الأحد، 18 يناير 2026

بين الصداقة والمعسكرات المغلقة

بين الصداقة والمعسكرات المغلقة


حمد حسن التميمي




ليست كل المواقف التي تهزنا خيانة، ولا كل المفاجآت تعني أن العالم تغير. لكن هناك لحظات تباغتك فتتسلل إلى قلبك كالوخز. من هذه اللحظات أن ترى صديقك يجلس إلى جوار من تعتبره عدوك. في تلك الصورة العابرة ينهض في داخلك ارتباك، تختلط فيه الغيرة بالخذلان، والدهشة بالغضب، كأن العالم الصغير الذي بنيته على الثقة صار فجأة مهدداً بالانهيار.

الإنسان في طبيعته عاطفي التفسير؛ يقرأ المشهد بعين الجرح لا بعين الفهم، فيسرع إلى الحكم: «لقد خان». 
لكن التأمل العميق يذكرك أن الحياة لا تُرى بلون واحد، وأن العلاقات بين البشر أكثر تعقيداً من أن تُختصر في أبيض أو أسود. ف
قد يكون اللقاء صدفة لا معنى لها، أو عملاً جمعهما، أو حتى محاولة مخلصة لتقريب وجهات النظر.

نميل كثيراً إلى محاصرة مَن نحب داخل حدودنا الخاصة، كأننا نطلب من أصدقائنا أن يروا العالم بعيننا، وأن يحملوا عداواتنا كما نحبهم نحن. 
غير أن الصديق الحقيقي ليس ظلاً يكررنا، بل إنسان له تجربته القائمة بذاتها، يرى ما لا نراه، ويشعر بما لا نشعر به. 
وفي تلك المسافة بيننا وبينه تكمن أصالة الصداقة، إذ لا يثبت الوفاء بالتشابه، بل بالقدرة على قبول الاختلاف دون كسر رابط المودة.

المشهد الذي يؤلمك اليوم قد يكون غداً مرآة لتواضعك ونضجك. 
فربما عليك أن تتعلم أن الصديق ليس ملكاً يُحاصر، ولا جندياً في صفك، بل رفيق طريق تشترك معه في القيم الكبرى، لا في خصومات اللحظة. 
فالحياة لا تقوم على معسكرات مغلقة من محبين وأعداء، ومن الحكمة أن نفرق بين من يقف ضدنا، ومن لا يقف معنا بالطريقة التي نرغب بها.

لعل أجمل ما يمكن أن تفعله حين ترى صديقك مع عدوك أن تصمت قليلاً، أن تمنح نفسك فرصة لتتأمل المشهد بعيداً عن الغضب. 
واسأل نفسك بصدق: ما الذي آلمني في الحقيقة؟ أهو وجودهما معاً أم خوفي من أن أفقد مكانتي في قلب صديقي؟ 
فكثيراً ما يكون الإحساس بالخذلان صراعاً مع النفس أكثر منه مع الآخر.

وفي النهاية، الصديق لا يُقاس بمكان جلوسه، بل بثباته في غيابك، بقدرته على أن يذكرك بالخير حين تُذكر بالسوء، وأن يبقى رابط المودة قائماً رغم العواصف والاختلافات. 
أما من يتبدل موقفه بتبدل المجالس، فليس صديقك ولا عدوك، بل عابر في المسافة بينهما.

حين ترى صديقك مع عدوك، لا تسأل الغضب عما يفعل هو، بل اسأل قلبك عما ينبغي أن تفعل أنت.
فهناك يُختبر النضج وتُقاس الثقة.

كن أكبر من الموقف، أصفى من الظن، وأقوى من وجع اللحظة. 
فالثقة التي لا تهتز أمام المفاجآت هي وحدها التي تصنع صداقة تستحق أن تُروى بعد الغياب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق