ليلة عاصفة أعادتني إلى نور الفطرة
أندري فاليان
مدغشقر
أنا: أندري فاليان، من الساحل الشرقي لمدغشقر، من مدينة تُدعى “فانارانتسوا”.
ولدت في أسرة بسيطة تعيش بين الجبال الخضراء والممرات الترابية الضيقة التي تنتشر فيها ورش النجارة. كان أبي نجارًا معروفًا في الحي، رجلًا طيبًا قليل الكلام، قويّ اليدين لكنه رقيق القلب. منذ أن بلغت الثانية عشرة، بدأت أساعده في الورشة الصغيرة خلف بيتنا الطيني، حتى صارت رائحة الخشب جزءًا مني، وصار صوت “المنشار” الموسيقي هو الذي يوقظني ويجعل نهاري يبدأ.
حياتي كانت عادية جدًا، بل رتيبة أحيانًا. أستيقظ صباحًا، أتناول بعض الأرز المسلوق أو شرائح من قصب السكر، ثم أذهب إلى ورشة أبي. نقطع الأخشاب، نصنع المقاعد والأبواب، ونصلّح ما أفسدته الرطوبة والوقت.
كانت الحياة بسيطة لكن خالية من أي عمق. لا أسأل كثيرًا عن الحياة بعد الموت! ولا أعطي الدين اهتمامًا حقيقيًا. في مدغشقر تنتشر معتقدات مختلطة من المسيحية والطقوس التقليدية، وتقديس أرواح الأجداد. كنت أشارك في بعضها بدافع العادة والعرف، لا الإيمان.. لكن كل ذلك تغيّر، لا بسبب حادثٍ كبير أو كارثة، بل بسبب “ضجيج داخلي” ظلّ يكبر في صدري عامًا بعد عام.
كيف بدأت الحكاية؟
والدتي كانت امرأة حكيمة، تقول لي دائمًا: “يا أندري، القلب حين يضيع لا ينقذه إلا سؤال واحد: لِمَ خُلِقنا؟” كنت أبتسم وأردّ عليها: “أمي، لا تشغلي بالك. نحن نعيش يومًا بيوم”، لكنها كانت تهز رأسها وتقول: “ستأتيك لحظة تسأل فيها نفسك قبل أي شخص آخر”. لم أكن أؤمن بحديثها، أو ربما كنت أتهرب منه. لكن اللحظة التي تحدثت عنها جاءت فعلًا، وبطريقة لم تخطر على بالي.
ليلة العاصفة التي كسرت يقيني القديم!
في أحد المواسم، ضربت منطقتنا عاصفة قوية استمرت يومين. كنا نعيش في بيوت خشبية خفيفة، لذلك كنّا نخاف دائمًا من الرياح الشديدة. بيتنا تأذّى قليلًا، لكن الورشة انهار جزء من سقفها، فذهبتُ مع أبي لإصلاحه تحت المطر.
وبينما كنا نُثبّت بعض الأخشاب، انزلقتُ من على السلم، وسقطت بقوة على الأرض. شعرت بصدري ينغلق للحظة، وبنَفَسي يهرب. ظننت أني سأموت. رأيت السماء الملبّدة بالغيوم تنظر إليّ صامتة! كان خوفي حقيقياً وصادقًا لأول مرة. ومن تلك اللحظة تغير كل شيء. لم أعد أرى الحياة كما كنت. صرت أتساءل: لماذا أنا هنا؟ لماذا أخاف الموت رغم أني أدّعي الإيمان بشيءٍ ما؟ ولماذا أشعر أن عباداتي الطقوسية ليست كافية؟
كنت أقرأ الكتاب المقدس من حين لآخر، لكنه لم يشفِ القلق الذي كبر داخلي.
رحلتي مع البحث على الإنترنت!
بعد العاصفة بأسبوعين، اشترينا هاتفًا جديدًا للورشة لنستخدمه في التواصل مع الزبائن. كنت أستخدمه أحيانًا مساءً لأتصفح الإنترنت. بدأت أبحث عن “معنى الحياة”، “الطمأنينة”، “كيفية التخلص من الخوف من الموت”.
ظهرت لي عشرات المقاطع، لكن أغلبها كان تحفيزيًا سطحيًا. أنا لا أحتاج أحدًا يقول لي “فقط كن قويًا”، كنت أريد أحدًا يجيبني بصدق، بوضوح، بلا لفّ ولا دوران.. وفي مساء يوم أحد، بينما كنت أتصفح مقطعًا يتحدث عن الإيمان، ظهر لي منشوراً مقترح بعنوان: “لماذا خلقنا الله؟ رسالة إلى الباحثين عن الحق”، وكان صادرًا عن مشروع اسمه “بصيرة الدعوي”، شدّني العنوان، كان مكتوباً فيه: “الإنسان لا يخاف الموت لأنه مجهول، بل لأنه لم يعرف ربه حق المعرفة!” تجمدت يدي على الشاشة. شعرت أن الجملة اخترقتني.
تابعت القراءة: تحدث عن التوحيد، عن الحكمة من وجود الإنسان، عن أن الله ليس فكرة، بل رباً رحيماً واحداً، يدعو عباده إليه. وفي آخر المنشور كان يوجد رابط مكتوب عليه: “هل تبحث عن الحقيقة؟ تواصل معنا”.
مكثت أفكر دقائق. قلبي كان يدفعني خطوة، وعقلي يتردد. وفي النهاية ضغطت.
البداية: رسالة صغيرة غيّرت مساري! كتبت لهم: “أنا من مدغشقر. لست مسلمًا، لكن لدي أسئلة كثيرة تؤرقني. هل يمكنكم مساعدتي؟”
لم أنتظر طويلًا حتى جاء الرد: “مرحبًا يا صديقي. نحن هنا لنحاورك بلا ضغط، فقط استمع بقلبك واطرح ما شئت”.
بدأ بيني وبين المحاور حوارٌ بسيط، لكنه كان عميقًا.. سألني عن حياتي، عن إيماني، عن مخاوفي. لم أشعر للحظة أنه يريد أن يجذبني، بل يريد أن يفهمني.
قلت له: “أنا لا أشعر أني قريب من الله. كل شيء غامض”.
فقال: “الله أقرب إليك مما تتخيل، لكنك تحتاج أن تعرفه كما وصف نفسه، لا كما تصوّره العادات”. كانت الجملة غريبة عليّ! لكنها منطقية.
أسئلتي الأولى عن الإسلام!
كنت أطرح عليه كل ما يخطر ببالي:
- لماذا لا يصوّر المسلمون الله في صورة محددة؟
- لماذا يؤمنون بنبي واحد في آخر الزمان؟
- ما معنى التوحيد؟
- هل الإسلام يناقض العقل؟
- لماذا نصلّي خمس مرات يوميا؟
- كيف أعرف أن القرآن لم يُحرّف؟
وكان يجيب بلا انفعال، بلا جدال، بل بهدوء يجعلني أرغب في الاستماع أكثر.
أرسل لي آيات كثيرة من كتاب المسلمين المقدس “القرآن”، أكثر آية هزّتني وتأثرت بها، كانت: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16] وقفت عندها طويلًا. قلت لنفسي: “لو كان الله فعلًا قريبًا مني هكذا، فلماذا لا أشعر به؟!”
الليلة التي أضاء فيها قلبي!
في ليلة هادئة، بينما كانت الأمطار تتساقط خارجًا، أرسل لي المحاور مقطعًا قصيرًا بعنوان: “كيف يجد الساجد طمأنينته؟” كان المقطع يظهر رجلًا يسجد على الأرض ويبكي ويقول: “يا رب،أنت السلام”. شعرت أن شيئًا ما يحدث في صدري لا أفهمه! شعرت أن السجود ليس حركة، بل نجاة. أغلقت هاتفي ووضعت يدي على وجهي وبكيت لأول مرة منذ وفاة أمي.
كتبت له: “هل يمكن لإنسان عاش حياته كلها بلا يقين أن يبدأ من جديد؟”
فقال: “نعم، بل هذه هي البداية الحقيقية. الإسلام ليس لمن وُلد مسلمًا فقط، بل لمن شعر بضياع وقرر أن يعود لربه”.
فقلت: “كيف أعود؟”
قال: “ابدأ بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. لكن لا تقلها إلا إذا كنت تؤمن بها بكل جوارك”.
سألته: “هل يمكنني قولها الآن؟”
قال:“إن جاءتك اللحظة، فلا تؤخرها”.
كنت أشعر أن اللحظة جاءت فعلاً. وضعت الهاتف أمامي، أغمضت عيني، وشهقت شهقة طويلة ثم قلت: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”. وقعت الكلمات عليّ كالمطر على أرض عطشى. شعرت بثقل يخرج من قلبي، وبنور يدخل مكانه.
في صباح اليوم التالي، استيقظت وأنا مختلف! الخشب في الورشة لم يعد مجرد خشب! وصوت المنشار لم يعد صخبًا! كانت الأشياء كلها هادئة داخلي، كأن الكون كله تغيّر لا أنا فقط!
جلست على مقعد صنعه أبي قبل سنوات، وقلت لنفسي: “يا أندري.. هذا هو الطريق الذي كنت تبحث عنه منذ سنوات دون أن تدري”.
التغيرات الأولى بعد الإسلام!
لم أُعلن إسلامي مباشرة. صرت أتعلم كل يوم شيئًا جديدًا:
- كيف أتوضأ؟!
- كيف أصلّي؟!
- كيف أقرأ الفاتحة؟!
- ما معنى الصدق والأمانة في الإسلام؟!
- كيف يكون القلب متصلاً بالله في كل لحظة؟!
كنت أتواصل يوميًا مع مشروع بصيرة. كانوا يرسلون لي مقاطع مترجمة للفرنسية عن العقيدة والعبادات. لم أشعر أنهم غرباء، بل إخوة لم أعرفهم من قبل. وانضممت بفضل الله إلى قسم التعليم معهم ضمن مشروع بصيرة.
تركت بعض العادات، وتعلمت عادات جديدة، كنت معتادًا على بعض الطقوس التقليدية في الحي، خاصة طقوس “التكريم للأجداد”. تركتها بهدوء، دون صدام. كنت أشعر أن الإسلام أعطاني طريقًا واضحًا، لا غموض فيه. صرت أجلس على الشاطئ قبل الغروب لأتأمل. البحر كان هو نفسه، لكن قلبي اختلف. كنت أشعر أنني أقف أمام الله كلما نظرت إلى الأفق.
تغيرت علاقتي بعملي، بدأ يأتيني زبائن مسلمون من بعض القرى القريبة. كانوا يطلبون مني إصلاح أبواب المساجد القديمة، أو صنع خزانات خشبية لحفظ المصاحف.كنت أعمل بحبّ عجيب. كنت أقول في نفسي: “أنا اليوم أصنع شيئًا لله، لا لأجل المال فقط”.
وبمرور الوقت وبفضل الله ومساعدة معلمي في مشروع بصيرة؛ تعلمت تسجيل بعض سور القرآن الكريم التي تعلمتها معهم، وأرسلت بعض التسجيلات إلى المشروع.
اليوم.. وبعد مرور أشهر، صرت أكثر هدوءًا.. أصبحت صلاتي هي اللحظة التي أعود فيها إلى نفسي.. أصبحت أقرأ قدراً من القرآن كل ليلة قبل النوم.. وقد تحققت هذه الآية في حياتي أنا بالفعل: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125]. كلما قرأتها أضع يدي على صدري وأبكي، وأقول: “يا رب.. لقد شرحت صدري للإسلام بعد أن كان ضيقًا كالخشب الصلب لا يُجدى معه النشر”.
لست عالمًا، ولست شيخًا، ولست إنسانًا مثاليًا.. أنا نجّار بسيط من مدغشقر، كان يعيش بلا هدف، بلا يقين.. لكن الله ساقني إلى مقطع على الإنترنت، ثم إلى حوار صادق مع داعية لم أرَ وجهه من قبل، وفتح قلبي لكلمة “لا إله إلا الله”.
من يومها لم أعد أخاف الموت؛ لأنني لأول مرة أعرف إلى أين، ولمن سأذهب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق