‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجازر الدعم السريع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مجازر الدعم السريع. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 14 نوفمبر 2025

مَن يريد هدنةً في السودان؟

مَن يريد هدنةً في السودان؟

حمّور زيادة

حمّور زيادة

 انتقلت الحرب السودانية إلى واشنطن، لتشرف الولايات المتحدة بشكل مباشر على التفاهمات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. 

حرصت الخارجية السودانية على أن تؤكّد أنها ليست في مفاوضاتٍ مع عدوّها، إنما هو حوار مع الحكومة الأميركية حول الأوضاع في السودان. 

وصعّدت الرباعية الدولية (الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات) من ضغوطها لفرض هدنة إنسانية. 

لكن ذلك كلّه لم يُجدِ، إذ رفض الجيش، مراراً، على لسان القائد العام وعدد من القيادات، ومجلس السيادة ووزارة الخارجية، أيَّ هدنة أو وقف لإطلاق النار، لكنّه أكّد أنه لا يرفض السلام.

أمّا مليشيا الدعم السريع التي أعلنت موافقتها على الهدنة حرصاً منها (كما تدّعي) على السلام، فقد واصلت انتهاكاتها في مدينة الفاشر، حتى رصدت جامعة ييل الأميركية دماء الضحايا عبر الأقمار الأصطناعية. 

كشفت الجامعة مواقع لمقابر جماعية في المدينة التي سقطت بعد حصار طويل "لقد رأينا دماءهم من الفضاء! لكنّنا عجزنا (في الأرض) عن إنقاذهم".

تقول ناجية نزحت من المدينة القتيلة لوزير المالية السوداني (الذي يقود أيضاً مليشيا مسلّحة متحالفة مع الجيش): "نخشى على الذين تركناهم خلفنا". فيقول لها الوزير: "أولئك لهم الله". لا شيء يمكن فعله لمساعدة المدنيين. فحملة السلاح لا تهمّهم هذه المعاناة. بل ربّما هي مفيدةٌ لهم. لكنّهم يتحدّثون عن السلام. يطلقون الرصاص ويتحدّثون عن السلام.

في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1939، ألقى أدولف هتلر خطاباً بعد غزو بولندا قال فيه: "لا أرى مبرّراً لاستمرار الحرب بين ألمانيا وبريطانيا، الحرب لا تخدم إلا أعداء أوروبا". 

حتى بعد أن أرسل جيشه ليحاصر ستالينغراد، قال إنه دائماً ما كان يريد السلام، "لكنّ اليهود جرّوا إنكلترا وروسيا إلى حرب مدمّرة". 

الرجل الذي دخل التاريخ الإنساني واحداً من أبشع الطغاة والسفّاحين، ظلّ يردّد حتى لحظة حصاره في مبنى المستشارية أنه يريد "السلام"، وأن الحرب فُرِضتْ عليه. مات الطاغية وهو مؤمن بأنه كان يدافع عن بلده، وأنه لم يسعَ إلى الحرب. نحو 70 مليون إنسان كانوا ضحايا حبّ النازيين لـ"السلام". 

يعلّمنا التاريخ أنه حتى أبشع الطغاة يحارب وهو يزعم أنه يبحث عن "السلام".

في الوقت نفسه الذي يتبادل فيه طرفا الحرب قبول الهدنة ورفضها، تسعى المؤسّسات الدولية إلى محاولة إقناع الطرفَيْن بإدخال المساعدات الإنسانية بأيّ شكل. فيزور منسّق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة مدينة بورتسودان (العاصمة البديلة تحت سيطرة الجيش السوداني) ومدينة الجنينة (تحت سيطرة "الدعم السريع" بعد مذبحة كبرى). لكنّ الطرفَيْن لا يثقان بالمجتمع الدولي ولا يؤمنان بأن الإغاثة ستعين أيَّ أحدٍ إلا المتقاتلين. لذلك يسعيان لتأخير دخولها ما استطاعا. ولكن ذلك لن يستمرّ طويلاً، فقد أصبح الملفّ الإنساني هو المدخل الرئيس لعدد من المهتمّين بالملفّ السوداني، خاصةً بعد المذابح التي ارتكبتها "الدعم السريع" في مدينة الفاشر. 

جذبت جريمة الحرب هذه أنظاراً ما كانت قوات الدعم السريع تسعد لتسليطها عليها. وبدا الجيش سعيداً بها، لأنها أدانت عدوّه وقرَّبت من إعلانه منظّمةً إرهابيةً، لكنّه لم يرضَ عن الدعوات إلى وقف الحرب التي تلت الاهتمام الدولي والإدانة.

يحدث ذلك بينما لا يزال اثنان من كل ثلاثة سودانيين بحاجة إلى المساعدة، حسب تصريح منسّق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة. يرفض الجيش الاعتراف بوجود مجاعة، وترفض "الدعم السريع" الاعتراف بوجود مذابح. وينكر الطرفان أيَّ جرائمَ ممنهجة، ويزعمان أن الإدانة الدولية هي جزء من مؤامرة، وأن الجرائمَ كلّها انتهاكات فردية.

تشتكي المنظّمات الدولية من أن ما غُطِّي من حاجة المدنيين السودانيين لا يتجاوز 10%. لا تجد الإغاثة للمدنيين تمويلاً كافياً، بينما لا ينقطع السلاح عن المتقاتلين. ولا تعجز أيُّ مليشيا قَبَلية جديدة عن الحصول على تسليح كافٍ، لكن "يونيسف" (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) تحاول عبثاً جمع تمويل كافٍ لمساعدة نحو 15 مليون طفل سوداني.

تقدّرالمنظمة الدولية عدد الأطفال السودانيين تحت سنّ خمس سنوات الذين يعانون من سوء التغذية الحادّ بأكثر من ثلاثة ملايين طفل، وارتفعت نسبة احتمال الوفيات إحدى عشرة مرّة. الهدنة التي تنقذ هؤلاء لا تفيد حملةَ السلاح، يفضلّون الدماء التي تُرى من الفضاء.

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

الهدنة المسمومة.. إنقاذٌ لـ«المليشيا»

أمواج ناعمة

الهدنة المسمومة.. إنقاذٌ لـ«المليشيا»

د. ياسر محجوب الحسين


تتصاعد في الأفق أنباء عن هدنة محتملة في السودان تمتد لثلاثة أشهر، تُطرح تحت لافتة «إيصال المساعدات الإنسانية»، لكنها في الواقع تُخفي خلفها شبكة معقدة من المصالح، والضغوط الدولية تقف وراءها ما يُعرف باللجنة الرباعية الدولية.

المشهد الراهن لا يحتمل قراءة سطحية، فالحديث عن هدنة ليس مجرد نقاش حول إيقاف القتال مؤقتاً، بل خطوة سياسية وأمنية قد تُعيد ترتيب موازين القوى ميدانياً، وتؤثر على مجمل مسار الحرب 

ويمكن تحليل المشهد كما يلي:

أولا: الهدنة كأداة لإعادة التموضع، فالجيش السوداني، منذ اندلاع التمرد في أبريل 2023، خاض معركة طويلة ومعقدة، استعاد فيها العاصمة الخرطوم، وكسر شوكة المتمردين في ولايتي الجزيرة وسنار، محققاً مكاسب استراتيجية واضحة. غير أن سقوط مدينة الفاشر مؤخراً مثّل منعطفاً حساساً أعاد إلى الواجهة محاولات تدويل الصراع. 

في هذا السياق، تأتي الدعوات للهدنة كأنها مبادرة إنسانية، لكنها عملياً تمنح مليشيا الدعم السريع المتمردة فرصة لالتقاط أنفاسها وترميم قدراتها المنهكة.

من التجارب السابقة، فإن الهدن المتكررة كانت منفذاً لتسلل الإمدادات الخارجية، وتحوّلت قوافل الإغاثة في بعض الحالات إلى غطاء لتهريب السلاح والمرتزقة.

 هذا النمط من «الاستغلال الإنساني» ليس جديداً في النزاعات الإفريقية، وغالباً ما يؤدي إلى إطالة أمد الحروب بدل إخمادها.

ثانيا: انعكاسات الهدنة على الجبهة الداخلية.. إن الالتفاف الشعبي حول القيادة العسكرية شكّل خلال الفترة الماضية رصيداً استراتيجياً للجيش. هذا الالتفاف لم يكن وليد الدعاية أو الشعارات، بل نتاج معاناة عميقة عاشها المواطنون في مناطق النزاع، حيث واجهوا القتل والنزوح والنهب والانتهاكات الواسعة التي سارت بها الرياح ولم تنقض عجائبها. لذلك، فإن أي استجابة غير محسوبة لضغوط هدنة غير مضمونة العواقب قد تُفهم داخلياً كتنازل عن وعود الحسم الكامل للتمرد، وهو ما يهدد الثقة الشعبية في القيادة ويضعف سرديتها الوطنية.

إن قبول هدنة من دون ضمانات صارمة سيُفسَّر كاعتراف ضمني بالمتمردين، ويُضفي عليهم شرعية سياسية وأخلاقية غير جديرين بها على الإطلاق، ويحوّلهم من فاعلين عنف إلى شركاء محتملين في ترتيبات سلام مفتعل. 

من زاوية التحليل السياسي، هذا النوع من التحولات الرمزية يُعدّ أخطر من المكاسب الميدانية ذاتها، لأنه يُعيد تعريف طرف الصراع أمام المجتمع الدولي، ويفتح الباب لتدويرهم كقوة مشروعة في المستقبل.

ثالثا: الأبعاد الإقليمية والدولية؛ لا يمكن فصل أي هدنة عن السياق الدولي المحيط بها. فالقوى الغربية، وعلى رأسها واشنطن، ترى في استمرار الحرب خدمة لمصالحها المستندة على استعمار حديث، وتسعى في ذات الوقت إلى معالجة الأزمة بأدوات الضغط الإنساني لا بالاعتراف بجذورها بالضرورة.

الهدنة، في هذا المنظور، قد تُستخدم لفرض تسوية سياسية تُعيد إنتاج المليشيا كفاعل شرعي، بما يتيح للدبلوماسية الغربية مساحة للتدخل في صياغة مستقبل الدولة السودانية. هذه الصيغة تضع سيادة السودان على المحك، وتجعل من المساعدات الإنسانية مدخلا لتقويض استقلال القرار الوطني.

كما أن طول أمد الحرب يمنح بعض القوى الاخرى مساحة أكبر للمناورة، سواء عبر تمويل أطراف محددة أو تسهيل مرور الدعم اللوجستي. وهنا يصبح السؤال الجوهري: هل ستساهم الهدنة في إنهاء الحرب فعلاً، أم أنها ستخلق «حرباً مؤجلة» أكثر تعقيداً واتساعاً؟

رابعاً: شروط انهاء الصراع؛ إن التحليل الموضوعي لا يرفض فكرة التهدئة من حيث المبدأ، بل يضعها ضمن معادلة واضحة: الهدنة لا تكون حلا ما لم ترتبط بشروط تحقق المصلحة الوطنية العليا. أول هذه الشروط هو وجود آليات رقابة فعالة ومستقلة تضمن أن المساعدات تصل للمدنيين لا للمليشيا. ثانيها، استمرار الضغط العسكري والسياسي حتى خلال فترات الهدوء، بما يمنع الخصم من استغلال الفراغ الزمني لإعادة تنظيم صفوفه. وثالثها، أن تكون أي ترتيبات تفاوضية لاحقة نابعة من الداخل السوداني، وليست مفروضة من الخارج تحت مسمى «المجتمع الدولي».

هذه المعادلة تضع القيادة أمام خيار واضح: إمّا وقف لاطلاق النار يلزم التمرد بالاستسلام لإرادة الدولة بما يضمن ويرسخ استمرار تفوق الدولة وتدعيم مؤسساتها، أو هدنة مفروضة تُعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.

خامسا: الثبات كاستراتيجية؛ لا شك أن اللاءات الثلاث التي أعلنها رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان- لا لتفاوض مفروض، لا لإعادة إنتاج المليشيا، لا لمنح شرعية سياسية للمتمردين- ليست مجرد شعارات سياسية، بل تمثل إطاراً استراتيجياً للحفاظ على تماسك الموقف الوطني.

الخلاصة أنه في لحظة الصراع الراهنة، لا تكمن خطورة الهدنة في مدتها الزمنية، بل في مضمونها السياسي. هدنة غير مشروطة قد تُعيد تشكيل المشهد بطريقة تُقوّض ما تحقق من إنجازات ميدانية وتزرع بذور نزاع مستقبلي. أما التمسك بالموقف الرافض دون تهاون، فهو ليس خياراً عاطفياً بل قراءة عقلانية لميزان القوى ولمخاطر التنازل في منتصف الطريق.

إن السودان اليوم أمام اختبار سيادة وإرادة، والقيادة السياسية والعسكرية مطالبة بإدارة هذا التحدي بقدر عالٍ من الصبر والحكمة. فالنصر لا يتحقق فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في القدرة على قراءة المشهد الدولي وتجنّب فخاخ التسويات الناقصة.

الهدنة، إذا لم تُبنَ على أسس وطنية صلبة، ستكون كالأمواج الناعمة: تبدو هادئة على السطح، لكنها تُخفي تيارات عميقة قادرة على جرّ البلاد إلى قاع الفوضى.

الأحد، 9 نوفمبر 2025

لماذا انتقلت الإبادة من غزة إلى السودان؟

لماذا انتقلت الإبادة من غزة إلى السودان؟ إذا استقرت "إسرائيل–الإمارات" في السودان فستستهدف تركيا وشركاءها.. إذا كسروا هذا "العمود الفقري" فسينتهي الوجود التركي هناك.. نحن في حرب مع إسرائيل على كل الجبهات!
إبراهيم قراغول

بينما ما زلنا نواجه الصدمة الجغرافية التي سببتها الإبادة الجماعية في غزة، بدأت هذه المرة في السودان مشاهد مماثلة من الوحشية. فقد أطلق تنظيم «قوات الدعم السريع» الإرهابي، المدعوم من إسرائيل والموجّه من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، مجازر دموية فور سيطرته على مدينة الفاشر في الجنوب.

يُدفن الناس أحياءً في التراب، وتُنفّذ عمليات إعدام جماعية، وتُمارس أساليب وحشية لا يمكن تخيّلها لطرد المدنيين من مناطقهم. هذه العصابات التي لا تعترف بأي قانونٍ دولي أو مبدأ إنساني، تنقل ما ارتُكب في غزة حرفيًا إلى جنوب السودان.

إبادة من أجل الذهب والنفط والغاز

نشهد اليوم في السودان مثالًا آخر لما يمكن تسميته «عولمة الإبادة الجماعية». ولا توجد جهة، دولة، أو ما يُسمّى «الرأي العام الدولي» قادرة أو راغبة في التدخّل لإيقاف هذا الجنون. في القرن الحادي والعشرين نعيش هنا أحد أبشع صور تقليص قيمة الحياة الإنسانية في القارة الإفريقية.

الجهات التي فصلت جنوب السودان في الماضي، أطلقت حربًا أهلية جديدة لإخضاع السودان أو تقسيمه مجددًا إذا لم تتمكّن من السيطرة عليه، سعيًا لانتزاع إقليم دارفور. وقد دمّرت هذه الحرب المستمرة منذ سنوات هذا البلد الكبير وأهله الطيبين، وحوّلت واحدة من أقوى دول المنطقة إلى أنقاض.

كان جنوب السودان غنيًا بالنفط والمعادن، فاستولوا عليه. أما إقليم دارفور، فهو منطقة غنية بالنفط والغاز والذهب، وها هم الآن ينهبونه. وهنا نرى مجددًا كيف تؤدي عمليات النهب المنظّمة للموارد إلى تدمير الدول وإفقار الشعوب.

تحالف الإمارات وإسرائيل.. تدمير الجغرافيا بأسلوب الحروب الصليبية

لنقلها بصراحة: تطبّق الإمارات وإسرائيل خططًا مرعبة تهدف إلى تدمير كامل الجغرافيا الممتدة من البحر الأحمر إلى الخليج العربي. هذا الثنائي كان متضامنًا في غزة، وتحرّك معًا خلال الحرب الأهلية الليبية وفي مخطط تقسيم ليبيا. والآن يتحرّكان معًا في السودان وشرق إفريقيا. أما حرب اليمن، فكانت مشروعًا إماراتيًا دمّر البلاد واحتلّ بعض أراضيها مثل جزيرة سقطرى.

التحالف الإماراتي-الإسرائيلي، القائم على هدفين أساسيين: بناء قوة جيوسياسية والسيطرة على الموارد ونهبها، هو استمرار لخطط التقسيم والتفتيت التي شهدناها منذ الحروب الصليبية وبلغت ذروتها في الحرب العالمية الأولى، وهو يُنقل اليوم إلى القرن الحادي والعشرين. ولكي لا تتضرر دولٌ أخرى، يجب وقف هذا العدوان المشؤوم قبل أن يتوسع.

تحالف ضدّ تركيا فشل وسينهار من جديد

سبق أن شكّلت الإمارات وإسرائيل، إلى جانب السعودية، شراكةً إقليمية ضدّ تركيا، وبنتا جبهة في البحر المتوسط مع اليونان وإسرائيل والجزء اليوناني من قبرص لـ«إيقاف تركيا»، لكن تلك الجبهة فشلت وانتهت إلى الانهيار.

الدافع الأساسي للإمارات هو تأمين مصالح إسرائيل وضمان مناطقها الأمنية ومنع صعود أي قوى قد تُشكّل تهديدًا لها. إلا أنّ دولةً تُعادي جغرافيتها بأكملها لا يمكن أن تنجح على المدى الطويل. لو وجّهت الإمارات وجهها نحو محيطها الطبيعي وبنت شراكات قائمة على السلام والتكامل، لكانت حققت نفوذًا أكبر بكثير.

أطلق الإرهاب لتمهيد الطريق للاحتلال

عمل التحالف الإماراتي-الإسرائيلي سابقًا في سوريا وليبيا والصومال وشرق البحر المتوسط من أجل تقليص النفوذ التركي وإضعاف مناطق تأثير أنقرة. واليوم ينفّذ الخطة ذاتها في السودان.

كلّ الحروب الأهلية والاحتلالات في منطقتنا تُنفّذ عبر التنظيمات الإرهابية. فتركيا حوصرت خمسين عامًا باستخدام تلك التنظيمات، واحتُلت أفغانستان بذريعة الإرهاب، وتم تفكيك سوريا وعدد كبير من الدول الإفريقية بالطريقة ذاتها. والآن يُعاد السيناريو نفسه في السودان عبر تنظيم الدعم السريع. أما دول مثل مالي وتشاد ونيجيريا، فتُحاصرها أيضًا التنظيمات الإرهابية.

كلّ التنظيمات الإرهابية صُنعت في الغرب

يجب أن يُقال بوضوح: جميع هذه التنظيمات أنشأتها الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل. فبذريعة الجماعات «الإسلامية» المصطنعة، تُهيّأ الدول للاحتلال والنهب، ثم يجري التدخّل المباشر. بوكو حرام، والشباب، وداعش كلها أدوات بيد الغرب وإسرائيل. لقد دُمّرت شعوبنا وأوطاننا من خلال هذه التنظيمات، ومع ذلك ما زال بعضنا يقع في الالتباس ويقوّي أيديهم دون وعي.

التحالف الإماراتي-الإسرائيلي.. من يهتم بالمدنيين؟


استخدام التنظيمات الإرهابية أداةً للسيطرة على موارد الدول هو تقليدٌ غربي قديم. هذا هو جوهر الاستعمار منذ قرون: إخضاع بالقوة، ونهب، وتحكم، وإذلال.

تسير الإمارات اليوم على هذا النهج، وأقرب دولةٍ إليها ذهنيًا هي إسرائيل.

وفي السودان، يفعل الطرفان الشيء نفسه مجددًا: يتقاسمان بلدًا أنهكته الحرب الأهلية، ولا يترددان في التضحية بالشعوب والمدنيين. هذا هو الأسلوب نفسه الذي تطبّقه إسرائيل في غزة، لكن التاريخ يثبت دائمًا أن مثل هذه التدخلات تُرتدّ على أصحابها بثمنٍ باهظ.

استغلال الدين لتبرير النهب

هذه الطريقة لا تستهدف السودان وحده، بل تمتد إلى فنزويلا ونيجيريا أيضًا. فاستعداد الولايات المتحدة لغزو فنزويلا دون أي مبرّر، وتهديدها لنيجيريا بذريعة «الهجمات على المسيحيين»، ينتميان إلى التقليد ذاته: السيطرة على الموارد، وإن تعذّر ذلك، استخدام الإرهاب، وإن فشل الأمر، اللجوء إلى الغزو وتبريره بخطابٍ ديني أو إنساني زائف.

في جنوب السودان يوجد الذهب والنفط والغاز. وفي فنزويلا الذهب والنفط والغاز. أما نيجيريا فهي من أكبر منتجي النفط في العالم. لهذا تستخدم أمريكا وإسرائيل والإمارات أكثر أساليب الدعاية انحطاطًا لإقناع العالم بحججٍ واهية من أجل نهب تلك الموارد.

لكن لم يعد لهذه الدعايات أي تأثير على الإنسانية. ومع ذلك سيتمادون أكثر ويقولون: «فنزويلا لي»، «السودان لي»، «نيجيريا لي». إنهم حتى يستهينون بفكرة الشراكة مع الدول التي ينهبونها.

شعارهم واضح: «كل شيء سيكون لي». أما الدول والشعوب؟ فلا قيمة لها عندهم. وإن اقتضى الأمر، يُباد شعبٌ بأكمله. هكذا يسعون إلى تعميم نموذج غزة على مستوى العالم. وعلى البشرية أن تكون مستعدة لذلك.

إذا استقرّوا هناك فسيضربون تركيا وشركاءها

توسّع نفوذ تركيا في إفريقيا يثير قلق العديد من الدول. فالشراكات التي بنتها أنقرة في إفريقيا الوسطى تُعد نموذجًا عالميًا ناجحًا. دعمها لحكومة الخرطوم وسعيها للحفاظ على وحدة السودان تتابعه كل الدول، وبشكلٍ خاص أعداؤها. لذلك يجب على تركيا أن تقدّم دعمًا قويًا للحكومة السودانية، حتى وإن تطلّب ذلك بعض المخاطر. فإذا تمكنت الإمارات وإسرائيل من ترسيخ وجودهما في جنوب السودان، فستوجهان بعد ذلك ضرباتهما إلى كل الشراكات التي بنتها أنقرة في إفريقيا الوسطى، وصولًا إلى تركيا نفسها.

كسر العمود الفقري لإفريقيا هو كسر نفوذ تركيا

منطقة الساحل هي العمود الفقري لإفريقيا، وتركيا اليوم أقوى قوةٍ فيها. إذا تمكّنوا من كسر هذا العمود، فسيفقد الوجود التركي في القارة جدواه، وهذا بالضبط هو هدفهم. فالحرب الدائرة في جنوب السودان تهدف إلى ذلك تحديدًا. لذلك، على تركيا أن تعكس هذا الدمار في السودان بدعمٍ عسكري حاسم، وهي تملك القدرة الكاملة على فعل ذلك.

تركيا في مواجهة شاملة مع إسرائيل

تركيا تخوض صراعًا مفتوحًا مع إسرائيل في أكثر من ساحة: في غزة، وليبيا، وسوريا، ولبنان، والصومال، وحتى داخل أراضيها من خلال الإرهاب السياسي.

لكن عند النظر إلى المشهد الجغرافي العام، يتّضح أن النهج التركي يقوم على بناء شراكاتٍ طويلة الأمد وأكثر استقرارًا، ما يجعل احتمال خسارتها في أي من هذه الجبهات ضعيفًا جدًا.

لهذا السبب ينبغي لتركيا أن تعزّز دعمها العسكري للحكومة السودانية، وتقلب مسار الحرب والإبادة في السودان. يجب استعادة السيطرة على الفاشر ومنع تقسيم السودان مجددًا، وإيقاف مشروع التحالف الإماراتي-الإسرائيلي في دارفور. تركيا قادرة على فعل ذلك، وتملك القوة اللازمة لذلك.

يجب إفشال «الأسلوب الإسرائيلي» في السودان

على الرأي العام التركي أن يطوّر حساسية تجاه السودان تماثل حساسيته تجاه غزة. عليه أن يدرك أن هذه الهمجية هي استمرار للأسلوب الإسرائيلي ذاته في الإبادة، وأن البلدين (الإمارات وإسرائيل) يتحركان بخطة تهدف إلى ضرب النفوذ التركي في إفريقيا الوسطى.

من لم يتمكن من مهاجمة تركيا من حدودها المباشرة أو من جوارها، بدأ الآن يهاجم وجودها في الدائرة الأوسع. القضية لا تقتصر على السودان فحسب، لكن حتى لو اقتصرت عليه، ينبغي محاسبة الدول التي تغذّي هذه الوحشية. يجب التفكير منذ الآن في مدى خطورة مشروع "عولمة الإبادة" واتخاذ الإجراءات اللازمة لردعه.

الهدف: نهب نفط نيجيريا وفنزويلا

استهداف ترامب المتكرر لفنزويلا ونيجيريا وتهديده بغزوهما هو توسيع لنموذج السودان نفسه، ويشير إلى مستقبلٍ في غاية الخطورة. فاتهام نيجيريا بأنها «تعادي المسيحيين» ما هو إلا غطاء لخطة نهب نفطها، ويجب فضح هذا المشروع الإجرامي ووقفه.

صحيح أنّ الولايات المتحدة لا تملك القدرة على احتلال تلك الدول بالكامل، لكنها قادرة على جرّها إلى فوضى طويلة ومؤلمة. ومن الواضح أن التنظيمات الإرهابية في نيجيريا أسّستها ودعمتها إسرائيل والولايات المتحدة.


جائزة نوبل أداة استعمار جديدة

لا يوجد أي مبرر لغزو الولايات المتحدة لفنزويلا سوى هدفٍ واحد: السيطرة على بحر النفط الهائل هناك. لقد بلغ الانحطاط الأخلاقي ذروته. ونرى في مثال فنزويلا كيف تحوّلت جائزة نوبل إلى أداة استعمار وإبادة جماعية؛ إذ فُتحت أبواب تدمير بلدٍ وشعبٍ كامل من خلال «عميل داخلي» مُستغلّ باسم الديمقراطية.

تركيا يجب أن تبني قوة استثنائية: محور تركيا هو الأمل الوحيد

للأسف، يسير العالم نحو مستقبلٍ مظلم كهذا. ولهذا السبب، فإن بناء قوةٍ استثنائية من قِبل دولٍ مثل تركيا — التي تتحدث باسم الإنسانية ومستقبلها — أصبح ضرورةً لا بدّ منها.

لا سبيل آخر لمقاومة هذه العاصفة الشريرة سوى ذلك. الأولوية القصوى لتركيا هي بناء هذه القوة، رغم كل العراقيل، وجعل «محور تركيا» فضاءً للتنفس والأمل.

تتراكم العواصف الكبرى في الأفق، ولم يعد لدى أحدٍ ترف الانشغال بصغائر الأمور الداخلية.

لقد حمّل التاريخ والجغرافيا أولئك الذين يشهدون هذا العصر مسؤوليات جسيمة. لذلك، فإن مسيرة «عولمة تركيا» تسير اليوم بخطى الشجعان الذين يصنعون التاريخ.

الاثنين، 14 أبريل 2025

هنادي "بت الفاشر" الطبيبة التي قتلت وهي تدافع عن أهالها بمخيم زمزم

 هنادي "بت الفاشر" الطبيبة التي قتلت وهي تدافع عن أهالها بمخيم زمزم

تصدر اسم الطبيبة السودانية هنادي النور داؤود على منصات التواصل الاجتماعي في السودان بعد أن نعتها "تنسيقية لجان المقاومة" في الفاشر التي تشهد قصفا مستمرا منذ أيام من قبل قوات الدعم السريع مما خلف مئات القتلى والجرحى.

ونشرت التنسيقية عبر صفحتها على فيسبوك: "وداعا الطبيبة هنادي التي داوت الجرحى وساندت الأبطال، ثم رحلت شهيدة بشرف. لقد ترجلت اليوم جسدا من ضمن شهداء معسكر زمزم، لكنها بقيت فينا روحا وذكرى لا تنطفئ، رحلت وهي تؤدي واجبها الوطني والإنساني، شهيدةً كما تحب الأحرار أن يُكتب لهم الرحيل".

موجة حزن وتعاطف على مواقع التواصل

وجاء هذا النبأ ليُشعل حالة من الحزن على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بادر المغردون السودانيون إلى سرد قصص ومواقف من وصفوها بالبطلة الطبيبة هنادي النور داؤود، التي أصبحت رمزا للصمود خلال سنوات الاقتتال المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وفي هذا السياق، كتب الناطق الرسمي للحكومة ووزير الثقافة والإعلام السوداني خالد الإعيسر عبر صفحته على "فيسبوك" ناعيا هنادي:

"باسم الحكومة السودانية، وحرائر وأحرار السودان، وبقلوب يعتصرها الألم والحزن، ننعى بكل إكبار وإجلال، المناضلة البطلة، الشهيدة الدكتورة هنادي النور داؤود جمعة "بت الفاشر"، التي سطرت اسمها بأحرف من نور في سجل الشجاعة والكرامة، وجعلت من نفسها رمزا للانتماء، والإباء، والوفاء لوطنها وشعبها".

بطلة تخطت أدوارها الإنسانية

وكتب أحد المغردين تعليقا على مقتل الطبيبة قائلا إن الدكتورة هنادي، "الطبيبة والمقاتلة والإنسانة"، لم تكتف بعلاج الجرحى بل قامت بطبخ الطعام للأطفال، ضمدت الجراح، ثم حملت السلاح لتدافع عن الأرض والعرض. أُصيبت بالأمس في هجوم مليشيا الدعم السريع".

وأضاف آخر: "استشهاد رمز النضال والصمود النسائي في السودان، الطبيبة هنادي، بنت الفاشر، انتقلت إلى الدار الآخرة إثر إصابتها وهي تؤدي واجبها الوطني وتدافع عن الوطن. كانت مثالًا للنبل والشجاعة، ورمزًا لصمود المرأة السودانية في وجه المحن".

كما وصف مغردون الطبيبة هنادي بأنها أيقونة للأمل والمقاومة في السودان، إذ كتبوا:

موجة حزن وتعاطف على مواقع التواصل

وجاء هذا النبأ ليُشعل حالة من الحزن على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث بادر المغردون السودانيون إلى سرد قصص ومواقف من وصفوها بالبطلة الطبيبة هنادي النور داؤود، التي أصبحت رمزا للصمود خلال سنوات الاقتتال المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.