هذا النص ليس مكتوباً بالذكاء الاصطناع
يوسف الدموكي
صحفي، وطالب بقسم التلفزيون والسينما في كلية الإعلام بجامعة مرمرة
بعد تجارب مستمرّة منذ مدّة، ومحاولات لتطويع الذكاء الاصطناعي بإنتاج مواد صحافية مُتماسكة، منها ما يُلائم صياغة مواقع التواصل أو غيرها، خلصت إلى أنّ تطبيق "الذكاء الاصطناعي" بكونه نموذج كتابة إبداعية جيّد للجيدين، لكنه ليس فائقًا كالإبداع البشري، وليس سيئًا كبعض إنتاجات الإبداع البشري أيضًا. هو ذلك الشيء الجاف، منزوع النفَس البشري، والروح الطبيعية، الذي مهما أدخلت إليه من معطيات، فإنّه يبقيك داخل دائرة نمطية مُتعدّدة النماذج، لكنها بالنهاية محدودة الإبداعية. فما يتفتّق عنه العقل البشري ليس مُمكنًا لنموذج لغوي يتغذّى من "الذاكرة" وليس من "العقل" نفسه، حيث منبع إنتاجه آتٍ من استيعابه لإبداعات الآخرين، وقولبتها في عدد من الأشكال، وليس عقله نفسه، لأنّه في الأصل ليس مطلوبًا منه أن يحلّ محل إنسانية الإنسان، لكن الإنسان هو من يطلب منه ذلك، جاهدًا، أن يخفّف ساعات العمل، أو يقلّل الجهد المبذول.
في المقابل، إنّ جهده البحثي أكبر بكثير مما يمكنني فعله بمفردي في مثل هذا الوقت، وبالتالي كان تطبيقه بالنسبة إليّ في تلك المساحة أكثر إفادةً بكثير، فما يستطيع البحث عنه في خمس دقائق ببحث مُعمّق، قد لا أصل إليه إلا بعد أيّام من التفحّص وقراءة التقارير والدراسات. لكن ما لم توجّهه، وإن تركته لنفسه، فإنه قد يهمل دلالات بين السطور شديدة الأهمية، قد تخدم "إبداعية مادتك"، لمصلحة خطوط عريضة عامة، وقد يفعل العكس، فيُهمل الأصل ويلتفت إلى التفاصيل، حسب النمط الذي يرى أنه الأمثل لمادتك، دون ترك مساحة كافية لبصمتك الإنسانية فيه.
دائرة نمطية مُتعدّدة النماذج، لكنها بالنهاية محدودة الإبداعية
لكنني أرى الأخطر من هذا وذاك، وهو أنّ كثيراً من النوافذ الصحافية باتت "إبداعية" بالقدر ذاته المُستخدَم فيه الذكاء الاصطناعي، وبالتالي تفقد القيمة "الإبداعية" نفسها، لأنّها مولّدةٌ بالطريقة الصناعية ذاتها، فترى النمط نفسه، وإن تباين بحسب السياسات التحريرية للأماكن. وعليهِ، يتضاءل العنصر البشري، الذي يقوّي منصّةً صحافية عن غيرها مثلًا، بفعل بحث المنصّات عن "الإنجاز" على حساب "التفرّد"، وحين تبحث عن "التفرّد" القادم من وعود تشات جي بي تي وجيميناي أيضًا، فإنه يتحوّل إلى "رتابة" مقنّعة، ويا أهلًا بالنصوص المتوحّدة، وفق فيض من "البرومبتس"، لا يبقي من تقدّم الكتاب شيئًا ولا يذر.
ولذا، أحبّ أنّ هذه الحرفة، فيها ما فيها من تطوّر، وأصالة، فيها ما يخدمك لتنجز نصًّا أكثر متانة، أو أدقّ لغةً، لكن من دون أن يحلّ محلّ عقلك في التفكير والترتيب، لأنّ الكتابة بأصلها (في ما أرى والله أعلم) ذروة من ذُرى العقل البشري، كالرسم، والتصميم، وبعض الفنون، التي وإن كان لها قواعد عامة، وأطر تُحدّد أشكالها، فإنّ المضمون ذاته يرجع إلى "فكرة" تتولّد بعطاء الله في عقل صاحبها، ثم تُترجَم إلى مرئيّ أو مسموع أو مقروء، بديع الجمال، متفرّد الابتكار، إن كان النص موفّقًا وصاحبه مُسدّدًا.
وعليهِ، أرجو أن تظلّ لتلك الحرفة، وغيرها، تفرّد لا يمسّه الذكاء الاصطناعي، لأنّ الغباء البشري أحيانًا قد يبدو نعمةً مدهشة بجوار مُعطياته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق