قراءات استشرافية نبوية في زمن القحط الفكري
تأملت في أحاديث ثلاثة كلها تتحدث عن ما يسمى عند العلماء (الملاحم وأشراط الساعة)، وهي كذلك، ولكنها تمثل في مجموعها عندي نظرات نبوية في المستقبل البشري، ودراسات استشرافية تعلّم الأمة أن تستعد لمفاجآت المستقبل، والغريب أن تلك الأحاديث ليست كلاما حول المعاملات، ولا حتى حول العبادات، وإنما هي كلام خطير حول مستقبل الأمة من جانب، ومستقبل البشرية من جانب آخر.
إن دراسات المستقبل جديدة في عالم التفكير والتخطيط، ولكنها عند الأنبياء قديمة قدم الرسالات، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام بُعثوا لإنقاذ البشرية من شقاوة الدنيا (الواقع)، ومن شقاوة الآخرة (المستقبل)، ولهذا قال بعض الفقهاء عن رسالة الأديان السماوية: إن فيها كل المصالح، (العاجلة والآجلة)، أي المصالح الآنية، والمصالح المستقبلية.
إن الذين يخططون للخروج من المشكلات الآنية، ولا يخططون للمستقبل يصنعون مشكلات حقيقية للأجيال القادمة، ولهذا فلا بد من التخطيط للحاضر والمستقبل في آن واحد، وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الآية (والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلّا للذين آمنوا، ربّنا إنك رؤوف رحيم)، وهذا هو التكافل بين الأجيال، فالجيل الحاضر يدعو للجيل السابق، لأن الجيل السابق خطط وفكر للجيل الحالي قبل أن يأتي، ومن هنا، فالجيل الحاضر يجب أن يخطط للجيل الآتي قبل أن يأتي، ولهذا سيظل الجيل الآتي يدعو للجيل الحاضر.
أولا: الحديث الأول:
رواه البخاري، أن رجلا سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام: متى الساعة؟ فقال له: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال: كيف إضاعتها؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.
في الحديث جملة من التساؤلات، وجملة من القيم، وجملة من النظر إلى المستقبل، فالتساؤلات تكمن في السؤالين التاليين: متى الساعة؟ وكيف إضاعتها؟
في التساؤلين، نفهم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قمّة في قراءة الحياة، وكانوا كذلك قمّة في طرح الأسئلة،
فالسؤال الأول حديث عن الزمن،
والسؤال الثاني حديث عن الكيف، والفلسفة تطرح الأسئلة الحرجة، والعميقة، وتترك الإجابة للناس، ولكن الدين خلافا للفلسفة يطرح الأسئلة ذاتها، ولكنه لا يترك الناس حيارى في فلسفة الحياة.
أما ما يتعلق بالقيم، هي الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، والخطير في المسألة هي الرؤية الثورية للأمانة، والقرآن تحدث عن الأمانة بشكل عجيب (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، ومن هنا كان فهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عميقا حين قرر تعقيبا للآية (إنها آية الحكام)، ولنا أن نسميها (آية الدولة الراشدة) أو (الحكم الرشيد).
أما فيما يتعلق بالمستقبل، فهناك حديث عن ساعة نهاية الكون والحياة، والأسباب التي تؤدى إلى خراب الكون والحياة، ونفهم من خلال الحديث نهاية الدول والشعوب والحضارات، وما هي المقدمات التي تمهّد لذلك المصير المروّع؟
إن قراءة الحياة من خلال القيم، وقراءة المستقبل من خلال مدافعة الأفكار والقيم، وقراءة الشعوب من خلال الأفكار السائدة هي التي تقرر مصير الشعوب، وفي الحديث كلام عميق عن أفكار حقيقية (الأمانة، وضياع الحكم، وسيادة الرويبضات) حينها تبدأ الحياة نفقد معنى بقائها واستمرارها، فالرسول عليه الصلاة والسلام يُسأل عن الساعة الكبرى، وهذه حقيقة لا يعلمها إلا الله، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بطريقة عملية، فساعة الانهيار تبدأ حين تفقد الحياة القيم، وفقدان القيم يبدأ من إخراج الحكم من حقيقته، فيتحول إلى نظام حكم شكلي فقط.
ثانيا: روى الإمام مسلم رحمه الله حديثا طويلا جاء في آخره: ما أمارتها؟ قال …… وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان.
في هذا الحديث المعجز ثلاثة أمور، ولكن قبل ذلك أريد أن أحيط بكم علما كلمة للإمام النووي رحمه الله في شرحه للحديث، يقول رحمه الله: (إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تُبْسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان).
إن الحديث النبوي يحمل في طياته معجزة هائلة، وكلام عن مستقبل البشرية، وخاصة مستقبل الشعوب العربية، ولكن السؤال، ما الجديد في هذا الحديث؟
الجديد هو ما يسمى بالتحوّل الفجائي للشعوب، وهذا التحول الذى لا يأتى من خلال التراكمات العلمية والعملية الذى يصنع جيلا بلا هوية، وإنسانا بلا داخل، فالحضارة بناء تراكمي، وليس استيرادا من الخارج، وصناعة حقيقية في الداخل وليس استنساخا للأشياء،، وتفاعل مع المعطيات العلمية، وليس فقط أدوات تستورد من الخارج، فهذه الحالة اللاحضارية موجودة بشكل كبير في البنية العربية الصحراوية، فهذا هو الجديد في الحديث، (وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء)، لا يوجد في هذه المنطقة تحولات فكرية عميقة، ولكن الذى جرى هو التحولات السطحية.
أما الأمر الثاني:
هو التسابق الشكلي، وليس هناك التسابق العلمي والفكري، والذي يزرع الثقة في النفوس، ومن هنا نجد الحديث صريحا (يتطاولون في البنيان)، ولا يتنافسون كما صنع بناة الحضارة الإسلامية في بناء المكتبات، وإنتاج المعرفة، وترجمة الكتب، وصناعة الجيل العلمي، وغيرها، والتطاول في البنيان هنا أيضا عملية مستمرة، وقد وردت بصيغة (التطاول) على وزن التفاعل.
أما الأمر الثالث:
هو أن الذين يتطاولون في البنيان ينسون الأصالة، ويقيمون نهضتهم العمرانية على التطاول لأجل التطاول فقط، أي الذهاب إلى الفوق، ويقومون بتكثير طبقات البيوت، ورفعها إلى الأعلى فقط، وكأنهم يشكون من قحط في الجغرافيا، وهم يعيشون في الصحراء حيث السعة، وينسون أن الجمال الحقيقي ليس في البنايات، ولكنه في البناء الذي يجيب عن متطلبات الناس.
إن هذا التنافس المجنون في البناء ينبئ عن غياب المنهجية، والتخطيط الرشيد، وبناء القدرات، واستغلال المال في صناعة مستقبل الشعوب، ولهذا نجد اليوم أن مدينة دبي كنموذج تسابق الرياض، والرياض تنافس الدوحة، وهكذا، ولكنى بحكم إقامتي في الغرب في العقد الأخير من حياتي وجدت الكنديين، وهم يعيشون في حالة تقدم مادي وفكري تراكمي لا يحبون الأبنية العالية، وناطحات السماء كما يقولون، بل يحاولون أن يعيشوا في البيوت الهادئة، والحياة الطبيعية، والبعيدة عن الضوضاء والضجيج.
ثالثا: روى البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شرّ؟ قال: نعم، فقلت: فهل بعد هذا الشر من خير، فقال: نعم، وفيه دخن …)
في هذا الحديث خبر خاص، وهو خبر الرجال الذين يعيشون في هموم الأمة، ويخافون تقلبات الحياة، ويطرحون التساؤلات الدقيقة، ويبحثون عن الحلول قبل الناس، ويحذرون من المشكلات قبل وقوعها، فهم يتوقعون الأسوأ، ويقرأون السيناريوهات المختلفة، فهؤلاء نوعان من البشر، القيادات السياسية الذين لديهم الحاسة السادسة (الحاسة الاستراتيجية)، والمفكرون الذين يقرؤون المستقبل من خلال الأفكار والأطروحات، وكان من هؤلاء، ذلكم الصحابي الجليل حذيفة رضي الله عنه، وليس من العبث أن يكون لديه ملف (أهل النفاق) من المدينة، ويعنى ذلك أنه كان أحد رجال الدولة النبوية الخطيرين، والحاملين لفكرة الدولة عن قناعة وخيار.
هناك من لا يستطيع أن يقرأ الواقع كما هو فضلا عن فهم المستقبل ومفاجآته، وهناك من لا يستطيع قراءة الخريطة السياسية المعقدة كما هي فضلا عن فهم التوقعات الفكرية والسياسية محليا وإقليميا وعالميًا، ومن هنا يجب دراسة هذا الحديث للقيادة الإسلامية في هذا الزمن.
إن التفكير الاستراتيجي يجعل الإنسان كالصحابي حذيفة رضي الله عنه يخاف من المستقبل، ويستعدّ للمفاجآت، ويطرح الخيارات الممكنة من خلال قراءات معمقة، وتساؤلات غير منتهية، فهل بعد هذا الخير من شر؟ وهل بعد هذا الشر من خير؟ فلا سبيل للمعرفة بدون أسئلة، والأسئلة يجب أن تكون صادقة، وصريحة، وواضحة، وجريئة، فالمجتمع الذي يملك هذه النفوس لجدير بأن يتأهل لقيادة الحياة.
نحن اليوم نعيش في لحظات مفصلية، والشعوب في منطقتنا تواجه مصيرا غامضا، ولهذا يجب أن نتحرر من العيش في الانتظار لمستقبل قد لا نعرف منه شيئا، فنخوض في تجربة قاسية في الولوج إلى عالم التفكير والتخطيط لأجل أن نفهم سؤالين محوريين، السؤال الأول: من نحن؟ والسؤال الثاني: ماذا نريد؟
ومن خلال الجواب عنهما نعرف خريطة الطريق نحو المستقبل.
إننا مقتنعون بأن أغلب المعارك في منطقتنا وهمية، أو وراءها أطماع سياسية، واقتصادية، ونحن نلعب فيها دور الحطب، أو يتم استخدامنا كأوراق فقط، واللاعبون الكبار يضحكون علينا، وهم على أسرّتهم جالسون، وفي مكاتبهم يخططون، وكثير منا يؤدى الدور بإتقان دون وعي، أو في بعض الأحيان مع وعي مزيف.
الدوحةالرياضالملاحم وأشراط الساعةد. عبد الرحمن بشيررسول الله صلى الله عليه وسلممدينة دبي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق