‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حمّور زيادة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حمّور زيادة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 15 أغسطس 2026

وقت إضافي لتجربة فاشلة

 وقت إضافي لتجربة فاشلة



حمّور زيادة


اختار قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان يوم عيد الجيش (13 أغسطس/ آب) ليدخل بموكبه القصر الجمهوري في الخرطوم بصورة رسمية للمرّة الأولى لاعتماد سفراء، ما يبدو رسالةً رمزيةً جديدةً في السياق القديم ذاته الذي بدأ منذ إطاحة الرئيس السابق عمر البشير.
بعد أن تحفّظ الجيش على البشير في "مكان آمن"، بحسب تعبير بيانه، رفض المحتجّون خطّة الجيش للحكم. 

جرّب المجلس العسكري حظّه مرّتَين، يومي 11 و12 إبريل/ نيسان. 

بدأ بوزير الدفاع الذي أعلن إطاحة البشير وإدارة الجيش للفترة الانتقالية وإجراء انتخابات. 

انتفض المحتجّون، فغيّر الجيش من قدَّمهم وكوّن مجلساً عسكرياً جديداً بقيادة البرهان الذي كرّر النية ذاتها، وتكرّر رفض المحتجّين. 

أُجبر الجيش على الدخول في مفاوضات مع القوى السياسية المدنية، ثمّ عاد الجيش إلى محاولة الاستفراد بالسلطة عقب المذابح التي ارتُكبت في أثناء فضّ الاعتصامات المضادّة له. 

بعد يوم كامل من القتل والانتهاكات، خرج قائد الجيش ليعلن إلغاء الاتفاق مع القوى المدنية، ونيّة الجيش في أن يحكم الفترة الانتقالية وينظّم بعدها الانتخابات.

 الخطّة القديمة ذاتها، لكنّها تتكرّر بعد القضاء على التجمّعات المعارضة واستباحة "الدعم السريع" العاصمة.


ردّة فعل المعارضين لم تختلف أيضاً، وزادتها الدماء إصراراً. 

ومرّة أخرى تراجع الجيش ظاهرياً عن رغبته في الحكم، لكنّه عاد في 2021 ليدعم إغلاق ميناء السودان الرئيس وينظّم اعتصاماً مسرحياً يطالب بانقلاب عسكري، وهو ما فعله المجلس العسكري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021. 

ومرّة أخرى، أعلن البرهان الخطّةَ المكرّرةَ ذاتها.

 سيحكم الجيش الفترة الانتقالية، ثمّ يجري انتخابات (!). لا يعنيه تكرار الرفض، ولا الدماء التي سالت لتمنعه من ذلك. حتّى الدماء التي أراقها بعد هذا الإعلان، فخرجت المظاهرات المعارضة للانقلاب، وواجهها الجيش بالعنف والرصاص.

 لكنّ البلاد لم تستقرّ له حتّى أُجبر على التراجع مرّة أخرى ليدخل في العملية السياسية نهاية 2022، وانهارت بنشوب الحرب في إبريل/ نيسان 2023.
لم تختلف نيّة الجيش السوداني بعد الحرب، لكنّها أصبحت أوضح. 

في سبتمبر/ أيلول 2024، أعلن الفريق ياسر العطا (عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام) أنّ قائد الجيش البرهان سيظلّ رأس الدولة بصلاحيات سيادية كاملةً حتّى بعد الانتخابات، ولمدّة ثلاث أو أربع دورات انتخابية. 

لعلّ هذا أجرأ إعلان بعدم نيّة الجيش تسليم السلطة. بل إنّ العطا نسب إليه ما هو أفدح حين قال إنّه لو كان بالمعاش وفاز السياسيون المدنيون (يعتبرهم عملاء للخارج) بالانتخابات، فسينقلب عسكرياً ضدّهم. 

لاحقاً، أصبح الرجل رئيس هيئة أركان الجيش. 

يعلن أحد حاكمي البلاد نيّته ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون العسكري بالإعدام إذا ما اختار الشعب خياراً يختلف معه.
يكرّر الفريق العطا ما فعلته صحيفة القوات المسلّحة الرسمية، التي ظلّت تحرّض على الانقلاب العسكري في 2021، ويتعامل الجيش السوداني مع جريمة الانقلاب العسكري باعتبارها نوعاً من أنواع حرّية التعبير، ويدعو إليها بلا وجل، ويمارسها باستحقاق لا مثيل له. وهذا غريب بالنظر إلى تاريخ البلاد المحكومة بالجيش منذ 1958. 

تاريخ السودان (منذ الاستقلال) حكم عسكري متواصل، مع انتقالات مدنية قصيرة تحدث إثر ثورات شعبية. 

هذه ليست تجربةً جديدةً تحتاج مزيداً من الوقت، إنّما هي واقع السودان منذ استقلاله. 

ونتائجها معلومة للجميع: حروب أهلية واقتصاد منهك ومؤسّسات ضعيفة وفساد مقنّن ومؤسّسة عسكرية تتغوّل على الدولة. وكلّ الأنظمة العسكرية السودانية سقطت بثورات شعبية لا بانقلابات عسكرية. لكن الرسالة غير واضحة لحملة السلاح.
بعد سبع سنوات من حكم المجلس العسكري الذي يرأسه البرهان، وبعد تكرار الرفض، وبعد الحرب التي قسّمت البلاد وهدّتها، لم يتغيّر شيء، بل ربّما جعلت الحرب الجيش يشعر باستحقاق أكبر للحكم، ما يضع السودانيين بين خيارَين: الحكم العسكري في الخرطوم أو الحكم المليشياوي في نيالا. 

وتمنح الحرب الطرفَين مبرّرات الحكم، وأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فلا وقت لمحاسبة أو لمساءلة أو تداول سلطة، ولا حدود للسلطة، ولا اختلاف مع القيادة: إنّنا في حرب.
وما يزيد الأسف أنّ الجيش، إذ يواصل مشروعه للحكم، يفعل ذلك بالتحالف مع عدد مهول من المليشيات القبلية والمناطقية. 

فحتّى التخلّص من المليشيات واحتكار الدولة السلاح لم يُنجزا. 

لم يحصد السودانيون بعد سنوات الحرب كلّها إلا الموت وانهيار البلاد وانقسامها، لا قضينا على مليشيات، ولا أبقينا على دولة. أمّا التحالفات الحاكمة فهي كما هي.

السبت، 4 يوليو 2026

انفصال لم يُسمع له دويّ!


انفصال لم يُسمع له دويّ!
حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


منذ أعلنت قوات الدعم السريع وحلفاؤها في السودان عن حكومتهم الموازية، واختيار مدينة نيالا عاصمة إدراية، بدا أن عواقب تلك المغامرة لن تكون حميدة.

 لم يقتصر إعلان تحالف المليشيا على حكومة منفى أو سلطة رمزية تنازع السلطة العسكرية المتحصّنة وقتها في مدينة بورتسودان شرعيّتها. 

تدرج "مشروع" الحكم لإعلان مؤسّسات دولة موازية. 

ثم أقام امتحانات لطلاب الشهادة الثانوية ادّعى إنه قادر على توفير جامعاتٍ لهم في الأراضي الواقعة تحت سيطرته. 

وأعلنت الحكومة الموازية نيتها مراجعة المناهج التعليمية، كما أعلنت عن إجراءات مصرفية. 

ما يبدو إجراءات إدارية مضحكة ومعزولة هو محاولة لبناء شرعية يومية، تجعل السلطة الموازية جزءاً من تفاصيل حياة المواطنين، لا قوة عسكرية تسيطر على الأرض.

جاء موقف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد) وجامعة الدول العربية كما هو متوقع، برفض إجراءات السلطة الموازية، والتنديد المستمر بأي إجراء يهدد وحدة السودان. 

فتكرّر التحذير من المساس بهذه الوحدة في كل التصريحات، حتى في مؤتمر برلين (إبريل/ نيسان 2026) الذي أكد أهمية قيام عملية سياسية أعلن المؤتمر أن أي تسوية سياسية يجب أن تنتهي إلى دولة موحّدة. لكن الواقع العملي ربما يجبر العالم على إجراءات حذرة على الأرض.

تقف السياسة الدولية عند مفترق قول ما ينبغي قوله، برفض السلطة الموازية في نيالا، لكنها تضطر للتعامل معها سلطة أمر واقع لإيصال الغذاء والدواء إلى ملايين السودانيين. 

لا تنتظر الإغاثة انتهاء الحرب. وتجد المنظّمات الدولية نفسها مجبرةً، منذ بداية الحرب، على التفاوض والتنسيق مع من يسيطر على الأرض. الأمر الذي جلب عليها سخط السلطتين واتهامات التعاون مع العدو، لكن ما تفرضه الوقائع على الأرض يجبر السياسة الدولية على خياراتٍ لا تتسق مع ما تعلنه الدبلوماسية. وكما لا تنتظر الإغاثة، لا تنتظر المصالح. وما يمكن أن تغري به سلطة نيالا لا يختلف كثيراً عما يمكن أن تعد به سلطة الخرطوم. والجشع التجاري يغلب عقوبات المجتمع الدولي على الاستثمار في مناطق النزاع.

لم تعد الحرب السودانية تدور حول عمليات قتالية بين جيش نظامي ومليشيا، لكنها تجاوزت تنازع السلطة إلى اقتسامها. 

فبعدما فشلت "الدعم السريع" في الاحتفاظ بالعاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة الزراعية، وتعاملت معهما بمنطق الغنيمة ووليمة السلب المفتوحة، قنعت المليشيا عن الغنيمة بالاقتسام. وتراهن على تسرّب سلطتها الموازية إلى الحياة اليومية، فلا تصبح إجراءات مؤقتة أو معزولة، إنما واقع سلطوي يدير الحياة وينتج مؤسّسات موازية، بل ربما يدافع عن المواطنين من غارات السلطة العسكرية، فيكتسب شرعية الحامي، إضافة إلى شرعية سلطة الحياة اليومية. ينتج هذا واقعاً سيبدو التراجع عنه أكثر كلفة من الاستمرار فيه.

وكما يقدّم التاريخ نماذج لانتهاء سلطات موازية وتلاشيها بانتهاء الحرب، يقدّم نماذج لتحول تلك السلطات إلى دول مستقلة. 

وإن كان الشعب السوداني قد كرّر رفضه أن تكون هناك "مليشيا تحكم دولة"، لكن التاريخ قدّم نماذج لانتصار مليشيات بعد حرب استنزاف وإقامتها سلطة مركزية أو موازية تحوّلها من مليشيا شبه نظامية إلى جيش نظامي بين عشية وضحاها. 

وتنبت الرتب العسكرية الرسمية على أكتاف رجال لم يدرسوا في كليات عسكرية، لكنهم تركوا أدواتهم المدنية وحملوا السلاح. 

والأخير نموذج يغرق فيه السودان اليوم حيث تتقاسمه (مع وجود الجيش النظامي) تحالفات واسعة من المليشيات في الخرطوم ونيالا، بالتوازي مع كارتيلات الفساد التي تعتمد على العلاقات بحملة السلاح. 

كلما طال أمد الحرب ترسّخت مصالح هذه المجموعات، كما تترسّخ حقيقة المؤسّسات الموازية التي تبدو هشة اليوم، لكنها بالتأكيد أقل هشاشةً عما كانت عليه يوم أعلنت منذ شهور وأسابيع. مع مرور الوقت، الذي يبدو أن الحرب تمتلك منه الكثير، يصبح تفكيك الواقع الذي ينتجه هذا الوضع المتشابك أصعب وأكثر كلفة.

تلك هل المعضلة التي يدركها المجتمع الدولي، لكنه لا يجد لها حلاً فيما يبدو. فهو يكرّر الدعوة إلى وحدة السودان على مجموعات لا تبدو حريصة على هذا، وفي واقع لا يمكن أن ينتج إلا انفصالاً جديداً بعد انفصال جنوب السودان في 2011.

تقول الروائية بثينة العيسى في روايتها "ارتطام لم يُسمع له دويّ" (ومنه جاء عنوان هذه المقالة): "من العبث أن تلوذ بالعتمة من العتمة".. 

وما يبدو أن ما يواجه السودانيين هو عبث الفرار من الاقتتال الأهلي إلى انفصال السودان. وهو انفصال يمشي بهدوء من دون أن يصدر الضجّة التي أحدثها انفصال 2011.

السبت، 27 يونيو 2026

المعركة مع المنظّمات الدولية في السودان

 المعركة مع المنظّمات الدولية في السودان




حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


ما أن أعلن قرار المحكمة الجنائية الدولية توقيف الرئيس السوداني السابق عمر البشير، في مارس/ آذار 2008، حتى خرج مؤيدوه إلى الشوارع مندّدين بالقرار، محتفين بالرجل ولقبه "أسد أفريقيا". 

بعد ساعاتٍ، أغلقت الحكومة السودانية مكاتب 13 منظمة إغاثة دولية، وطرد العاملون فيها من الأجانب خارج البلاد.

تلك كانت منظمات تقدّم الخدمات والطعام والمعونات الصحية لملايين المتضرّرين في دارفور. 

وقتها أعلن النظام أنه سيسودن العمل الإنساني، وأن السودانيين قادرون على إعانة أنفسهم. 

وقال أسد أفريقيا إن المنظمات الدولية يمكنها ترك المساعدات الإنسانية في الميناء وسيتولى السودانيون توزيعها.

حذّرت، حينها، الأمم المتحدة من كارثة إنسانية وشيكة. وأنذرت منظمات الإغاثة أن ملايين قد يفقدون الوصول إلى الغذاء والخدمات الطبية. 

لكن المسألة لم تكن إنسانية متعلقة بالمرضى والنازحين والمتضرّرين، إنما بالسيادة والكرامة الوطنية والمؤامرات على السودان. ... 

كانت المنظّمات تتحدّث بلغة الأرقام عن المحتاجين، وكان النظام ينظر إليها باتهامٍ لأنها جزء من مؤامرة دولية تهدف لإسقاطه.

رغم مرور سنوات، وتبدّل الحكام، لا تزال علاقة الدولة السودانية بالمنظّمات الأجنبية تقوم على الاتهام والعداء. 

قبل نشوب الحرب بوقت طويل، حذّرت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أفريقيا مولي في 

من مجاعة تهدّد المنطقة، وحثت الفرقاء السودانيين على الحوار من أجل تسليم السلطة للمدنيين. 

ومنذ اندلاع الحرب في إبريل/ نيسان 2023 ظل برنامج الغذاء العالمي والأمم المتحدة يطلقان التحذير تلو الآخر من دون استجابة، وظلت أعداد الملايين المهدّدين بانعدام الأمن الغذائي تزداد. 

في 2024، وصفت تقارير برنامج الغذاء السودان بأنه يشهد أكبر أزمة نزوح في العالم. 

ثم في تقريري 2025 و2026 حذرت من مواجهة ملايين السودانيين الجوع الحادّ، ووصول بعض المناطق إلى مرحلة المجاعة.

ظلت الأصوات المؤيدة للجيش السوداني تصف هذه التحذيرات بالمبالغة والتسييس، وأنها تريد إحراج السلطة العسكرية القائمة. 

وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2025، طرد النظام العسكري الحاكم المدير القُطري لبرنامج الغذاء العالمي ومنسّقة الطوارئ في البرنامج. 

ما زالت الاتهامات المعبأة على عجل منذ عهد نظام عمر البشير صالحة، فقال النظام العسكري إن المبعدين تجاوزوا أدوارهم الإنسانية للقيام بدور سياسي.

وعلى الجانب الآخر، لا تبدو الحكومة الموازية التابعة للدعم السريع مختلفة عن شقيقتها الكبرى في الخرطوم. 

فقد تعرّضت المنظمات الإغاثية لتهديدات وقيود ومضايقات من مليشيا الدعم السريع أكثر مما فعلت حكومة الجيش. 

وأعلنت منظمة أطباء بلا حدود مرّات تعليق أنشطتها أو تقليصها لانعدام الأمن أو تدخل السلطات في عملها. ودخلت المنظّمة في نزاعات علنية مع قوات الدعم السريع أكثر من مرّة، مثلما حدث في بداية العام الجاري (2026) عندما اتهم تقرير للمنظمة المليشيا باستخدام العنف الجنسي في دارفور. 

لذلك ربما استغلت الحكومة الموازية في نيالا اتهام موظفين في المنظّمة بالاعتداء الجنسي على نازحات سودانيات في تشاد، وطردت المنظّمة ومنعت عملها في مناطق سيطرتها.

عندما تتعارض متطلبات الإغاثة مع حسابات حملة السلاح، يلجأون إلى تفسير كل شيء بالمؤامرة. ... لم يتعلم أحد من تجربة زيمبابوي عندما أوقف نظام روبرت موغابي عام 2008 عمل معظم المنظّمات الدولية واتهمها بالتدخل السياسي في الانتخابات. 

لم تلتفت السلطة الغاضبة إلى تعطّل برامج المياه والصحة والإغاثة في وقت انهيار اقتصادي حاد. 

ثم جاء تفشي وباء الكوليرا بعد أشهر ليجد بلاداً عاجزة وليس لديها من يعينها. توفي آلاف، وقالت الأمم المتحدة إن تقييد عمل المنظّمات كان أحد العوامل التي أضعفت الاستجابة لمواجهة الوباء. 

ولكن من يهتم بموت الآلاف طالما النظام ما زال على قمة السلطة. لا أهمية لعدد ضحايا الحروب أو المؤامرات أو الكوارث الطبيعية طالما نجا الحاكم.

يواجه السودان كارثة إنسانية كبرى، لا تجد استجابة متوافقة من العالم. 

لكن المنظّمات الدولية القليلة التي تنذر بالخطر، وتقدّم بعض العون للناجين من محرقة الحرب تواجه بالشك والتهديد والتضييق والمنع. 

مثلما حدث في صراع المعابر الحدودية لإدخال الإغاثة من قبل، عندما رفض قائد الجيش مرور الإغاثة إلى مناطق سيطرة "الدعم السريع"، ثم تراجع عقب أخذ ورد مع المجتمع الدولي. 

اليوم وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحرب وتزايد أعداد المحتاجين وعلو أجراس الخطر، ما زالت المنظمات الدولية تعامل على أساس أنها ذراع إنساني لمؤامرة دولية ضد البلد الذي أدمن قتال نفسه وطواحين الهواء


الجمعة، 15 مايو 2026

السودان... الحرب وخيبة الأمل

 السودان... الحرب وخيبة الأمل

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني

في نهاية عام 1898، كانت مدينة أمّ درمان، عاصمة السودان وقتها، تواجه موقفاً حرجاً. بعد 13 عاماً من نجاح الثورة المهدية ومقتل الحاكم الاستعماري الجنرال تشارلز غردون، يقترب جيش غازٍ بقيادة السردار هربرت كتشنر (سيصبح لاحقاً بارون النيل والحاكم العام للسودان، ثمّ وزير الحرب البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى، لتغرق سفينته بلغم ألماني ولا يُعثر على جثّته)، ويحتاج حاكم البلاد عبد الله التعايشي، خليفة المهدي "المنتظر"، إلى قرار حاسم. 

وانقسم رأي أهل الشورى بين القتال شمالاً وانتظار اقتراب العدو من العاصمة. 

وانتشرت نبوءة تُنسب إلى الإمام محمّد أحمد المهدي، قائد الحركة المهدية في السودان الذي تُوفِّي قبل أكثر من عقد، أنّ أنصاره سيهزمون "جردة الكفار"، ويرجعون ليصلّوا الجمعة في جامع المهدي الذي دُفن فيه. 

كانت تلك الشائعة (قيل إنّ من أطلقها جهاز استخبارات الجيش الغازي) ضمن أسباب عديدة قادت أكثر من عشرة آلاف سوداني إلى مصرعهم في تخوم مدينة أمّ درمان، يوم الجمعة 2 سبتمبر/ أيلول 1898.

كان الأمل، غير المدعوم بأيّ حقائق، حافز انتشار النبوءة التي ظنّت أن المعركة المقبلة مواجهة سريعة يرجع بعدها المقاتلون ليصلّوا الجمعة عند قبر إمامهم الذي قادهم إلى الحرّية، وحاربوا معه السلطنة العثمانية والإمبراطورية البريطانية والخديوية المصرية. 

لكنّ ما حدث أنّ المقاتلين لم يرجعوا ليصلّوا الجمعة في الجامع. جاء كتشنر ليهدم قبّة المهدي، ويخرّب الجامع، ولتخضع البلاد للحكم الاستعماري 58 عاماً.

في الأيّام التي تلت 15 إبريل/ نيسان 2023، بينما يحاول سودانيون كثيرون استعادة توازنهم لفهم ما يحدث، إذ اشتعلت الاشتباكات بين الحلفاء العسكريين السابقين (الجيش السوداني وقوات الدعم السريع)، بشّرني أكثر من صديق متحمّس بأنّ "الدعم السريع" قد ارتكبت غلطة عمرها بدخولها مواجهةً مع الجيش، وأنّها فرصة للديمقراطيين بأن يتخلّص الجيش من كابوس تعدّد الجيوش. وقتها، وكانت المعارك ما زالت محصورةً في وسط الخرطوم، بدت لي تلك الحماسة نوعاً من أمل "هزيمة الكفار وصلاة الجمعة في الجامع".

احتاج أجدادنا إلى أكثر من 40 سنة ليبنوا قبّة المهدي مرّة أخرى، وأكثر من نصف قرن ليصلّوا الجمعة في الجامع أحراراً بعد خروج المستعمِر. 

تعلّمنا الحياة أنّها ليست بهذا التفاؤل، وأنّ الحماسة لا تغني عن الواقع. الحماسة التي رأت في الحرب "فرصةً لتجاوز معضلة تعدّد الجيوش" لم تحسن حساب أثر الحرب. انقضى الشهر الأوّل من سنة رابعة للحرب، ولم نرجع لنصلّي الجمعة في الجامع. 

البلد الذي ظلّ ينافس عقوداً على صدارة القوائم الدولية للدول الأكثر هشاشةً، وغياب حكم القانون، والتضييق على حرّية الصحافة، والبلد الذي تجاوز بالكاد هزّة الثورة الشعبية ضدّ نظام حكم 30 عاماً، مشى نحو الحرب ظانّاً أنّها جولة سريعة تضعه في الطريق الصحيح. وهو تكرار لما فعله التحالف العسكري (الجيش والدعم السريع وحركات دارفور المسلّحة) في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، عندما أطاح انقلابهم المشترك الحكومة المدنية ظنّاً أنّه "تصحيح لمسار الثورة". 

في سبيل تصحيح المسار، أطلقت قوات الأمن الرصاص على المتظاهرين السلميين شهوراً. وانتهى التصحيح بالحرب المفتوحة بين الحلفاء.

الأمل في إنهاء تعدّد الجيوش لم يتحقّق. بل زادت المليشيات المسلّحة، وزاد اعتماد طرفي الحرب عليها. انقسمت البلاد بين سلطتين. الديمقراطية والانتقال المدني وتبادل السلطة ما عادت خيارات مطروحة. عن أيّ ديمقراطية تتحدّث بينما يموت الناس في المستشفيات قصفاً، وفي البيوت جوعاً؟ يأكل من كان يطالب بالحكم المدني ورق الشجر، بينما يؤكّد العسكريون، في الخرطوم ونيالا، أنّ الحرب ستستمرّ ولو مائة عام حتى يتحقّق النصر. 

خاب أيضاً الأمل، غير المبرّر، بأن يغيّر العسكريون طريقتهم في الحكم أو في خوض المعارك. 

ما تحمّس له كثيرون، ظنّاً منهم أنّها معركة سريعة، تحوّل إلى دولة منقسمة، وإلى ملايين النازحين، وتُجمع المعونات الدولية لتغيث أهل السودان.

في أكتوبر 2021، عندما اقترب موعد تسليم العسكريين رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، اخترع التحالف العسكري خلافاتٍ سياسيةً، ونظّم اعتصاماً مفبركاً موَّله قائد "الدعم السريع"، ونفّذته الحركات الدارفورية والحركة الإسلامية برعاية الأجهزة الأمنية، كما نظّم الحلف إغلاقاً للميناء البحري الرئيس للبلاد. 

اختار التحالف العسكري الانقلاب الدموي بدلاً من تسليم رئاسة السلطة. وفي إبريل 2023، انهار هذا الحلف ليقسّم البلاد ويغرقها في بحور الفوضى. وبعد انقضاء ثلاث سنوات، تبدو البلاد أبعد ممّا كانت تحلم به قبل الحرب بساعات.

لكنّ طرفي الحرب ما زالا ينتظران المجد من فوّهة البندقية، ولا يريان الدمار.

الجمعة، 13 فبراير 2026

الأجانب... المتهمون دائماً

 الأجانب... المتهمون دائماً

حمّور زيادة

شهدت جنوب أفريقيا في عام 2008 موجة عنف (تكرّرت في 2015 و2019) استهدفت الأجانب. خرجت مجموعاتٌ غاضبةٌ استهدفت الأفارقة القادمين من نيجيريا وزيمبابوي وموزمبيق وغيرها. أُحرقت المتاجر الصغيرة ونُهبت الممتلكات وقُتل العشرات. اضطر آلاف للفرار إلى مراكز إيواء مؤقّتة تحرسها الشرطة من بطش المواطنين. 

بلد عاش عقوداً تحت نظام فصل عنصري يصنّف البشر ودرجات استحقاقهم، تخلّص من النظام، ثم انقلب ضحايا الأمس إلى جلّادين لضحايا جدد. واللغة ذاتها التي استُخدمت ضدّ المواطنين في جنوب أفريقيا يُعاد استخدامها لصالحهم ضدّ آخرين.

عندنا، يتحوّل "الأجنبي" إلى تفسير جاهز لكلّ أزمة اقتصادية أو مشكلة سياسية فيبدأ خطاب كراهية الأجانب. 

سردية سهلة ومباشرة تقول إن القادم من خارج الحدود هو خطر وعبء، بل هو تهديد وجودي.

 هذه السردية لا تصف واقعاً، لكنّها تعيد تشكيله وتفسيره. 

كل أزمة تعيشها: بطالة، سوء خدمات... أي شيء، له إجابة واحدة: هم السبب، الأجانب.

لا تعتبر المواثيق والقوانين الدولية هذه المسألة رأياً سياسياً عادياً. تضع الاتفاقات الدولية، من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية إلى الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، حدوداً واضحةً للتحريض على الكراهية والتمييز والعنف، لأن التجربة الإنسانية أثبتت أن هذه الكلمات ليست بريئةً دائماً، وأنها تمهّد لأفعال سيئة. إنها التجارب التاريخية التي نرفض التعلّم منها.

في العام 1992 تعرّض مركزٌ لإيواء اللاجئين في ألمانيا لهجمات استمرّت أياماً وسط هتافات معادية للأجانب. تردّدت السلطات في التدخّل الحاسم في الساعات الأولى. لا أحد يريد التعجّل بالدفاع عن "الأجانب" أمام "أهل البلد" الذين يشعرون بتهديد وجودي من تدفّق اللاجئين. لم يكن ذلك حدثاً معزولاً، بل جاء في مناخ عام تصاعدت فيه لغة "الدفاع عن الوطن ضدّ الغرباء"، هكذا تحوّلت كراهية الأجانب والعنصرية إلى قيمة وطنية نبيلة. 

لاحقاً أدركت الحكومة الألمانية (البلد الذي تعلّم العالم كلّه درساً من تجاهل خطابات الكراهية فيه في ثلاثينيّات القرن الماضي) أن التهاون مع خطاب الكراهية الإقصائي مُكلِف، فشدّدت القوانين ووسّعت برامج مكافحة التطرّف.

الدرس البراغماتي أن كراهية الأجانب خيار سيئ ومضرّ حتى لمن يظنّون أنهم يستفيدون منه ويدافعون عن أوطانهم. المجتمعات الحديثة مجتمعات مترابطة اقتصادياً، بخلاف المجتمعات البدائية. الفجوات التي تسدّها العمالة المهاجرة في الزراعة والبناء والرعاية الصحّية تتراجع عندما يتحوّل المناخ العام إلى عداء. تفقد المجتمعات حيويتها عندما تتسمّم بخطابات عدوانية تبدأ عادة بالأجانب، ثم تنظر بريبة لمن يدافعون عنهم، ثم تنتهي بإدانة أيّ مختلف. 

في السودان، وفي واحدة من فورات كراهية الأجانب، تعرّض مواطن سوداني في الخرطوم للاعتداء ظنّاً من المهاجمين أنه وافد من بلد عربي. لون بشرة المواطن جعله متهماً. كان ذلك قبل الحرب، أمّا بعدها فخطاب التحذير من الأجانب لا ينافسه إلا خطاب التخويف من السودانيين النازحين إلى بلاد أخرى.

تتحوّل الكلفة الأخلاقية لكراهية الأجانب سريعاً إلى كلفة عملية، ففي عالم رأسمالي يُقاس كل شيء بتكاليفه المادية، وفي مجتمع يصنّف الناس وفق أصولهم أو جوازات سفرهم يتآكل الشعور العام بسيادة القانون، فهناك بعض الناس أقلّ استحقاقاً للحماية من غيرهم. فلماذا نثق أن الحماية القانونية تشمل الجميع إن كانت تتبدّل بحسب المزاج العام؟ هذه مسألة يعرفها كل عربي أو أفريقي تنقّل في دولة أوروبية بعد موجة صعود اليمين وارتفاع معدل الزينوفوبيا (كراهية الأجانب). بالضرورة، لا تحميك القوانين التي تحمي المواطن الأوروبي الأبيض، ومنزلك أو متجرك يمكن أن يتعرّض للهجوم من مواطنين أو جيران، وتقف السلطات متفرّجةً، لأن "من حقّ أهل البلد أن يخافوا عليها من الأجنبي". هذا مناخ مضرّ حتى بالوطني المتحمّس الذي يخاف على بلده من الأجنبي.

قضية الهجرة ليست بسيطةً، ويعرف الآن أكثر من 12 مليون سوداني ماذا يعني النزوح إلى مكان آخر، داخل البلاد أو خارجها. ويعرفون كيف تحوّل كراهية الأجانب حياة الباحث عن الأمان إلى جحيم. يكرّر التاريخ نمطاً سيئاً باختزال الإنسان في صفة أجنبي. 

لكن لعلّ السودانيين تعلّموا بالطريقة الصعبة أن يسألوا أنفسهم: أيُّ بلد نريد السودان أن يكون؟

بلد يقبل الآخر ويقوم على التنوع، أم بلد يقاتل بعضه بعضاً، ويرى في الأجنبي تهديداً وجودياً يجب محاربته؟

الجمعة، 12 ديسمبر 2025

لا تتركوا أحداً في قيد الحياة

 لا تتركوا أحداً في قيد الحياة

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


قضت المحكمة الجنائية الدولية بالسجن 20 عاماً على أحد قادة "الجنجويد" في السودان، بتهم عدّة متعلّقة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية. 

وجد القضاة أن علي كوشيب (القائد السابق في حرب دارفور) مدان بجرائم ارتكبها بين عامي 2003 و2004. 

وهي جرائم ضدّ المدنيين، وحرق قراهم، في عملية إبادة ضدّ القبائل غير العربية في غرب السودان، التهم ذاتها التي طاردت بسببها المحكمة الجنائية الدولية الرئيس السابق عمر البشير وعدداً من قيادات نظامه منذ عام 2008.

وصف الناجون من المذابح كيف أصدر كوشيب الأوامر بحرق القرى، وبذبح الذكور، وبالاستعباد الجنسي للنساء. 

ذكر الشهود أن علي كوشيب قال لرجاله: "لا تتركوا أحداً في قيد الحياة". 

هكذا قضى الرجل بموت مئات السودانيين بلا سبب إلا الاختلاف العرقي. لم يكونوا مقاتلين أو مصدر تهديد لأيّ أحد. كانوا مجرّد مدنيين يعيشون منذ مئات السنين في بقعةٍ نائيةٍ لا يكاد العالم يذكر وجودها. أُلقي الأطفال أحياءً في النار أمام أمّهاتهم، وبيع النساء رقيقاً. 

جرائم ممنهجة ارتُكبت ضدّ مواطني إقليم دارفور برعايةٍ وتنسيقٍ من النظام السابق، الذي راهن على ولاء القبائل العربية مقابل اتهام المدنيين من القبائل الأخرى بالولاء لمشروع صهيوني يسعى إلى إقامة دولة منفصلة في غرب السودان.

بعد نحو ربع قرن من الجرائم، يدفع أحد قادة الجنجويد الثمن، بينما ما تزال الحرب تأكل إقليم دارفور، ولم يتغيّر فيها إلا التحالفات. أصبح النظام العسكري يرى في القبائل الأفريقية (بدافع الضرورة) حليفاً ضدّ القبائل العربية التي يتهمها اليوم بالسعي إلى إقامة دولة للبدو في دارفور تنفيذاً لمشروع صهيوني، وتحوّل قادة المليشيات القبلية من مجرمين يطاردهم النظام إلى حلفاء يقاتلون جنباً إلى جنب مع الجيش السوداني ضدّ حلفائه السابقين.

لم يُعلِّق طرفا الصراع الرئيسان على الإدانة، رغم أن الجيش أكّد أكثر من مرّة أنه لا يعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، وأنها محكمة مسيّسة. 

بينما لم تُبدِ قوات الدعم السريع اهتماماً بالمحاكمة، لكنّها واصلت ارتكاب ما كانت تفعله مليشيات الجنجويد سابقاً، وأُدين به كوشيب.

لا يختلف ما تفعله قوات الدعم السريع في حرب السودان الحالية عمّا فعلته "الجنجويد"، إنما هو حلقة جديدة من الصراع العرقي في المنطقة، لكنّ الجرائم تبقى هي ذاتها. تكاد شهادات الناجين تتطابق مع ما حدث في عام 2003 وما حدث في عام 2023. في مدينة الجنينة الحدودية، تعرّض الآلاف للتطهير العرقي في يونيو/حزيران 2023 بعد أسابيع من اندلاع الحرب أخيراً. 

وبحسب محلّلين، فإن قوات الدعم السريع قد استخدمت الحرب في العاصمة الخرطوم لتشتيت الانتباه عن عملية الإبادة التي تقوم بها في إقليم دارفور، ومحاولة القضاء على القبائل الأفريقية. 

وهو ما يتكرّر مرّة أخرى منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي في مدينة الفاشر، التي صمدت أمام حصار قاتل أكثر من عام ونصف العام، لكنّها سقطت في نهاية الأمر لتواجه مذبحةً ما زال العالم يحاول إحصاء ضحاياها.

إدانة علي كوشيب الأولى متعلّقة بالانتهاكات المُرتكَبة في إقليم دارفور. وهي أول عدالة قانونية يحصل عليها بعض الضحايا الذين سقطوا في جرائم ما زال النظام السوداني ينكر حدوثها. سمحت التحوّلات السياسية بغياب المحاسبة، ليتقلّب المتقاتلون بين المواقف والتحالفات، من دون أيّ عدالة للضحايا وأسرهم. لكن كوشيب لم يكن محظوظاً مثل بقية شركائه الذين أفلتوا من العقاب حتى اليوم. لذلك ربّما يرغب كثيرون في أن يتحمّل القائد الميداني المغمور وحده جرائم الجميع في حرب دارفور، بينما يخشى آخرون أن تجرّ محاكمة الرجل آخرين ما زالوا في مواقع النفوذ. 

فالجرائم التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية يُتهم بها طرفا الحرب الحالية بعد تغيّر التحالفات. لذلك، لن يسعد النافذون في العاصمة المؤقّتة بورتسودان، أو في البديلة للمليشيا في نيالا، بإدانة الرجل الذي بقي في قيد الحياة أطول ممّا توقّع ممولوه السابقون.

غالباً لن يرى كوشيب (76 عاماً) الحرية مرّة أخرى، وستنتهي حياته خلف القضبان أوّلَ سودانيٍّ يُدان في جرائم إقليم دارفور التي بقيت بلا فاعل لربع قرن، بل إنها جرائم لا يعترف بحدوثها النظام الحاكم. لكنّها إدانة تبعث بعض الأمل بأنّ هناك عدالة ممكنة، حتى لو تأخّرت.

الجمعة، 14 نوفمبر 2025

مَن يريد هدنةً في السودان؟

مَن يريد هدنةً في السودان؟

حمّور زيادة

حمّور زيادة

 انتقلت الحرب السودانية إلى واشنطن، لتشرف الولايات المتحدة بشكل مباشر على التفاهمات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. 

حرصت الخارجية السودانية على أن تؤكّد أنها ليست في مفاوضاتٍ مع عدوّها، إنما هو حوار مع الحكومة الأميركية حول الأوضاع في السودان. 

وصعّدت الرباعية الدولية (الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات) من ضغوطها لفرض هدنة إنسانية. 

لكن ذلك كلّه لم يُجدِ، إذ رفض الجيش، مراراً، على لسان القائد العام وعدد من القيادات، ومجلس السيادة ووزارة الخارجية، أيَّ هدنة أو وقف لإطلاق النار، لكنّه أكّد أنه لا يرفض السلام.

أمّا مليشيا الدعم السريع التي أعلنت موافقتها على الهدنة حرصاً منها (كما تدّعي) على السلام، فقد واصلت انتهاكاتها في مدينة الفاشر، حتى رصدت جامعة ييل الأميركية دماء الضحايا عبر الأقمار الأصطناعية. 

كشفت الجامعة مواقع لمقابر جماعية في المدينة التي سقطت بعد حصار طويل "لقد رأينا دماءهم من الفضاء! لكنّنا عجزنا (في الأرض) عن إنقاذهم".

تقول ناجية نزحت من المدينة القتيلة لوزير المالية السوداني (الذي يقود أيضاً مليشيا مسلّحة متحالفة مع الجيش): "نخشى على الذين تركناهم خلفنا". فيقول لها الوزير: "أولئك لهم الله". لا شيء يمكن فعله لمساعدة المدنيين. فحملة السلاح لا تهمّهم هذه المعاناة. بل ربّما هي مفيدةٌ لهم. لكنّهم يتحدّثون عن السلام. يطلقون الرصاص ويتحدّثون عن السلام.

في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 1939، ألقى أدولف هتلر خطاباً بعد غزو بولندا قال فيه: "لا أرى مبرّراً لاستمرار الحرب بين ألمانيا وبريطانيا، الحرب لا تخدم إلا أعداء أوروبا". 

حتى بعد أن أرسل جيشه ليحاصر ستالينغراد، قال إنه دائماً ما كان يريد السلام، "لكنّ اليهود جرّوا إنكلترا وروسيا إلى حرب مدمّرة". 

الرجل الذي دخل التاريخ الإنساني واحداً من أبشع الطغاة والسفّاحين، ظلّ يردّد حتى لحظة حصاره في مبنى المستشارية أنه يريد "السلام"، وأن الحرب فُرِضتْ عليه. مات الطاغية وهو مؤمن بأنه كان يدافع عن بلده، وأنه لم يسعَ إلى الحرب. نحو 70 مليون إنسان كانوا ضحايا حبّ النازيين لـ"السلام". 

يعلّمنا التاريخ أنه حتى أبشع الطغاة يحارب وهو يزعم أنه يبحث عن "السلام".

في الوقت نفسه الذي يتبادل فيه طرفا الحرب قبول الهدنة ورفضها، تسعى المؤسّسات الدولية إلى محاولة إقناع الطرفَيْن بإدخال المساعدات الإنسانية بأيّ شكل. فيزور منسّق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة مدينة بورتسودان (العاصمة البديلة تحت سيطرة الجيش السوداني) ومدينة الجنينة (تحت سيطرة "الدعم السريع" بعد مذبحة كبرى). لكنّ الطرفَيْن لا يثقان بالمجتمع الدولي ولا يؤمنان بأن الإغاثة ستعين أيَّ أحدٍ إلا المتقاتلين. لذلك يسعيان لتأخير دخولها ما استطاعا. ولكن ذلك لن يستمرّ طويلاً، فقد أصبح الملفّ الإنساني هو المدخل الرئيس لعدد من المهتمّين بالملفّ السوداني، خاصةً بعد المذابح التي ارتكبتها "الدعم السريع" في مدينة الفاشر. 

جذبت جريمة الحرب هذه أنظاراً ما كانت قوات الدعم السريع تسعد لتسليطها عليها. وبدا الجيش سعيداً بها، لأنها أدانت عدوّه وقرَّبت من إعلانه منظّمةً إرهابيةً، لكنّه لم يرضَ عن الدعوات إلى وقف الحرب التي تلت الاهتمام الدولي والإدانة.

يحدث ذلك بينما لا يزال اثنان من كل ثلاثة سودانيين بحاجة إلى المساعدة، حسب تصريح منسّق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة. يرفض الجيش الاعتراف بوجود مجاعة، وترفض "الدعم السريع" الاعتراف بوجود مذابح. وينكر الطرفان أيَّ جرائمَ ممنهجة، ويزعمان أن الإدانة الدولية هي جزء من مؤامرة، وأن الجرائمَ كلّها انتهاكات فردية.

تشتكي المنظّمات الدولية من أن ما غُطِّي من حاجة المدنيين السودانيين لا يتجاوز 10%. لا تجد الإغاثة للمدنيين تمويلاً كافياً، بينما لا ينقطع السلاح عن المتقاتلين. ولا تعجز أيُّ مليشيا قَبَلية جديدة عن الحصول على تسليح كافٍ، لكن "يونيسف" (منظمة الأمم المتحدة للطفولة) تحاول عبثاً جمع تمويل كافٍ لمساعدة نحو 15 مليون طفل سوداني.

تقدّرالمنظمة الدولية عدد الأطفال السودانيين تحت سنّ خمس سنوات الذين يعانون من سوء التغذية الحادّ بأكثر من ثلاثة ملايين طفل، وارتفعت نسبة احتمال الوفيات إحدى عشرة مرّة. الهدنة التي تنقذ هؤلاء لا تفيد حملةَ السلاح، يفضلّون الدماء التي تُرى من الفضاء.

الجمعة، 8 أغسطس 2025

مليشيات بعضُها فوق بعض

 مليشيات بعضُها فوق بعض

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


يكاد يصعب حصر العدد الكلّي للمليشيات المسلّحة في السودان. 
ووصف مليشيا يطلق على أيّ قوة مسلّحة، تُشكّل خارج الجيش الرسمي للدولة، وقد ترتبط بالدولة، أو بدولة أخرى، أو بحزب، أو بقبيلة، أو بأيديولوجيا، لكنه وصف صار يستعمل أخيراً سبّةً لجهات من دون جهات. 
ومنذ نشأت "أنيانيا" في جنوب السودان عام 1955، كانت ربّما أول مليشيا شبه منظّمة تنشأ في البلد الحديث، الذي صار بعدها يدمن "الملايش".

استعانت الحكومات المتعاقبة بالمليشيات القَبلية، في غرب السودان وفي جنوبه (دولة جنوب السودان حالياً). 
وكانت ذروة ذلك في 1990، عندما حوّل نظام الحركة الإسلامية/عمر البشير الحرب المطلبية حرباً دينية جهادية، فتأسّست مليشيات الدفاع الشعبي التي كانت نواة تنظيمات شبه عسكرية أخرى خرجت من زيّها المموّه.
ثمّ جاءت الخطيئة الكبرى في دارفور، عندما قرّر نظام البشير مواجهة حالة الانفلات الأمني والاحتقان القبلي وبوادر التمرّد الظاهرة بالحلول الأمنية، ورفض القيادي في الحركة الإسلامية، علي عثمان محمّد طه، عرضاً من الأمم المتحدة لنزع فتيل أزمة الإقليم بدفع الديّات وحفر الآبار وبناء المدارس. والتزمت الأمم المتحدة بتمويل هذه الحلول. لكنّ القانوني السابق، ورجل السياسة الذي داس الشرعية والديمقراطية بالدبابات مع العسكر ليلة 30 يونيو/ حزيران 1989، قال إنها مشكلة أمنية، وستحلّ خلال أسابيع.
أصبحت هذه المشكلة هي ما يعرف في العالم بـ"الإبادة الجماعية في دارفور". ... 
سلّح النظام قوّات الجنجويد سيئة السمعة، فأحرقت القرى، واغتصبت النساء، وذبحت الأطفال، وبقرت بطون الحوامل، ودفنت الرجال أحياء. 
وعلم العالم كلّه بالمذابح، وأصبحت دارفور هولوكوست أفريقيا. 
وقال النظام إنهم يسعون إلى تكوين "دولة الزغاوة الكبرى" (قبيلة سودانية كبيرة تمتدّ بين غربي السودان وشرقي تشاد. ينحدر من فرعها التشادي الرئيس محمد كاكا ووالده الرئيس السابق إدريس دبي)، و"إنهم عملاء إسرائيل". 
ونشأت المليشيات المناوئة، إذ كُوّنت الحركات الدارفورية المسلّحة، وتواصل انقسام بعضها من بعض، حتى عزّت على الحصر.
ومن أرض الجنجويد الصخرية، نبتت شجرة الزقّوم، فأنشأ نظام البشير/ الحركة الاسلامية قوات الدعم السريع. وافتخروا باختصارها "قدس". 
وقالوا هذه علامة، فهؤلاء هم الأطهار الذين سيحرّرون القدس. وأغدق النظام على "الدعم السريع" الرتب العسكرية والعلاقات الدولية والتسليح والحماية من المساءلة. وانتدب الجيش ضبّاطه للعمل في "قدس". 
بعد حرب 15 إبريل (2023)، حدّثونا عن "دولة العطاوة الكبرى"، كانت كبرى مثل دولة الزغاوة، وأن جنود "الدعم السريع" ليسوا سودانيين، إنما هم من عرب الشتات.
قبلها، حرّض من حرّض بعد 2019، فبدأت المليشيات تظهر في شمال السودان ووسطه وشرقه، بحجّة الخوف من مليشيات غرب السودان التي أتت باسم حركات الكفاح المسلّح الموقّعة اتفاق سلام جوبا، وهو خوفٌ غير مفهوم، في وجود جيش يحكم البلاد، وتسانده قوات الدعم السريع. لكن هناك من حرّض على هذا الخوف، وشجّعه، واجتمع بالوفود القادمة من الشمال ليخوّفها من أنها مجتمعات بلا حماية، بلا مليشيا، وذهب إليها وخاطبها بأنها لا بدّ أن تراقب من يدخل عليها، فهي مجتمعات لا تتقي الغريب، ولا لها قوة لتدافع عن نفسها. ولم يسأله أحد عن الرتب العسكرية التي تزيّن كتفيه.
كم بلغ عدد المليشيات في شمال السودان ووسطه اليوم؟... 
في الشمال وحده تسيطر مليشيتان على خمس مدن، أمّا قوات درع السودان، التي نشأت ضدّ نفوذ حركات سلام جوبا، ثمّ انضمّت إلى "الدعم السريع" بعد الحرب، ثمّ عادت الى حلف الجيش بعد أكثر من عام، فهي اليوم تمثّل قطاعاً واسعاً من أهالي ولاية الجزيرة الذين صُدموا بما وقع لهم من مجازر وتنكيل لا إنساني من "الدعم السريع" بعد انسحاب الجيش، فأصبح لديهم (ربّما للمرّة الأولى) الشعور بأنهم لا يمكن أن يثقوا في أحد ليحميهم إلا من بني جلدتهم، مهما كان سابق فعله. هذا الشعور (المفهوم) سيشعر به آخرون، سيّما حين يرون حَملةَ السلاح يقودون الحكومات، في بورتسودان وفي نيالا.
قد يمكن حصر المليشيات الكبيرة في ست أو سبع مليشيات بين الطرفَين، لكن المليشيات الصغيرة المتوالدة التي تبدو نكتةً حين يعلنها فرد هزيل في مؤتمر صحافي، لا يحضره إلا بعض الأصدقاء وصحافية جاءت بها الأقدار. ليست نكتةً حين تقال في مجتمع يضجّ بالمليشيات، وينتشر فيه السلاح بلا حسيب. 
ومهما حاولت الدولة جمعه (وهي خطوة صحيحة واجبة) ستواجه تشكّك كثيرين وتخوّفهم، ما يسمح بتسرّب كثير من الأسلحة... لتستمرّ الدوامة.


الأحد، 29 يونيو 2025

حميدتي: سنغزوكم.. لكن لا تقلقوا

حميدتي: سنغزوكم.. لكن لا تقلقوا

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني

بعد مذبحة فضّ اعتصام السودانيين في الخرطوم أمام مباني قيادة الجيش، وأماكن أخرى، في 3 يونيو/ حزيران 2019، أصدر رئيس المجلس العسكري الحاكم وقتها، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قراراً بوقف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير، وتشكيل حكومة لمدة انتقالية لتشرف على الانتخابات. 

لم يخضع الشارع، وواجه قرار الجيش بحكم الفترة الانتقالية رفضاً شعبياً أجبره على العودة الى التفاوض مع القوى السياسية المدنية.

ترى القوى المدنية أن عودتها إلى التفاوض كانت ضرورية، فإن في ذلك حقناً للدماء، لأن الحل الآخر غير قبول التفاوض يعني الدخول في مواجهة مفتوحة مع المجلس العسكري. 

كما تعرّضت القوى المدنية لضغوط قوية من وسطاء إقليميين ودوليين. 

لم يكن هذا مقنعاً لكثيرين، خصوصاً القوى الشبابية التي رأت العودة إلى التفاوض وقبول الشراكة مع الجيش لم يعودا مقبوليْن بعد غدر فض الاعتصام. لكن القوى السياسية مضت في طريقها، وخاضت تفاوضاً بدعم دولي.

في تلك الأيام، فوجئ نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بحديثٍ عن دمج قواته في الجيش القومي.

لم يفهم قائد المليشيا هذا الأمر! فهو يقود مليشيا خاصة، لكنها مقننة عبر برلمان نظام عمر البشير/ الحركة الإسلامية، ولديها قانون خاص. 

حتى الرتب العسكرية التي حصل عليها، طلبها من الرئيس السابق قائلاً "نريد رتباً عسكرية مثل التي تمنحها للجنوبيين في شوالات"، مشيراً إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان.

ظلّ حميدتي دائم اللوم للقوى المدنية، ويقول إن أحداً قبلهم لم يقترح أمراً كهذا. ورفض قائد الجيش أيضاً هذه الدعوات. وهاجم مطلقيها، واتهمهم بالنوم في منازلهم آمنين، بينما تحرسهم قوات الدعم السريع! كان لافتاً أن يفخر قائد الجيش بأن مليشيا تحرس المواطنين، لا الجيش الذي يقوده!

كان حميدتي قبل الثورة السودانية قد أعلن بوضوح رؤيته نفسه والدولة. 

في 2014، انتقد رئيس حزب الأمة الصادق المهدي (آخر رئيس وزراء منتخب قبل انقلاب البشير) وضع قوات الدعم السريع، وجرائمها في دارفور التي ترتكبها باسم النظام الحاكم وبتنسيق مع الجيش. 

اعتقل المهدي مباشرة عقب هذا التصريح. 

ووقف حميدتي متفاخراً يقول لجنوده "نحن من نتحكّم في هذا البلد. نقول اعتقلوا الصادق المهدي. يعتقلوا الصادق المهدي. نقول أطلقوا سراحه. يطلقون سراحه". ثم قال كلمته التي اشتهرت لاحقاً "يوم ما الحكومة تسوي جيش تجي تكلّمنا". 

ولأنه ظنّ أن سيده القديم سيبقى إلى الأبد، صرح في يناير/ كانون الثاني 2018 "ترشيح البشير فوق راس أي زول". أي غصباً عن أي معترض. 

وفي ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه، اكتشف حميدتي أنه راهن على جوادٍ لن يعدو طويلاً. 

ومثل ما يفعل الجيش السوداني منذ الاستقلال، انقلاب، ثورة شعبية ينحني لها الجيش ويقيل قائدة الدكتاتور، ثم ينقلب مرّة أخرى على السلطة المدنية الجديدة، سارع حميدتي بالتخلي عن رئيسه و"انحاز" مع الجيش للثورة بعزل عمر البشير. 

كان هذا أقصى ما أراد الجيش والدعم السريع تحقيقه، لكن مطالب الناس كانت أكثر من ذلك.

في جلسات التفاوض التي طرحت فيها مسألة "تعدّد الجيوش"، قال حميدتي إنه سيذهب بقواته إلى الصحراء ويتمرّد. 

بعدها سيدعوه السياسيون إلى الخرطوم لتوقيع اتفاق سلام معه يمنحه سلطاتٍ أكبر! 

تحدّثت مع شهودٍ ممن سمعوا ما قال. ولا واحد منهم أحسّ أن الرجل يمزح. بل كان جادّاً. هذه هي الطريقة التي يفهمها للحكم. أثِر مشكلةً، اصمد فترة، تفاوض، احصل على السلطة التي تريد.

من المحزن طبعاً أن هذه ليست طريقة اكتشفها هو. إنما هي طريقة يعرفها الملايين من السودانيين منذ عام 1955.

لم تتغيّر أفكار حميدتي، ولا رؤيته نفسه دائمة الشعور بالظلم، فالرجل يحسب نفسه مهمّشاً، وأنه مظلوم، وغير مرغوب فيه. ويردّ ذلك كله إلى أسباب وأفكار عنصرية، فحتى في الاجتماع الذي عقده رئيس الوزراء السابق، عبد الله حمدوك، لحل الخلافات بين قائد الجيش وقائد المليشيا، والذي اتهم فيه حميدتي البرهان بأنه من دبّر محاولة اغتيال حمدوك بتفجير سيارة عند مرور موكبه، لم يفهم حميدتي لماذا لم ينحز إليه المدنيون، إنما طالبوه والبرهان بالتعقّل وتقدير عواقب الصراع بينهما. 

غادر حميدتي الاجتماع غاضباً، وكان تفسيره الوحيد لما حدث انحياز المدنيين لخصمه لأسباب عنصرية. بعد أسابيع، كان يشارك مع البرهان في انقلاب عسكري باسم "تصحيح المسار"! واعتقل عبد الله حمدوك وكل من حضروا ذلك الاجتماع.

وحتى خطابه أخيراً، يظهر فيه حميدتي مع بعض جنوده وهو يشكو الظلم والافتراء، ثم يبشّر مواطني ولاية شمال السودان بأنه سيغزوهم قريباً، ولكن لصوصاً سيكونون مع قواته لذلك عليهم آلا يقلقوا!

في تقديري، هذه أسوأ رسالة طمأنينة بُعثت منذ ابتدعت البشرية الرسائل.

الجمعة، 2 مايو 2025

مذبحة جديدة في السودان

 مذبحة جديدة في السودان

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني

ليس عاجلاً، فقد ألِفنا المذابح. في صباح الأحد 27 إبريل/ نيسان الماضي، بدأت المقاطع المصوّرة تنتشر في شبكة الإنترنت؛ مجموعة من قوات الدعم السريع تطوف بأسرى نصف عراة، شوارعَ منطقة الصالحة جنوب مدينة أم درمان، يبدو الهزال والإنهاك على الأسرى، كما أن ما بقي على أجسادهم من ثيابٍ قليلةٍ هي ثياب مدنية. 

استعرضت المليشيا عرض الرعب هذا لتخويف المواطنين، ثمّ جمعت عدداً منهم في جانب الطريق. إحدى الفيديوهات المنشورة تظهر صوت المصوّر (ثمّ ملامحه لاحقاً) وهو يهتف بزملائه "لا تجلدهم، لا تجلدهم الآن"، وعندما يبدأ زملاؤه في إطلاق الرصاص، يحوّل الكاميرا إلى وجهه ويقول: "نحن لا نجامل، لا نجامل أيّ أحد، إما نصر أو شهادة"(!)، وهي عبارة غريبة، لا معنى لها في هذا السياق والموقف.

وثقّت هذه الفيديوهات مذبحةَ منطقة الصالحة، إذ اغتالت "الدعم السريع" نحو 31 أسيراً مدنياً، بعضهم أطفال، نهاراً في الشارع في جانب طريق الأسفلت. بعدها، ظهر أحد مستشاري قائد "الدعم السريع" في الإعلام ليتبنّى الجريمة ويقول، إن الضحايا من المقاتلين التابعين لقوات البراء بن مالك (مليشيا تابعة للحركة الإسلامية تقاتل إلى جانب الجيش). ورغم أنها لم تكن الجريمة الأولى في ملفّ "الدعم السريع"، رغم جرائمها في إقليم دارفور عندما كانت يد الجيش والحزب الحاكم الباطشة، حتى المذابح التي ارتكبتها في الحرب التي دخلت عامها الثالث، إلّا أنها من المرّات القلائل التي تضاربت فيها تصريحات المليشيا، فبعد اعتراف المستشار، أصدرت "الدعم السريع" بياناً تتبرّأ فيه من الجريمة، وادّعت أنها تابعتها بقلق، وأن من ظهروا في المقاطع المصوّرة لا يتبعون لها، لكنّ قائد القوة التي نفذّت المذبحة ظهر في فيديو مسجّل متفاخراً باسمه ولقبه ورقمه العسكري، ليؤكّد أنه هو مَن أمر بها، وبرّر ذلك مرّة أخرى بأن الضحايا بعضهم مقاتلون تابعون لمليشيا البراء بن مالك، وآخرون يتبعون مليشيا درع السودان، تسلّلوا إلى مناطق سيطرة "الدعم السريع" لتنفيذ عمليات عسكرية.

لم يحاول الرجل (ذَكر أن لقبه "الأسطورة") أن يحبك روايته، لكنّه قالها بعنجهية في فورة فخره، إنه مستعدّ للذهاب إلى محكمة العدل الدولية ذاتها ليعرف منهم إن كان من حقّ الإسلاميين والمستنفرين مع الجيش "قتلهم"، وليس من حقّهم أن يفعلوا بهم المثل؟

جاء التبرّؤ المضطرب من الجريمة مع حملة إدانات محلّية ودولية. ونبّه المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، إلى التقارير عن عمليات الإعدام خارج نطاق القضاء في ولاية الخرطوم، ووصفها بالمقلقة للغاية، مشيراً إلى مقاطع فيديو مروّعة متداولة في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ما لا يقلّ عن 30 رجلاً بملابس مدنية يُعتقلون ويُعدمون على يد مسلّحين يرتدون زيَّ قوات الدعم السريع في الصالحة جنوب أم درمان. وأنه في مقطع فيديو لاحق، أقرّ قائد ميداني من قوات الدعم السريع بعمليات القتل، وأن ذلك يأتي في أعقاب تقارير صادمة أخرى في الأسابيع الماضية عن إعدام عشرات الأشخاص خارج نطاق القضاء بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع في جنوب الخرطوم، ويُزعم أن لواء البراء هو من ارتكبها. وقال تورك: "إن قتل مدني أو أي شخص لم يعد يشارك مباشرةً في الأعمال العدائية عمداً يُعد جريمة حرب".

لم تكن هذه الجريمة الأولى التي ترتكبها "الدعم السريع"، ولن تكون الأخيرة، وارتكب (وسيرتكب) كلّ حَمَلة السلاح الجرائم ذاتها بتهم مشابهة وأسباب مختلفة، يقول تورك: "لقد نبهتُ شخصياً كلاً من قادة قوات الدعم السريع والقوات المسلّحة السودانية للتداعيات الكارثية لهذه الحرب على حقوق الإنسان، هذه التداعيات الوخيمة أصبحت هي الواقع اليومي الذي يعيشه ملايين السودانيين، لقد حان الوقت (بل تأخّر كثيراً) لوقف هذا الصراع".

ما يتسرّب من تفاهمات وضغوطات وترتيبات تجري لمرحلة تجميد الحرب بحكومتَين، واحدة للجيش وحلفائه، وواحدة لقوات الدعم السريع وحلفائها، لا يحمل مؤشّرات للنجاح. وهو أمر، حتى لو نجح، فلن يكون حلّاً، ولن ينقذ عشرات الأرواح من أن تقتل كل يوم في قارعة الطريق أمام خوف المتفرّجين أو هتافاتهم. لذلك، ستظلّ الصالحة، كما ود النورة والجنينة وسوق كبكابية، وغيرها، مذابح متكرّرة، ويغذّي بعضها بعضاً. وعندما يأت اليوم الذي تقف فيه هذه الحرب، سيسألنا كل هؤلاء الضحايا "هل كان لا بدّ أن نُقتَل؟".

الجمعة، 18 أبريل 2025

الفاشر... مذبحة ينتظرها الجميع

الفاشر... مذبحة ينتظرها الجميع

حمّور زيادة
كاتب وروائي سوداني


يقول الرحّالة محمّد بن عمر التونسي (1789-1857)، في كتابه "تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان": "بيت سلطان الفور في بلده المسماة بالفاشر". وقد كان لكلّ سلطان فاشر، حتى فاشرنا التي نعرفها اليوم. 

تبدو مدينة الفاشر في التاريخ مختلفة عن المدينة التي يعرفها العالم اليوم؛ العالم الذي قبل عام ربّما لم يكن قد سمع بسلطنة قديمة في غرب دولة مدفونة بين الهامش العربي والهامش الأفريقي.

ورغم أنه في دارفور كانت المذبحة الأشهر في العالم عقوداً، إلى درجة جعلت الإقليم الملتهب والمنكوب بالمذابح الجماعية والتطهير العرقي منذ العام 2003 أشهر من السودان، لكنّ هذه الشهرة لم تُلقِ أيَّ ضوء على تاريخ المدينة والإقليم، وظلّت الصورة العامّة هي صورة نازحين امتصّهم الجوع وذبلوا من المعاناة، يرتاحون على الأرض وقد عجزوا عن الحركة، وعيونهم التي لا تكاد ترى معلّقة بالسماء تخشى الـ"أنتونوف" (طراز طائرة). 

يصفها نعوم شقير في كتابه "تاريخ السودان" (تحقيق محمّد أبو سليم، دار الجيل، بيروت، 1981) بقوله: "بلدة متّسعة قائمة على تلَّين عظيمَين، يعلوان 2350 قدماً عن سطح البحر ويخترقها خور تندلتي، أسسها السلطان عبد الرحمن وجعلها عاصمة ملكه. فصارت كرسيّ سلطنة الفور إلى اليوم".
انضمّت الفاشر إلى الدولة السودانية الوليدة على يد الزبير باشا رحمة، فأصبحت جزءاً من "السودان المصري"، ثمّ في عام 1884 وصلتها الثورة المهدية، فثار سلطان الزغاوة وشيخ الماهرية وزعماء من الزيادية وغيرهم، ووصفهم آخر حاكم للفاشر بقوله "هبّ للثورة جلّ أهل الدار من حَضَرٍ وبادية"، لكنّ عنف المحتلّ قمع الثورة، إلى حين، حتى اضطر الاحتلال لاحقاً أن يسلّم المدينة للمهدية. 

مرّت المدينة بتاريخ مثير بعد ذلك، إذ عاد إليها سليل آخر سلاطينها ليعيد إحياء مُلك أجداده بعد أن سقطت الدولة المهدية، وظلّت تلك المملكة شبه مستقلّة، تدين بالولاء إلى الباب العالي العثماني، وتدفع جزيةً لحكومة الاحتلال الثنائي في الخرطوم، وترسل الكسوةَ إلى الكعبة المشرّفة، حتى أخطأت السلطنة في تقدير الحسابات الدولية عند اندلاع الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فدعم السلطانُ علي دينار الدولةَ العثمانية، فأصبح سلطان دارفور موالياً لمحور دول المركز (الإمبراطورية الألمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية ومملكة بلغاريا)، في مواجهة قوات الحلفاء (الوفاق الثلاثي: المملكة المتحدة وأيرلندا والجمهورية الفرنسية الثالثة والإمبراطورية الروسية)، وكان التحالف الذي يقاتل ضدّ الدولة العثمانية يضمّ قوات الثورة العربية في الجزيرة العربية، إذ كانت فكرة القومية والتحرّر من الحكم التركي غالبة، فظهر موقفُ سلطان الفاشر مخالفاً للتوقّعات، لذلك دفع الرجل حياته ثمناً وهو يقاتل ضدّ دخول القوات البريطانية إلى عاصمة أجداده.
تخوضُ فاشر السلطان اليوم معركةً أخرى؛ معركة لم تُجْدِ معها نفعاً أصواتُ العقل كلّها التي ناشدت قوات الدعم السريع أن تفكّ الحصار عن المدينة، ولا نَفعت تهديدات المجتمع الدولي التي كان آخرها إدانة مجلس الأمن اعتداءات "الدعم السريع" على المدينة. 

تصرّ "الدعم السريع" على المضيّ في جريمتها، وتزعم أنها منحت السّلام فرصةً لكنّ الجيش رفض، في إشارة إلى أسابيع الحرب الأولى، التي انشغل فيها جنود المليشيا بنهب منازل الخرطوم، ومحالّها، وشركاتها، ومصانعها. في ذلك الوقت كانت مفاوضات جدّة تعقد، بينما الطيران الحربي يواصل القصف، وجنود "الدعم السريع" يستجوبون المواطنين بحثاً عن ممتلكاتهم الثمينة، وفي نهاية اليوم، يجلس كلّ طرف على كومة من الجثث، ويوجّه اتهام خرق الهدنة لخصمه.
اليوم تقتل قوات الدعم السريع مدينة الفاشر المحاصرة، وهي توجّه الاتهام للحركات المسلّحة الموجودة داخل المدينة: "إننا نقتلهم لأنهم يرفضون أن يسلمونا المدينة"، لكن كيف يستسلم الذين يعرفونَ أن مصيرهم الموت كلّهم بلا تمييز؟ مَن منهم لم يختبر قوات "الدعم السريع"، التي نكّلت بهم وبقبائلهم وبقُراهم في حماية الجيش السوداني وبالتنسيق معه، عندما كان يعتبرهم حواضن للتمرّد، أمّا مقاتلوهم فمتّهمون بأنهم "عملاء إسرائيل"، المرتزقة القادمون من تشاد، الذين سيكرّرون مأساة زنجبار. المحظوظون الذين لم يدركوا تلك الحرب عاشوا نازحين في مخيّم زمزم عند مدينة الفاشر، فتطاردهم "الدعم السريع" اليوم، وقد أصبحت العميل المرتزق القادم من تشاد ليبيد السودانيين لصالح عرب الشتات، هؤلاء عرفوا مذابح المليشيا في الجنينة، وقتلهم المساليت، خبروا هذه السكّين جيّداً، فقرّروا ألّا تدخل عليهم مرّة أخرى، لكنّ القائد الثاني لقوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، لا يفهم ذلك، يبدو مُحتاراً: "لماذا لا يسلّموننا المدينة لنقتلهم؟"
الفاشر مذبحة كبرى يعلَم الجميع أنها آتية، ولا يبدو أحدٌ مشغولاً بمنعها، كأنما هي دماء ستفيد الأطراف كلّها.