‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الفتاح البرهان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عبد الفتاح البرهان. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 23 أكتوبر 2026

الفاشر... مذبحةٌ لم يمنعها أحد

 الفاشر... مذبحةٌ لم يمنعها أحد

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني

كان المجتمع الدولي قبل عام يطلق مناشداته لفك الحصار عن مدينة الفاشر بغرب السودان. كان الجميع يعرف أن مذبحة في الطريق. لكن المناشدات لم تُجد، والقرارات الدولية لم تنفذ.

صمدت المدينة نحو عام ونصف العام تحت الحصار، لكن النهاية كانت "انسحاب الجيش إلى مكان آمن"، بحسب ما ذكر قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وتدفقت قوات الدعم السريع داخل المدينة لتقع المقتلة التي حذّر منها الجميع من دون جدوى.

مرّ الطريق إلى الفاشر بمذابح بدأت في مدينة الجنينة الحدودية، ثم نزلت إلى العاصمة الخرطوم، وانتقلت فوق أجساد الضحايا إلى قرى ولاية الجزيرة، قبل أن تقتحم الفاشر. لم يكن هناك مكان آمن للمدنيين. تواترت شهادات من نجحوا في التشبث بالحياة وفرّوا من المدينة مع سقوطها. كأنهم بقايا الطرواديين الهائمين بعد اقتحام الإغريق. استغرقت رحلة الساعات أياماً وأسابيع في الصحراء، قبل أن يصلوا إلى مدينة الدبة، شمال السودان، وغيرها. وعرف العالم ما حدث. أكدت شهادات الناجين وقوع القتل الجماعي للأسرى والمرضى، والعنف الجنسي والاختطاف. ومن الفضاء رصدت الأقمار الصناعية بحيرات الدم والمقابر الجماعية التي حاول القاتل أن يخفي فيها آثار جريمته.

أعلن مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، في فبراير/ شباط 2026، أن تحقيقه وثّق مقتل أكثر من ستة آلاف شخص في الأيام الثلاثة الأولى من سيطرة "الدعم السريع" على المدينة. قتل حوالي 1600 شخص وهم يحاولون الفرار. لكن هذه مجرّد تقديرات في حدّها الأدنى. يتوقع الجميع أن يكون عدد الضحايا أكبر بكثير. أما تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان الصادر في يوليو/ تموز 2026 فخلص إلى أن القتل الجماعي والاغتصاب والتجويع المعتمد في سياق احتلال المدينة يرقى إلى الإبادة الجماعية. لم ينجح التراب في دفن المذبحة.

كان مجلس الأمن قد طالب بإنهاء حصار المدينة في يونيو/ حزيران 2024. لكن المؤسسات الدولية لم تملك وسيلة لفرض تحذيراتها. توالت العقوبات على قادة الطرفين المتقاتلين، لكن هذا لم يكن كافياً يوماً. تجارب كثيرة في العالم وفي السودان تخبرنا بأن المؤسّسات الدولية تمتلك من البيانات أكثر مما تمتلك من القدرة على حماية الناس. ويعرف هذا إقليم دارفور جيداً، فقد شهد مذابح سابقة ما زالت المحكمة الجنائية الدولية تطارد متهميها.

خلال العام الذي مرّ انتقل بعض القادة المتهمين بالمشاركة في مذبحة مدينة الفاشر إلى صفوف الجيش السوداني. وكما حدث مع ولاية الجزيرة، بدأت محاولات تبرئة القادمين الجدد من الجريمة. دائماً ما تُركل الاتهامات إلى الأمام. كلما انتقل قائد من فريق المليشيا إلى فريق الجيش قيل إنه بريء من الدم، وإن من يزعم غير هذا يمكنه التوجّه إلى القضاء. هكذا يبقى المجرم دائماً غير محدّد حتى ينتقل آخر لاعب مسلح من فريق إلى آخر. يبقى الدم بلا سافك، ويتحد الخصمان كما كانا سابقاً. يرفضان وقف القتال، ويراهنان على الحسم العسكري، ولا يدفع الثمن غير المدنيين العُزّل.

بعد عام من المذبحة، ما زال "الدعم السريع" يراهن على الوقت ليعزّز سلطته الموازية في إقليم دارفور. الهزائم التي تلقاها في العاصمة وولاية الجزيرة انتقلت إلى إقليم كردفان. تخسر المليشيا في كردفان، وتكاد سيطرتها تنحصر على دارفور. لكي يبقى هذا الإقليم المنكوب ساحة متجدّدة للمعارك الحربية وللمفارقة السلطوية، فقوات "الدعم السريع" التي تحاول اليوم الانفصال بالإقليم مرتكبة المذابح ضد المكوّنات غير العربية هي التي ارتكبت المذابح سابقاً لإخضاع الإقليم لسلطة الخرطوم. ومن وصموا سابقاً بالتمرّد والعمالة والسعي إلى إقامة دولة لقبيلة الزغاوة في الإقليم، هم الذين يقاتلون اليوم مع الجيش ضد أحلام إقامة دولة للقبائل العربية في دارفور. هذه المفارقة هي ما يجعل الدماء لا قيمة لها عند المتقاتلين. فذكرها ينتهي بتحوّل المتهم من فريقٍ إلى آخر. ولا يأمن الحلفاء بعضهم، فخصوم اليوم هم حلفاء الأمس.

مرّ عام على المذبحة التي عرف الجميع أنها قادمة. ما زال ضحايا سابقون في دارفور ينتظرون العدالة منذ 2003، فزاد عليهم ضحايا الفاشر. مع استمرار الحرب ثلاثة أعوام ونصف العام لا يعرف أحد متى تصمت البنادق في غرب البلاد. ويستمر حصر الضحايا من دون أمل يظهر في الأفق.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

البرهان يكتب.. كيف نحقق السلام في السودان؟

البرهان يكتب.. كيف نحقق السلام في السودان؟

ترجمات
بينما يدخل السودان عامه الرابع من الحرب، يطرح الفريق عبد الفتاح البرهان رؤيته لإنهائها، واضعًا السيادة السودانية في قلب التسوية، ورافضًا مساواة الجيش بقوات الدعم السريع.                                           
المصدر: فورين بوليسي

بقلم عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان.

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي أصبحت أكبر أزمة إنسانية في العالم. فقد قُتل ما لا يقل عن 59 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، بينما خلّفت المجاعة والعنف الجنسي المتفشي ملايين الأشخاص في حاجة ماسة إلى الغذاء والدواء والدعم النفسي.

يدرك الشعب السوداني ضرورة إنهاء هذه الحرب، وبإذن الله ستنتهي. ولكن بعد أكثر من اثنتي عشرة محاولة فاشلة لوقف إطلاق النار بوساطة دولية، فقد حان الوقت لوضع حد نهائي لهذه الحرب حتى لا تعود البنادق حين يغض العالم الطرف. هذا ما يطلبه مني المدنيون السودانيون، بصفتي رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي في السودان، ومن غيري ممن أوكلت إليهم مسؤولية الحكم: أن تنتهي الحرب إلى الأبد، وأن يتوقف التدخل الأجنبي الذي مزّق أمتنا واستفاد من معاناتنا.

إن الحرب في السودان ليست صراعًا بين "فصيلين" أو "حربًا أهلية"؛ فلا يمكن وضع الدولة السودانية ومؤسساتها على قدم المساواة مع قوات الدعم السريع لا من الناحية الأخلاقية أو القانونية. إن ما يجري هو اعتداء على دولة عضو في الأمم المتحدة من قبل جماعة شبه عسكرية تعيش على النهب والقتل والتطهير العرقي. يجب عدم إضفاء الشرعية على قوات الدعم السريع أو معاملتها كشريك متكافئ. ففي نهاية المطاف، قادة هذه القوات - محمد حمدان دقلو وكبار مساعديه - هم أنفسهم القادة الذين أمروا ميليشيا الجنجويد باغتصاب وارتكاب مجازر بحق مجتمعات غير عربية في دارفور مطلع الألفية الثانية.

في العام الماضي، انتهى حصار على الفاشر الذي دام ثلاثين شهراً بمذبحة جماعية. دُمّرت أحياء بأكملها، وقُتلت عائلات في منازلها، وتعفّنت الجثث في الشوارع دون أن يدفنها أحد.

قبل الهجوم، أحصت الأمم المتحدة أكثر من 260 ألف مدني محاصرين في المدينة، نصفهم من الأطفال. منذ سقوط الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، سجّلت الأمم المتحدة نزوح نحو 127 ألف شخص من المدينة والقرى المحيطة بها. ورغم عدم تمكّن المحققين المستقلين من دخول المدينة، فقد عثر محللو الأقمار الصناعية التابعون لجامعة ييل على أدلة تُشير إلى وجود مقابر جماعية، ما يُوحي باستهداف المدنيين عمداً، بينما خلصت بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إلى أن هذه الفظائع تحمل "سمات الإبادة الجماعية ".

لا تستطيع ميليشيا خوض حرب بهذا الحجم بمفردها. فقد عزز مئات المقاتلين الأجانب قوات الدعم السريع منذ عام ٢٠٢٤، جُندوا عبر شبكات تمولها كيانات عابرة للحدود تعمل في عدة دول. وقد حظي هذا الأمر باعتراف واسع النطاق: ففي يونيو/حزيران، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات مرتبطة بتلك الشبكات. وفي الشهر الماضي، شنت طائرات مسيرة غارات على الخرطوم ومدن أخرى في أكبر هجوم منسق منذ أشهر، ما يُظهر القدرات العسكرية المتطورة التي أتاحها التدخل الأجنبي.

إن الحكومة التي أترأسها هي حكومة انتقالية. إن مرجعيتنا هي القانون الدولي ومعاييره، وسنُحاسب وفقًا لهذا. ولكن على عكس قوات الدعم السريع الذي ليس لها أية مرجعية أو شرعية من النظم أو القوانيين الدولية.

لذا فإن حكومتنا هي السلطة الشرعية لدولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة، وهي مسؤولة أمام شعبها. وقد أكد مجلس الأمن الدولي مجددًا سيادة السودان واستقلاله ووحدته وسلامة أراضيه، ورفض سلطة قوات الدعم السريع في الأراضي التي تسيطر عليها. ويدرك شعبنا هذا الأمر أيضًا: فحيثما تتقدم قوات الدعم السريع، يفرّ الناس؛ وحيثما تعود الدولة إلى السلطة، يعود الناس إلى ديارهم. وقد عاد ما يقرب من أربعة ملايين سوداني إلى الخرطوم والجزيرة وسنار بعد انسحاب قوات الدعم السريع من تلك المدن.

لقد طَرحتُ خطةً أمام مجلس الأمن لإرساء وقف دائم لإطلاق النار والانتقال إلى حكم مدني شامل. وبإشراف ومساعدة الأمم المتحدة، سيتم إخراج المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية، مما يمهد الطريق لتسوية النزاع حتى تتمكن الدولة من الحكم بسلام.

بعد وقف إطلاق النار، يجب أن يرتكز الأمن على جيش وطني واحد تحت إشراف مدني، بدلاً من قوات مسلحة متوازية ذات ولاءات وممولين متنافسين. لا بد من التوصل إلى تسوية سياسية عبر حوار سوداني، وأن يُصاغ الدستور القادم بأيدي سودانية، لا أن يُصاغ في الخارج. على أن يتم إجراء انتخابات حرة ونزيهة بعد ذلك تحت إشراف دولي، يتبعها انتقال سلس للسلطة، وبذلك تعود زمام الأمور إلى الشعب.

لذا، يجب أن يكون السلام نابعًا من الداخل - من السودانيين، وللسودانيين، وفي السودان. نحن نرحب بالشراكة وبوجود مراقبين موثوقين كي يضيفوا مزيدا من الضبط والمصداقية.

لكن السلام المفروض من الخارج لا يدوم. انهارت اتفاقيات وقف إطلاق النار على مدار هذه الحرب لأنها كُتبت عن السودان دون علم السودانيين، ولأن داعميها كانوا يعلمون أنهم لن يتحملوا تبعات فشل تلك المفاوضات. تحولت "الهدنة" إلى فرصة لقوات الدعم السريع وداعميها لإعادة تنظيم صفوفهم، وعندما ينصرف اهتمام العالم عن السودان تعود المجازر مرة أخرى. لقد تجلى هذا الأمر بوضوح في مجزرة الفاشر المروعة. لقد عاش السودان هذه الدورة ولن يقبل بها مرة أخرى.

بينما تُقدّم حكومتنا الشرعية خطةً، يتعهّد قائد إحدى الميليشيات بالقتال لأربعين عامًا إن لزم الأمر. أمام المجتمع الدولي خيارٌ واضح: إما دعم تسويةٍ قائمةٍ على السيادة والقانون، أو الانجرار وراء مغالطة التكافؤ الزائف بإضفاء الشرعية على قادة قوات الدعم السريع والسماح باستمرار الحرب السودانية إلى ما لا نهاية.

مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، أدعو المجتمع الدولي إلى الالتزام بأربع أولويات.

أولاً، دعم الخطة التي قدمتها إلى مجلس الأمن.

ثانياً،
قطع التمويل وخطوط الإمداد التي تمكّن قوات الدعم السريع من مواصلة قتل المدنيين السودانيين.

ثالثاً، تقديم المساعدة والدعم للأمم المتحدة في مراقبتها لوقف إطلاق النار المستقبلي.

رابعاً، منح الساحة السياسية السودانية مساحة لتحديد الخطوات التالية.

طلبي بسيط:
ثقوا ببلادنا في كتابة سلامها الخاص، واستخدموا نفوذكم للمساعدة في استدامته. فالسودان يطلب منه قبول تسويات هي أقل بكثير مما يستحقه، بشروط ملائمة لعواصم بعيدة، وفترات توقف وُصفت زوراً بالسلام.

إن السودانيين الذين عانوا من ويلات هذه الحرب لهم الحق في تحديد السلام الذي ينهيها.

لتكن هذه الكلمات نبراساً لأي تسوية: 
سلامٌ يُصنع من الداخل، لا يُفرض قسراً. 
سلامٌ يُبنى على القانون والمؤسسات القوية. 
سلامٌ يليق بمن ضحوا بكل شيء من أجله. 
هذا هو السلام الذي يستطيع السودان بناءه - بمساعدة العالم.