(الأسئلة الحرجة في لحظات ما بعد الصحوة)
كتبت هذا المقال مرة ثانية بعد جلسة مع بعض الشباب الذين ولدوا في الغرب، وتخرجوا من جامعات عربية، ولديهم ميول دعوية، فكان الحوار معهم ثريا وجميلا، فكان هذا المقال مرة ثانية:
▪
السلفية كفكرة تواجه اليوم امتحانا صعبا، ويكمن ذلك في التساؤل التالي (ما شرعية الحركة بعد فصل الدولة السعودية من رموزها وفكرتها المركزية؟ والإخوان كتنظيم يواجه لحظة صعبة وخطيرة مفادها (ما العمل مع الرؤوس المختلفة للتنظيم في كل مكان؟)، وحركة التبليغ هي الأخرى كمشروع تواجه أسئلة الوجود والحركة معا، والسؤال الخطير هنا يكمن (ما تصنع حركة التبليغ مع المتغيرات الفكرية في العالم؟) ولهذا فالجميع ليسوا في مكان آمن، فاللحظة ليست سهلة على أحد، ولكن الخطير هو أن الجميع يعيش مع اللحظة بلا قلق فكري ومنهجي، هم كما كانوا، والزمن ليس كما كان، أليس هذا من عجائب الزمن؟!
السلفية ليست واحدة، ولكنها في مواجهة الامتحان واحدة، ما مبرر وجودها في هذه اللحظة؟ والإخوان ليسوا مدرسة واحدة، ولكن ماذا يريد تنظيم الإخوان من العالم بعد الصحوة؟ هذه اللحظة ليست مثل اللحظة التي انبثقت الجماعة فيها قبل عقود تسعة من الآن، والتبليغ ليسوا على مذهب عقدي واحد، لدينا فيهم من ينتمي إلي المذهب الأشعري،، ومنهم ما تريديون، وآخرون من الفكر السلفي، وجماعات مختلفة منبثقة من جماعة التبليغ، ولكن السؤال الأعمق يكمن هنا: ماذا وراء حملة الخروج في سبيل الله بعد ظهور التكنولوجيا الذى قرّب المسافات، وجعل العالم كله قرية واحدة؟ هل يمكن الخروج في سبيل الله عبر النت بلا سفر؟
ماذا بعد السلفية؟ وماذا بعد الإخوان؟ وماذا بعد التبليغ؟ وماذا بعد الحركات؟ وهل وصل القطار إلى المحطة الأخيرة؟ وهل استنفذت الحركات أفكارها؟ إنها أسئلة للشباب الجدد الذين لم يكونوا جزءا من الواقع القديم الذى أدّى إلى تشكّل الحركات، وظهور الصحوة.
لقد تغير الزمن بسرعة، وتغيرت الأوضاع بكل ما فيها، وازدادت تعقيدا وتشابكا، ويطرح الجيل الجديد أسئلة جديدة، وخطيرة، وغاية في الأهمية والعمق، وقلّ في داخل الحركات المفكرين والفقهاء، وكثر فيها العمليون والإداريون، ولهذا تسرّب منها المفكرون كما قال العلامة القرضاوي قديما في خطاب له في جلسة في الجزائر، وأعاد الخطاب في كتابه (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة)، وتحقق النبوءة في كثير من البلاد، والخطير أن العقول في العالم الإسلامي بدأت الهجرة من بلاد القهر، أو انتقلت من حالة السعة إلى حالة الضيق حيث السجون، والبعض منهم انتقل إلى رحمة الله، فقد فقد العالم الإسلامي الأستاذ طارق البشري، ذلك العقل الفقهي والقانوني الذى جمع بين الفكر والعمل، وقدم خلاصة تجاربه في كتب عدة، كما فقدت الأمة من قبل الدكتور محمد عمارة رحمه الله، والذى نجح في رصد الفكر الغربي بعلم، وواجه الغزو الفكري بهدوء المفكر، وحماس المؤمن، وقدم عصارة فكره عبر قلق منهجي، وهكذا عاشت الأمة في فقد العقول، ولكن بدون بديل عنهم.
إن الفكر الإسلامي يعيش اليوم في مرحلة قلق منهجي، ذلك لأن المرحلة المقبلة ليست سهلة كما يحسب كثير من المسلمين، فقد انتهى زمن الاستقطاب الفكري، وبدأنا زمنا جديدا من شأنه الخلوص إلى مرحلة تحاور ما بعد الأفكار، فهل يمكن للمسلم أن يعيش في ظل دولة علمانية تحترم آدميته بدل أن يكون تحت دولة مسلمة تدّعى تطبيق شرع الله، ولكنها تظلم وتقتل باسم الفقه والشرع، وباسم التأويلات الفقهية التي تسوّغ للحاكم والسلطات في جلد الظهور، وأخذ المال، بل وتسوّغ الزنا والسرقة علنا في القنوات، ولا يرفع أحد صوته ضد السلطات، لأن ذلك فتنة، فماذا يملك الفقه والخطاب الإسلامي لهذه الحالة؟ هل يمكن أن ينتج الخطاب الإسلامي فلسفة حكم تجمع ما بين حماية الذات، والديمقراطية؟ وهل ما زال الفكر الإسلامي يخلط ما بين العلمانية كمنهج، والديمقراطية كممارسة؟ وهل الديمقراطية كممارسة نكسة ونجسة في داخل المنظومة الإسلامية، وخطوة حضارية في الأمم الأخرى؟ إنها مرحلة جديدة تتطلب إصدار فقه جديد، وصناعة خطاب نوعي يقنع العقول الجديدة، ويجذب الجيل المخضرم المتسائل والقلق.
لقد ظهرت في الساحة ما بعد الربيع العربي ظاهرة جديدة، ظاهرة انتشار الإلحاد، وخاصة في الخليج العربي، كما ظهرت في الساحة كذلك، وخاصة في الصومال ظاهرة الابتعاد، من الصحوة والحركات، والانتماء إلى الفكر القبلي كبديل سياسي من جانب، أو الذهاب إلى مربع (اللا انتماء) وهو مشروع فكري، ولكنه لا لون له سياسيا، ولا حتى مذهبيا، بل ولاحظت في الغرب ظهور جيل يحاول الخروج من الدين، ولكن البعض منهم يبقى في مربع (اللادينية)، فهو بلا انتماء ديني، كما رأينا شبابا وشابات خرجوا من الدين الإسلامي، وتحولوا إلى المسيحية، فكل ذلك يطرح تساؤلات عميقة حول نوعية
الخطاب الذي يجب طرحه في السوق الفكري لإقناع الجيل الجديد، والذى بدأ يتمرد على الذات الحضارية.
إن هذه المرحلة تستدعى، وبلا ريب ظهور مفكرين من نوع (الغزالي القديم) والذى بدأ حياته فقيها، فتمردا فيلسوفا، فانتهى صوفيا مؤمنا، وكتب تجربته الفريدة في كتابه القيم (المنقد من الضلال)، ويعتبر هذا الكتاب الفريد سيرة ذاتية لهذا العقل العجيب في الحضارة الإسلامية، والمرحلة كذلك تستدعى ظهور (ابن تيمية) من جديد، فهذا الرجل الذى نجح في محاربة جبهات مختلفة، ولكن بعد أن نجح في إيجاد منهجية معرفية للتعامل مع النص والواقع، والرجلان عندي يتكاملان ولا يتناقضان، قد يختلفان ولا يتشابهان، بل وأرى أن الساحة بحاجة من جديد إلى عقل مسلم متحرر من الأغلال الفكرية كما صنع (الغزالي الجديد)، والذى كان حالة استثنائية في داخل الصحوة المسلمة، فكتب كتبه المتميزة في نقد العقل المسلم، ورفض الغزو الفكري، ودعا إلى تجديد الفهم للدين والحياة، ومن خلال هذه العقول نستطيع أن نقنع الفئة الجديدة من الجيل المخضرم الذى بدأ حياته شاكا ومتسائلا، ويحاول الخروج من الذات الحضارية للأمة، فهذا الجيل ليس بحاجة إلى وعظ مكرر، أو إلى مناقشات فكرية تجاوزها الزمن، بل هو بحاجة إلى خطاب يقنع عقله، ويستوعب طموحاته، وهذا النوع من الخطاب قليل في داخل الحركات في هذا الزمن.
لقد رأيت غالبية المتخصصين، والدارسين ما بعد الثانوية يبتعدون عن الخطاب الديني، لأنه خطاب منفعل، وعاطفي إلى حد بعيد، وفي بعض الأحيان يعيش في زمن مضى، فهو يرد على الأموات، ولا يناقش مع الأحياء، بينما الشباب المتعلم في الجامعات الغربية يعيش مع أسئلة العصر، وليس مع تساؤلات الأموات، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، فأغلب الوعاظ تتجه كلماتهم في الإثارة، وهذا لا يؤثر الأكاديميين بحال من الأحوال، بل ولاحظت في خطاب البعض عدم معرفة (علم الإلحاد المعاصر)، فهو علم شعبوي يخاطب العقول الجديدة بلغة العلم مع استخدام أدوات الدعاية المعاصرة، ومن هنا نجح في اختراق العقول المسلمة، ويرى كثير من المفكرين بأن الإلحاد سيكون ناجحا بصورته الحالية في الخليج، وأنا كذلك مقتنع بأن هذه الظاهرة لها وجود في الساحة الصومالية، ولكنها تنتشر بصمت وهدوء.
نحن بحاجة إلى أطباء جراحيين في داخل الفكر الإسلامي يقومون بعمليات خطيرة، ولكن ذلك يجب أن يتم بعد دراسات عميقة وقوية للظاهرة (الإلحاد) من جانب، والهروب من الفكر من جانب آخر، وكل ذلك يستلزم الاهتمام في بناء العقل من جديد، ولكن عبر آليات جديدة دون أن نبتعد من الأدوات الشرعية، وبهذا يمكن أن نعيش زمننا الصعب، وأن نتجاوز الامتحان الصعب في زمن اللاإنتماء الحضاري.
إن الزمن يمضي بأسئلته، ولكن بعض رجالات الصحوة ما زالوا يعيشون حتى اليوم مع أسئلة الماضي، ومن هنا نكرر أننا نجد بأن امتحان الزمن صعب، وليس أمرًا سهلا ملاحظة الخلافات السياسية بين الرموز الكبار في داخل الحركات حول قيادة السفينة، فقد بدأت الصفحات تمضي، ولكن قطار البعض ما زال متوقفا، وهنا نجد كذلك اختبارا آخر قد يبدو من الظاهر أنه عادي، ولكنه من العمق يكون صعبا جدا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق