الجمعة، 11 سبتمبر 2026

فقه الابتلاء في زمن المحن.. الصبر وترميم الإنسان

فقه الابتلاء في زمن المحن.. الصبر وترميم الإنسان




الحمد لله الذي جعل الصبر عونًا لعباده على مشاق الطريق، ووعد الصابرين بصلواته ورحمته وهدايته، وربط بين الإيمان به والقيام بحقوق خلقه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي عرف الحزن والفقد والأذى، فبكى ولم يجزع، وصبر ولم يستسلم، وتوكل ولم يعطل الأسباب، ورحم المكلوم، ونصر المظلوم، وحمل أصحابه على التراحم والتناصر والتكافل، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.


فليس الابتلاء شأنًا يخص المبتلى وحده، ولا امتحانًا مغلقًا بين الإنسان وربه تنتهي مسؤولية الآخرين تجاهه عند الدعاء له أو تذكيره بفضيلة الصبر، فالمحنة في التصور الإسلامي تكشف في الوقت نفسه معدنَ مَن نزلت به، ومعدنَ من وقف حوله، تَختبر المريضَ في احتماله، والطبيبَ في مداواته، والفقيرَ في صبره، والغنيَّ في بذله، والمظلومَ في ثباته، والقادر في نصرته، واليتيم في فقده، والمجتمع في كفالته؛ ولهذا فإن فقه الابتلاء لا يكتمل بالسؤال عن واجب المصاب وحده، وإنما يكتمل بالسؤال عن واجب الأمة تجاهه؛ لأن الشريعة التي أمرت المبتلى بالصبر أمرت القادر بالنصرة، والتي فتحت للمكلوم أبوابَ الرجاء فتحت لمن حوله أبواب الرحمة والإغاثة ورفع الضرر.


وتبدو الحاجة إلى هذا الفقه أشد ما تكون في زمن تتكاثر فيه مشاهدُ الفقد والنزوح والحصار والحرب، وتثقل على الإنسان أوجاعٌ تتجاوز خسارة المال والبيت إلى فقد الأحبة وانهدام الشعور بالأمان واضطراب النفس وانكسار القدرة على استئناف الحياة، فلا يكفي أمام هذه المحن خطابٌ يحفظ للمبتلى آخرتَه ولا يُعينه على دنياه، كما لا يكفي أن نحدثه عن الأجر ونترك جرحه بلا دواء، أو نطالبه بالاحتساب ونترك طفله بلا مأوى، أو نذكره بالتوكل وننسى أن التوكل نفسه لا ينفصل عن الأخذ بالأسباب؛ 
ومن هنا تتكاملُ في الرؤية الشرعية وظيفتان عظيمتان: 
ترميم الإنسان المبتلى بالصبر والإيمان والرحمة والأخذ بالأسباب، وتحريك الأمة من التعاطف مع آلامه إلى تحمل مسؤوليتها في دفع البلاء ونصر المظلوم


أولًا: فقه الصبر وترميم الإنسان المبتلى:

الصبر هو القوة التي تحفظ الإنسان داخل المحنة، وتحول بين البلاء وبين أن يستولي على قلبه وعقله وإرادته، غير أن هذا المفهوم الجليل تعرّض في بعض الخطابات للاختزال وسوء الاستعمال، حتى صار عند قوم مرادفًا للسكوت، وعند آخرين اسمًا للاستسلام، وربما استدعي في وجه المظلوم ليكف عن المطالبة بحقه، وفي وجه المقهور ليقبل قهره، وفي وجه المنكوب ليكتم ألمُه، مع أن الصبر في بنائه القرآني أوسعُ وأقوى من ذلك كله، فهو ثباتُ النفس على مقتضى الإيمان، وحبسُها عما يُسخط الله، وحفظ قدرتها على أداء واجبها مهما اشتدت عليها وطأةُ المحنة.


والقرآن حين أمر بالصبر لم يضعه في سياق السكون، وإنما قرنه بالمصابرة والمرابطة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200)، فالصبر هنا قوةٌ بقاء، والمصابرة قدرةٌ على مغالبة ما يريد كسر الإرادة، والمرابطةُ يقظة واستعداد وثبات؛ ولهذا جرى العلماء على تقسيم الصبر إلى: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة.


قال ابن القيم: «الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤدّيَها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقعَ فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخّطَها»(1)؛ وهي أقسام تكشف أن الصبر ليس انسحابًا من الحياة، وإنما طاقة إيمانية وأخلاقية تحرس الإنسان في علاقته بربه ونفسه والناس.


وقد أفاض ابن القيم في بيان منزلة الصبر، وقرر أن حاجة العبد إليه لا تنقطع في حال من أحواله، وأن الإيمان يقوم على الصبر والشكر(2)، وليس معنى الصبر إلغاء الألم أو تعطيل المشاعر، فالإنسان المؤمن يتألم، ويحزن، ويبكي، ويشتاق إلى من فقد، وقد يضيق صدرُه بثقل المصيبة، ولا يناقض شيءٌ من ذلك حقيقةَ الصبر ما دام القلبُ لم يسخط على الله، واللسان لم يتجاوز حد العبودية، والجوارح لم تنطلق إلى ما حرم الله.


ولهذا يقدم القرآنُ يعقوبَ عليه السلام نموذجًا بالغَ الإنسانية في فهم العلاقة بين الصبر والحزن، فقد بلغ به فقْدُ يوسفَ مبلغًا قال الله فيه: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: 84)، ومع هذا الحزن العميق كان يقول: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (يوسف: 18)، ثم قال: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) (يوسف: 86).


فاجتمع في قلب نبي واحد الحزنُ والصبر، والدمعُ والرجاء، والافتقارُ إلى الله والثقة به؛ وفي ذلك تصحيحٌ للخطاب الذي يتعامل مع دمعة المبتلى كأنها نقصٌ في يقينه، أو مع حديثه عن ألمه كأنه اعتراضٌ على ربه، فالشكوى إلى الله عبودية وافتقار، وإنما المذموم أن تتحول الشكوى من الله إلى اتهام لحكمته أو يأسٍ من رحمته.


وهذا هدْيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقد دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه تذرفان، فلما تعجّب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم قال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»(3)؛ فكانت النبوة في أسمى درجاتها لا تُلغي الدمع، وكان كمالُ اليقين لا يلغي الحزن؛ لأن الإسلام لا يريد إنسانًا حَجَريَّ المشاعر، وإنما يريد قلبًا يشعر بالألم كله دون أن يَفقد في قلب الألم صلتَه بالله تعالى.


ومن هنا يظهر الخطأُ في مطالبة ضحايا الحروب والكوارث بأن يتجاوزوا أحزانَهم سريعًا تحت عنوان الصبر، فالمرأة التي فقدت زوجها وأبناءها، والطفل الذي استيقظ فلم يجد بيته ولا أسرته، واللاجئ الذي ترك وطنًا تشكلت فيه ذكرياته، والجريح الذي فقد عضوًا من جسده، لا يحتاجون إلى مواعظ باردة تُلغي إنسانيتهم، وإنما يحتاجون أولًا إلى رحمة تحتضن الألم، وأذن تسمع الشكوى، ويد تمسح الدمع، وبيئة آمنة تستعيد معها النفسُ بعضَ توازنها، ثم يأتي الخطابُ الإيماني ليضيء داخل هذا الألم معنى الرجاء، لا ليطالب صاحبه بإنكار ما يشعر به.


والسُّنة النبوية حين تقرر أنه «إنما الصبر عند الصدمة الأولى»(4)، لا تطلب من الإنسان ألا يتألم ساعةَ الصدمة، وإنما تُعلمه ألا يُسلّم زمامَ نفسِه لها، وقد بين الإمام النووي أن الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل هو ما يكون عند مفاجأة المصيبة وحرارتها؛ لأن المشقة عندئذ أشد، أما بعد طول الأيام فإن حرارة المصيبة تخف بطبعها(5).


علامات صحة الصبر
وللصبر الصحيح علاماتٌ عملية لا تقف عند حدود الشعور الباطني، أولها أن تبقى صلة العبد بربه قائمة فلا تحمل المصيبة قلبه على القنوط من رحمته، وثانيها حفظ اللسان عن السخط والاعتراض، وثالثها استمرار الأخذ بالأسباب الممكنة، ورابعها ألا يتحول الألم إلى ذريعة لتعطيل الحياة، وخامسها ألا يدفع الظلم المظلوم إلى ظلم من لا ذنب له، وسادسها ألا تفسد المحنة دين الإنسان وأخلاقه، وسابعها أن يبقى الرجاء حيًا مهما اشتدت ظلمة اللحظة؛ ولهذا قال سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة: 45)، فجعل الصبر موردًا للاستعانة على الحياة، لا وصفًا للعجز عنها.


ويجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الرؤية في قوله: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له»(6)؛ وليس في الحديث أن الضرر محبوبٌ لذاته، ولا أن القتل والفقد والمرض والفقر خيراتٌ في أنفسها، وإنما فيه أن الإيمان يمنح الإنسانَ قدرة على استخراج الخير من قلب ما يؤلمه، فالخير في الاستجابة التي تحول النعمة إلى شكر، والمصيبة إلى صبر، فلا تضيع النعمة بالكفران، ولا تضيع المحنة بالجزع والقنوط.


هل السكوت على الظلم من الصبر؟
الصبر لا يعني بحالٍ السكوتَ على الظلم أو ترك مقاومته، فالقرآن الذي مدح الصابرين هو الذي قال: (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ {41} إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) (الشورى)، ثم قال بعدها: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: 43)، فجمع بين حق المظلوم في دفع الظلم وبين فضيلة الصبر والعفو حيث يكون العفوُ محمودًا ومحققًا لمصلحة؛ فلم يجعل الصبرَ إهدارًا للحق، ولم يجعل العفوَ مكافأةً للمعتدي على عدوانه.


ولهذا فإن استخدام الصبر لإسكات المظلوم تحريفٌ لوظيفته الشرعية، فالصبر لا يَطلب من الأسير أن يحب أسره، ولا من صاحب الأرض المحتلة أن يرضى بالاحتلال، ولا من المظلوم أن يبارك ظلمَ ظالمه، ولا من الجائع أن يمتنعَ عن طلب الطعام، ولا من المريض أن يترك الدواء، وإنما يمنح هؤلاء جميعًا القدرةَ على ألا يهزمهم ما نزل بهم؛ فالصبر لا يصنع العبيد، وإنما يصنع النفوس التي لا يستطيع البلاء استعبادها.

ويقتضي هذا الفهمُ تحريرَ العلاقة بين الإيمان والصحة النفسية، فالحروب الطويلة لا تخلف أنقاضًا في المباني وحدها، وإنما تترك أنقاضًا داخل النفوس، وتزرع الخوف واضطرابات الفقد والصدمة والكوابيس والانقطاع عن الشعور بالأمان، ولا يصح أن يقال لمن يحتاج إلى علاج نفسي إن معاناته دليل على ضعف إيمانه، كما لا يقال لمن كسرت ساقه إن قوة يقينه تُغنيه عن الطبيب، فالنفس من خلق الله كما أن الجسد من خلقه، والتداوي من الأسباب المشروعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء»(7).


منهجية ترميم الإنسان بعد المحن

وترميم الإنسان بعد المحنة لا يتم بكلمة واحدة ولا بوسيلة واحدة، وإنما يحتاج إلى بناءٍ يُعيد إليه المعنى بالإيمان بالله وحكمته، ويُعيد إليه الأمان بإزالة الخطر الذي يطارده، ويعيد إليه الانتماء باحتضان الأسرة والمجتمع، ويعيد إليه القدرة بتمكينه من التعلم والعمل واستعادة دوره في الحياة، ويعيد إليه التوازنَ النفسيَّ بالعلاج المتخصص عند الحاجة، ويُعيد إليه الرجاء بأن المستقبل لم تُغلق أبوابه؛ فلا يكفي أن نقول للمنكوب اصبر ونحن نتركه بين الأنقاض، ولا أن نقول لليتيم احتسب ونحن لا نكفله، ولا للنازح توكل ونحن لا نُعينه على استعادة مأواه؛ لأن الشريعة التي تطلب الصبر من المبتلى تطلب في الوقت نفسه النصرة ممن حوله.

والقرآن يقدم للمصاب أفقًا يتجاوز اللحظةَ التي تكاد تخنقه، فيقول سبحانه: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:)، ففي (إِنَّا لِلَّهِ) يستعيد الإنسان معنى الانتماء إلى الله، وفي (وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) يرى المصيبة داخل أفق أبدي أوسع من حدود الدنيا، وفي الصلاة والرحمة والهداية التي وعد الله بها الصابرين يوقن أن ما ضاع منه في الأرض لن يضيع عند الله.

وهكذا لا يطلب الإسلام من الإنسان أن ينكر المحنة، وإنما يُعلمه كيف يَعْبُرها، ولا يأمره أن يخنق حزنه، وإنما يمنع الحزنَ من أن يخنق إيمانه، ولا يطالبه بأن يبتسم فوق قبور أحبابه، وإنما يفتح له وراء القبر نافذةً على الآخرة، ولا يقول له: إن الألم وهم، وإنما يزرع فيه اليقين بأن الألم ليس الكلمة الأخيرة في قصته؛ فقد يخرج الإنسانُ من المحنة مجروحًا لكنه أعمق إيمانًا، وقد يفقد أشياء عزيزة ويكتسب معرفة أصدق بحقيقة الدنيا، وقد يبقى باكيَ العينين لكنه ثابت القلب، وتلك بعض معاني تحويل المحنة إلى بناء لا إلى انهيار.


الهوامش

1 ابن قيم الجوزية، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، دار الكتب العلمية، ص19.
2 ابن قيم الجوزية، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ص 5.
3 أخرجه البخاري في «صحيحه» (1303).
4 كما في حديث أنس رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري (1283)، ومسلم (926).
5 انظر: الإمام النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي (6/ 227).
6 أخرجه مسلم في «صحيحه» (2999).
7 أخرجه أبو داود (3855)، والترمذي (2038)، وابن ماجه (3436).





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق