الأحد، 18 يناير 2026

سُوء إدارة.. لا قلَّة موارد!

 نقطة نظام

سُوء إدارة.. لا قلَّة موارد!

أدهم شرقاوي


في العامِ 1704، تقطَّعتِ السُّبلُ ببحّارٍ إسكتلنديٍّ يُدعى «ألكسندر سِلكريك»،

على جزيرةٍ مهجورةٍ تبعدُ قرابةَ أربعمئةِ ميلٍ عندَ ساحلِ تشيلي.

كان كلُّ ما بحوزتِه بندقيّة، وبعضُ البارود، وسكّين، وبعضُ أدواتِ النِّجارة.

ومعَ استكشافِه دواخلَ الجزيرة،

لم يرَ سوى جَمْعٍ من الماعزِ الجبليّ، والقطط، والجرذان،

وبعضِ الحيواناتِ التي لم يكن شاهدَها من قبل!

قرّرَ البقاءَ بمحاذاةِ الشاطئ، ونامَ داخلَ كهف،

ووجدَ من الطعامِ ما يكفيه باصطيادِ السَّمك،

واستسلمَ رويدًا رويدًا لاكتئابٍ عميق!

أدركَ أنَّ البارودَ سينفدُ منه، وسكّينَه ستصدأ، وملابسَه ستتمزّقُ على ظهرِه!

لم يستطِعِ العيشَ على السَّمكِ فقط، وليسَ لديه ما يكفيه من المؤن،

والوحدةُ تسحقُه، ليتَه جلبَ المزيدَ من الأغراضِ من سفينتِه!

وفجأةً، غزتِ الفقماتُ الشاطئ، كان موسمَ تزاوجِها،

والآن أُجبِرَ على الانسحابِ إلى عمقِ الجزيرة.

هناكَ ليسَ بمقدورِه صيدُ السَّمكِ بالرُّمح!

جلسَ يتأمّلُ حالَه، فاكتشفَ أنَّه يملكُ كلَّ ما يحتاج،

إنَّه يحتاجُ خطّةَ عملٍ لا أكثر!

بنى مجموعةَ أكواخٍ من الأشجار، وزرعَ فاكهةً متنوّعة،

وتعلّمَ اصطيادَ الماعز، وجعلَ من القططِ رفقةً له،

وفكّكَ بندقيّتَه عديمةَ الفائدة، واستخرجَ منها أدواتٍ ينتفعُ بها،

وصنعَ ملابسَ من جلودِ الحيوانات،

بدا الأمرُ كأنَّه عادَ إلى الحياةِ مرّةً أخرى، وتخلّصَ من الاكتئاب!

الفكرةُ أنَّ الإنسانَ لا يحتاجُ أحيانًا إلى مواردَ جديدة،

بقدرِ حاجتِه إلى عقليّةٍ جديدة، وخطّةِ عملٍ جيّدة!

ولنوسّعِ الدائرةَ قليلًا، إنَّ الفقرَ الذي تُعاني منه أغلبُ دولِنا،

لا يعودُ إلى قلّةِ الموارد، وإنّما إلى سوءٍ في الإدارة!

ويوسفُ عليه السَّلام لم يُجنِّبْ أهلَ مصرَ الموتَ جوعًا بمواردَ جديدة،

وإنّما بإدارةٍ جيّدةٍ للمواردِ المتاحة!

كلُّ كيانٍ ليسَ فيه إدارةٌ ينهار،

من البيت، إلى الشَّركة، إلى البلديّة، إلى الوزارة، إلى الدَّولة!

كلُّ كيانٍ ناجحٍ في العالم وراءَه إدارةٌ ناجحة، لا مواردُ كثيرة.

إفريقيا على سبيلِ المثال،

يُستخرجُ منها ما يزيدُ على تسعينَ بالمائةِ من ذهبِ هذا الكوكب،

ولكنَّ بلدانَها غارقةٌ بالفقر،

بعضُ الذهبِ يسرقُه المستعمرون، وبعضُه يقتسمُه السّاسةُ الفاسدون!

وفي النِّهاية، لا يقفُ الإنسانُ عندَ حدودِ ما يملك، بل عندَ حدودِ ما يفهم. قد تتكدَّسُ الأشياءُ من حولِه، ومع ذلك يبقى عاجزًا، وقد لا يملكُ إلّا القليلَ فيصنعُ به حياةً كاملة. المسألةُ ليست في القسوةِ التي تُلقى عليه، بل في السُّؤالِ الذي يطرحُه على نفسِه أمامَها: هل يرى نقصًا أم احتمالًا؟ الفارقُ كلُّه يبدأُ من هناك. فالعقلُ حين يعجزُ عن الرؤية، تتحوَّلُ الوفرةُ إلى عبء، وحين يُحسنُ النَّظر، يصبحُ القليلُ كافيًا. وهكذا، لا تُحدِّدُ الظُّروفُ مصيرَ الإنسانِ بقدرِ ما يكشفُه طريقُ تفكيرِه في مواجهتِها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق