد، فهذا الرجل الذى نجح في محاربة جبهات مختلفة، ولكن بعد أن نجح في إيجاد منهجية معرفية للتعامل مع النص والواقع، والرجلان عندي يتكاملان ولا يتناقضان، قد يختلفان ولا يتشابهان، بل وأرى أن الساحة بحاجة من جديد إلى عقل مسلم متحرر من الأغلال الفكرية كما صنع (الغزالي الجديد)، والذى كان حالة استثنائية في داخل الصحوة المسلمة، فكتب كتبه المتميزة في نقد العقل المسلم، ورفض الغزو الفكري، ودعا إلى تجديد الفهم للدين والحياة، ومن خلال هذه العقول نستطيع أن نقنع الفئة الجديدة من الجيل المخضرم الذى بدأ حياته شاكا ومتسائلا، ويحاول الخروج من الذات الحضارية للأمة، فهذا الجيل ليس بحاجة إلى وعظ مكرر، أو إلى مناقشات فكرية تجاوزها الزمن، بل هو بحاجة إلى خطاب يقنع عقله، ويستوعب طموحاته، وهذا النوع من الخطاب قليل في داخل الحركات في هذا الزمن.

لقد رأيت غالبية المتخصصين، والدارسين ما بعد الثانوية يبتعدون عن الخطاب الديني، لأنه خطاب منفعل، وعاطفي إلى حد بعيد، وفي بعض الأحيان يعيش في زمن مضى، فهو يرد على الأموات، ولا يناقش مع الأحياء، بينما الشباب المتعلم في الجامعات الغربية يعيش مع أسئلة العصر، وليس مع تساؤلات الأموات، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، فأغلب الوعاظ تتجه كلماتهم في الإثارة، وهذا لا يؤثر الأكاديميين بحال من الأحوال، بل ولاحظت في خطاب البعض عدم معرفة (علم الإلحاد المعاصر)، فهو علم شعبوي يخاطب العقول الجديدة بلغة العلم مع استخدام أدوات الدعاية المعاصرة، ومن هنا نجح في اختراق العقول المسلمة، ويرى كثير من المفكرين بأن الإلحاد سيكون ناجحا بصورته الحالية في الخليج، وأنا كذلك مقتنع بأن هذه الظاهرة لها وجود في الساحة الصومالية، ولكنها تنتشر بصمت وهدوء.

نحن بحاجة إلى أطباء جراحيين في داخل الفكر الإسلامي يقومون بعمليات خطيرة، ولكن ذلك يجب أن يتم بعد دراسات عميقة وقوية للظاهرة (الإلحاد) من جانب، والهروب من الفكر من جانب آخر، وكل ذلك يستلزم الاهتمام في بناء العقل من جديد، ولكن عبر آليات جديدة دون أن نبتعد من الأدوات الشرعية، وبهذا يمكن أن نعيش زمننا الصعب، وأن نتجاوز الامتحان الصعب في زمن اللاإنتماء الحضاري.

إن الزمن يمضي بأسئلته، ولكن بعض رجالات الصحوة ما زالوا يعيشون حتى اليوم مع أسئلة الماضي، ومن هنا نكرر أننا نجد بأن امتحان الزمن صعب، وليس أمرًا سهلا ملاحظة الخلافات السياسية بين الرموز الكبار في داخل الحركات حول قيادة السفينة، فقد بدأت الصفحات تمضي، ولكن قطار البعض ما زال متوقفا، وهنا نجد كذلك اختبارا آخر قد يبدو من الظاهر أنه عادي، ولكنه من العمق يكون صعبا جدا.