بطلان الاستدلال بصلح الحديبية على التطبيع
يحاول بعض المروّجين للتطبيع مع الاحتلال الصهيوني الاحتماء بصلح الحديبية لتبرير علاقاتهم مع هذا الكيان الغاصب، فيُقدَّم الصلح النبوي على أنّه سابقة شرعية لإضفاء مشروعية على هذا المسار الخطير، لكن التدقيق العلمي الشرعي والسياسي يبيّن أنّ هذا القياس باطلٌ جملةً وتفصيلاً، وأنّ استدعاء الحديبية هنا لا يعدو كونه تضليلاً للأمة وتحريفًا للنصوص الشرعية ومقاصدها، والفروق الجوهريّة عديدة بين صلح الحديبية والتطبيع مع الصهاينة أكتفي بأحدها:
في صلح الحديبية، كان الصلح بين دولتين شرعيتين متجاورتين متحاربتين، ولم تغتصب إحداهما أرض الأخرى، وكان الاعتراف المتبادل لا يتضمن تنازلًا عن أرض أو تفريطًا بحق.
أما التطبيع اليوم، فهو اعترافٌ بكيان غاصب نشأ على أنقاض شعب وأرض محتلة، ويمثل تنازلًا عن الحق العام للأمة في فلسطين، ذلك الحق الذي لا يملك أحد التنازل عنه، لا حاكم ولا دولة ولا جيل.
كان صلح الحديبية كسبًا خالصًا للنبي صلى الله عليه وسلّم ولدولته الفتية؛ إذ نالت الدعوة الإسلامية من خلاله اعترافًا رسميًا من قريش بعد أن كانت ترفض مجرد التعامل معه، ولا ترى في وجوده ودعوته إلا خطرًا يجب استئصاله بالقوة؛ فجاء الصلح ليُكرِّس واقعًا جديدًا، أقرّت فيه قريش، وهي القوة الكبرى في الجزيرة آنذاك، بأن محمدًا صلى الله عليه وسلّم صار قوة حقيقية لا يمكن تجاوزها، وأن دولته في المدينة باتت كيانًا قائمًا له وزنه وهيبته.
أما في واقع التطبيع المعاصر مع الكيان الصهيوني، فالأمر معكوس تمامًا؛ فبدل أن تنال الأمة اعترافًا بحقوقها، يمنح الاعتراف للغاصب المعتدي، وتفتَح أمامه العواصم، وترفرف أعلامه في أجواء مدن العرب والمسلمين، بل إن المحتل حصد مما يسمى اتفاقيات السلام وما يترتب عليها من تطبيع مكاسب فاقت توقعاته، حتى صار يختار متى وكيف يوسع علاقاته الإقليمية والدولية، مستفيدًا من بوابة التطبيع التي جعلت بعض الحكام أكثر حرصًا على إرضائه من حرصه هو على توسيع نفوذه.
إذن في الحديبية كان الاعتراف لصالح النبي صلى الله عليه وسلّم ودولته، فأصبح الإسلام قوة معترفًا بها، بينما في التطبيع المعاصر يُمنح الاعتراف للعدو على حساب حقوق الأمة وثوابتها، مع انسلاخ سياسي وأخلاقي يرسّخ الاحتلال بدل أن يُضعفه.
الاستدلال بصلح الحديبية لتسويغ التطبيع مع الكيان الصهيوني باطلٌ شرعًا وعقلًا وتاريخًا؛ فهو قياسٌ منكوس الأركان، ساقط الاعتبار، يصادم النصوص المحكمة، ويتنكّر لحقائق الواقع الناطقة؛ فالتطبيع ليس هدنةً تحفظ المصلحة، بل هو موالاة فاجرة لعدوٍّ محتل، وانسلاخ من هوية الأمة، وتفريط فادح بحقّها، والواجب الشرعي اليوم أن تمضي الأمة ثابتة الجَنان، عالية اللواء، متمسكة بموقفها التاريخي في رفض هذا الاحتلال، ثابتة على حقها حتى تعود الأرض لأهلها، ويُطوى سجلّ الغاصب كما طُوي قبله سجلّ كل طاغية ومحتل.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق