الاثنين، 3 أبريل 2017

فقه اختيار الرجال للأعمال (1)

فقه اختيار الرجال للأعمال (1)


محمد إلهامي


أنعم الله على قبيلة غِفَار برجل موهوب، طاقة متفجرة وحماسة هادرة مع فصاحة وبيان وقوة حجة، ذلك هو جندب بن جنادة المعروف في التاريخ الإسلامي بكنيته ونسبه: أبي ذر الغفاري.


عندما سمع أبو ذر بأمر النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يتأثر بالدعايات المنتشرة كما يتأثر بها ضعاف النفوس ومحدودي الثقة في أنفسهم، بل أرسل أخاه يستطلع له الخبر، إلا أن أخاه لم يأته بما أرضاه فقرر أن يقوم بهذه المهمة وحده، فخرج إلى مكة وأتى النبي (صلى الله عليه وسلم) وسمع منه، وأسلم، ثم واجه قريشا في عقر دارها بما تكره حتى ضربوه وآذوه، وما منعهم منه إلا أنه كان يملك أن يعطل مصالحهم التجارية باعتراض قوافلهم التي تمر على مساكن غِفار، ثم إنه عاد إلى بيته ودعاهم إلى الإسلام فأسلم أهل بيته منذ اليوم الأول، ثم أسلم معه نصف قبيلة غفار، مع انتظار النصف الآخر لهجرة النبي إلى المدينة، فلما هاجر النبي لحقوا به وأسلموا[2].


وهكذا تأتي قبيلة غفار في ميزان أبي ذر، الصحابي الكبير، وأحد السابقين الأولين إلى الدين، والذي قال عنه النبي (صلى الله عليه وسلم): "ما أظلت الخضراء (السماء) ولا أقلت الغبراء (الأرض) أصدق من أبي ذر"[3].


إلا أن أبا ذر على رغم ما امتلكه من هذه المواهب المؤثرة لم يتول أمر قومه في الإسلام، بل كان يؤمهم سيدهم إيماء بن رحضة، وعندما سأل النبي (صلى الله عليه وسلم): "يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها" . وفي رواية: قال له: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم"[4].


وعلى الجانب الآخر نجد أمرا عجبا، فما هو إلا قليل بعد أن أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد إلا رأيناهما قادة كبار في جيوش المسلمين على قرب العهد بالحال الأولى.


إنه فقه اختيار الرجال للأعمال..


فقه يحرم أبا ذر من الولاية على عمل مهما صغُر رغم أنه من السابقين الأولين ومن ذوي الطاقات والمواهب الدعوية، ثم يسند قيادة الجيوش إلى رجلين كانا منذ قليل في معسكر العدو.


كذلك نرى أن أبا بكر وعمر –وهما أفضل الناس بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) جندييْن في جيش يقوده الفتى ذي السبعة عشر عاما: أسامة بن زيد، فهو "خليق بالإمارة"[5].


ومن بين الصحابة اختار النبي مصعب بن عمير ليقوم بمهمة في غاية الدقة والخطورة، مهمة السفارة في المدينة، وعلى هذه المهمة يتوقف مسار الحركة كله، وكان مصعب على مستوى المهمة وفعلها، كذلك اختار النبي من بين الجميع حذيفة بن اليمان ليخترق معسكر العدو في أصعب اللحظات التي مرت على الدولة الإسلامية وفعلها بنجاح، واختار بلالَ بن رباح ليقوم بمهمة الأذان لأنه الأجمل صوتا، واختار زيد بن ثابت لتعلم اللغات، وحسان بن ثابت للمواجهة الإعلامية... وهكذا.


بل إن من الصحابة من لا نراه إلا في موقف واحد، حين تم تكليفه بمهمة، ولولاها لما كنا عرفناه، منهم عبد الله بن أنيس الجهني الذي قام بمهمة استخبارية قتل فيها خالد بن سفيان الهذلي فأجهض بذلك حربا كان يجمع لها.


لا نكاد نعرف تكليفا اختار له النبي رجلا من الناس إلا وكان الرجل على مستوى المهمة المطلوبة، ذلك أنه لم يكن اختيارا قائما على معيار التقوى والثقة، بل على معيار الكفاءة..


وقد كان هذا المعيار واضحا عند الصحابة إلى الدرجة التي راجع عمر فيها قرار النبي بإرساله كمبعوث مفاوض إلى مكة في أزمة الحديبية، فأشار عمر إلى أن عثمان أنسب منه لهذه المهمة لأن له عصبة داخل مكة تحميه إذا فشلت المساعي فيما لا عصبة لعمر، وقد كان، وعَدَل النبي عن رأيه إلى رأي عمر[6].


وتتلخص هذه الرؤية وهذا المنهج في هذا الترتيب الذي وضعه النبي (صلى الله عليه وسلم) للإمامة في الصلاة إذ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما"[7]، وفي رواية (سنا). ومعنى (سلما) أي أسبقهم إلى الإسلام.


وواضح أن الترتيب لا يراعي إلا جانب القيام بالصلاة على خير وجهها.


وعلى هذا الأساس استند الإمام الشافعي في تكوين رأيٍ يخالف ظاهر الحديث، فهو يرى أن الفقيه القليل الحفظ أولى بالإمامة من الحافظ القليل الفقه ذلك أن الفقيه أقدر على التعامل مع أي ظرف بما عنده من العلم على عكس الحافظ قليل الفقه؛ يقول: "وإنما قيل -والله أعلم- يؤمهم أقرأهم لأن من مضى من الأئمة كانوا يُسْلِمون كبارًا فيتفقهون قبل أن يقرأوا، ومن بعدهم كانوا يقرءون صغارًا قبل أن يتفقهوا، فأشبه أن يكون من كان فقيها كان إذا قرأ من القرآن شيئا أولى بالإمامة لأنه قد ينوبه في الصلاة ما يعقل كيف يفعل فيه بالفقه ولا يعلمه من لا فقه له، وإذا استووا في الفقه والقراءة أَمَّهُم أَسَنُّهم، ولو كان فيهم ذو نسب فقدموا غير ذي نسب أجزأهم وإن قدموا ذا نسب إذا اشتبهت حالهم في القراءة والفقه كان حسنا لأن الإمامة منزلة فضل"[8].


بهذا الفقه في اختيار الرجال تم بناء الدولة الإسلامية بنسختها الأمثل في عصرها الذهبي، ومن العجيب أن أولى خطوات هذه المسيرة كانت في الاستعانة بالكافر الخبير بالطريق (عبد الله بن أريقط) ليكون الدليل في الهجرة.. فهل ثمة أوضح من هذا في تقديم معيار الكفاءة في اختيار الرجال؟!


وحيث أن الأمر أمر دين، وأمر أمة سترث الكتاب وتحمل أمانة البلاغ للعالمين، فإن العهد بالمسؤوليات إلى من ليس أهلا لها من علامات الانهيار والاحتضار؛ قال (صلى الله عليه وسلم): "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، قيل: كيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"[9].


***


لا نعرف منهجا انتبه لحال الفقراء والضعفاء في المجتمع كما انتبه إليه المنهج الإسلامي، فالآيات والأحاديث لا تتوقف عند الحض على رعايتهم والبر بهم، بل إنها تصوغ رؤية جديدة لهم؛ "فَرُبَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأَبَرَّه"[10]، ومر بالنبي وصحابته رجل من أشراف الناس ثم رجل من ضعفائهم فأشار النبي إلى أن "هذا (الفقير) خير من ملء الأرض من هذا"[11]، كما أن عامة أهل الجنة من الضعفاء والمساكين[12]، بل إن لهؤلاء فضلا على جميع الأمة، فمن أجلهم يأتي الرزق والنصر من عند الله، يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "هل تُنصرون وتُرزقون بضعفائكم"[13].


ورغم هذا الوضع الجديد للفقراء والضعفاء، إلا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حين كان يختار الرجال للأعمال لم يعمد إلى اختيار الضعفاء والمساكين والفقراء، كما لم يعمد إلى اختيار الأثرياء والأغنياء باعتبار المناصب حكرا عليهم، بل إن اختياره كان قائما على أساس الكفاءة للمهمة المطلوبة بغض النظر عن التفاوت في المراتب والفضائل والدرجات عند الله.. ولم يرد مرة أن النبي عهد إلى رجل من عمل لما يمتاز به من تقوى وقرب من الله، متمنيا أن تقوم التقوى بإحلال البركة في العمل أو أن يكون الدعاء المستجاب هو الضمين بالنجاح.


لقد كان اختيار الأكفاء للأعمال منهجا مستقرا، مع الاعتراف لكل ذي فضل بفضله.


ولم يمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلا وقد كان هذا النظام في اختيار الأكفاء قد صار نظاما مستقرا، ولهذا استكملت الأمة من بعده بناء نفسها وصناعة حضارتها.. وهذا ما نتناوله في المقال القادم بإذن الله تعالى، لنرى كيف أن بناء الأمم لابد له من السير على هذا الفقه في اختيار الرجال لإدارة الأعمال.


يقول المستشرق الإنجليزي مونتجمري وات: "كان محمد رجل إدارة بارعًا؛ فكان ذا بصيرة رائعة في اختيار الرجال الذين يندبهم للمسائل الإدارية؛ إذ لن يكون للمؤسسات المتينة والسياسة الحكيمة أثر إذا كان التطبيق خاطئًا متردِّدًا، وكانت الدولة التي أَسَّسها محمد أصبحت عند وفاته مؤسسة مزدهرة، تستطيع الصمود في وجه الصدمة التي أحدثها غياب مُؤَسِّسها، ثم إذا بها بعد فترة تتلاءم مع الوضع الجديد، وتتسع بسرعة خارقة اتساعًا رائعًا"[14].


[1] باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية
[2] مسلم (2473)، (2473) – ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
[3] أحمد (6519)، والترمذي (3801)، وابن ماجه (156)، وصححه الألباني (الصحيحة - 2343).
[4] مسلم (1825)، (1826).
[5] البخاري (3524) – ترقيم: مصطفى البغا، ومسلم (2426).
[6] د. أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة السادسة 1415 هـ، 1994م. 2/ 439.
[7] مسلم (673).
[8] البيهقي: السنن الصغرى، تحقيق د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، مكتبة الدارن، المدينة المنورة، 1410هـ = 1989م. ص314
[9] البخاري (59).
[10] مسلم (2622).
[11] البخاري (4803).
[12] البخاري (4900)، ومسلم (2736).
[13] البخاري (2739).
[14] مونتجمري وات: محمد في المدينة ص511।

حديث مباشر قصصي عن (الفرص الضائعة)

حديث مباشر قصصي عن

(الفرص الضائعة)



القيصر السوري مغدورا بست وثمانين طعنة!

القيصر السوري مغدورا بست وثمانين طعنة!



أحمد عمر

تناقلت وسائل الإعلام خبرا عن قيصر جديد هرب بآلاف الصور. يقول الخبر إنه فرّ بها في جرابه. قاض سوري، هرب بآلاف الوثائق في معطفه، معطف القاضي ليس كمعطف أَكاكي أَكاكيفيتْشْ لغوغول، الذي خرج منه معظم كتاب القصة، فالمعطف السوري لا يدفئ أحدا، وها هي أشباح صاحب المعطف السوري في كل العالم وتطارد الناس على كوكب الأرض كاللعنة.

سألت عن القيصر الثاني، وكل سوري قيصر عنده أكثر من شهادة، كل سوري هو شاهد وشهيد، فقال لي رئيس تحرير وسيلة إعلامية سورية ومعارضة: إنهم بعد البحث، وجدوا أن الإعلام العالمي الذي نقل الخبر، قد أهمله فأهملوه أسوة به؟ ولو دخل الإعلام العالمي جحر ضب لدخلوه! 

يوليوس قيصر طُعن من صديقه بروتوس في الظهر، طعن يوليوس بستٍ وثلاثين طعنة، وقتها فوجئ القيصر وهو يلتفت ليجد أعزَّ أصدقائه بروتوس يطعنه، فقال قولته الخالدة: حتى أنت يا بروتوس. ولم يكن لديه وقت للبكاء سوى بدموع حمراء نزف معها روحه.

 السوري، وكل سوري قيصر، قال شكري القوتلي شيئا مثل هذا، طُعن من أكثر من ستة وثمانين صديقا، وربما أكثر، بروتوس اللبناني فرض على النازح السوري منع التجول المحدد بساعات تنفس كما في السجون، وكانت الجزيرة قد قابلت الفريق التركي الذي فحص صور القيصر الأول وبوَّبها على أقسام: الميتون تحت التعذيب بالنار، الميتون بالجوع، بالاغتصاب، بالشنق، بالخنق، بتحطيم العظام.. وتحدَّث الفريق عن الآلام والكوابيس التي عانوها وهم يصنّفون الصور. أين القيصر السوري؟

 القيصر السوري تحول إلى شبح، بل كان شبحا منذ أن سمعنا به، كُتبت عنه آلاف التقارير، وسمعه الكونغرس في جلسة سرية باطنية، تحوّل إلى طيف بسبب إهمال الغرب الإنساني، وهو يبحث عن عباءة الحرية الدافئة، فلم يجد سوى البرد. القيصر السوري تحول إلى أَكاكي أَكاكيفيتْشْ سُرق منه معطف يقيه نار البراميل.

كان النظام السوري الكافر (والكفر لغويا معناه التغطية، لكن لا بأس بالمعنى الديني أيضا، فهو كافر وكفره بواح ونكاحه سفاح) يعيش حال يوتوبيا، سورية في ولاية الأسد وراثةً، واحةً للأمن والاستقرار، لم يكن في سوريا سوى أخطاء فردية لا ترى بالعين المجردة، هناتٌ بسيطة مثل أربعين ألف ضحية في حماة، وأكثر من ألفا ومائتين في تدمر، وعدة آلاف في جسر الشغور.... رضي الرئيس الشاب، فلبس مرة قميص نص كم، فطار السوري من الفرح برؤية عورة زنوده المذهلة التي تسحر الألباب!

 ثم جاءت الثورة السورية واشتعلت حرب الإعلام، وصارت الحواجز السورية تبحث عن الموبايلات خوفاً من تسريب الصور في ذاكرة الهواتف النقالة، وصارت الجزيرة والعربية قناتين للفتنة، وأخطر من الحشيش والهرويين، واتهم الإعلام بالفبركة؛ فساعة حمص مفبركة، وحمزة الخطيب كذبة، ودرعا بألف خير وتشكر وتحمد الملاك الطاهر عاطف نجيب، وكلها مظاهرات نُفذت في قطر، بغرض تحريض الشعب السوري الطيب المسالم المرفّه، على حكامه العادلين الأنقياء البواسل من أجل ثني سورية عن المقاومة والممانعة، وإشعال جبهة الجولان التي كانت على وشك أن تشتعل لولا أحد الأمراء الخليجيين .

 وها قد مرت سنواتٌ ستٌ على سوريا، وقد دمر فيها الحرث والنسل. أمس قصف الأسد اللطامنة بالغاز، وعمل الإعلام العالمي نفسه من "بنها"، واستضافت الجزيرة مختصين بالكيمياء وتفاعلات الغاز في الشرطيين النظاميين: وهما الأمن والاستقرار، فجادلوا بأنّ تحديد نوع الغاز يحتاج إلى فريق علمي، وهم لا يعرفون من الذي قصف اللطامنة. التحقيق صعب في هذه الظروف الحرجة من تاريخ الغرب، الغرب أيضا يضر برحلة حرجة، وسيردُّ على النظام السوري في الوقت المناسب، ولا  هم يعرفون أيهما أولاً: الدجاجة أم البيضة، الأسد أم حرْق البلد؟
 تحصّلتْ آلاف الصور التي تبكي الحجر..

 ريما سيعمدون إلى وزن الصور بالكيلو، ولم تبلغ الطن بعد. الغرب يحتفي ببعض الهاربين والنازحين ويعرضهم على التلفزيونات الغربية لذرّ الرماد في العيون الوقحة، كما يفعل السيسي، فيقابل فقيرة مثل امرأة العربة، وصاحبة الحلق الحاجة زنيب، فيكفر عن كل ذنوبه بصورة وحيدة. الغرب يؤدي نفس النمرة. أمس تحدث الأمين العام للأم المتحدة عن ضرورة توفير ممر آمن لأهل الموصل، الهدف هو تفريغ الحواضر السنية من أهلها وإحلال شعب مكان شعب أسوة بإسرائيل.. ستستبدل إسرائيل الشعوب من أجل الأمن والاستقرار حولها.

 فرغت الحواضر السنية، وشُرد شعب ومُزقت أعراض، "اللوكشين" السوري جاهز لتصوير أفلام الحرب. "رأس المملوك جابر" أوصل الرسالة مكتوبة على رأسه بعد أن نبت عليها الشعر، فقطعوا رأسه جائزة له على الرسالة، ربما سيقطعون رأس القيصر السوري. الشرعية بالطنّ. لم تبلغ الوثائق الطنّ بعد. العفو الدولية تتأكد، تأكدت لكن الغرب لم يتأكد، يا لها من حكومات إنسانية..
 
  لذلك تجد صحافيين وناشطين كباراً، سعداء بفوز ريال مدريد على برشلونة أو بالعكس، والأسد يزداد شباباً، ويتناوب أمريكيون على التصريح، فريق يقول: إن مصير الأسد ليس في الأولويات، ويقول آخر: إن سورية أفضل بدون الأسد، وفريق في السعير..

 القيصر لايزال كأنه قيصر من التاريخ، كأنه سرّ الكأس المقدسة، كأنه شبح. قضى الأتراك شهوراً وهم يبكون ويعانون من تصنيف الضحايا، ويسمعون أنيهم في كوابيس الليل، لكن الغرب لم يقرر الاعتراف سياسياً بصوره بعد، ربما حتى يصير عددها ست ملايين ضحية كما في الهولوكوست. هو يكرم بعض الهاربين من السجون السورية، فيسمى شارعاً باسم أقلهم تعذيباً، من الأقليات يا روح. الغرب سيدفعنا إلى القول للأسد "منحبك"، خسئ، من يدري ربما نقول؟ 

 الحياة في برد روسيا من غير معطف موت محقق، كذلك في هذا العالم الحر الذي يتفرج على المذبحة بدم بارد مثل دم الأفعى.  

الأحد، 2 أبريل 2017

البكاء بين يدي تيران وصنافير

البكاء بين يدي تيران وصنافير

 وائل قنديل
يتلذّذ التاريخ بصفعنا، فيرحل الكابتن غزال، شاعر الأرض، وأحد مؤسسي فرقة "ولاد الأرض" في اليوم الذي يعلن فيه قضاء عبد الفتاح السيسي التنازل عن الأرض.

يموت شاعر المقاومة الشعبية، في السويس الباسلة، في اللحظة التي تعلن فيها السلطة العداء للمشاعر الشعبية.

انعقدت قمة البحر الميت وانفضّت، لتكون أولى ثمارها مستوطنة صهيونية جديدة في الأراضي الفلسطينية، وعبث بالجغرافيا المصرية، بسكّين القضاء المستعجل.

سيقول الفقهاء القانونيون، والخبراء الدستوريون، إن قرار محكمة الأمور المستعجلة المؤيد للتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير هو حكم  لا يساوي الحبر الذى كتب به، ومنعدم القيمة القانونية، والاختصاص منعقد لمجلس الدولة فقط بالفصل فى منازعات التنفيذ المتعلقة بجميع أحكامه.
سيقولون أيضاً إن نص المادة  190 من الدستور تنسف حكم القضاء المستعجل.

حسناً، سيرد السيسي بإعدام مجلس الدولة، وتمزيق جثة السلطة القضائية في الطريق العام.
مبكراً جداً، قرّر السيسي أن يسبق الجميع بخطواتٍ، في طريقه إلى كسب معركة التفريط في الأرض المصرية، فعمد إلى تجفيف كل منابع الهتاف بمصرية الجزيرتين، بدءاً من نقابة الصحافيين، وصولاً إلى مجلس الدولة، مرورا بالبرلمان.

قبل ثلاثة أشهر، كانت عملية استنحار أمين عام مجلس الدولة، المستشار وائل شلبي، بعد أن صنعوا له قضية رشوة، كانت النظرة الأولى من عين السلطة الحمراء، لمجلس الدولة الذي يرفض أن يكون مجلساً للسلطة.. 
ثم جاءت مرحلة  نحر مجلس الدولة ذاته، بسكّين البرلمان، الذي مرّر تشريعاً يمنح عبد الفتاح السيسي صلاحية التخلص من قاضي مجلس الدولة، صاحب الحكم التاريخي بالتصدّي لصفقة التنازل عن "تيران" و"صنافير"، وذلك كله في سياق عملية ترويع، أو ترويض مرفق القضاء بالكامل، عبر تشريعات "بيت السيسي" البرلماني.
وبموازاة ذلك، دارت فصول حملة اجتثاث واستئصال كل الحناجر التي صرخت يوماً ضد التنازل عن الجزيرتين، فنقابة الصحافيين جرى إخضاعها بالكامل للسلطة، وحفنة النواب الذين خرجوا عن النص بين مشلوح من البرلمان أو في طريقه إلى الشلح.
عاد السيسي من البحر الميت، منتشياً ومنتعشاً، سيما بعد أن سرى في أوصاله دفء الأرز الساخن، مجدّداً، ونال مزيداً من الرضا الصهيوني، حمله إلى عرين كفيله الأعظم، دونالد ترامب، فلا بأس من تشغيل كل الماكينات بالطاقة القصوى، من استئسادٍ على القضاء المستعصي على الترويض، واستشراسٍ في استعمال القضاء المطيع، فقبل أن تقرّر"الأمر المستعجلة" بتر تيران وصنافير من الخارطة المصرية، دارت المقصلة، لتضع رقبة الشيخ وجدي غنيم وشابين في العشرينات تحت سكين المفتي، وتؤكد وضع قيادات "الإخوان" على لوائح الكيانات الإرهابية، في تطبيقٍ مكرّر لسياسة رأس الذئب الطائر، بوصفها رسالةً لكل من يجرؤ على المعارضة بعد الآن.

منذ البداية، بحّت أصواتنا تقول إن قضية جزيرتي تيران وصنافير هي قضية المواطن في الفضاء العام الفسيح، ومن ثم كان الخطأ القاتل  استدراجها  إلى مقابر الأحزاب المهجورة، لتتحول من قضية شارعٍ يغلي إلى مسرحية  أحزابٍ مجمدة، ومعبأة في أكياس النظام.
كانت، ولا تزال، قضية شابة، مجالها الحيوي نضال في الشارع، على رأسه سياسي شاب، هو خالد علي، لكن عجائز السياسة هبطوا عليها وسحبوها إلى مقار الأحزاب، المعتمة، ثم سلموها للنظام، وكانت نقطة التحول الكبرى، أو إعلان وفاة الحضور الجماهيري في الموضوع، في يوم 14يناير/ كانون ثاني الماضي، لمّا توجهوا إلى النظام، باستئذانه، واستسماحه، في"تظاهرة برخصة" في محيط مجلس الوزراء، غير أن قضاء النظام رفض، وقال إنه يسمح بالتظاهر، فقط، في المسافة بين مشرحة الموتى في منطقة زينهم وسجن القلعة من ناحية، وسجن العقرب المخيف، من ناحية ثالثة، في حديقة الفسطاط، وبالطبع لم يذهب أحد، أو بالأحرى، لم يستشعر أحد جدية النخب السياسية في استدعائه معركةً وطنيةً محترمة.
مرة أخرى، مشكلتك ليست مع السعودية، أو الشعب السعودي، مشكلتك مع حاكم لم يؤد الأمانة، ولم يعرف للوطن، أو للدم، حرمة، ولم يقم اعتباراً للتاريخ والجغرافيا والوثائق وحكم القضاء وأبجدية الضمير الوطني.

هذا ما كنت سأعمله لو كنت صاحب قرار في الإخوان




هذا ما كنت سأعمله لو كنت صاحب قرار في الإخوان

د.عزام التـميمي

كان حدث مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في الأردن في انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 1989 حدثا في غاية الأهمية. 

وكانت تلك الانتخابات فريدة من نوعها في تاريخ المملكة الأردنية الهاشمية لأنها كانت تقريبا الانتخابات الوحيدة التي تتسم بالنزاهة والحرية، ولم يكن لها مثيل من قبل ولا من بعد. 

أسفرت الانتخابات عن فوز 22 من المرشحين الستة والعشرين الذين تقدمت بهم الجماعة، يضاف إليهم ما لا يقل عن عشرة نواب يحسبون بشكل أو بآخر على التيار الإسلامي العريض في البلاد. 

اختار الإخوان زعيما لكتلتهم النيابية الدكتور عبد اللطيف عربيات، الذي لم أكن قد التقيته من قبل، ولم أعرف عنه الكثير، وبالتأكيد لم يكن يعرفني ولا يسمع بي. 

وكان الفضل في وصلنا ببعض للأستاذ زياد أبو غنيمة رحمه الله، الذي كنت قد التقيته صدفة في لندن بعد حدث الانتخابات المشار إليه، فلما عاد إلى عمان وعلم برغبة الإخوان في إنشاء مكتب لكتلتهم النيابية، بادر إلى ترشيحي لدى الدكتور عبد اللطيف عربيات لأكون مديرا لذلك المكتب، لما توسم في من قدرات أهمها ما اجتمع لدي من خبرة في مجال الإعلام والعلاقات العامة، ومهارات الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وبالعكس. 

اتصل بي د. عبد اللطيف وطلب مقابلتي، واتفقنا مباشرة، والتحقت به مديرا للمكتب الذي أسسناه وأثثناه معا. 

قصة تجربتي في العمل مع الكتلة النيابية للإخوان المسلمين طويلة، وقد يتسنى سردها في فرصة أخرى، إلا أن ما يهمني هنا هو أن تطورات الأحداث والتفاعلات داخل الجماعة، اضطرتني بعد ما يقرب من عامين إلى الاستقالة، والسفر إلى لندن لاستكمال الدراسة العليا. 

وجاء ذلك بعد أن تأسست جبهة العمل الإسلامي، التي كان من المفروض أن تكون الواجهة السياسية للإخوان، والحزب الذي يخوض معترك العمل السياسي نيابة عنهم. 

لم يكتب لمشروع الجبهة أدنى درجات التوفيق، فقد تراجع الانفتاح السياسي في البلاد، وهمشت الديمقراطية، وتوجه النظام نحو ضبط الانتخابات من خلال تشريعات تحول دون حصول أي حزب سياسي على عدد من المقاعد يخل بالتوازنات التي أراد النظام الملكي الحفاظ عليها. 

إلا أن هذه الأسباب القاهرة لم تكن الوحيدة التي أدت إلى فشل مشروع الجبهة، بل كانت الخلافات الداخلية عامل تقويض مهم، خاصة فيما يتعلق بالصلاحيات والمرجعيات، ورغبة البعض في إبقاء الجبهة خاضعة لصانع القرار في "المركز العام" للإخوان. 

تركت كل ذلك، وانتقلت إلى بريطانيا، حيث عكفت على إعداد أطروحة في موضوع الإسلام والديمقراطية والعقبات التي تعترض التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، مسلطا الضوء على تجربة حركة النهضة التونسية، وفكر راشد الغنوشي كحالة دراسية. 

عدت بعد سنوات إلى الأردن، وذهبت لزيارة مكتب جبهة العمل الإسلامي، الذي انبثق عن مكتب نواب الحركة الإسلامية. 

كانت سمات التردي والتراجع بادية في كل شيء، ولا أدل عليها من أن الشخص الذي كان حينها مكلفا بإدارة المكتب -أي يشغل نفس الوظيفة التي كنت أول من شغلها- هو الشاب الذي أرسله إلى الإخوان عندما كنت مديرا لأكلفه بمهام إعداد وتقديم القهوة والشاي لمن يتردد علينا من النواب أو الضيوف. 

لست أقلل من قيمة الأخ، ولعله عند الله خير مني وأكرم، ولكن فرقا هائلا وبونا شاسعا يفصل بين مؤهلات من يطلب منه إدارة مكتب حزب سياسي ومؤهلات من يطلب منه تقديم الضيافة لرواد ذلك المكتب. 

تذكرت هذه القصة وأنا أتأمل فيما آلت إليه أحوال مكتب الإخوان المسلمين في منطقة كريكلوود في لندن، ذلك المكتب الذي كان في الأساس بمثابة مقر لأمانة عامة لما كان يعرف بالتنظيم الدولي، مهمته بالدرجة الأولى الترتيب لاجتماعات التنظيم، من حيث إجراءات سفر واستقبال المندوبين، وما يتعلق بأمور إقامتهم وضيافتهم أثناء وجودهم في لندن أو حيث يعقد اللقاء. 

لم يكن يصدر عن هذا المكتب إلا النزر القليل مما يمكن أن يهتم له أحد في وسائل الإعلام أو الوسط السياسي. 

وما صدرت عنه فيما بعد من نشرة مطبوعة ثم إلكترونية تعرف باسم "رسالة الإخوان" كانت جهدا متواضعا، لا يضر وإن كانت فائدته محدودة، ولعل بعضنا كان يعتبره اجتهادا أدبيا مشكورا، رغم ضعفه وعدم اكتراث كثير من الناس به، لمن يشكلون طاقم مكتب الخدمات هذا.  

جاءت أحداث الربيع العربي، ثم الثورة المضادة، ثم الأزمة الحادة داخل جماعة الإخوان المسلمين، فإذا بمن كانت مهمته يوما ما ترتيب الضيافة وإجراءات السفر والاستقبال يتصدر المشهد، ويصدر القرارات الحاسمة الفاصلة، وينشر البيانات ويوجه الرسائل، وينطق باسم أكبر جماعة إسلامية إصلاحية عرفها التاريخ المعاصر، رغم أن أوجه القصور في قدراته ومؤهلاته لا يتسع المجال هنا لسردها. 

ولعل هذا ما ساهم مساهمة فاعلة في تعميق الصدع داخل الجماعة، وفي إطلاق العنان للشامتين والمتربصين بالإخوان، بل وشجع أعدادا من المحبطين واليائسين على اللجوء إلى معاول الهدم ليأتوا بها على ما تبقى من احترام وقيمة وتقدير لهذه الحركة المنتشرة حول العالم. 

ولقد كانت الرسالة التي وجهت إلى مؤتمر القمة العربية في عمان وما تلاها من تصريحات وبيانات ركيكة ومتهافتة ومنبطحة ومناقضة لفكر الجماعة ومنهجها القشة التي قصمت ظهر البعير، وكشفت عورة مكتب كريكلوود ومحدودية قدرات وتواضع مؤهلات القائمين عليه. 

لقد قامت جماعة الإخوان المسلمين على فكرة، وما من شك في أن الفكرة نبيلة وجميلة وطموحة، وهي أن نهضة أمتنا وصلاح حالها لا يكون إلا بالإسلام، وأن إصلاح أحوالنا يبدأ بالفرد فالأسرة فالمجتمع فالدولة، وأن عملية الإصلاح داخل مجتمعاتنا لا تتم إلا بنهج سلمي طويل النفس وطويل المدى، ينتهي بإرادة الله إلى إعادة الاعتبار لشرع الله تعالى وللحكم الشوري الذي أسست له الخلافة الراشدة. 

إلا أن الفكرة اليوم لا تجد من يخدمها كما ينبغي بسبب ما تعرضت له الجماعة من ضربات قاصمة متتالية، وما آلت إليه أوضاعها من أحوال من التشظي والتشاحن والتدابر والتنافس بين أبناء الجماعة الواحدة. والأمر يتطلب إلى علاج سريع، وإلى جرأة وإقدام. 

لو كنت صاحب قرار في جماعة الإخوان المسلمين لأمرت بادئ ذي بدء بما يلي:

1) إغلاق مكتب كريكلوود في لندن، وإعفاء جميع من فيه من أي مهام كلفوا بها من قبل، أو نصبوا أنفسهم للقيام بها من بعد. 

2) إلغاء القرارات كافة التي صدرت عن أي جهة تدعي النطق باسم القيادة، ونجم عنها فصل أو تجميد أو غير ذلك من العقوبات بحق أي عضو من أعضاء الجماعة منذ الانقلاب العسكري الغاشم في مصر في تموز/ يوليو 2013. 

3) حظر احتكار أي عمل أو نشاط أو مبادرة أو جهد يخدم الفكرة التي قامت من أجلها الجماعة، والإعلان بأن هذه الأعمال أو النشاطات أو المبادرات أو الجهود مرحب بها فرديا وجماعيا وفي كل الميادين والساحات، ومن يوفق تجني الجماعة ثمار نجاحه ومن يخفق فلن يضرها إخفاقه، ولكل مجتهد نصيب. 

4) الدعوة إلى البدء بإجراءات عملية لرأب الصدع ولم الشمل ورص الصفوف حتى تستعيد الجماعة عافيتها وتستأنف جهادها وتؤدي رسالتها.

( فرصة ذهبية .. هل يغتنمها الاسلاميون ..؟ )..


( فرصة ذهبية .. هل يغتنمها الاسلاميون ..؟ )..

د.عبدالعزيز كامل
لأن تعظيم شعائر الله بإقامة شرائعه يحتاج منا إلى برهان؛ يُدلل على ما وَقَرَ في القلوب من الإيمان، فقد قال الله تعالى: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب } [الحج :32]..

ومن شعائر الله الواجب احترامها والوقوف عندها؛ تعظيم الأشهر الحُرُم، ومن تعظيمها الابتعاد عن المظالم كلها، سواءً ما كان منها يتعلق بحدود الله التي من تعداها فقد ظلم نفسه، أو ما يتعلق بحقوق العباد التي بتخطيها يجلب الانسان على نفسه الخطايا ويستنزل البلايا ، فالإنسان الذي يُبتلى بنوع من الظلم فيرد بأنواع أشنع من الظلم؛ يُنشئ حالة من تبادل المظالم تنتهك بها المحارم، ولهذا قال الله تعالى « يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلتُه بينكم مُحرمًا، فلا تَظَالموا » ( رواه مسلم/ 2577).

ومن أعظم المظالم ما يقع بين كثير من عوام المسلمين من إطلاق الألسن في الأعراض والنوايا، بعد التنقيب عن الأسرار والسرائر والطوايا، بدعوى رد الاعتبار أو النصيحة، أو قول الحق ولو كان مُرًا.. !.. وأَمَرُّ وأقبح من فعلهم هذا الناشئ عن جهلهم ؛ ما يكون بين بعض الدعاة الذين يُفترض أنهم قدوة لهم، حيث يتورع بعضهم أو يتبرع بكف لسانه عن أكابر المجرمين ؛ في حين يطلقه في أعراض وسِيَر من يخالفونه من إخوانه المسلمين.. 
فيستحل أذاهم ويستبيح حرمتهم التي هي أعظم من الكعبة حرمة، وانتهاكها أشد جُرمًا ..

عاقبة إطلاق اللسان في المسلمين من أكبر موارد البوار الموصل للنار؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ - رضي الله عنه - وهو مَنْ هو؛ ورعًا وحرصًا وتُقىً : «كُفَّ عليك هذا؛ وأشار إلى لسانه». قال: يا نبيَّ الله ! وإِنَّا لَمُؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ( ثكِلتك أمُّك.. وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم ) (أخرجه الترمذي /2616) وصححه الألباني في (صحيح الترغيب والترهيب / 2866).

دعانا الله تعالى في الأشهر الحُرُم أن نكُفَّ عن ظلم أنفسنا، ونصون قلوبنا وألسنتنا وأيدينا عن الخوض في أذى بعضنا، إذ المؤمنون كنفسٍ واحدة، قال سبحانه : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )(التوبة/36) فالأشهر الحُرُم التي نعيش أوْلها - وهو شهر رجب – أوجب الله تعظيمها وحفظ حُرمتها، بحفظ حدوده وحقوق عباده فيها.. ولا يكون ذلك - بعد بتقواه والتوبة إليه – إلا بإفراغ الضمائر من الضغائن، والقلوب من الأحقاد، وكف الألسن عن الأذى..

كثيرٌ مما يدور في المجالس ويُتداول على صفحات (التواصل) الاجتماعي بين بعض الإسلاميين؛ يؤول إلى (تقاطع) اجتماعي .. فردي وجماعي، ولا يعدو وصفه في كثير من الأحيان أن يكون من (التحريش) الذي يُرضي الشيطان ويُغضب الرحمن، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم - ( إن الشيطان قد أيِسَ أن يعبده المُصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم) ( رواه مسلم/2812) يعني : يئس أن يتحقق مُناه في إجماع أهل الجزيرة العربية على عبادته ؛ ولكنه رضي عوضًا عن ذلك بالتحريش بين المسلمين بالخصومات والشحناء والحروب والفتن .

(رجب).. فرصة ذهبية كبيرة، في مهلة زمنية قصيرة، يمكن استغلالها في نزع الغل من الصدور، وتبريد القلوب التي تفور كالقدور، وهي فرصة تجيء على صورة فريضة شرعية، يزيد من فرضيتها ما يعانيه أهل الإسلام من ضرر واقع وضرورات واقعية... تدعونا جميعًا.. أن نعتصم بحبل الله جميعًا.. وأن نتقي الله في بعضنا بعضًا، فيكُف بعضنا عن بعض، ويتفرغ بعضنا للبحث في سبل الإصلاح بين بعضنا البعض.. (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (10الحجرات/ 10)..
نريد أن نتراحم فيما بيننا...حتى يرحمنا الله، فلا يُسلِّط علينا مزيد البلاء من صنوف الأعداء... فاعرضوا – أيها الأكارم – وفكِّروا في المقترحات والمبادرات؛ لبدء مرحلة جديدة في تطبيق ما يعرفه الجميع من أبجديات (فقه الوِفاق)..بدلًا من المُضي في تيه أنفاق الاختلاف والتظالم والشقاق...

السبت، 1 أبريل 2017

يحيا العرب في البحر الميت

يحيا العرب في البحر الميت



على وقع انعقاد القمة العربية في الأردنعلى البحر الميت، وقفت الشعوب الحية، تتطلع إلى قمة للأمة.. لا قمة قياس التوازنات الداخلية، وتفقد الحضور والغياب.. ولا قمة استقبال الوارثين وتوريث المقبلين، ولا قمة رحماء على الأعداء، أشداء فيما بينهم.
يتطلع الشعب إلى المشهد، على أمل أن تصبح الجامعة العربية فاعلة، بعد أن تمسحت جلودها وجلودنا على ضربات الأعداء، بينما نلطم الوجوه ونحن بكامل أناقتنا الغربية، نرتشف الذل في فنجان قهوة عربية.
غير بعيد عن مكان انعقاد القمة، وتحديدا في مدينة الخليل الفلسطينية، فرقة من جيش الاحتلال الإسرائيلي بكامل عديدها وعدتها، تلقي القبض على مطلوب خطير.. سفيان أبو حطة، طفل فلسطيني دون التسعة أعوام.. أعزل حتى من ألعابه، تهمته ورود معلومات تجسسية عن إلقائه الحجارة على مستوطنة مجاورة لمنزل ذويه في مدينة الخليل.
وتعتبر مصادر أمنية إسرائيلية أن الصبي الفلسطيني مشتبه فيه بارتكاب عدد من الجرائم، بينها إلقاء الحجارة وقنبلة مولوتوف على مستوطنة كريات أربع المجاورة، يعني إذا كان هذا الطفل يرعب إسرائيل، كيف لو كنا على مستوى الأمة والقمة؟
دقيقة صمتعندما وقف مجلس الأمن الدولي دقيقة صمت هذا الأسبوع، ظن العالم أنه يفعل ذلك حدادا على أرواح مئتين وثلاثين شخصا قتلوا، غالبيتهم من النساء والأطفال، في قصف جوي إجرامي لطائرات التحالف الدولي، استهدف منازل عدة بمدينة الموصل.
لكن حظ هؤلاء عند مجلس الأمن تعيس، فقد تزامن قتلهم مع سقوط أربعة قتلى في عملية إرهابية، وقعت في لندن في اليوم نفسه، فهل تريدون من الغرب أن يترك أربعة قتلى، ليتلهى بمئتين وثلاثين هو قتلهم؟
لاحقا، أعلن الجيش الأميركي أن قصفه الموقع جاء بناء على طلب عراقي.
راعي الرعية، رئيس الوزراء حيدر العبادي، كان قد طلب في تصريح رسمي سابق من أهالي الموصل البقاء في منازلهم من أجل حمايتهم.. فجاءت الحماية بالصواريخ الأميركية.. أليس الموت لأميركا كما يهتفون. 
نبش القبوربعد نبشها القبور وتمثيلها بجثث أعدائها وتعليقها على الأسوار وجرها في شوارع بنغازي، يحاول أحمد المسماري المتحدث باسم قوات خليفة حفتر تخفيف حدة الجريمة باستحضار موسوليني والقذافي وسجن بوغريب.
آمر القوات الخاصة بكتائب حفتر، ونيس بوخمادة، عالج الموضوع ببُعد نفسي، فالمقاتلون عنده لم يحصلوا على إجازات من المعارك.
إعلام مصرعندما يسكت البرلمان يحضر الإعلام ليكون صوت المواطن المدافع عن السلطة.
بعدما سخّروا الدين للسياسة والفن والثقافة وحتى الشعوذة.. جديد الإعلام، مفسرة أحلام تلفزيونية، تجمع ما يُروى عليها من أحلام المتصلين، لتتوصل إلى أن السيسي ستتمدد رئاسته.
وكأنها تسخر من الأوضاع الصعبة للناس، نائبة مصرية تقول إن معيشة المصريين أفضل من معيشة الأوروبيين والأميركيين، الذين يشترون الموز بالحبة، بينما نحن نشتريه بالكيلوغرامات.
المرأة المصرية حاضرة بقوة في عهد السيسي.. لكن بعض المعارضة تعتبر أن حضور المرأة هو للاستهلاك المخابراتي.
إذا كان رب البيت بالدُف ضاربا، فلتُقدّم الراقصة سما المصري، برنامجها الديني في رمضان، الذي أعلنت أنها ستستضيف فيه علماء الأزهر الشريف.
سما المصري تفاجئ محاورتها بأنها "مش مقتنعة خالص" بأن تقدم برنامجا دينيا.. لكن القناة أقنعتها بأنها ستكون مادة تسويقية مربحة.
ولماذا لا تقدم سما المصري برنامجا دينيا، "هو كل يلي بيطلعوا على التلفزيون ببرامج دينية أفضل منها؟".