‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسرائيل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسرائيل. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 16 يوليو 2026

إسرائيل تشتري الأراضي في سوريا

 إسرائيل تشتري الأراضي في سوريا

كاتب في صحيفة حرييت

ترجمة وتحرير ترك برس

قبل قيام دولة إسرائيل، كان اليهود يشترون الأراضي في فلسطين.

ولم يتركوا هذا الأمر للأثرياء اليهود وحدهم، بل أنشأوا صناديق صهيونية لهذا الغرض. 

وكان أشهرها الصندوق القومي اليهودي. 

ولعدم لفت الانتباه، استخدموا أساليب مختلفة، فكانوا يشترون الأراضي عبر يهود أثرياء يحملون جنسيات دول غربية. 

كما كانوا يشترونها من كبار ملاك الأراضي في دمشق ولبنان وبيروت، ومن صغار المزارعين أيضاً، بينما كانت الإدارة البريطانية تدعمهم. 

وقد اتخذت الإدارة العثمانية تدابير مختلفة لمنع بيع الأراضي للصهاينة، إلا أن الصناديق الصهيونية واصلت شراء الأراضي بطرق مختلفة. 

ويقال إن نسبة هذه الأراضي كانت في حدود 6 إلى 7 بالمئة، لكن أراضي الدولة التي خصصتها إدارة الانتداب البريطاني لا يجري الحديث عنها.

درعا والسويداء والقنيطرة

تطبق إسرائيل مشروع التوسع والاستيطان عبر شراء الأراضي في سوريا. فقبل احتلال الأراضي الفلسطينية كانوا قد اشتروا الأراضي، وهذه المرة أدخلوا الأسلوب نفسه إلى سوريا. وجزء من سوريا يقع أصلاً تحت الاحتلال الإسرائيلي. كما أنهم يوسعون احتلالهم في هضبة الجولان يوماً بعد يوم. وتُظهر القوات التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي وجودها العسكري في العديد من مناطق جنوب سوريا، وعلى رأسها درعا والسويداء والقنيطرة. 

وفي هذا الإطار، يمتلكون نقاط سيطرة عديدة تحت مسميات أعمال الاستطلاع والمراقبة والدوريات.

الأسلوب المتبع في فلسطين

ولا تكتفي إسرائيل بذلك. فهي بدأت هذه المرة بتطبيق الأساليب نفسها التي استخدمتها في الأراضي الفلسطينية داخل سوريا. فإسرائيل التي لا تكتفي بالاحتلال، تحاول جعل وجودها دائماً في جنوب سوريا عبر شراء الأراضي هناك. وتشير المعلومات الواردة من الميدان إلى أن إسرائيل تشتري الأراضي في جنوب سوريا منذ مايو/أيار 2026. وقد سرّعت عمليات الشراء خلال الأشهر الأخيرة. ويُزعم أنه جرى التواصل مع المخاتير ووجهاء المناطق والعاملين في تجارة العقارات في درعا والقنيطرة، ولا سيما بشأن الأراضي الواقعة على عمق يصل إلى 15 كيلومتراً من الحدود السورية.

مواطنو الدول الغربية

في فلسطين كانوا يشترون الأراضي عبر الصناديق الصهيونية الدولية، كما كانوا يدفعون أثرياء اليهود في الدول الغربية إلى الشراء لتجنب لفت الأنظار. وكانت الاتحادات الصهيونية الدولية هي التي تنظم عمليات شراء الأراضي. 

وهم يطبقون الأسلوب نفسه في سوريا أيضاً. فهم يعملون على مسارين في آن واحد. إذ يشترون مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عبر يهود يحملون جنسيات أجنبية. ويفضلون بشكل خاص استخدام أشخاص يحملون الجنسية الكندية والأسترالية والبريطانية. هل رأيتم؟ الأسلوب هو نفسه، والعقلية هي نفسها، والهدف هو نفسه كما كان في فلسطين.

للأسف

هناك علاقة لافتة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة. فالإمارات العربية المتحدة كانت أول دولة عربية مسلمة توقع "اتفاقيات إبراهيم" مع إسرائيل. ومنذ يونيو/حزيران من هذا العام، بدأت تتكثف الأخبار عن شراء أراضٍ في هضبة الجولان والمناطق المحيطة بها، الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، عبر مواطنين من الإمارات العربية المتحدة.

إن مواطني الإمارات العربية المتحدة أثرياء، ولديهم عقارات في أفخم مناطق العالم. فهل لم يبق مكان على وجه الأرض حتى يأتي الدور على شراء الأراضي في هضبة الجولان الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي ومحيطها؟

ومن الواضح أن رأس المال الإسرائيلي يقف وراء شراء الأراضي في سوريا عبر مواطني الإمارات العربية المتحدة. وقد يحدث أيضاً أن تقوم شركة عقارية بشراء الأراضي عبر مواطنين إماراتيين، ثم تقوم إسرائيل بشرائها منهم لاحقاً.

قوة المال

تستخدم إسرائيل قوة المال في عمليات شراء الأراضي في سوريا بصورة فعالة للغاية، حتى إن رجال الأعمال الذين يزعمون أنهم يرغبون في الاستثمار في القطاع الزراعي يشترون الأراضي في درعا والقنيطرة بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية بكثير. وتسير الخطة الإسرائيلية بطريقة ماكرة إلى درجة أنه يُلاحظ أن بعض الدروز والعلويين يحاولون بيع أراضٍ غير صالحة للزراعة أو لبناء المنازل أيضاً.

وهم يديرون هذه العمليات عبر سماسرة الأراضي ووكلاء العقارات. فإذا قلت إنها أراضٍ زراعية فهي غير صالحة للزراعة، وإذا قلت إنها لبناء المنازل فهي غير مناسبة للبناء. فلماذا إذن يشترون هذه الأراضي بأسعار تفوق قيمتها الحقيقية؟ أما تسجيل الملكيات فيحرصون على إتمامه دائماً وبشكل حتمي عبر كتاب العدل. لماذا؟ لكي تدخل هذه العمليات في السجلات الرسمية.

يمارسون التهديد

تُعد هضبة الجولان المنطقة التي تضم مصادر المياه في سوريا وأخصب أراضيها. وهناك سوريون يرفضون بيع أراضيهم. ويعرضون على من لا يرغب في البيع مبالغ مالية كبيرة. وإذا استمر البعض في المقاومة، تبدأ التهديدات هذه المرة. 

فيقولون لهم: "إن الجيش الإسرائيلي سيسيطر بالفعل على المنطقة التي تقع فيها هذه الأراضي. بيعوا أراضيكم، لكن يمكنكم الاستمرار في العيش فيها وممارسة الزراعة داخلها. أما إذا لم تبيعوا، فإن إسرائيل ستحتل هذه المنطقة بالكامل على أي حال، وعندها لن يبقى لكم أي شيء". وهكذا يمارسون الضغوط عليهم.

ثقوب الجبن

هذه ليست عملية تجارية. وإلا فإن اليهود المعروفين بإجادتهم للتجارة يعرفون كيف يشترون تلك الأراضي بنصف ثمنها. إن الأمر يتعلق بخيار استراتيجي بحت. فالمهم ليس المال، بل شراء الأراضي السورية، وتوسيع الاحتلال الإسرائيلي عبر شراء الأراضي وجعله دائماً. إن الأراضي الفلسطينية تشبه قطعة جبن مليئة بالثقوب والفجوات. فإسرائيل تستولي أولاً على بقعة صغيرة، ثم توسعها لاحقاً. وهي تريد هذه المرة تطبيق سياسة "ثقوب الجبن" في سوريا. فمن خلال شراء الأراضي في الجولان ودرعا والقنيطرة، تهدف إلى التغلغل داخل الأراضي السورية مثل الخلايا السرطانية، ثم توسيع هذه البؤر تدريجياً خطوة خطوة كما فعلت في فلسطين.

يجب حظر بيع الأراضي

ولمنع ذلك، ينبغي على الدولة السورية أن تبادر بصورة عاجلة إلى حظر بيع الأراضي في المنطقة حتى إشعار آخر. وإلا فإن إسرائيل تحاول، من جهة عبر الاحتلال ومن جهة أخرى عبر شراء الأراضي، توسيع احتلالها للأراضي السورية وجعله دائماً.

الجمعة، 5 يونيو 2026

59 عاما على النكسة.. ماذا تغير في فلسطين والعالم العربي منذ هزيمة 1967؟

59 عاما على النكسة.. 
ماذا تغير في فلسطين والعالم العربي منذ هزيمة 1967؟

تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات، القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما كانت قبل 59 عاماً..
في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، استيقظ العالم العربي على واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في تاريخه الحديث؛ حرب لم تستمر سوى ستة أيام، لكنها غيّرت وجه المنطقة لعقود طويلة.

فقد انتهت المواجهة بين إسرائيل وكل من مصر وسوريا والأردن بهزيمة عربية قاسية عُرفت لاحقاً باسم "النكسة"، وأسفرت عن احتلال إسرائيل للضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء وهضبة الجولان، لتدخل القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها مرحلة جديدة ما تزال تداعياتها السياسية والعسكرية والجغرافية حاضرة حتى اليوم.


النكسة.. لحظة التحول الكبرى

جاءت حرب حزيران/ يونيو في ظل أجواء عربية مشحونة بالشعارات القومية والثقة بقدرة الجيوش العربية على مواجهة إسرائيل. وكانت مصر بقيادة جمال عبد الناصر تمثل مركز الثقل العربي سياسياً وعسكرياً، فيما تصاعد التوتر الإقليمي بعد إغلاق مضائق تيران وحشد القوات المصرية في سيناء وانسحاب قوات الطوارئ الدولية.

لكن إسرائيل شنت في صباح الخامس من حزيران/ يونيو ضربة جوية واسعة دمّرت الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري خلال ساعات، قبل أن تتوسع العمليات العسكرية على الجبهتين الأردنية والسورية. وبعد ستة أيام فقط كانت إسرائيل قد سيطرت على القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، بينما وجد العالم العربي نفسه أمام صدمة سياسية وعسكرية غير مسبوقة.

ولم تكن الهزيمة مجرد خسارة أراضٍ، بل مثلت انهياراً لمشروع سياسي كامل ارتبط بفكرة القومية العربية والوحدة والتحرر الوطني، ما دفع العديد من المفكرين والباحثين إلى اعتبار النكسة نقطة فاصلة بين مرحلتين تاريخيتين في العالم العربي.


فلسطين قبل النكسة وبعدها


قبل عام 1967 كانت القضية الفلسطينية تُطرح في الإطار العربي العام، وكانت الضفة الغربية تحت الإدارة الأردنية وقطاع غزة تحت الإدارة المصرية. أما بعد الحرب، فأصبحت فلسطين التاريخية بأكملها تقريباً تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة.

وأدت النكسة إلى بروز الحركة الوطنية الفلسطينية المستقلة بشكل أكبر، إذ اكتسبت الفصائل الفلسطينية المسلحة، وعلى رأسها حركة "فتح"، زخماً واسعاً، قبل أن تصبح منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الرئيسي للشعب الفلسطيني.

كما فتحت الحرب الباب أمام مشروع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو المشروع الذي توسع بصورة متواصلة خلال العقود اللاحقة وأصبح أحد أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية.


العالم العربي عام 1967.. مركزية الصراع

في ستينيات القرن الماضي كان الصراع العربي الإسرائيلي يمثل القضية المركزية بلا منازع في المنطقة. وكانت معظم الدول العربية، رغم خلافاتها السياسية، تتبنى خطاباً موحداً نسبياً تجاه فلسطين.

كما كانت الجيوش النظامية للدول العربية هي اللاعب الأساسي في المواجهة مع إسرائيل، بينما لم تكن الانقسامات الداخلية والصراعات الأهلية التي تشهدها المنطقة اليوم قد وصلت إلى مستوياتها الحالية.

وبعد النكسة، حاولت الدول العربية استعادة زمام المبادرة عبر قمة الخرطوم الشهيرة التي رفعت شعار "اللاءات الثلاث": لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، قبل أن تتغير المعادلات تدريجياً خلال العقود التالية.


من الحروب النظامية إلى الصراعات المتعددة

إذا كانت مرحلة ما بعد 1967 قد اتسمت بمحاولات عربية لاستعادة الأراضي المحتلة عبر الحروب التقليدية، كما حدث في حرب تشرين/ أكتوبر 1973، فإن المشهد الحالي يبدو مختلفاً جذرياً.

فمعظم الدول العربية باتت منشغلة بأزماتها الداخلية الاقتصادية والسياسية والأمنية، بينما تحولت المنطقة إلى ساحة لصراعات متشابكة تشمل ملفات النفوذ الإقليمي والحروب الأهلية والتنافس الدولي.

كما أن عدداً من الدول العربية انتقل من حالة المقاطعة السياسية لإسرائيل إلى إقامة علاقات دبلوماسية واتفاقيات تطبيع، وهو تحول كان من الصعب تصوره في السنوات التي أعقبت النكسة مباشرة.


فلسطين اليوم.. بين الاحتلال والمقاومة


رغم مرور 59 عاماً على حرب 1967، فإن كثيراً من القضايا التي أفرزتها الحرب لا تزال قائمة. فالضفة الغربية ما تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما تشهد القدس عمليات تهويد واستيطان متواصلة، بينما يعيش قطاع غزة واحدة من أعنف الحروب في تاريخه الحديث منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وفي المقابل، شهدت القضية الفلسطينية تحولات جوهرية؛ فمن مرحلة الرهان على الجيوش العربية، إلى صعود الفصائل الفلسطينية المسلحة، ثم مسار التسوية السياسية واتفاق أوسلو، وصولاً إلى عودة المواجهة العسكرية المباشرة وتراجع فرص الحل السياسي.

كما أصبحت القضية الفلسطينية اليوم جزءاً من نقاش عالمي أوسع يتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي وجرائم الحرب، بعدما كانت تُنظر إليها سابقاً بوصفها قضية عربية بالدرجة الأولى.


ماذا بقي من آثار النكسة؟


بعد نحو ستة عقود، يصعب النظر إلى هزيمة 1967 باعتبارها حدثاً عسكرياً انتهى في زمانه. فالحدود التي رسمتها الحرب ما زالت تؤثر في خرائط المنطقة، والقدس التي احتلت في تلك الحرب ما تزال محور الصراع، والاستيطان الذي بدأ بعدها أصبح واقعاً سياسياً وجغرافياً معقداً.

كما أن كثيراً من التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها العالم العربي منذ أواخر الستينيات ارتبطت بشكل مباشر أو غير مباشر بصدمة النكسة، سواء على مستوى العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو صعود الحركات الإسلامية، أو تراجع المشاريع القومية التقليدية.

وفي الذكرى التاسعة والخمسين للحرب، تبدو المفارقة لافتة؛ فالعرب الذين خسروا في عام 1967 أراضي واسعة خلال أيام معدودة، يعيشون اليوم واقعاً أكثر تعقيداً وتشتتاً، بينما تبقى فلسطين، رغم كل المتغيرات، القضية التي ما زالت تختبر قدرة المنطقة على صياغة مشروع سياسي جامع، تماماً كما كانت قبل 59 عاماً.

الخميس، 21 مايو 2026

أفول بن غوريون .. ومملكة الحشمونائيم قريبا في إسرائيل

 أفول بن غوريون .. ومملكة الحشمونائيم قريبا في إسرائيل


عبد الله معروف


كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لطالما كانت إسرائيل وداعموها يتغنون بأنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وهذه العبارة الدعائية كانت على الدوام المحور الأساسي لأي نقاش حول طبيعة إسرائيل وكونها عنصرا غريبا على الإقليم، والمنطقة العربية المحيطة بها.

هذه العبارة التي تغنى بها السياسيون الإسرائيليون- ولا يزالون كذلك للمفارقة- كان الهدف منها المزايدة على العالم العربي بغياب الديمقراطية الحقيقية فيه، وادعاء غياب حرية التعبير والرأي في أنظمة الحكم الشمولية في منطقة الشرق الأوسط ككل، كما يدعي ساسة الاحتلال.

وذلك في مقابل "واحة الديمقراطية والحرية" التي يتم فيها تداول السلطة بشكل حقيقي بالاحتكام إلى الشعب، والتي يمكن لأي شخص فيها أن يقول ما يشاء أو يفعل ما يشاء دون محاسبة. وكأن بقية العالم العربي ليس أكثر من سجون وخرائب لا تعرف من الحضارة شيئا.

غير أن السنوات الأخيرة التي شهدت ذلك الصعود التاريخي لليمين القومي ثم لتيار الصهيونية الدينية في إسرائيل كشفت عن صورة مختلفة تماما باتت تعيشها هذه الدولة، إذ لم يعد لأحد فيها اليوم أن يدعي أصلا أن إسرائيل ديمقراطية ليبرالية غربية كحال الديمقراطيات الغربية اليوم.

وإنما بات الاستقطاب الحاد في المجتمع الإسرائيلي ينحصر اليوم بين اليمين القومي من جهة واليمين الديني من جهة أخرى، فيما لم يعد فيها للأحزاب والأفكار الليبرالية الغربية التي أنشأت الدولة عام 1948 مكان تقريبا في خريطة القوى الفاعلة في إسرائيل.

لم تعد إسرائيل تبدو، في ظل صعود تيار الصهيونية الدينية، تلك الدولة الليبرالية الغربية التي سعت طويلا إلى تقديم نفسها بها، بل باتت تقترب بشكل متسارع من نموذج "المملكة الثيوقراطية" التي تدار فيها السياسة باعتبارها امتدادا للعقيدة الدينية والقومية، لا باعتبارها عقدا مدنيا بين مواطنين متساوين.

فالأزمة الإسرائيلية الراهنة لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر بين حكومة ومعارضة، ولا مجرد انقسام حول شخصية بنيامين نتنياهو أو مستقبله السياسي، وإنما تحولت إلى صراع عميق حول طبيعة الدولة نفسها: هل تبقى دولة ذات مؤسسات ليبرالية حديثة كما أرادها مؤسسوها وقدموها للعالم (ولا سيما ديفيد بن غوريون)، أم تتحول إلى كيان تعاد فيه صياغة القانون والسيادة والهوية العامة وفق تصورات دينية وقومية مغلقة؟

منذ تشكيل حكومة نتنياهو الحالية عام 2022، بدا أن التيار الصهيوني الديني لم يعد مجرد شريك داخل النظام الإسرائيلي، بل أصبح القوة الأكثر تأثيرا في إعادة تعريف الدولة ومؤسساتها ووظائفها السياسية والاجتماعية، وانتقلت رؤيته الفكرية من هامش السياسة الإسرائيلية إلى مركز صناعة القرار.

فقد كانت الصهيونية الدينية، لعقود طويلة، تقدم داخل إسرائيل باعتبارها تيارا أيديولوجيا محدود التأثير والحضور، يتركز حضوره الأساسي في بعض المستوطنات في الضفة الغربية والبيئات الدينية القومية المتشددة.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه الرؤية هي الإطار الناظم لسياسات الدولة في ملفات مركزية مثل القضاء، والاستيطان، والتعليم، والهوية العامة، وحتى تعريف العلاقة بين الدين والدولة.

هذا التيار اليوم بات يسيطر تقريبا على جميع مؤسسات الدولة، ليس بالضرورة من خلال أحزابه مباشرة، بل حتى من خلال أعضاء يتبعون فكريا لهذا التيار في قلب حزب الليكود الحاكم نفسه.

وربما لم يعد هناك جهاز لم يتمكن هذا التيار من السيطرة عليه بعد إلا السلك القضائي الذي لا يزال حتى الآن عصيا على السيطرة- بالرغم من جهود نتنياهو لإضعافه.

فالمحكمة العليا الإسرائيلية كانت بالنسبة للتيارات اليمينية والدينية المتشددة تمثل إحدى آخر المؤسسات القادرة على الحد من اندفاع المشروع القومي الديني، سواء فيما يتعلق بالاستيطان أو صلاحيات الحكومة أو حقوق الأقليات.

ولذلك لم يكن مستغربا أن يتحول الصراع حول القضاء إلى معركة وجودية داخل المجتمع الإسرائيلي حتى قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

هذه المسألة ليست تفصيلا إداريا، ففي الدولة الليبرالية حسب التعريف الغربي، لا تكفي الانتخابات وحدها لصناعة الديمقراطية؛ إذ لا بد من قضاء مستقل، وحقوق أقليات، ومؤسسات قادرة على تقييد السلطة.

أما حين تصبح المحكمة العليا والنيابة العامة وأجهزة الرقابة عوائق أمام إرادة ائتلاف ديني قومي، فإن "الديمقراطية" تتحول إلى مجرد آلية عددية تمنح الأغلبية حق إعادة تشكيل الدولة وفق تصور أيديولوجي واحد، وهو ما يجري حاليا في إسرائيل.

في المقابل، لا تخفي قيادات الصهيونية الدينية موقفها الحقيقي من فكرة "الديمقراطية الليبرالية" ذاتها. ففي خطاب هذا التيار لا تعرف الديمقراطية باعتبارها منظومة لحماية الحقوق والحريات والتوازن بين السلطات كما هو المتعارف عليه في الديمقراطيات الغربية عموما، وإنما باعتبارها حكما للأغلبية اليهودية فقط، يحق لها إعادة تشكيل الدولة وفق هويتها العقدية والقومية.

ومن هنا يصبح القضاء المستقل، وحرية الإعلام، وحقوق الأقليات، وحتى بعض القيم الغربية الحديثة، عقبات ينبغي تقييدها أو تجاوزها، لا ركائز أساسية للدولة حسب رؤية أتباع هذا التيار.

ولعل هذه الرؤية تظهر الآن بوضوح أكبر في ملف الضفة الغربية والاستيطان. فحكومة الصهيونية الدينية الحالية لا تتعامل مع الاستيطان باعتباره قضية أمنية أو تفاوضية قابلة للنقاش السياسي كما كان الحال عليه في العقود الماضية، بل باعتباره واجبا دينيا وقوميا مرتبطا بفكرة "أرض إسرائيل الكاملة".

ولذلك لم يعد الحديث يدور فقط حول توسيع المستوطنات، بل حول فرض "السيادة اليهودية" الكاملة على الضفة الغربية، وإعادة صياغة الواقع القانوني والإداري بما يجعل الاحتلال أقرب إلى الضم الدائم غير المعلن.

هذا يعني أن المشروع لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال، بل يسعى إلى تحويله إلى نظام دائم: سيادة لليهود، وإدارة أمنية مؤقتة للفلسطينيين ريثما يتم التخلص منهم جميعا بالترانسفير، وتوسيع الاستيطان باعتباره رسالة دينية وقومية.

وبهذا المعنى، تفقد إسرائيل الآن قدرتها على تسويق نفسها بوصفها نموذجا ليبراليا غربيا في محيط "شرقي" غير ديمقراطي؛ لأنها تقترب في بنيتها السياسية من أنظمة تجعل الهوية الدينية أساس الشرعية، وتجعل المساواة المدنية مسألة ثانوية أو مؤجلة أو مشروطة.

وهنا تحديدا تتجلى الطبيعة الثيوقراطية للمشروع الجديد: فالأرض هنا لا تدار وفق القانون الدولي أو الاعتبارات السياسية الحديثة، بل باعتبارها وعدا دينيا وتاريخيا غير قابل للتنازل.

إذا كانت إسرائيل قد نجحت لعقود في تسويق نفسها بوصفها "جزيرة غربية" ليبرالية داخل شرق أوسط مضطرب، فإن صورتها الحالية أخذت تتآكل بصورة متسارعة حتى داخل الدوائر الغربية نفسها.

فالكثير من التحليلات في الصحافة ومراكز الدراسات الغربية لم تعد تتحدث عن أزمة سياسية عابرة، بل عن تغير بنيوي في طبيعة الدولة الإسرائيلية.

وهذا ما يفسر اتساع الانتقادات القادمة من شخصيات يهودية وغربية كانت تاريخيا من أكثر المدافعين عن إسرائيل، لكنها بدأت ترى أن المشروع الذي يتشكل حاليا يبتعد تدريجيا عن النموذج الليبرالي الذي طالما ادعت إسرائيل أنها تمثله في المنطقة والإقليم.

هذا الأمر لا يتعلق الأمر فقط بالسياسات تجاه الفلسطينيين، رغم أن هذا الملف يمثل المجال الأكثر وضوحا لهذا التحول، وإنما يمتد أيضا إلى الداخل الإسرائيلي نفسه؛ فتصاعد نفوذ الأحزاب الحريدية والدينية المتشددة انعكس على قضايا التعليم والحريات العامة ودور الدين في الحياة المدنية والخدمة العسكرية وقوانين الأحوال الشخصية. ولا أدل على ذلك من أزمة قانون تجنيد الحريديم التي أطاحت بحكومة نتنياهو بالكامل أخيرا.

ومن الواضح في ظل هذه الحكومة أن الدولة تبدو أقل استعدادا لفصل المجال السياسي عن المرجعيات الدينية، وأكثر ميلا إلى منح الشرعية السياسية للتصورات الأيديولوجية الدينية لأتباع هذه التيارات.

المفارقة هنا أن إسرائيل التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها نقيضا لـ"الدول الدينية" و"الممالك الثيوقراطية" في المنطقة كما كانت تصفها، صارت الآن تقترب بشكل متسارع جدا إلى الخصائص البنيوية للممالك الثيوقراطية القديمة.

فحين تصبح الهوية الدينية أساس الشرعية السياسية، وحين تعاد صياغة القوانين لخدمة مشروع ديني قومي، وحين يجري التعامل مع الأرض والسيادة باعتبارهما امتدادا لنصوص مقدسة لا لمبادئ القانون الدولي الحديث، فإن الفارق بين "الدولة القومية الدينية" و"المملكة الثيوقراطية" يصبح أضيق بكثير مما تحاول الخطابات الرسمية الإسرائيلية الإقرار به مهما حاولت.

لا تخفي المرجعيات الدينية للتيارات الحريدية وتيار الصهيونية الدينية رغبتها في أن تتحول إسرائيل إلى "دولة الحاخامات" أو "دولة الشريعة"، وهي في ذلك تتحاشى ذكر كلمة "مملكة" ما أمكنها.

ولكن الحقيقة هي أن النموذج الأقرب الذي تريده هذه المرجعيات هو في الحقيقة شكل من الملكية الدينية، بمعنى إلغاء فكرة الجمهورية والانتخابات بالكامل، وتحويل إسرائيل إلى نموذج معاصر من "مملكة الحشمونائيم" التاريخية، وهذه المملكة هي النموذج التاريخي الراسخ في الذهنية الإسرائيلية للمملكة الدينية التي حكمها رجال الدين بقوة شريعة التوراة بين القرنين الثاني والأول قبل الميلاد.

وهذا هو الاتجاه الذي تسير فيه إسرائيل حاليا حسب ما يريده أتباع التيارات اليمينية الدينية.

نقول ذلك بالرغم من أن لا أحد من المراجع الدينية والسياسية للتيارات اليمينية الدينية يجرؤ اليوم على ذكر كلمة "مملكة" في الخطاب المعادي لفكرة الجمهورية الديمقراطية التي قامت عليها إسرائيل الغربية، وإنما يكتفي بذكر ضرورة "تحكيم التوراة" في الحياة بالكامل.

ولعل عدم جرأة هذه التيارات على ذكر توصيف (مملكة) المطلوب لإسرائيل يرجع إلى أن من الثابت في العقلية الدينية التوراتية أن فكرة "المملكة" مرتبطة بقدوم المسيح المخلص، لأن هذا المسيح هو "ملك إسرائيل"، ولا يجوز لأحد بالتالي أن يدعو إلى ملكية أو نظام ملكي ثيوقراطي قبل ظهور هذا المسيح المنتظر.

ولذلك يذهب هؤلاء إلى البحث عن تثبيت الجوهر بدلا من التركيز على المظهر والاسم، فتصبح إسرائيل "مملكة دينية" وإن كانت باسم "دولة ديمقراطية".

صحيح أن إسرائيل لا تزال تحتفظ نظريا بانتخابات وتعددية حزبية ومؤسسات مدنية وصحافة نشطة، لكن الاتجاه العام يشير إلى تراجع مستمر في الوزن الفعلي- داخل بنية الدولة- للقيم الليبرالية الغربية التي تفاخر بها الإسرائيليون منذ إنشاء إسرائيل عشية النكبة حتى اليوم.

فالصراع الدائر اليوم في إسرائيل اليوم ليس صراعا على حكومة فقط، بل على تعريف إسرائيل نفسها: 

هل هي دولة غربية "حديثة" تحاول التوفيق بين هويتها اليهودية ومبادئ الدولة المدنية، أم تتحول بصورة متسارعة إلى كيان ملكي حاخامي تحكمه العقيدة القومية الدينية بوصفها المرجعية العليا للدولة والمجتمع والسيادة؟

الخلاصة أن إسرائيل الآن لم تتحول فقط إلى يمين أكثر تشددا، بل تحولت إلى كيان يعيد تعريف نفسه بلا رجعة: فإسرائيل انتقلت الآن من نموذج الجمهورية الليبرالية الغربية إلى نموذج مملكة قومية دينية متشددة، ترى في الدين والهوية الجماعية أساس الشرعية السياسية، حتى وإن أدى ذلك إلى تقويض الأسس الليبرالية التي قامت عليها صورة إسرائيل التقليدية أمام العالم.

وهذا هو التناقض الأكبر في خطابها التاريخي اليوم: الدولة التي طالما قدمت نفسها بوصفها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط صارت- تحت زعامة الصهيونية الدينية واليمين المتطرف- تمثل النموذج التي طالما زعمت أنها نقيضه.

الجمعة، 15 مايو 2026

من مؤشرات تصاعد احتمال الحرب الأمريكية الإيرانية

من مؤشرات تصاعد احتمال الحرب الأمريكية الإيرانية
 خالد فريد سلام

1- استمرار حشد القوات والذخائر الأمريكية لمناطق الحشد في الإقليم

2- رفض الولايات المتحدة رد إيران على مقترحها.

3- تصعيد لهجة الرفض الإيراني للعودة للتفاوض بالأمس.

4- تضرر دول الخليج وعلى رأسهم الإمارات والكويت والبحرين لأسباب تتعلق بالجغرافية والتاريخ.

5- التصعيد المتواصل في لبنان.

6- الكشف المفاجئ إعلاميا عن قيام السعودية وقطر والإمارات قبل وقف إطلاق النار باستهداف منشآت إيرانية عبر منصة اخبار رويترز هو توقيت متعمد من وجهة نظري.

7- إعلان عدد من الدول الغربية نيتهم المشاركة في “فتح المضيق” وتأمين الملاحة فيه وأبرزهم إنجلترا وإيطاليا.

8- الظهور المفاجئ لمفرزة القوات الجوية المصرية في للإمارات في هذا التوقيت.

9- دفع الجانب الإيراني لمفرزة استطلاع لجزيرة بوبيان الكويتية.

10- تحرك خلايا إيرانية في الكويت والبحرين.

كل هذه تعتبر مؤشرات لتزايد احتمال التصعيد العسكري مالم يحدث تغيير ما ناتج من وساطة الصينيين وضغطهم لتثبيت وقف إطلاق النار.

هذه ليست مفاوضات [حافة هاوية] … هذه مؤشرات تصعيد خاصة مع عدم وجود حسم للملفات محل التنازع وهي:

– التخصيب النووي

– تسليم اليورانيوم المخصب

– قطع العلاقة مع الاذرع خاصة في لبنان.

– فتح المضيق.

▪️ حتى الآن لا يبدو ان هناك أي اختراق لمواقف أمريكا او إيران … لذا من خداع النفس التظاهر بأن هناك تقدم في التفاوض او [تفاوض من أصله] لنقول [حافة هاوية]!!!

▪️ حتى هذه اللحظة لا توجد أرضية تفاوضية من أصله، كلا الطرفين يرى نفسه منتصرا ولا يقبل التنازل مع وجود رفض من دول مثل الإمارات او من الكيان اليهودي لوقف الحرب واستعدادهم لإشعالها مالم تتحقق اهداف الحرب من وجهة نظرهم.

نتمنى طبعا ان يصل الأمريكان عبر الصينيين الى نتيجة تدفع المفاوضات قدما وتوقف تدهور الوضع وانزلاقه لحرب شاملة، ولكن لا ينبغي الشعور بالتفاؤل ونحن نرى حشد أمريكي عسكري متنامي في الإقليم، وتحركات إيرانية غريبة تجاه جيرانها تمهيدا للرد على عدوان الأمريكان (إذا ما حدث).

واعتبر انا ان الحديث عن مفاوضات (مزحة) طالما لم يتغير الوضع الحالي.


الأربعاء، 13 مايو 2026

المناطق العازلة في النظرية الأمنية الصهيونية الجديدة

 المناطق العازلة في النظرية الأمنية الصهيونية الجديدة

 . حسن الرشيدي


كيف أعادت هجمات السابع من أكتوبر تشكيل العقيدة الأمنية الإسرائيلية لتقوم على توسيع المناطق العازلة وفرض التهجير والمراقبة التكنولوجية؟ وهل تنجح هذه السياسة في صناعة عمق استراتيجي دائم، أم تتحول إلى عبء عسكري واقتصادي يفاقم أزمات إسرائيل الداخلية والخارجية

المدقق لواقع المنطقة وأفعال دولة الاحتلال الصهيوني بعد طوفان الأقصى، يلاحظ تغيرا عميقا في استراتيجيات الصهاينة، وسلوكهم السياسي.

ومن بين عدة تغيرات في تلك الاستراتيجية، تأتي فكرة استخدام المناطق العازلة، في قلب هذا التغير.

وفكرة المناطق العازلة ليست جديدة كليًا على السياسة الأمنية الصهيونية، لكن بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 اتسع نطاق استخدامها وأصبح من الواضح أنها جزء أساسي من العقيدة الأمنية الجديدة.

فقبل السابع من أكتوبر، أقام الكيان الصهيوني منطقة عازلة داخل القطاع بعمق يتراوح بين 300 متر وكيلومتر واحد على طول السياج الحدودي منذ عام 2005. وكان يُمنع الاقتراب منها تحت طائلة القصف.

وفي لبنان بعد عام 1985 أنشأ الجيش الصهيوني حزاما أمنيا بعمق 15 إلى 20 كيلومترًا داخل جنوب لبنان بالتعاون مع جيش لبنان الجنوبي، واستمر ذلك حتى الانسحاب في عام 2000.

أما في سوريا، فمنذ عام 1974، أقام الكيان منطقة فاصلة تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك. وظل جيش الصهاينة يستهدف أي وجود عسكري يقترب منها.

ولكن ما الذي تغيّر بعد السابع من أكتوبر؟

ففي غزة، وسّع الجيش الصهيوني المنطقة العازلة، لتصل إلى عمق 1-2 كيلومتر داخل القطاع على طول الحدود الشرقية والشمالية. وتم هدم معظم المباني فيها بشكل كامل، وقد صرّح وزير الدفاع الصهيوني بأن هذه المنطقة ستبقى حتى بعد انتهاء الحرب.

وفي جنوب لبنان، وبعد الهدنة الأخيرة، توسعت دولة الاحتلال الصهيوني في تطور غير مسبوق، حيث تم منع العودة إلى أكثر من 62 قرية حدودية بشكل كامل.

وشملت أوامر ​الإخلاء القسري مناطق واسعة حتى شمال الليطاني أحياناً بدعوى وجود بنية تحتية عسكرية، مما أدى لتهجير مئات الآلاف لضمان خلو المنطقة العازلة من السكان لتسهيل المراقبة التكنولوجية.

وفي سوريا، وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، توغل جيش الاحتلال الصهيوني بريًا لأول مرة منذ عام 1974، واحتلت المنطقة العازلة بالكامل إضافة إلى جبل الشيخ. وأعلن رئيس وزراء الكيان بنيامين نتانياهو، أن الجيش سيبقى هناك إلى أجل غير مسمى، وبدأت بشن غارات وتنفيذ توغلات في محافظتي درعا والقنيطرة لإنشاء منطقة عازلة جديدة بعمق 15 إلى 30 كيلومترًا، بحجة منع أي تهديد من الحكومة السورية الجديدة.

فكرة المنطقة العازلة

لفهم وتحليل فكرة المنطقة العازلة، يُعد الاقتراب الجيوبوليتيكي، هو نقطة الانطلاق الأكثر شمولاً ودقة.

يقوم هذا الاقتراب، على دراسة تأثير المعطيات الجغرافية مثل: الموقع، والتضاريس، والمساحة، والمسافات، على السلوك السياسي والأمني للدولة.

في هذا الإطار، تنظر الدولة لنفسها ككائن يسعى لحماية نواته الصلبة (المراكز الحيوية، العاصمة، التجمعات السكانية الكبرى) من التهديدات الخارجية.

فالدولة عندما تشعر بأن المسافة الجغرافية التي تفصلها عن التهديد غير كافية لاستيعاب الصدمة الأولى لأي هجوم، فإنها تسعى لتعديل هذا الواقع عبر ايجاد فضاءات جغرافية جديدة (مناطق عازلة). هذه المناطق نظرياً هي عبارة عن هوامش أمنية يتم تفريغها من مصادر التهديد (بشرياً وعسكرياً) لتشكيل درع مكاني يمنح الدولة وقتاً للإنذار المبكر ومساحة لامتصاص الهجمات.

والاقتراب الجيوبوليتيكي يقدم عدة أدوات لتطبيقها على الواقع المتعلق بتلك المناطق العازلة لفهمه، أهمها:

التحليل المكاني والطبوغرافي، وقياس العمق الاستراتيجي، والخرائط الديموغرافية، وتحليل خطوط الإمداد ونقاط الاختناق، والخرائط التفاعلية وتقنيات الاستشعار المكاني.

وسنقوم بشرح هذه الأدوات، ونحن نحاول تطبيقها لفهم فكرة المناطق العازلة الصهيونية.

الصهاينة بعد الطوفان

لتطبيق أدوات الاقتراب الجيوبوليتيكي الخمس على الحالة الصهيونية، يجب أن نضع أنفسنا في موقع العقل الاستراتيجي الصهيوني وكيف ينظر إلى الجغرافيا بعد صدمة السابع من أكتوبر.

هذا التطبيق يفكك لنا كيف يترجم الكيان مخاوفه الوجودية إلى إجراءات مكانية صلبة، وسنحاول تطبيق هذه الأدوات الخمس على حالة المنطقة العازلة في غزة، وان كانت حالتها في لبنان وسوريا لا تقل خطورة، ولكنها لا تبعد كثيرا عن الفكر الصهيوني في هذا الاطار.

١. أداة التحليل المكاني والطبوغرافي

فالرؤية الصهيونية تدرك أن طوبوغرافية غزة كمناطق حضرية كثيفة وأراضٍ زراعية متداخلة مع الحدود، قد وفرت غطاءً بصرياً وميدانياً سهّل اقتراب التشكيلات الفلسطينية المسلحة من الجدار الفاصل دون رصدهم مبكراً.

هنا يستخدم الكيان هذه الأداة لهندسة التضاريس من جديد. يتمثل ذلك في قيام سلاح الهندسة لجيش الاحتلال (عبر جرافات D9 العملاقة)، بتسوية الأرض وتدمير كافة المباني والأشجار بعمق يتراوح بين 1 إلى 2 كيلومتر داخل القطاع.

وكان الهدف هو ايجاد خط رؤية مفتوح، ومناطق قتل منبسطة تماماً، لا توفر أي نقطة اختفاء طبوغرافية أو معمارية لأي من عناصر المقاومة تحاول الاقتراب من مستوطنات الغلاف.

2. أداة قياس العمق الاستراتيجي

فالدولة الصهيونية تعاني تاريخياً من غياب العمق الاستراتيجي، والمسافة بين حدود غزة والتجمعات الصهيونية الحيوية مثل عسقلان، وأسدود، وحتى النقب الغربي، تقاس بالكيلومترات القليلة أو الأمتار.

وفي السابع من أكتوبر، دارت المعركة الأولى داخل المستوطنات والقواعد الصهيونية. وبتطبيق أداة العمق الاستراتيجي، نفهم أن الكيان تبني المنطقة العازلة، لاستعارة عمق استراتيجي من داخل الأراضي الفلسطينية.

وتقوم نظريته في ذلك، على نقل خط الاشتباك الأول ليكون داخل غزة وليس داخل الكيان، بحيث إذا وقع هجوم بري مستقبلي، فإن هذه المساحة العازلة ستوفر للجيش زمن إنذار مبكر كافٍ لاستيعاب الصدمة وتعبئة القوات قبل وصول الخطر إلى النواة السكانية الصهيونية.

3. أداة الخرائط الديموغرافية

فالرؤية الصهيونية ترى أن التداخل الديموغرافي يُبطل التفوق التكنولوجي. فالكثافة السكانية الهائلة على تخوم الحدود تجعل من الصعب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتعيق استخدام القوة النيرانية الكثيفة دون قيود.

وتطبق دولة الكيان هذه الأداة عبر الهندسة الديموغرافية القسرية، فمن خلال تدمير البنية التحتية في الشريط الحدودي، فإنها تمسح هذا الحيز من الخريطة الديموغرافية لغزة (تهجير دائم لسكان الأطراف نحو الوسط والجنوب).

وهذا يضمن للصهاينة أن المنطقة العازلة خالية تماماً من أي كتلة بشرية، مما يسمح بتطبيق قواعد اشتباك فضفاضة؛ حيث يُعتبر أي جسم متحرك داخل هذا الحيز الديموغرافي المُفرّغ هدفاً عسكرياً مشروعاً تلقائياً.

4. أداة تحليل خطوط الإمداد ونقاط الاختناق


فالرؤية الصهيونية لهذه الأداة، موجهة نحو جماعات المقاومة العسكرية، فالكيان يرى ان بقاء تلك التشكيلات المسلحة يعتمد على مرونة الحركة، ونقل السلاح، والقدرة على المناورة بين مناطق القطاع المختلفة، وتلقي الإمداد من الخارج.

لذلك لا يقتصر جيش الاحتلال في المناطق العازلة التي يوجدها على الأطراف، بل تُطبق هذه الأداة لصنع مناطق عازلة داخلية.

ولعل إنشاءه محور نتساريم يصب في هذا الاتجاه، فقد تم شقه كمنطقة عازلة تقطع غزة عرضياً لفصل الشمال عن الجنوب، وهو يمثل سيطرة على نقطة اختناق تمنع حركة المقاتلين والإمدادات، وتحرمهم من إعادة التموضع.

ونفس الحال ينطبق على محور فيلادلفيا، فهو بمثابة منطقة عازلة أمنية تُطبق لخنق خط الإمداد الاستراتيجي الوحيد (الأنفاق الحدودية مع مصر)، بهدف تجفيف منابع التسليح جذرياً.

5. أداة تقنيات الاستشعار المكاني

حيث ترى الحاجة الصهيونية لها في حل إشكالية في أن التواجد البشري (الجنود) بشكل دائم وثابت داخل هذه المناطق العازلة يجعلهم أهدافاً سهلة في حرب استنزاف.

لذلك فإن المنطقة العازلة بهذه الأداة، تساهم في تجريف الأرض وتفريغها ديموغرافياً، وباستخدام نظم المعلومات الجغرافية وتقنيات الاستشعار لإدارة هذه المساحة الميتة بتكلفة بشرية أقل. يتم زرع مجسات زلزالية تحت الأرض (لرصد أي محاولة لحفر أنفاق جديدة تخترق المنطقة العازلة)، وتغطية المجال الجوي بطائرات استطلاع مسيرة، وربط هذه المساحات المكانية بمنظومات إطلاق نار آلية.

فالأداة هنا تشرح كيف تحولت المنطقة العازلة من مجرد أرض محروقة إلى حقل رصد مكاني متكامل يُدار عن بُعد.

ولكن ما هو مستقبل المناطق العازلة الصهيونية في طورها الجديد؟.


مستقبل المناطق العازلة

باستشراف المستقبل، نجد أن الاعتماد المفرط على الحلول المكانية (كالمناطق العازلة) هو في الحقيقة اعتراف بالفشل الاستراتيجي، ويسرع الانهيار للأسباب التالية:

​أولا، استنزاف الجيش الصغير في مهمة كبيرة.


فالمنطقة العازلة ليست مجرد أرض خالية؛ هي مساحة تحتاج لحماية، مراقبة، واشتباك مستمر. في ظل أزمة القوى البشرية (الاحتياط) التي يعاني منها الجيش الصهيوني، حينها يتحول الحزام الأمني إلى مستنقع يستنزف الوحدات القتالية، مما يضعف كفاءة الجيش في مواجهة جبهات أخرى أكثر خطورة، وهذا ما حذر منه اللواء الصهيوني اسحاق بريك.

​ثانيا، التكلفة الاقتصادية والنزيف الصامت

​فالكيان يعيش حالة اقتصاد حرب مستدامة. وتكلفة صيانة مناطق عازلة تكنولوجية وعسكرية هائلة، وفي ظل تراجع التصنيف الائتماني وهروب الاستثمارات، حينها تصبح هذه المناطق عبئاً مالياً، يسرع من التآكل الاقتصادي الداخلي، وهو أحد أهم ركائز نظرية الانهيار من الداخل.

ثالثا، تعميق العزلة الدولية


فالمناطق العازلة تُصنف دولياً كاحتلال فعلي، وتغيير ديموغرافي قسري.

وهذا المسار يضع الكيان في صدام دائم مع القانون الدولي والمؤسسات الأممية، مما يسرع من تحولها إلى دولة منبوذة، وهو ما يراه بعض المفكرين الصهاينة النهاية الفعلية للمشروع الصهيوني في شكله الحالي.

الخلاصة

استراتيجية المناطق العازلة لن تحول دون وقف منحنى انحدار دولة بني صهيون نحو نهايتها المحتومة، ولكن هذه النهاية مشروطة أيضا بضرورة استيقاظ أهل الحق، والنهوض بمشروعهم العالمي كخير أمة أخرجت للناس.

الأربعاء، 4 مارس 2026

لن تنتهي حرب إسرائيل من أجل الهيمنة الإقليمية مع إيران.

لن تنتهي حرب إسرائيل من أجل الهيمنة الإقليمية مع إيران.
3 مارس 2026
إذا نجح نتنياهو في سحق الجمهورية الإسلامية، فإن رؤيته التوسعية العنيفة ستتجه نحو دول الخليج العربي بعد ذلك.

احتفل الإسرائيليون وبعض أفراد الشتات الإيراني عندما وُجهت الضربة الأولى في حرب الخليج الثالثة في وقت مبكر من صباح يوم السبت، حيث تم القضاء على المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي وعشرات القادة العسكريين والسياسيين الآخرين .

أفاد كبير المفاوضين، وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي، بأن الوفود الإيرانية المشاركة في محادثات جنيف وعُمان قدّمت عرضاً جوهرياً يهدف إلى تخفيف تركيز اليورانيوم عالي التخصيب بالكامل لدى إيران، مع التحقق المستقل من ذلك، ما يجعله غير صالح للاستخدام في صنع القنابل.

وكأنهم يتحدثون من نفس النص، دعا ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع والانتفاض ضد النظام، كما حاولوا القيام بذلك في يناير.

لكن هذا لم يحدث. ففي غضون ساعتين، ردت إيران بأول وابل من الصواريخ.

عندما تأكد نبأ وفاة خامنئي، خرج الإيرانيون إلى الشوارع، لكنها كانت مليئة بالمعزين .

كانت هناك أحياء في طهران، مثل إكباتان، حيث هلّل الناس من داخل شققهم التي توفر لهم قدراً من الخصوصية. لكنّ صرخاتٍ دوّت في أجزاء أخرى من طهران، وكثيرون لم يفعلوا شيئاً، بل خافوا مما سيحدث.

تغيير النظام

منذ اللحظات الأولى، اتضح أن هذه الحرب كانت تدور حول تغيير النظام، وليس حول تخصيب إيران لليورانيوم أو صواريخها.

كان تغيير النظام هو الشيء الذي حارب ترامب وحركة "ماغا" بأكملها ضده، سواء قبل انتخابه رئيساً للمرة الثانية أو بعد ذلك.

خلال خطاب ألقاه في ديري ، نيو هامبشاير، عام 2023، تعهد ترامب، بصفته مرشحاً للرئاسة، قائلاً: "سندمر الدولة العميقة. سنطرد دعاة الحرب، هؤلاء الدعاة البغيضين، من حكومتنا - هؤلاء الأغبياء، الأغبياء. إنهم يستمتعون برؤية الناس يموتون. سنطرد العولميين."

قال ترامب، بصفته رئيساً، في الرياض في مايو الماضي: "إن ما يسمى بـ'بناة الأمم' دمروا دولاً أكثر بكثير مما بنوه - وكان المتدخلون يتدخلون في مجتمعات معقدة لم يفهموها هم أنفسهم".

ما يصبو إليه نتنياهو هو تدمير إيران كقوة إقليمية. أما التحرر من الحكم الاستبدادي فهو آخر أولوياته.

والآن بعد أن أشعل حرباً كبرى في الخليج، بات

 من الصعب عليه تبرير أسباب ذلك. وقد أشار إلى

 البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية،

 وتقديم المساعدة للمتظاهرين، وتغيير النظام.


يوم الاثنين، أضاف وزير الخارجية ماركو روبيو سبباً خامساً ، زاعماً أن الهجوم الأمريكي كان استباقياً. شنت الولايات المتحدة هجوماً لأنها كانت تعلم أن إسرائيل على وشك الهجوم، وإذا حدث ذلك، فإن الولايات المتحدة ستتحمل وطأة الرد.

هل كان روبيو بذلك يُقر بأن إسرائيل قادت قائده الأعلى إلى حرب خليجية شاملة؟ سعى ترامب إلى دحض هذه الفكرة يوم الثلاثاء، قائلاً للصحفيين في البيت الأبيض: "بل ربما أكون قد أجبرت إسرائيل على اتخاذ هذا القرار".

على أي حال، كان نتنياهو أكثر ثباتاً بشأن رغبته في توجيه ضربة قاصمة لإيران، التي وصفها بأنها عماليق .

لقد ظل يدعو الله لهذا اليوم طوال ما يقارب 47 عاماً. بصفته رئيساً للوزراء، ثم منبوذاً من المعارضة (عندما تحدثت إليه لأول مرة)، ثم رئيساً للوزراء مرة أخرى، حاول مراراً وتكراراً حث جيشه والولايات المتحدة على شن هجوم مماثل للهجوم الذي شُنّ صباح السبت، لكن محاولاته قوبلت بالرفض مراراً.

ليس إضراباً مؤقتاً، كما حدث في يونيو الماضي، بل حرب شاملة لإسقاط الجمهورية الإسلامية.

تفكيك إيران

في خطابه يوم السبت ، كان نتنياهو واضحاً بشأن استراتيجية إسرائيل. وخاطب الإيرانيين بشكل مباشر وفقاً لأصولهم العرقية، وليس جنسياتهم: "الفرس، والأكراد، والأذربيجانيين، والبلوش، والأهوازيين، وجميع مواطني هذه الأمة الرائعة".

أشارت القنابل التي كانت قد سقطت بالفعل آنذاك إلى نفس الاستراتيجية. فقد استهدفت جميع تيارات النخبة السياسية الإيرانية - الإصلاحيين واليساريين والرؤساء السابقين، بالإضافة إلى المحافظين.

لم تكن أقوال نتنياهو ولا أفعاله تهدف إلى بناءرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالحرب.

كانت المحادثات مجرد خدعة منذ البداية، تماماً كما كانت في يونيو الماضي، عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران لأول مرة.

كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تراقب تحركات خامنئي لأشهر، وكانت العملية تنتظر اللحظة التي يجتمع فيها كبار قادة إيران. يوم السبت، حانت تلك اللحظة في اجتماعين في مبنيين متجاورين، وشنّت إسرائيل هجومها.

وكأنهم يتحدثون من نفس النص، دعا ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى النزول إلى الشوارع والانتفاض ضد النظام، كما حاولوا القيام بذلك في يناير.

لكن هذا لم يحدث. ففي غضون ساعتين، ردت إيران بأول وابل من الصواريخ.

عندما تأكد نبأ وفاة خامنئي، خرج الإيرانيون إلى الشوارع، لكنها كانت مليئة بالمعزين .

كانت هناك أحياء في طهران، مثل إكباتان، حيث هلّل الناس من داخل شققهم التي توفر لهم قدراً من الخصوصية. لكنّ صرخاتٍ دوّت في أجزاء أخرى من طهران، وكثيرون لم يفعلوا شيئاً، بل خافوا مما سيحدث.

تغيير النظام


منذ اللحظات الأولى، اتضح أن هذه الحرب كانت تدور حول تغيير النظام، وليس حول تخصيب إيران لليورانيوم أو صواريخها.

كان تغيير النظام هو الشيء الذي حارب ترامب وحركة "ماغا" بأكملها ضده، سواء قبل انتخابه رئيساً للمرة الثانية أو بعد ذلك.

خلال خطاب ألقاه في ديري ، نيو هامبشاير، عام 2023، تعهد ترامب، بصفته مرشحاً للرئاسة، قائلاً: "سندمر الدولة العميقة. سنطرد دعاة الحرب، هؤلاء الدعاة البغيضين، من حكومتنا - هؤلاء الأغبياء، الأغبياء. إنهم يستمتعون برؤية الناس يموتون. سنطرد العولميين."

قال ترامب، بصفته رئيساً، في الرياض في مايو الماضي: "إن ما يسمى بـ'بناة الأمم' دمروا دولاً أكثر بكثير مما بنوه - وكان المتدخلون يتدخلون في مجتمعات معقدة لم يفهموها هم أنفسهم".ما يصبو إليه نتنياهو هو تدمير إيران كقوة إقليمية. أما التحرر من الحكم الاستبدادي فهو آخر أولوياته.

والآن بعد أن أشعل حرباً كبرى في الخليج، بات من الصعب عليه تبرير أسباب ذلك. وقد أشار إلى البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وتقديم المساعدة للمتظاهرين، وتغيير النظام.

يوم الاثنين، أضاف وزير الخارجية ماركو روبيو سبباً خامساً ، زاعماً أن الهجوم الأمريكي كان استباقياً. شنت الولايات المتحدة هجوماً لأنها كانت تعلم أن إسرائيل على وشك الهجوم، وإذا حدث ذلك، فإن الولايات المتحدة ستتحمل وطأة الرد.

هل كان روبيو بذلك يُقر بأن إسرائيل قادت قائده الأعلى إلى حرب خليجية شاملة؟ سعى ترامب إلى دحض هذه الفكرة يوم الثلاثاء، قائلاً للصحفيين في البيت الأبيض: "بل ربما أكون قد أجبرت إسرائيل على اتخاذ هذا القرار".

على أي حال، كان نتنياهو أكثر ثباتاً بشأن رغبته في توجيه ضربة قاصمة لإيران، التي وصفها بأنها عماليق .

لقد ظل يدعو الله لهذا اليوم طوال ما يقارب 47 عاماً. بصفته رئيساً للوزراء، ثم منبوذاً من المعارضة (عندما تحدثت إليه لأول مرة)، ثم رئيساً للوزراء مرة أخرى، حاول مراراً وتكراراً حث جيشه والولايات المتحدة على شن هجوم مماثل للهجوم الذي شُنّ صباح السبت، لكن محاولاته قوبلت بالرفض مراراً.

ليس إضراباً مؤقتاً، كما حدث في يونيو الماضي، بل حرب شاملة لإسقاط الجمهورية الإسلامية.
تفكيك إيران

في خطابه يوم السبت ، كان نتنياهو واضحاً بشأن استراتيجية إسرائيل. وخاطب الإيرانيين بشكل مباشر وفقاً لأصولهم العرقية، وليس جنسياتهم: "الفرس، والأكراد، والأذربيجانيين، والبلوش، والأهوازيين، وجميع مواطني هذه الأمة الرائعة".

أشارت القنابل التي كانت قد سقطت بالفعل آنذاك إلى نفس الاستراتيجية. فقد استهدفت جميع تيارات النخبة السياسية الإيرانية - الإصلاحيين واليساريين والرؤساء السابقين، بالإضافة إلى المحافظين.

 لم تكن أقوال نتنياهو ولا أفعاله تهدف إلى بناء نخبة جديدة تتولى السلطة بعد سقوط الجمهورية الإسلامية. بل كان الهدف منهما إضعاف إيران بشكل دائم بتحويلها إلى اتحاد ضعيف من الكانتونات العرقية، تماماً كما حاولت إسرائيل، وفشلت حتى الآن، في فعله في سوريا .

قال نتنياهو: "خذوا مصيركم بأيديكم. ارفعوا

 رؤوسكم عالياً، وانظروا إلى السماء؛ قواتنا هناك،

 طيارو العالم الحر، جميعهم قادمون لنجدتكم. لقد

 وصلت المساعدة".



بدلاً من ذلك، شاهد المواطنون الإيرانيون طياري

العالم الحر وهم يقصفون مدرسة ويقتلون 180

شخصاً ، معظمهم من الفتيات والفتيان الصغار،

بينما يهاجمون أيضاً المستشفيات ومعظم المدن

الكبرى.

تُشرع إسرائيل في تدمير مدن إيران بنفس الطريقة

التي سوّت بها غزة بالأرض ، أو أجزاء من

جنوب لبنان وبيروت. ونتيجة لذلك، ارتفع عدد

ضحايا القصف الدقيق إلى أكثر من 750 قتيلاً في

إيران خلال أربعة أيام فقط.

ما يصبو إليه نتنياهو هو تدمير إيران كقوة إقليمية.

إن التحرر من الحكم الاستبدادي ليس من أولوياته.

 لم تُوضع أي خطط لما بعد الحرب. ولم يُولَ

 اهتمام يُذكر لنوع النظام الذي قد يحل محل

الجمهورية الإسلامية في حال سقوطها، ولا لشعبية

 أو تأييد أي شخصية أو حركة سياسية إيرانية في

 الشتات داخل البلاد نفسها.

إن تدمير إيران كقوة إقليمية هو جزء من خطة

 أكبر من شأنها أن تستوعب وتدعم كلمتين

 تترددان بشكل متزايد على ألسنة القادة

 الإسرائيليين من جميع الأطياف السياسية:

إسرائيل الكبرى .

التحالف مع الهند

ليس من قبيل المصادفة أن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، صرّح لتاكر كارلسون قبيل الهجوم مباشرةً بأنه لا مانع من أن تستولي إسرائيل على جميع الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات. كما أن زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لابيد ، وافق على الفور.

"أنا أؤيد أي شيء من شأنه أن يمنح اليهود أرضاً واسعة وقوية وملاذاً آمناً لنا ولأطفالنا وأحفادنا. هذا ما أؤيده"، هكذا صرّح لابيد لمراسل وكالة "كيبا نيوز"، مشيراً إلى أن الأراضي الإسرائيلية قد تتوسع حتى العراق .

ليس من قبيل المصادفة أيضاً أن نتنياهو قام، قبل وقت قصير من شن هذه الحرب، بفرش السجادة الحمراء لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

هذا هو الحلم الذي راود الصهاينة من مختلف الأطياف لعقود: أن تمتد إسرائيل يوماً ما من النيل إلى الفرات
يقول زميلي ومؤلف كتاب " أوطان معادية" ، آزاد عيسى، إن دلهي برزت كأقوى حليف غير غربي لإسرائيل. وأضاف عيسى: "هناك تعاون استراتيجي وتقارب أيديولوجي بين البلدين، وهو ما تعزز بالفعل خلال الإبادة الجماعية في غزة ". وأشار إلى أن مودي وعد خلال زيارته الأخيرة بالسماح لخمسين ألف مواطن هندي إضافي بالعمل في إسرائيل في السنوات القادمة.

وأضاف: "ستُسهم الهند في هذا التحالف بمزيج من الحجم الاقتصادي، والوصول إلى الأسواق، والعمالة، والخبرة التقنية. وهي تُسهم بالفعل في ذلك من نواحٍ عديدة. فالهند تُشارك إسرائيل في إنتاج الأسلحة، ما يعني أنها تُهيأ لتصبح مصنعًا لها. وبالتالي، ستُغطي الهند النقص الإسرائيلي وتُصبح بديلًا للعمالة الفلسطينية ".

النقطة الثانية المتعلقة بهذه الحرب هي توقيتها.

يُحسب نتنياهو بدقة أن إسرائيل لن يكون لها رئيس أمريكي مطيع وسهل التلاعب به مثل ترامب. ولن يكون أي جمهوري أو ديمقراطي ودودًا لإسرائيل كما كان ترامب وسلفه جو بايدن. وقد أكدت الإبادة الجماعية في غزة هذا الأمر.

لكن ولاية ترامب الثانية منحت إسرائيل بالفعل جائزةً ذات قيمةٍ أكبر بكثير من اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً لإسرائيل، أو ضمّ مرتفعات الجولان ، وهما هديتان من ولايته الأولى. فقد منح ترامب إسرائيل الآن مباركة واشنطن لتوسيع حدودها إلى أي أرضٍ تستطيع السيطرة عليها، سواءً في لبنان أو سوريا أو العراق أو مصر .

هذا هو الحلم الذي راود الصهاينة من مختلف الأطياف لعقود: أن إسرائيل ستمتد يوماً ما من النيل إلى الفرات.

واقع جديد

لذا، فقد حان الوقت ليس فقط لسحق الجمهورية الإسلامية وتفتيت شبكتها الإقليمية إلى شظايا، بل لاستخدام هذا الفراغ لتوسيع سيطرة إسرائيل على المنطقة ككل.

إيران كقوة إقليمية هي العقبة الأخيرة والوحيدة أمام نتنياهو لتحقيق حلمه بتوسيع حدود إسرائيل وإنشاء تحالف دولي جديد - ما يسمى بسداسي الدول - مع الهند كجناح شرقي، وصوماليلاند كطرف جنوبي.

سيعزز هذا التحالف مكانة إسرائيل كقوة عسكرية إقليمية مهيمنة، بقواعد جوية منتشرة في جميع أنحاء المنطقة. وستُجبر الدول العربية الكبرى، التي لن تدعم إسرائيل إلا بوجود دولة فلسطينية، على قبول واقع جديد: تقليص أراضيها وسيادتها، كما هو الحال في سوريا اليوم ولبنان غداً.


مع وجود دعم من الهند، ستصبح إسرائيل أقل اعتماداً على واشنطن في التمويل والتسليح والدعم السياسي. وعلى أي حال، فإن مستقبل هذه العلاقة غير مضمون، إذا ما أخذنا استطلاعات الرأي الأمريكية بعين الاعتبار.

تدرك إسرائيل أن الإبادة الجماعية في غزة قد شوهت صورتها كمشروع نبيل في الغرب. والحرب ضد إيران هي بمثابة بوليصة تأمين لها.

إن الجمهورية الإسلامية الآن تكافح من أجل البقاء. قيادتها، التي غالباً ما توصف بأنها أصولية ومتهورة، كانت في الواقع حذرة للغاية.

أدركت الولايات المتحدة متأخرةً أن حرب الإبادة الشاملة التي تشنها إسرائيل في غزة ولبنان وسوريا ستصل إلى عقر دارها. لقد انخدعت بالمفاوضات مرتين، وفي كل مرة، تعاملت الولايات المتحدة مع المحادثات كغطاء لحملة عسكرية استئصالية.

خطأ فادح

يعود مأزق إيران إلى كيفية رد فعلها على أحداث 7 أكتوبر 2023. وكان رد فعل إيران وحزب الله الفوري هو رفض مناشدات كتائب القسام بالتسلل إلى إسرائيل من الشمال وبدء جبهة ثانية متزامنة

لم يكن يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول حملة محدودة لضرب قاعدة عسكرية في الجنوب، بل كان بداية حرب تحرير. وعندما رفض كل من حزب الله وإيران في البداية التدخل، سمح كل منهما لإسرائيل بأن تقضي عليهما تباعاً.

ارتكبت إيران خطأً فادحاً حين استمعت إلى الرسائل التي تلقتها هي وحزب الله من إدارة بايدن. استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يتفاعل، ولكن عندما فعل، وصف زعيم حزب الله الراحل حسن نصر الله هجمات 7 أكتوبر التي شنتها حماس بأنها "عملية فلسطينية خالصة"، مشيراً إلى أن لا منظمته ولا إيران كانتا على دراية بما سيحدث: "لا علاقة لها بأي قضايا إقليمية أو دولية".

بحلول الوقت الذي تحدث فيه، كان حزب الله قد خسر بالفعل 57 رجلاً في عمليات تبادل على الحدود، لذلك لم يكن يقف مكتوف الأيدي. لكنه سمح لنفسه بالانجرار تدريجياً إلى حرب بتوقيت إسرائيل. وهكذا، تم القضاء على حماس وحزب الله والآن إيران تباعاً. لم يتصرف أي منهم بالتنسيق مع الآخر

لقد استوعبت إيران هذه الدروس متأخرة. وهي الآن تشن حملة مختلفة عن تلك التي خاضتها لمدة 12 يوماً في يونيو الماضي.

ثم ركزت إيران كل قوتها النارية في وابل من الصواريخ باتجاه إسرائيل. أما اليوم، فإن أهدافها الرئيسية هي الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج.

كما نشر المعلق الإيراني تريتا بارسي على موقع X (تويتر سابقًا): "خلصت طهران إلى أن قدرة إسرائيل على تحمل الألم عالية جدًا - طالما بقيت الولايات المتحدة في الحرب. لذا يتحول التركيز إلى الولايات المتحدة... تدرك إيران أن الكثيرين في المؤسسة الأمنية الأمريكية كانوا مقتنعين بأن ضبط النفس الإيراني السابق يعكس ضعفًا وعجزًا أو عدم رغبة في مواجهة الولايات المتحدة في حرب مباشرة".

"تبذل طهران الآن كل ما في وسعها لإثبات عكس ذلك - على الرغم من التكلفة الباهظة التي ستدفعها. ومن المفارقات أن اغتيال خامنئي قد سهّل هذا التحول."
ثمن باهظ

في غضون 24 ساعة، أغلقت إيران مضيق هرمز ، وقصفت دبي، وأوقفت أكبر مصفاة نفط في السعودية ، بالإضافة إلى توقف إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي المسال في الدوحة . واشتعلت النيران في السفن عند مدخل الخليج. وتم تعليق معظم الرحلات الجوية. وارتفعت أسعار النفط والغاز بشكل حاد .

استهدفت طائرات إيرانية مسيّرة قاعدة عسكرية فرنسية في أبو ظبي وقاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص. وتسعى إيران إلى تدويل هجوم ترامب بجعله مكلفاً للغاية للاقتصاد العالمي.


إذا استسلمت إيران، فسنكون على يقين من العواقب الوخيمة في جميع أنحاء الخليج. إن اندلاع حرب أهلية في إيران من شأنه أن يدفع ملايين اللاجئين غربًا.


في ظلّ قصفٍ كثيفٍ ومتواصل، تجنّبت دول الخليج - حتى الآن على الأقل - التصعيد. وكانت السعودية وقطر وعُمان قد حذّرت ترامب لشهورٍ من ضرب إيران. تجاهل نصائحهم، وها هي تدفع ثمناً باهظاً.

عندما تفاخر السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام بأنه قد أقنع محمد بن سلمان بالموافقة على شن هجوم على إيران، كان ولي العهد السعودي في الواقع يفعل عكس ذلك تماماً. فقد حث جيرانه في الخليج على تجنب اتخاذ أي خطوات قد تستفز رداً من طهران أو وكلائها، وتدفع المنطقة نحو صراع أوسع.

لدى الرياض أسباب وجيهة للحذر. فقد حافظت على وقف إطلاق النار مع الحوثيين في شمال اليمن ، ولم يتدخل الحوثيون بشكل جدي حتى الآن.

لكن حتى بعد حملة القصف الأمريكية العام الماضي، لا يزال الحوثيون قوة قتالية، مسلحين بصواريخ يصل مداها إلى 2000 كيلومتر وطائرات مسيرة يصل مداها إلى 2500 كيلومتر.

وكذلك الميليشيات العراقية: فقد انطلقت الطائرات المسيرة من أراضيها على منشآت أرامكو النفطية في بقيق وخريص في شرق المملكة العربية السعودية عام 2019.

إعادة رسم الخريطة

من المشكوك فيه إلى متى يمكن لدول الخليج الحفاظ على هذا الموقف، حيث تدفع إيران مجلس التعاون الخليجي بأكمله إلى أعلى سلم التصعيد

هناك سيناريوهان رئيسيان الآن بالنسبة لإيران. إما أن تؤدي حملة القصف الأمريكية الإسرائيلية إلى انهيار كامل للقيادة والسيطرة، وبالتالي سقوط النظام - أو أن يحتفظ النظام بالسيطرة ويقود الحرب بنجاح إلى وقف إطلاق النار.

قد يكون اغتيال خامنئي خلال شهر رمضان هو الشرارة التي تُعيد إحياء الثورة الإيرانية، وتمنحها هدفًا جديدًا. وهذا في حد ذاته سيُمثل نصرًا - لأن إيران تعلم أن الحلقة الأضعف في هذه الحرب هي ترامب نفسه

إذا استمرت الحرب الإيرانية لفترة طويلة، فسيكون لذلك تأثير سلبي على ترامب بين مؤيديه. وسيكشف ذلك حقيقة أن إسرائيل زجّت ترامب في حرب لم يكن داعموه ولا الولايات المتحدة بحاجة إليها.

لكن إذا استسلمت إيران، فسنكون على يقين من العواقب الوخيمة في جميع أنحاء الخليج. فالحرب الأهلية في إيران قادرة على نزوح ملايين اللاجئين غرباً.

ولن تنتهي حرب نتنياهو عند هذا الحد. فإسرائيل تراهن على ضعف الدول العربية في الدفاع عن نفسها، وتسعى إلى إضعافها أكثر.

لأنه فقط حول حدود جوار ضعيف يمكن لإسرائيل أن تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط وتؤسس اتفاقية سايكس بيكو جديدة .

عندها، لن يكون الأمر سوى مسألة وقت قبل أن يعلن نتنياهو أن تركيا هي عماليق إسرائيل القادمة.

المصدر: ميدل إيست آي