الخميس، 29 يناير 2026

قوات مكافحة النوستالجيا

 قوات مكافحة النوستالجيا

وائل قنديل

على بعد 15 عاماً منها، جاءت الاحتفالات بثورة 25  يناير المصرية أكثر اتساعاً وتدفّقاً من أعوام سبقت، من دون أيّ إعداد مُسبق من المُنتمين لها أو ترويج لها، ويزيد الدهشة أكثر أنّ هذه الثورة باتت من الممنوعات أو الأحداث المسكوت عنها في عديد من المنابر الإعلامية العربية التي كانت تضع استعدادات خاصة لهذه الذكرى.

ما الذي جعل ثورة مضت عليها سنوات وتلقت ملايين الطعنات من أعدائها وعديد من الخيانات من أهلها أكثر حضوراً هذه المرّة على نحو أدهش الثوّار أنفسهم، بعد أن كان الإحباط قد تمكّن منهم وبات كثيرون منهم يظنون أنّها ماتت في دروب الذاكرة المُظلمة؟ 

الشاهد أنّ أعداء ثورة يناير هم أصحاب الفضل في إحيائها هذا العام، إذ كان لهم الإسهام الأكبر في إشعال مواقد الحنين وري حقول النوستالجيا، فعاد الحلم يُزهر في النفوس المُتعبة، ويضيء جنبات الروح التي أنهكتها الضربات المُتلاحقة.

الحاصل أنّ خصوم الحلم الألداء أمعنوا هذا العام في الاستعمال المُفرط لأقذر أسلحتهم في استهداف ثورة يناير، وكلّ ما أحاط بها وترتّب عليها، وبدأوا معركتهم ضدّ الذكرى مُبكّراً قبل موعدها بوقت كان كافياً لإنعاش ذكريات المُحبّين، فعادت الذاكرة تتحدّى سموم ما يمكن تسميتها "قوات مكافحة النوستالجيا" التي هبطت هذه المرّة مسافاتٍ هائلة في عمق الحضيضين، السياسي والأخلاقي، واستخدمت كلّ أسلحتها من كتب محشوّة بالهراء والأكاذيب والبذاءات المصروف عليها، مرورًا بمئات الساعات من الدعاية المباشرة في استوديوهات الانحطاط المهني، وكلّ ذلك من دون الالتزام بأيّ سقف قانوني أو أخلاقي أو إنساني في استهداف شخصيات الثورة وجمهورها، وهي أشياء لو جرت في أيّ دولة تتمتّع بالحدّ الأدنى من احترام القانون لأدّت بمن يطلقونها إلى جهات التحقيق والمُساءلة.

صحيحٌ أنّ هذه الحربٍ القذرة مستمرّة منذ ما قبل اندلاع الثورة في 2011، كما أنّها تواصلت بعدها وتأجّجت في المرحلة التي كان نظام حسني مبارك فيها يظّن أنّ بالإمكان إجهاض الثورة بتخويف جموع المصريين منها وتأليبهم عليها، والثابت أنّها استمرّت أيّام حكم المجلس العسكري، وزادت شراسةً في التحضير لانقلاب عام 2013، لكن هذا العام (2026) شهد الموجة الأعنف ممّا أسميته مُبكّراً مبدأ "استحلال الكذب وشرعنة التزييف"، والذي يعمل القائمون عليه وفق منهج: إذا أردتَ أن تقتل حقيقة حاصرها بطوفان من الأكاذيب المصنوعة بدقة، وإذا أردت أن تحرق حقّاً أشعل حوله ألف باطل.

غير أنّه تبيّن أنه كلّما اشتدّت الضربات والطعنات وازدادت تسفّلاً وبذاءة، فإنها تأتي بمردود عكسي هائل عند الجمهور المُستهدف بحملات التخويف والتخوين، فكان أن أزهرت كلّ أشجار النوستالجيا في الفضاء العام، وكان لافتاً أنّ الأمر لم يتعلّق بالجيل الذي عاش الثورة بوعي مُكتمل بحكم خبرة السن، وإنما ظهر أكثر فيما يمكن تسميته "جيل أطفال الثورة"، ذلك الجيل الذى كانت أعمار المُنتسبين إليه لا تتجاوز الثانية عشرة عاماً، وكلّ خبراتهم بالثورة ومنطلقاتها ومآلاتها اعتمدت على حكايات الآباء والأمهات والأشقاء الأكابر، وكذا على أرشيف هذه الثورة المُتاح، في كتب مطبوعة أو مواقع إلكترونية. وفي المحصلة، يمكن القول إنّ الخامس والعشرين من يناير/ كانون الأوّل 2026 بدا وكأنّه اليوم التالي لليوم نفسه من عام 2011، أو كأنّه استطراد في السرد لحدثٍ كان أعداؤه يظنّون أنهم نجحوا في القضاء عليه بتوجيه الطعنة الأخيرة، المسمومة، للذاكرة الجمعية، فتبيّن لهم أنّ بذاءاتهم وأباطيلهم كانت العامل الأوّل في انتعاش محصول الحنين وانبعاث الحلم مع يقينٍ بإمكانية استئنافه، أو محاكاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق