الأحد، 25 يناير 2026

قراءة جيوسياسية لما يجري في منطقة الشرق الأوسط

 قراءة جيوسياسية لما يجري في منطقة الشرق الأوسط

في كتابه الشهير «انتقام الجغرافيا»، يؤكد المفكر الأمريكي روبرت كابلان أن السياسة لا يمكن فهمها بمعزل عن الخرائط، وأن الدول التي تتجاهل الجغرافيا في صياغة رؤاها الإستراتيجية إنما تحكم على نفسها بسوء التقدير، فالخريطة، وفق هذا المنظور، لا تقدم مجرد تمثيل مكاني محايد، بل تكشف عن القيود والفرص، وعن منطق القوة والصراع بعيداً عن الانفعالات الأيديولوجية أو الاصطفافات الآنية.

انطلاقاً من هذا المدخل، يمكن النظر إلى ما يجري اليوم في الإقليم -بما في ذلك إيران، وفلسطين، والبحر الأحمر، وشرق المتوسط- من زاوية جيوسياسية تتجاوز التفسيرات الطائفية أو المذهبية، بل وحتى المواقف الأخلاقية من الأنظمة السياسية، فالسؤال المركزي هنا ليس: مع من نتعاطف؟ وإنما من يسيطر على الخريطة، وعلى مفاصلها الحيوية؟

من جبل طارق إلى باب المندب

تُظهر التجربة الحديثة أن الممرات البحرية لا تزال تحتل موقع القلب في الصراعات الدولية، فخلال الحرب «الإسرائيلية» على غزة، برزت أهمية مضيق جبل طارق بوصفه منفذ العبور بين الأطلسي والبحر المتوسط.

وقد كشفت التطورات، بما فيها القيود التي فرضتها إسبانيا على رسو سفن يُشتبه في حملها أسلحة، عن حساسية هذا المضيق في حسابات القوى الكبرى، كما أعادت تسليط الضوء على أهمية علاقات الاحتلال «الإسرائيلي» مع دول الضفة الجنوبية للمتوسط، وفي مقدمتها المغرب.

وفي السياق ذاته، شكّلت سيطرة جماعة «أنصار الله» في اليمن على مضيق باب المندب مثالاً على كيف يمكن لقوة غير دولية أن تؤثر في حركة التجارة العالمية.

فقد أدى تعطيل الملاحة المرتبطة بالاحتلال «الإسرائيلي» إلى شلل شبه كامل في ميناء إيلات، وتكبيد الاقتصاد «الإسرائيلي» خسائر ملموسة.

هذه الواقعة أعادت التأكيد على حقيقة جيوسياسية ثابتة: التحكم في المضائق يعادل امتلاك أوراق ضغط إستراتيجية تتجاوز بكثير حجم القوة العسكرية التقليدية.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام «الإسرائيلي» بعلاقاتها مع «أرض الصومال» وذهابها نحو اعتراف أحادي بها كدولة، ذات الموقع القريب من باب المندب، وهو اهتمام لا ينفصل عن سعي أوسع لبناء شبكة نفوذ تطل على أهم ممرات التجارة والطاقة في المنطقة.

موقع إيران الجغرافي ومضيق هرمز
ينطبق المنطق نفسه على الحالة الإيرانية، فالنقاش الدائر حول «تغيير النظام» في إيران غالباً ما يُقدَّم بخطاب أخلاقي أو إنساني، يتحدث عن معاناة الشعب الإيراني أو عن طبيعة النظام السياسي، غير أن القراءة الجيوسياسية تفرض سؤالاً مختلفاً: ما الذي يعنيه موقع إيران على مضيق هرمز؟

يمر عبر هذا المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، ما يجعله أحد أخطر عنق الزجاجات في النظام الاقتصادي الدولي؛ وبالتالي، فإن أي تغيير في طبيعة السلطة في طهران، أو في تموضعها الإستراتيجي، ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات الطاقة والأمن البحري العالمي.

من هذا المنظور، يصبح واضحاً أن الصراع حول إيران لا ينفصل عن الصراع على التحكم في إحدى أهم بوابات العالم البحرية، كما يكشف بشكل واضح أن الاهتمام الأمريكي في ملف الاحتجاجات الإيرانية لا ينطلق من الحرص على الشعب الإيراني بقدر ما هو اهتمام لخلق بديل سياسي يمنح «إسرائيل» مجالاً حيوياً على المضيق الأخطر.

الأمر لا يتوقف هنا؛ بل يتسع هذا النمط من التفكير ليشمل ملفات أخرى في الإقليم، فالسيطرة «الإسرائيلية» على مرتفعات الجولان وجبل الشيخ في سورية لا تكتسب أهميتها من البعد العسكري فقط، بل من كونها تشكّل «مفاتيح المياه» في المنطقة، عبر التحكم بمصادر وأنهار حيوية مثل الأردن واليرموك والحاصباني والليطاني.

وفي هذا السياق، لا تُفهم التحركات «الإسرائيلية» في شرق أفريقيا، بما في ذلك العلاقات مع إثيوبيا، بمعزل عن ملف المياه وأمن دول المصب، وعلى رأسها مصر.

هذا النموذج من الهيمنة لا يقوم بالضرورة على الاحتلال المباشر أو الاستيطان، بل على التحكم في مفاصل الحركة؛ طرق التجارة، وخطوط الطاقة، ومصادر المياه، والمضائق البحرية، وهي مقاربة تذكّر بما قامت به قوى كبرى أخرى، مثل الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي، حيث شكّل التحكم في القنوات والممرات البحرية -من قناة بنما إلى الكاريبي- ركناً أساسياً من أركان النفوذ، ومنع اقتراب الخصوم الدوليين من المجال الحيوي الأمريكي.

نحو قراءة عربية أكثر واقعية
تكشف هذه القراءة، القائمة على الجغرافيا السياسية، أن ما يُعاد تشكيله اليوم ليس فقط خرائط النفوذ نحو شرق أوسط جديد، بل قواعد اللعبة ذاتها في الشرق الأوسط، فالسيطرة على الممرات والموارد تعني عملياً إخضاع الدول المحيطة لمنظومة هيمنة اقتصادية وأمنية «إسرائيلية» طويلة الأمد، حتى وإن احتفظت هذه الدول بأشكال السيادة الرسمية.

من هنا، تبرز الحاجة العربية الملحّة إلى إعادة التفكير في آليات التعامل مع هذا الواقع، سواء فيما يتعلق بالتطبيع، أو بإدارة الموارد، أو ببناء تحالفات إقليمية قادرة على كسر منطق العزل والتحكم بالمفاتيح، فالتاريخ، كما تُخبرنا الخرائط، لا يرحم من يتجاهل الجغرافيا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق