الاثنين، 2 أكتوبر 2023

“السبع المثاني” وقوى الدفع الإنساني

 “السبع المثاني” وقوى الدفع الإنساني

د. عطية عدلان

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول

كم أنا ضعيف وبحاجة إلى ما أتعلق به وأعتمد عليه! أنا الإنسان مخلوق ضعيف لا قيام له بمفرده في هذا العالم، ما أكثر التحديات التي تواجهني والعقابيل التي تعترض طريقي، حتى طريقي لا يمكن أن أتعرف عليه وحدي ولا أن أمضي فيه بمفردي دون مُعين يعينني وهاد يهديني، لستُ قادرًا بمفردي على تفسير ما يجري حولي، ولا على التعاطي معه بما يجلب لي النفع ويدفع عني الضر، إنّني الإنسان الضعيف، لابد لي مما اتعلق به وأعتمد عليه، به أكون قويًّا فاعلًا، به أكون رقمًا في الوجود، وشيئًا له وزن في الحياة.

وفي المقابل أشعر من أعماقي بأنّ لديّ طاقة فطرية تملأ كياني، طاقة توجهني بقوة نحو الجهة التي لا غنى لي عنها؛ لأرتمي في أحضان عنايتها، سمّها “طاقة التعلُّق” أو سمّها ما شئت من الأسماء، لكنّ النزوع إلى التعلُّق والتفويض والاعتماد جوهرُها ومعدنها، إنّني أشعر بها تريد أن تنطلق، ثم تندفع، ثم تمضي بسرعة أمضى من شعاع الشوق، طاقة لا علاقة لها قطّ بالتواكل والسلبية، ولا بالأنماط الاستاتيكية، على العكس تمامًا؛ إنّها إيجابية ديناميكية محركة، خلاقة وثابة طموحة ناهضة ناهدة.

يأيّها الإنسان القابع في كياني المستكن في وجداني: 
إلى أين تتوجه بطاقتك الفوّارة هذه؟ 
لماذا أنت حائر تتلفت؟! أليس بين يديك كتاب نزل لإسعاد الإنسان؟ فتوجه – إِذَنْ – إلى القرآن لعلك تظفر بما يلبي هذه الطاقة وينميها ويفتح لها أفق الانطلاق الإيجابيّ السويّ؛ فافتح كتاب الله؛ لتجد نفسك وجهصا لوجه أمام أول آية في المصحف الشريف: (بسم الله الرحمن الرحيم)، أليست هذه الآية هي المحفزة لهذه الطاقة (طاقة التعلق)؟ أليست هي المفجرة لها والضابطة لبوصلتها؛ ففيم الحيرة والإبلاس؟!

وسواء أكانت (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من الفاتحة، أو كانت آية نزلت مستقلة للفصل بين السور؛ فإنّه بعد اتفاق العلماء على أنّها بعض آية في سورة النمل، وعلى ورودها في مفتتح ومستهل المصحف الشريف؛ لا يضرّ هذا الخلاف بموضوعنا؛ فهي قرآن، وهي كذلك تتصدر القرآن، وهذا يكفينا للقول بأنّ هذه الكلمة مفجرة لطاقة التعلُّق، وموجهة لها، ودافعة بها على الطريق الصحيح، طريق الحياة، وطريق النجاة، وطريق السلامة والعافية والنجاح والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة؛ فما أسعدنا بها!

فبسم الله أبدأ وبسم الله أمضي وبسم الله أبلغ الغاية، كم أشعر بالطمأنينة والسكينة، وكم أشعر كذلك بالثقة والاعتداد، آن لي أن أنطلق انطلاقة إيجابية وثَّابة تحقق لي الآمال الكبار في الدنيا والآخرة، فأنا لست هنا في هذه الدنيا وحدي، ولست أسير على هذه الأرض بمفردي، فلنبدأ مستعينين بالله متوكلين عليه، مطمئنين به، إنّها إذن طاقة التعلق تتفجر مع أول آية في السبع المثاني، في الفاتحة، التي تفجر الطاقات الكبرى التي بها يحقق الإنسان وظيفتي العبادة والخلافة، ثم تضعه بها على الصراط.

(الحمد لله رب العالمين)

لكن لا تغفل ولا تنس أنّ الذي تتعلق به وتمضي في طريق الحياة معتمدًا عليه حميد مجيد عظيم، بل إنّه هو وحده المستحق للحمد كله، له ولو لم يحمده الحامدون، له الحمد والثناء الحسن؛ لأنّه موصوف بكل كمال، منزه عن كل نقص، وله الحمد والثناء الحسن لأنّه صاحب المنن ووليّ النعم، ولأنّه سبحانه وتعالى المستحق للحمد والتعظيم مع كونه هو الذي خلقنا وسوّانا؛ فإنّنا نفهم جيدًا مبرر وجود طاقة أخرى لها أثر بالغ في تربية الإنسان وفي استقامته على منهج الرحمن، إنّها (طاقة التعظيم والإجلال).

فالحمد تعظيم وإجلال وتمجيد، وهو كذلك ثناء حسن على الله ووصف له بكل كمال وتنزيه له عن كل نقص، وهو إلى جانب ذلك شكر وعرفان للكريم المنان، كل هذه المعاني تكمن في “الحمد” لكنّ التعظيم والإجلال رائدها ومحور ارتكازها والفلك الثابت المنتظم الذي تدور فيه، وتزداد قوة التعظيم والإجلال باستحضار معنى الربوبية للعالمين، فالذي له الحمد هو ربّ العالمين، هو الذي ربّى العالمين أجمعين، بالخلق والرزق والإنعام والرعاية والعناية والتدبير والتصريف؛ فالحمد لله رب العالمين.

(الرحمن الرحيم)

ومن التعظيم مع التسليم، من التعظيم لله والتسليم لربوبيّته على العالمين أجمعين تنبع وتتدفق طاقات أخرى، طاقات فرعية لكنّها أكثر تخصصية، يأتي في مقدمتها (طاقة الرجاء)، وهي في المقدمة بالطبع؛ لأنّ رحمته تعالى سبقت غضبه، ومن هنا سبق الرجاء الخوف، ولولا أنّ التعظيم والإجلال هو الطاقة الأمّ التي تنبثق منها كل الطاقات التخصصية لتقدمت عليها طاقة الرجاء، لكن على أيّ حال فقد سبقت الإشارة إليها في البسملة التي افتتحت السبع المثاني، فهذان الاسمان (الرحمن الرحيم) آية وبعض آية.

أجل .. (الرحمن الرحيم) آية من السبع المثاني، جاءت مفجرة لطاقة الرجاء، ومتقدمة بها على جميع الطاقات التخصصية، ومع ذلك وردت في الآية الأولى بنفس الصيغة (الرحمن الرحيم)؛ فهل جاءت على هذا النحو لتشير إلى قاعدة راسية مفادها أنّ الرحمة هي الأصل في معاملة الخالق للمخلوق؟ ربما كان هذا صحيحًا، لكنّ ما لا نرتاب فيه ولا نتردد حياله هو أنّ هذا السياق مفجر لطاقة الرجاء، فارج أيها الإنسان رحمة الرحمن، ألا يكفيك أنّ رحمته لم يدل عليها هنا اسم واحد، وإنّما اسمان: (الرحمن الرحيم)؟!

(مالك يوم الدين)

ومن الرجاء إلى الخوف، من الرغبة إلى الرهبة، من الطمع في رحمة الله إلى الخشية من عقابه وعذابه، ليكتمل للعبد جناحان متوازيان تنضبط بهما حركته في الحياة وينتظم بهما سيره إلى الله، فالله عزّ وجال مالك يوم الدين، يوم الحساب والجزاء، وهو كذلك ملك يوم الدين، فهما قراءتان مشهورتان متواترتان، ولا اختلاف بينهما، بل التآلف والتكامل والانسجام التام، فالله مالك يوم الدين وملك يوم الدين، مالكه وملكه، وعلى الرغم من أنّ الله تعالى مالك وملك الدنيا ويوم الدين؛ لكنّ التخصيص هنا مفيد.

مالك يوم الدين الذي يملك كل شيء فيه ولا يملك أحد فيه شيئًا ولو على وجه الاستخلاف، وملكه الذي تفرد فيه بالسلطان والحكم، فلا سلطان لأحد فيه ولا حكم، ولو كان على وجه الخلافة عن الله في إقامة منهجه وتحكيم شريعته، فماذا يصنع الإنسان يومها وإلى أين يفرّ؟ لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا فرار من عذابه إلا إلى واسع رحمته، ومن تمام ملكه وسلطانه في هذا اليوم انقطاع النصرة والولاية بين الأولياء، وامتناع الشفاعة إلا بإذن منه ورضى؛ فهل ثم ما يحمل على الخوف والرهبة أكثر من هذا؟

(إياك نعبد وإياك نستعين)

هذه هي الآية التي توسطت السبع المثاني، فما قبلها لله وما بعدها للعبد، بينما هي بين الله وبين عبده، فلله على عبده أن يعبده، وللعبد على ربه أن يعينه، وهذان المعنيان المتقابلان المتوازيان يفجران طاقتين متقابلتين متوازيتين متآلفتين متحالفتين، طاقة الانكسار وطاقة الافتقار، (إياك نعبد) تفجر طاقة الانكسار والذل والخضوع و(إياك نستعين) تفجر طاقة الافتقار واللجأ والضراعة، وإنّهما لطاقتان دافعتان في طريق العبودية بقوة هائلة، والتقديم والتأخير في العبارتين للتأكيد والتوطيد والتوسيد.

إنّ قلب الإنسان مفطور على الانكسار والافتقار للواحد القهار، فإذا لم يفتقر ولم ينكسر لله افتقر وانكسر لغير الله، وعندئذ يكون عرضة دائمة لهذا الخطر الماحق الذي صورته الآية الكريمة: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج: 31)، إنّه الضياع الذي ليس بعده ضياع إلا ما يكون كالظل للشيء، وبتمحيض الافتقار والانكسار لله العزيز الغفار تتمحض عبودية العبد لله، ويتخلص من العبودية لكل من سوى الله، وهذا هو منبع الحرية الحقيقية.

(إهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم . غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

ها هي الطاقات الكبرى تفجرت في كيانك، طاقة التعلق التي يفجرها (بسم الله الرحمن الرحيم) وطاقة التعظيم التي يفجرها (الحمد لله رب العالمين) وطاقة الرجاء التي يفجرها (الرحمن الرحيم) وطاقة الخوف التي يفجرها (مالك يوم الدين) وطاقتا الانكسار والافتقار اللتان تتفجران من (إياك نعبد وإياك نستعين) هذه الطاقات الكبرى قادرة على تحريكك ودفعك للانطلاق في الطريق، لكن أين الطريق؟ ها هو: (إهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم . غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

إنّه الصراط المستقيم، الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وهو مشهور مشهود، هو الطريق الذي استقام عليه الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدقين والشهداء والصالحين، والذي يفارق بحسم ويباين بحزم طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين، طريق المغضوب عليهم الذين علموا الحق فتنكبوه وهجروه على علم، وطريق الضالين الذين لكثرة ما غشّاهم من الأهواء ضلوا وتخبطوا فعموا عن الحقّ وجهلوه، وأبرز مثال للمغضوب عليهم اليهود، وأبرز مثال للضالين النصاري؛ لذلك فُسرت بهما الآية في السنة.

اللهم استجب هذا الدعاء .. آمين

وإذن فالفاتحة في شطرها الثاني دعاء بالاهتداء، لكنّ شطرها الأول يفجر الطاقات التي تمكن العبد من السير في طريق الهداية، وإذا كانت الفاتحة تثنى وتكرر في الركعات؛ فإنّها لأجل ذلك سميت السبع المثاني، وهي المقصودة في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) (الحجر: 87)، وإنّ العبد ليكررها في جميع الركعات من جميع الصلوات الفرائض منها والتطوعات؛ لتجدد له كل هذه الطاقات، ولتتحقق له الهدايات؛ فسبحان رب الأرض والسماوات، الذي يحقق لنا بالفاتحة أقصى الغايات.

الثبات في طريق الدعوة

 الثبات في طريق الدعوة 

الدكتور فرج كٌندي 

تتميز وتتشرف مهمة الداعية بأنها مهمة الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، وهي دعوة لتغيير ما في نفوس الناس؛ حتى يغير الله ما بهم من فساد وحَيْدة عن الفطرة، وكل داعية وواعظ لا يسير نحو هذا الهدف أو لا يرمي إلى هذه الغاية؛ فهو جهد ضائع وعمل باطل ومنقوص، وخير مثال للداعية الكامل والنموذج الثابت في طريق الدعوة هو رسول الله ﷺ الذي بعثه الله داعية إلى الهداية طريق الله المستقيم، ومثّل أروع نموذج يقتدى به في الثبات رغم كل ما تعرض له ﷺ من معسكر الشرك من مغريات وتهديدات، وكثير من عرض الدنيا الذي لم يزحزحه عن الطريق إلى أن أدّى الأمانة وبلغ الرسالة بعد اكتمال الدين وتمت نعمة الله على من آمن بها ثم التحق بالرفيق الأعلى.

لاقت الدعوة الإسلامية التي جاء بها نبي الإسلام محمد بن عبد الله ﷺ صدودا ومقاومة عنيفة وشرسة من قبل أعيان قريش وسادتها.
تمثلت مقاومة قريش لدعوة الإسلام في صور متعددة ومتنوعة منها التكذيب والتشهير بالنبي ﷺ وبمن آمن به وبدعوته من أوائل الصحابة من كافة سكان مكة بمختلف قبائلهم وأجناسهم وأعراقهم وطال حتى النساء، وتعرض البعض منهم للتعذيب مثل بلال وخباب وعمار وزِنّيرة، وللقتل مثل ياسر وزوجته سمية بنت خياط؛ بل طالت محاولات القتل شخص رسول الله ﷺ للقضاء عليه وعلى دعوته.
اتخذت قريش كل الوسائل لثني النبي ﷺ عن دعوته، واستخدمت كافة أساليب التهديد والإيذاء من وضع سلا الجزور على ظهره الشريف إلى وضع الأشواك في طريقه أمام باب بيته.

- اجتَمعتْ قُرَيشٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومًا فقال: انظُروا أعلَمَكم بالسِّحرِ، والكَهانةِ، والشِّعرِ، فلْيأتِ هذا الرجُلَ الذي قد فرَّقَ جماعتَنا، وشتَّتَ أمْرَنا، وعاب دينَنا، فلْيُكلِّمْه، ولْينظُرْ ما يرُدُّ عليه. 
قالوا: ما نعلَمُ أحدًا غَيرَ عُتبةَ بنِ رَبيعةَ. 
قالوا: أنتَ يا أبا الوليدِ، فأتاه عُتبةُ، فقال: يا محمَّدُ، أنتَ خَيرٌ أم عبدُ اللهِ؟ فسكَتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال: أنتَ خيرٌ أم عبدُ المطَّلِبِ؟ فسكَتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. قال: فإنْ كنتَ تزعُمُ أنَّ هؤلاءِ خيرٌ منكَ قد عبَدوا الآلهةَ التي عِبتَ، وإنْ كنتَ تزعُمُ أنَّكَ خيرٌ منهم فتكلَّمْ حتى نسمَعَ قولَكَ، أَمَا واللهِ ما رأَيْنا سَخْطةً أشأَمَ على قَومِكَ منكَ، فرَّقتَ جماعتَنا، وشتتَّ أمرَنا، وعِبتَ دينَنا، وفضَحْتَنا في العرَبِ، حتى طارَ فيهم أنَّ في قُرَيشٍ ساحرًا، وأنَّ في قُرَيش كاهنًا، ما ينتظِرُ الأمثَلُ صَيْحةَ الحُبْلى بأنْ يقومَ بعضُنا لبعضٍ بالسيوفِ حتى نتفانى، أيُّها الرجُلُ إنْ كان إنَّما بكَ الحاجةُ جمَعْنا لكَ مِن أموالِنا؛ حتى تكونَ أغنى قُرَيشٍ رجُلًا، وإنْ كان إنَّما بكَ الباءةُ فاختَرْ أيَّ نساءِ قُرَيشٍ، فنُزوِّجُكَ عشرًا.
 فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أفرَغتَ؟ 
قال: نعَمْ، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ...} حتى بلَغَ: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 1-13]. 
فقال عُتبةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ، ما عندَكَ غَيرُ هذا؟ 
قال: لا. فرجَعَ إلى قُرَيشٍ. 
فقالوا: ما وراءَكَ؟ فقال: ما ترَكتُ شيئًا أَرى أنَّكم تُكلِّمونَه به إلَّا كلَّمتُه. 
قالوا: هل أجابَكَ؟ قال: نعَمْ، قال والذي نصَبَها بَنِيَّةً، ما فهِمتُ شيئًا مما قال؛ غيرَ أنَّه قال: {أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فصلت: 13]. 
قالوا: وَيْلكَ يُكلِّمُكَ رجُلٌ بالعربيةِ، فلا تَدْري ما قال؟ قال: لا واللهِ، ما فهِمتُ شيئًا مما قال غيرَ ذِكْرِ الصاعقةِ.
وفي رواية ابن أسحاق: فلما جلس إليهم قالوا وما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. 
يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوا، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصيبه العرب فقد كُفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به، 
فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي، فاصنعوا ما بدا لكم.
يمكن لكل فاحص لهذا الموقف مع النبي ﷺ يجد ودون عناء مدى صلابته صلى الله عليه وسلم في الحق ومدى رسوخ إيمانه بربه وصدق رسالته الذي تجسد في هذا الموقف الذي بين صلابته وعمق قناعته بهذه الرسالة التي لا يساوم عليها بكل مغريات الدنيا من المال والنساء ولا الجاه ولا السلطان.
كل هذه العروض والمغريات جاءت من قريش على طبق من ذهب إلى الرسول ﷺ وهو لا يملك الجاه ولا السلطان ولكنه كان يملك الإيمان برسالته وعقيدة الإيمان بدعوته التي أمره الله بها.
لقد كان هذا اختبارا من قريش وإغراء له ﷺ لكي يتخلى عن دينه ويترك رسالة ربه إلا أن تثبيت الله تعالى لنبيه عصمه من الزلل أو أن يقع في الفخ الذي نصبته له قريش لكي يكون قدوة لأصحابه أولا ثم لمن آمن به وسار في طريق الدعوة ثانيا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويكون للثابتين في طريق الدعوة الأسوة الحسنة والقدوة التي يجب أن يهتدوا بهديها ويسيروا على نهجها إلى أن يتحقق النصر والتمكين لهذه الدعوة أو الموت في هذا الطريق دون تردد أو خوف.
وعلى أمل أن يحمل الراية جيل يأتي من بعده يحقق الغاية المنشودة بخطى ثابتة لا تحيد ولا تتزعزع في طريق الدعوة المباركة تقربا إلى الله تعالى وتأسيا برسوله ﷺ فهو أفضل أسوة وأصدق قدوة في طريق الدعوة
وهكذا هي مهمة الداعية المسلم اليوم؛ يخالط ويصل ويربي وينظم، ويقود، يصبر على المشاق حتى يحقق هدف الدعوة أو يلقى الله على هذا الطريق ولا يتخلف ملتحقا بركب سيد الدعاة وإمامهم عليه الصلاة والسلام، الذي نتعلم منه منهج الدعوة وسبلها وطرق نجاحها ونسير مسيرته المباركة في نشر دين الله ومبادئ شريعته الغراء وفق منهج رسوله الكريم الذي قال لنا عنه: {ولكم في رسول الله أسوة حسنة} في الصبر والمصابرة وتحمل المشاق والصمود في وجه المغريات إلى أن نلقاه على الحوض غير مبدلين وعلى نهجه من السائرين صلى الله عليه وسلم أفضل صلاة وتسليم.

الأحد، 1 أكتوبر 2023

"الدعم السريع" في مصر.. ومخاوف حرب طائفية

 "الدعم السريع" في مصر.. ومخاوف حرب طائفية

قطب العربي 


الارتباط كبير بين مصر والسودان، تيارات وأحزاب سياسية وحتى نوادٍ رياضية كبرى متشابهة بل بنفس الاسم في كلتا الدولتين، والنادي الأهلي مثال.. وصل التقليد إلى أن يتم تأسيس مليشيات دعم سريع بصورة متشابهة في كلتا الدولتين، كان الهدف هو حماية النظام ومساعدة القوات النظامية في مواجهة حالات تمرد أو ثورات شعبية تعجز عن مواجهتها القوى الأمنية النظامية منفردة، كما حدث في كانون الثاني/ يناير 2011 في مصر، أو في مواجهة داعش في سيناء، وكما حدث في حرب دارفور ومناطق أخرى في السودان.

في آذار/ مارس 2013 فجّر المهندس أبو العلا ماضي، رئيس حزب الوسط، مفاجأة حول وجود جيش من البلطجية قوامه 300 ألف بلطجي أسسته المخابرات العامة قبل عشر سنوات من ثورة يناير، ثم نُقلت تبعيته لجهاز أمن الدولة، المعلومة نقلها ماضي عن الرئيس مرسي، وقد أثارت جدلا كبيرا من مناوئي الرئيس، واتهموه بالسعي لتفكيك جهاز المخابرات.. الخ.

ما لبث أن فاجأ الرأي العام بنشر خبر شرائه لشركة فالكون للحراسة والأمن، والتي أصبح رئيسها خلفا للواء شريف خالد، وكيل جهاز المخابرات الحربية السابق، رغم أن قانون شركات الحراسة يشترط فيمن يؤسس أو يدير تلك الشركات الخبرة المهنية وحسن السير والسلوك وهما صفتان مفتقدتان في نخنوخ

كان نظام مبارك يستخدم جيش البلطجية هذا وعلى رأسه المدعو صبري نخنوخ -والذي يوصف بأمير أو رئيس جمهورية البلطجية- في تزوير الانتخابات والاعتداء على المرشحين المعارضين وأنصارهم، وكان أشهر أدواره في تزوير انتخابات برلمان 2010 والذي كان أحد أسباب اندلاع ثورة يناير، كما ساهم في معركة الجمل يوم 2 شباط/ فبراير 2011 بهدف وأد الثورة في مهدها، لكنه تلقّى مع غيره هزيمة كبرى فتحت الباب لتمكّن الثورة في جولتها الأولى، وحين تم حل جهاز أمن الدولة عقب ثورة يناير تشظّى التنظيم، وأصبحت مجموعاته تعمل لمن يستطيع الوصول إليها ويدفع لها.

أما كبير البلطجية صبري نخنوخ فقد تم القبض عليه في 23 آب/ أغسطس 2012 من قصره الفخم -والذي كان يعيش فيه بين كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، و5 أسود و6 كلاب مفترسة- لاتهامه في العديد من جرائم البلطجة وترويع المواطنين، وحكمت عليه المحكمة بالسجن 28 عاما، لكن السيسي أطلق سراحه بقرار عفو رئاسي في أيار/ مايو 2018.

بعد اختفاء عن الأنظار لبعض الوقت -بتوجيه من الأجهزة الأمنية- عاد نخنوخ للظهور في بعض المناسبات الاجتماعية، ووسط حفاوة من أصدقائه القدامى ورموز السلطة الحاكمة، ثم ما لبث أن فاجأ الرأي العام بنشر خبر شرائه لشركة فالكون للحراسة والأمن، والتي أصبح رئيسها خلفا للواء شريف خالد، وكيل جهاز المخابرات الحربية السابق، رغم أن قانون شركات الحراسة يشترط فيمن يؤسس أو يدير تلك الشركات الخبرة المهنية وحسن السير والسلوك وهما صفتان مفتقدتان في نخنوخ.

شركة فالكون تأسست في العام 2006 بمساهمة رئيسية من أحد البنوك المصرية، لكنها كانت طيلة الوقت قريبة من المخابرات حتى تملّكتها، وكانت تقتصر في بدايتها على أعمال أمن وحراسة تقليدية توسعت لاحقا في أنشطة متعددة كان من بينها -للغرابة- مجال الإعلام، حيث تمكنت من الاستحواذ على شبكة قنوات الحياة من صاحبها رجل الأعمال ورئيس حزب الوفد السابق السيد البدوي، وذلك ضمن عمليات استحواذ المخابرات على القنوات الخاصة من خلال عدة شركات تابعة لها في البداية، ثم ما لبثت أن جمعتها تحت مظلة واحدة هي الشركة المتحدة لاحقا.

ضمن توسع نشاط شركة فالكون، أنشأت في العام 2014 قوات تدخل سريع، مع حصولها على ترخيص رسمي بحمل أنواع مختلفة من السلاح والذخيرة، وأصبحت مهمتها التصدي للمظاهرات وأعمال الشغب، وقامت بهذا الدور فعلا ضد مظاهرات الطلاب ورافضي الانقلاب منذ ذلك الوقت. ويبدو أن انتقالها إلى نخنوخ بهدف إطلاق يدها بصورة أكبر في مواجهة أي اضطرابات شعبية محتملة خلال أو بعد الانتخابات الرئاسي

ضمن توسع نشاط شركة فالكون، أنشأت في العام 2014 قوات تدخل سريع، مع حصولها على ترخيص رسمي بحمل أنواع مختلفة من السلاح والذخيرة، وأصبحت مهمتها التصدي للمظاهرات وأعمال الشغب، وقامت بهذا الدور فعلا ضد مظاهرات الطلاب ورافضي الانقلاب منذ ذلك الوقت. ويبدو أن انتقالها إلى نخنوخ بهدف إطلاق يدها بصورة أكبر في مواجهة أي اضطرابات شعبية محتملة خلال أو بعد الانتخابات الرئاسية، حيث يستعد نظام السيسي لتنفيذ حزمة من الإجراءات الاقتصادية القاسية على رأسها تعويم الجنيه وإنهاء الدعم وفاء لاتفاقه مع صندوق النقد، وهو ما تُتوقع معه ردود فعل شعبية.

هذا الانتقال إلى تأسيس قوات تدخل سريع تحمل أسلحة وذخيرة، وهو الأمر الذي كان مقصورا على القوى النظامية من جيش وشرطة وفقا للدستور الذي يمنع إنشاء مليشيات مسلحة، هو انتقال إلى مرحلة خطيرة تشبه تماما انتقال مليشيات الجنجويد في السودان إلى قوات الدعم السريع، والتي كانت تبعيتها في البداية للمخابرات ثم أصبحت تابعة للقوات المسلحة مع استقلالها بقيادتها وتسليحها ومهامها الخاصة، وقد رأينا نتيجة هذا التطور الذي شجع تلك القوات على الدخول في حرب مباشرة مع الجيش نفسه لا تزال رحاها دائرة حتى الآن. وهنا فإن قوات الانتشار السريع لشركة فالكون يمكن أن تتطور في نفس الاتجاه، لترفع سلاحها لاحقا ضد القوات النظامية من جيش وشرطة عندما تتعارض المصالح.

حتى الآن العلاقة كما يقال "سمن على عسل"، فصبري نخنوخ ممتن للسيسي الذي أطلق سراحه، وسمح له بشراء وترؤس هذه الشركة، وقد أصدر بيانا باسم شركته دعما لترشح السيسي (الذي لم يترشح رسميا حتى الآن)، لكن الخشية أن نخنوخ، وهو مسيحي مصري، يمكن أن يجنح بشركته لتصفيات طائفية، تهدد بحرب طائفية، فالسلاح يغري صاحبه باستخدامه، ونخنوخ لديه ثار شخصي مع الإسلاميين الذين يعتبرهم السبب في حبسه، والتضييق عليه من قبل، ولا يُستبعد أن تستهويه الأفكار المتطرفة التي تدّعي تعرض مسيحيين لاعتداءات فيتدخل بقواته المسلحة لرد تلك الاعتداءات، وهنا تقع الكارثة لا سمح الله.

كان من المفترض ان تمثل تجربة الدعم السريع السودانية أو "فاجنر" الروسية جرس إنذار للسلطات المصرية التي استسهلت تشكيل تلك القوة بوهم أنها قادرة على السيطرة عليها عند اللزوم، لكننا رأينا أن الجيش السوداني لم يستطع السيطرة على الدعم السريع كما أن "فاجنر" هددت الجيش الروسي وكادت تحاصر وزارة الدفاع وتقبض على وزيرها، ولم يجد بوتين بدّا من التخلص من زعيمها عبر تفجير طائرته. والغريب أن نظام السيسي لم يكتف بقوات الانتشار السريع لشركة فالكون، بل أسس أيضا مليشيا مسلحة أخرى في سيناء

كان من المفترض ان تمثل تجربة الدعم السريع السودانية أو "فاجنر" الروسية جرس إنذار للسلطات المصرية التي استسهلت تشكيل تلك القوة بوهم أنها قادرة على السيطرة عليها عند اللزوم، لكننا رأينا أن الجيش السوداني لم يستطع السيطرة على الدعم السريع كما أن "فاجنر" هددت الجيش الروسي وكادت تحاصر وزارة الدفاع وتقبض على وزيرها، ولم يجد بوتين بدّا من التخلص من زعيمها عبر تفجير طائرته. والغريب أن نظام السيسي لم يكتف بقوات الانتشار السريع لشركة فالكون، بل أسس أيضا مليشيا مسلحة أخرى في سيناء لمواجهة تنظيم داعش من أبناء بعض القبائل خاصة الترابين، بقيادة رجل الأعمال إبراهيم العرجاني، وظهرت تلك المليشيات ترتدي زيّا عسكريا موحدا ومعها أسلحتها في استعراض عسكري.

تحذيرات عديدة من هذه المليشيات وخطورتها على أمن الوطن صدرت من شخصيات وطنية متنوعة، لكنها ظلت أصواتا خافتة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ولم تتح لها الفرصة في الإعلام التقليدي الذي تهيمن عليه السلطة.. لكنها في كل الأحوال تنبيهات مبكرة تنتظر استجابة ممن لا يزال يهمهم أمن الوطن لا النظام.

twitter.com/kotbelaraby

الانقلابات العسكرية المهذّبة

 الانقلابات العسكرية المهذّبة

وائل قنديل

في النيجر، رحلت فرنسا وبقي الانقلاب العسكري واقعًا يفرض نفسه على الجميع، بل ويجد له أخًا وحليفًا في الغابون التي شهدت انقلابًا مماثلًا في غمرة انشغال العالم بما حدث في النيجر.

كتبتُ مبكّرًا إن حضور باريس إلى المشهد في النيجر معتبرة نفسها الوصية على شعوب غرب أفريقيا يعني دعمًا هائلًا لفرض الانقلاب في البقاء والتمدّد، حتى وإن كانت تتبنّى خطابًا عنيفًا في رفضها السلطة العسكرية الانقلابية، وتحشد دول القارّة السمراء لإعلان التدخل عسكريًا ضد العسكرة.

تعلن فرنسا، الآن، الجلاء عن النيجر، عسكريًا ودبلوماسيًا، تاركة خلفها أسئلة عديدة ليس أهمها من تحدّث به مواطن من النيجر للإذاعة البريطانية 
"كان من الممكن أن تخرج فرنسا من البلاد ببساطة بعد الانقلاب، ثم تعود لاحقا لتتفاوض، لكن لماذا رفضت فرنسا الاعتراف بسلطة الانقلاب عندنا وقبلته في    الغابون وتشاد في السابق، هذا هو ما يثير غضبنا   عليها، لأنها تتعامل معنا كأننا حمقى".

الملاحظة الجديرة بالتوقف في انقلابي النيجر والغابون، وقبلهما تشاد، أن الانقلابات الأفريقية في غالبيتها تقع من دون إراقة دماء الشعوب، ومن دون استدعاء استثمار في تحريض مكونات المجتمع على بعضها، وصولًا إلى ارتكاب مذابح ومجازر.

تقول أرقام شبه موثقة إن أكثر من مائتي انقلاب عسكري وقعت في دول أفريقيا خلال 60 عامًا مضت، من بينها مائة انقلاب في حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، لكنها لم تحوّل البلاد إلى بحور دماء وغابات كراهية مجتمعية، على العكس مما جرى في مناطق أخرى من القارّة ارتبط فيها الانقلاب العسكري بمذابح وجرائم ضد الإنسانية، عبأت هواء المجتمعات برائحة الدم.
هل يعني ذلك أن قادة هذه الانقلابات مصلحون اجتماعيون ووطنيون ومتحضّرون، أو أن الانقلابات مقبولة، ما دامت الدماء الغزيرة لا تسيل معها؟ 
بالطبع لا، فالانقلابات، خصوصًا تلك التي تحدُث ضد سلطات مدنية منتخبة، تؤدّي إلى تأخّر التطور الاجتماعي، وتقضي على فرص النمو الاقتصادي والسياسي، وتدخل البلاد في حالة من التخبّط تمتد سنوات، على الرغم مما تروّجه السلطة الانقلابية من شعاراتٍ عن السيادة واستقلال القرار الوطني، والذي يكون في الغالب استقلالًا عن جهات نفوذٍ خارجية، لاستدعاء نافذين آخرين، يحضرون بوصفهم داعمين اقتصاديًا وماليًا.

على أن ذلك كله لا يمنع من التأمل في حالة هذه الانقلابات التي تولد وتعيش ويستتب لها الأمر، من دون أن يُراق على جوانبها الدم، ومن دون أن ترى في الجماهير الرافضة لها أعداءً وتهديدًا وجوديًا، وبالتالي لا بد من استئصالها.
بمعنى آخر، لماذا لا تحتقر الانقلابات الأفريقية (المهذّبة) شعوبها، وتعتبر المعارضين منهم مجموعاتٍ من العملاء والأعداء، أو قطاعات من المغيّبين والمخدّرين؟ إن أسوأ ما يمكن أن يرمي به حاكم عسكري شعبًا واقعًا تحت سلطته أنه لا يثور أو ينتفض إلا إذا ما وفّر له شخصٌ أو جهة ما جرعات مخدّرات ومبالغ مالية يسيل لعابه عليها ويصبح جاهزًا للانسياق وراء دعواتٍ، يراها المستبدّون تخريبًا وهدمًا للأوطان.

ليست مثل هذه النظرة إلى الشعوب فقط احتقارًا لها وتشويهًا لثورتها على الظلم والقمع والفساد، بل إنها أيضًا تحمل تحريضًا واستباحة لدماء كل من يفكّر في الاحتجاج والغضب، ويسعى إلى التغيير، من خلال التأسيس لحالة من الاحتراب المجتمعي، بغرض قسمة الشعب إلى شعبين يتبادلان الكراهية ونوازع الإقصاء والمحو: شعب محقون بجرعاتٍ مدمّرةٍ من أوهام الوطنية الفاسدة، وشعب آخر يؤمن بالثورة، ويعتنق حلم التغيير والخلاص من كابوس الفشل والاستبداد.
وتلك، بالضبط، هي الوصفة السحرية لصناعة مذبحةٍ جماعيةٍ تحت مزاعم حبّ الوطن والدفاع عن استقلاله.

حل الدولة الواحدة.. متى سيدقّ الفلسطينيون جدران الخزان؟

حل الدولة الواحدة.. متى سيدقّ الفلسطينيون جدران الخزان؟

قبل 60 عاما، اختتم الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني روايته الشهيرة "رجال في الشمس" بقوله: لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟.. لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟.. لماذا.. لماذا.. لماذا؟..

أستهل مقالي بهذا الاقتباس، وتحركات الدول العربية باتجاه تطبيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني تتوالى، وتدق ناقوس الخطر مرة بعد مرة في الوجه الفلسطيني الدامي، وتهزّه بغضب شديد، ليستيقظ ويخرج من حالة الفشل التي يعيشها، ويبحث عن طرح سياسي مختلف يتناسب مع المتغيرات المستجدة، والتحديات التي تفرضها عليه، ويوقف نافورة الدم العبثية التي يصرّ على تركها مفتوحة مجانا ليؤكد فيها حضوره السلطوي ويداري عقمه السياسي.

فهل سيدق الشعب الفلسطيني جدران الخزان؟ أم سيستمر في حالة الموت العبثي التي يعيشها، مستظلاً بهالة البطولة والفداء التي تخيم فوق رأسه المهشّم، وجسده الذي أنهكته المعاناة؟ فمتى سيدق الفلسطينيون جدران الخزان؟

الركود الفسطيني

الشيء المؤسف والمحزن أن الشعب الفلسطيني لا يرزح تحت الاحتلال فحسب، وإنما يرزح بصورة أشد تحت وطأة الانقسام السياسي وما يترتب عليه من ازدواجية القيادة، وغياب الوحدة الوطنية، وغياب المشروع المشترك للتحرر من الاحتلال، والتشبث بوهم حلّ الدولتين، وانهيار آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني.

ويبدو أن هذا الانقسام السياسي الذي يجثم كالكابوس المرعب على صدر القضية الفلسطينية منذ أكثر من 15 عاما، لا أمل في إنهائه، بعد الفشل المتكرر بين طرفي الانقسام، رغم الثمن الباهظ الذي يتكبده الشعب الفلسطيني نتيجة لذلك، ورغم كون الوحدة الوطنية هي الأولوية القصوى التي تحتاجها القضية الفلسطينية قبل مقارعة الاحتلال. وأعتقد أن على الشعب الفلسطيني ألا يتأخر أكثر من ذلك، وأن يشرع في طرق جدران الخزان بكل قوة، باحثا عن السبل والآليات التي تمكنه من التغلب على هذا الواقع المرير، ويواجه التحديات التي يفرضها الواقع المتغير.

السبيل الوحيد للمواجهة

ولكن، كيف يتسنى للشعب الفلسطيني مواجهة هذه التحديات؟ في ضوء انهيار النظام العربي المشترك، وصعود الدولة الوطنية وتطلعاتها الأنانية العليا، وفي ضوء تعقيدات الأزمات العربية التي أعقبت ثورات الربيع العربي، وفي ضوء هيمنة الاستبداد وتغلغل الفساد في معظم الدول العربية، وفي ضوء عملية المتاجرة العربية المستمرة بالقضية الفلسطينية لأسباب داخلية سياسية أو اقتصادية؛ فإن إمكانات وظروف الشعب الفلسطيني أقل بكثير من أن تواجه هذه التحديات، خصوصا في ظل استمرار الانقسام السياسي وازدواجية القيادة.

ومع ذلك، يبقى أمام الشعب الفلسطيني سبيل وحيد للمواجهة، وهو السبيل الذي يقلب فيه الطاولة على رؤوس جميع اللاعبين، ويُخرِج القضية الفلسطينية من مسارها الوهمي المستحيل القائم على حل الدولتين، إلى المسار الواقعي القائم على حل الدولة الواحدة للشعبين الفلسطيني واليهودي.

الدولة الواحدة في نظر الفلسطينيين

وبالنظر إلى الموقف الفلسطيني من هذا الحل، فإنه يتفاوت في عدة اتجاهات، في مقدمتها:

  • الموقف المؤيد مبدئيا والرافض قسريا، وهو موقف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، فهم يؤمنون بأن هذا الحل هو الأمثل، ولكنهم ملتزمون مع الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي بتبنّي حل الدولتين.
  • الموقف المؤيد مطلقا، وهو موقف التيارات اليسارية والليبرالية خارج إطار السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، ولكنه موقف ضعيف جدا ليس له أي تأثير على مسار القضية الفلسطينية. وهو أشبه بموقف جماعة "ناطوري كارتا" اليهودية الرافض لقيام دولة الكيان الصهيوني في فلسطين.
  • الموقف الرافض مبدئيا، وهو موقف قوى المقاومة، الإسلامية وغير الإسلامية، وفي مقدمتها حركة فتح وحركة حماس والجهاد الإسلامي. ويرجع الرفض عندهم إلى أسباب فكرية وسياسية وفقهية خاصة. ومع ذلك فإن عددا من منتسبي حركة حماس يقبلون الفكرة من حيث المبدأ، ويبررون رفضهم بأن الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي لا يقبل بهذا الحل.
  • الموقف المتشكك، وهو موقف بعض النخب الفلسطينية التي تؤيد الحل، لكنه يتشكك في النتائج التي قد ينتهي إليها، ويميل في نهاية حساباته إلى الاستمرار في حل الدولتين، باعتباره الحل الواضح الذي يحظى بقبول جميع الأطراف.
  • الموقف المتردد، الذي يؤيد الحل، لكنه يتردد في الحديث عنه أو تبنيه لاعتبارات تنظيمية أو فكرية أو اجتماعية، وينتظر انطلاق كرة الثلج وردود الفعل عليها حتى يحجم عنها أو يشارك في تقاذفها، وهو موقف قسم واسع من النخب الفلسطينية على اختلاف أنواعها، وكذلك موقف السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني. وهو موقف ليّن، يسهل تغييره وتسخيره لصالح أحد الحليّن عن طريق المنابر المختلفة الرسمية والحزبية والإعلامية.

وتشير هذه المواقف إلى أن الكفّة في صالح حل الدولة الواحدة، وخاصة في ضوء الفشل الذريع لحل الدولتين، ودوره في تفاقم معاناة الشعب الفلسطيني وارتفاع فاتورة الدم والدمار.

على النخبة الفلسطينية أن تتحرر من ترددها، وتأخذ بزمام المبادرة لتعمل على إنقاذ الشعب الفلسطيني من وهم حل الدولتين، وتقوم بإطلاق كرة الثلج الخاصة بحل الدولة الواحدة ودحرجتها لتكبر مع مرور الأيام.

مسؤولية النخبة

قد تناولت في أكثر من مقال سابق عبثية الاستمرار في حل الدولتين، والضرورة الحتمية للانتقال إلى حل الدولة الواحدة، وأعتقد أنه آن الأوان لإطلاق كرة الثلج الفلسطينية حتى تكبر وتكبر إلى أن تسد المشهد، ولا يجد الكيان الصهيوني وشركاؤه العرب والمجتمع الدولي أمامهم سوى حل الدولة الواحدة. وحيث إن القيادة الفلسطينية المنقسمة غير قادرة على اتخاذ هذه الخطوة، فإن الجهة المسؤولة عن القيام بها هي النخبة الفلسطينية بكل تخصصاتها ومجالاتها ومستوياتها.

إن على النخبة الفلسطينية أن تتحرر من ترددها، وأن تأخذ بزمام المبادرة، لتعمل على إنقاذ القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني من أتون وهم حل الدولتين، وتقوم بإطلاق كرة الثلج الخاصة بحل الدولة الواحدة ودحرجتها لتكبر مع مرور الأيام.

لن يخسر الشعب الفلسطيني شيئا إذا أعاد ترتيب أوراق اللعبة السياسية وسط التحديات التي يواجهها، فيوقف كرة اللهب، ويعمل على تطويرها، وتحويلها إلى داعم أساسي لكرة الثلج حتى تنجح في فرض نفسها وتصحيح المسار السياسي للقضية الفلسطينية، دون أن يتنازل عن شيء من حقوقه، أو يفقد شيئا من مكتسباته.

لقد آن الأوان أن تتقدم النخبة الفلسطينية بكافة انتماءاتها الفكرية والسياسية كي تدق جدران الخزان برأسها وأيديها وأقدامها، وتعلن رفض الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج الاستمرار في مؤامرة حل الدولتين التي لم تعط له سوى الويلات تلو الويلات والأحزان تلو الأحزان. وإنني لأرجو أن يكون مقالي هذا بمثابة إطلاق لكرة الثلج هذه، وأن تبدأ بالتدحرج حتى تصل إلى مبتغاها، وتنجح في تحقيق أهدافها.

أما كيف، فهذا ما سنتناوله في وقت قادم بحول الله.

في ظلال الدستور: سيادة الأمة والملك العضوض والأمر بالطاعة (2-3)

 في ظلال الدستور: سيادة الأمة والملك العضوض والأمر بالطاعة (2-3) 

المستشار شفيق إمام

في قوله تعالى «وأمرهم شورى بينهم»، ما يجسد الحكم الديموقراطي بأعلى مراتبه، إذ تستمد الأمة سيادتها من هذا النص القرآني، وفيما أمرنا الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خطاب سياسي للأمة بإصلاح وتقويم من اختارتهم لحكمها. 

عطفا على مقالي المنشور‏على هذه الصفحة، تحت العنوان ذاته، في عدد الجريدة الصادر الأحد 17 من الشهر الماضي، والذي تناولت فيه ما ذهب إليه الرأي لدى جمهور العلماء، بتفسير الآية الكريمة، التي يقول فيها المولى عز وجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»، من وجوب طاعة الأمة لأولي الأمر، طالما كانوا في طاعة الله ورسوله.

 وإن بعض هؤلاء العلماء، وعلى رأسهم أئمة المذاهب الأربعة، «الذين كانوا الأعظم في استنباط الأحكام بتاريخ البشرية كله»، قد تعرضوا للتنكيل بهم وسجنهم، عندما لم تلن لهم قناة أو تضعفهم رغبة أو تثنهم رهبة في كلمة حق قالوها لحكام جائرين ظالمين خلال العصور المتعاقبة بعد فجر الإسلام، وعصر الخلافة الراشدة، حيث تعاقب على الحكم ملك عضوض، اتسم بالاستبداد والظلم، على عكس بعض العلماء الذين زينوا للحكام بأن كل ما يقولونه ويفعلونه في طاعة الله وطاعة رسوله، فأهدروا بذلك الضمانة الحقيقية في إحسان تطبيق هذا التفسير. وقد أفضى هذا التفسير بإهدار هذه الضمانة إلى الكثير من المفاسد منها: 

أولاً: تعطيل فريضة إلهية أمرنا بها الله تعالى في أن يكون الأمر شورى بيننا. 

ثانيا: تعطيل فريضة إلهية أخرى، أمرنا الله تعالى فيها بأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في الخطاب السياسي لهذه الفريضة. 

ثالثا: إنكار سيادة الأمة التي كان مصدرها الأول هو ما أمرنا الله به تعالى بأن يكون الأمر شورى بيننا، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، فلا تخضع الأمة لسلطان الحاكم، بل يخضع هو لسلطانها. 

رابعا: مصادرة حرية العقيدة والحريات المتفرعة عنها من حرية شخصية وحرية الرأي وحق التعبير عنه، وحق الاعتراض على الحاكم، وهو ما حدث حتى في عصر النبوة فقد اعترض البعض على بعض ما قرره الرسول عليه الصلاة والسلام، وتجاوز البعض حق الاعتراض المقبول، إلى حد أن خالد بن الوليد استأذن الرسول في أن يضرب عنق أحدهم، فقال له النبي لا، لعله يصلي، فقال خالد، وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال له الرسول: إنني لم أومر أن أنقب القلوب ولم أومر أن أشق قلوبهم. 

خامسا: الحكم الاستبدادي الذي خرج على أحكام الإسلام فلم يتحر الحكام أوامر الدين في الرفق بالعباد فأعملوا الظلم فيهم، وتخلوا عن الرحمة، ولم يحسنوا اختيار الولاة، وانحرف الكثير منهم عن الأمانة والنزاهة، سادرين في حياة اللهو والترف والبذخ. 

سادسا: التخلف عن ركب الحضارة الإنسانية، بسبب هذا كله، وقد كان للعرب حضارة تفوق الحضارات التي ظهرت قبلهم، وكان لهم فضل على أوروبا كلها. 

تفسير النص القرآني 

في قوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ...». 

وفي مجال تفسير هذه الآية، وفقا لأصول التفسير السليم للنصوص وسدا للذرائع، فلا يعزل نص عن غيره من النصوص التي تتنزه عن التعارض أو التهادم أو التنافر، فهي تتكامل في إطار مقاصد القرآن الكريم، نابضة بالحياة بكل زمان ومكان، لا تصد عن التفسير آفاقه الرحبة في أن يلبي حاجات الناس ويواجه مختلف التحديات، ويفترض العمل بأحكام النصوص القرآنية في مجموعها. 

فإن مؤدى هذا النص ومفاده سداً للذرائع التي أفضت إلى هذه المفاسد، مع نبل باعث التفسير الآخر، وهو وحدة الأمة واتقاء للفتنة: 

• إن خطاب المولى عز وجل في هذا النص موجه إلى الأمة كلها حكاماً ومحكومين، وقد استهلت الآية الكريمة أحكامها بتوجيه الخطاب إلى الذين آمنوا «كافة بما فيهم أولي الأمر». 

• ولا استثناء في هذا النص ولا تخصيص لعموم الحكم الوارد فيه أو تقييد لإطلاقه. 

• وقد وردت عبارة «وأولي الأمر»، دون أن يسبقها الأمر بالطاعة مثلما جاء قوله تعالى «وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» بعد قوله سبحانه «أَطِيعُوا اللَّهَ»، فإن هذا التكرار للأمر بالطاعة، والذي لم يسبق عبارة «وأولي الأمر منكم»، يكون له دلالة قاطعة على أن مقاصد القرآن الكريم، في سياق هذا النص، هو طاعة أولي الأمر لله ورسوله، وقد خصتهم الآية الكريمة بالذكر لأن طاعتهم لله ولرسوله أوجب وأولى، باعتبارهم القدوة في هذه الطاعة لغيرهم من المؤمنين، وقد قال الله تعالى: «أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» كما يقول المولى عز وجل: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً»، لذلك فإن طاعتهم لله ولرسوله ليس صلاحا لأنفسهم فحسب، بل للمؤمنين المخاطبين بنص الطاعة كافة، وقد قال المولى عز وجل: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ». 

"وفقا لأصول التفسير السليم للنصوص لا يعزل نص عن غيره من النصوص التي تتنزه عن التعارض أو  التهادم أو التنافر"                                          

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن الإمارة «إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه منها»، ويقول الإمام ابن تيمية في كتابه «السياسة الشرعية»: «على ولاة الأمور أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل». 

• ولعل الإعجاز القرآني بأحد وجوهه الكثيرة، هو نظم القرآن وأسلوبه في أداء المعاني التي أرادها الله أن تؤدى للناس، في أسلوب خاص، قصراً على آياته، وقد بلغت ما بلغته من السمو في المعاني وجمال اللفظ وروعة الأسلوب واتساق النظام، ما لم يستطع العرب الذين نزل عليهم القرآن أن يأتوا بمثلها، وهم أهل فصاحة وبراعة في تصريف الكلم، وفي هذا الإعجاز اللغوي ما يعزز تفسيرنا سالف البيان بأن فعلاً حُذف من الآية الكريمة هو «وأخص» أولي الأمر بهذه الطاعة لله، وحذف المعلوم جائز. وهو ما يقرب النصوص القرآنية إلى بعضها، وهي تتنزه عن التعارض أو التناقض أو التنافر مع قول الله تعالى «وأمرهم شورى بينهم»، وهو ما يجسد الحكم الديموقراطي في أعلى مراتبه، حيث تستمد الأمة سيادتها من هذا النص القرآني، وفيما أمرنا الله به سبحانه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خطاب سياسي للأمة كلها في إصلاح وتقويم من اختارتهم لحكمها. وفي هذه المسألة رأي لفضيلة الشيخ عبدالمتعال الصعيدي، وهو واحد من كبار علماء الأزهر المجددين، حيث يقول في كتابه «حرية الفكر في الإسلام»: «إن الأمة مصدر السلطات، فلها حق الاشتراك في نصيب الحاكم الذي تريده حاكما عليها»، وإذا كانت الأمة مصدر السلطات فإن فضيلته يرتب على ذلك أن يكون حاكمها تحت سلطانها، وليست هي تحت سلطانه. (طبع بدار المعارف المصرية سنة 2000 ص34). 

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وجدير بالذكر أنه لم يكن لمصطلح الأمة في الغرب وجود قبل القرن الثالث عشر، وقد نزل به القرآن في الشورى في أواسط القرن السادس. ولعل هذا التفسير يكون سداً لذرائع بترجيح ما يمكن أن يحتمله فهم النص القرآني من تفسير لا يؤدي ولا يفضي إلى هذه المفاسد التي عرضنا لها فيما تقدم بما يحقق مصلحة الأمة، في مواجهة الحياة المتغيرة بطبيعتها في الزمان والمكان. ولعلي فيما رأيت من تفسير أعملت فيه فكري لم يكن رائدي فيه سوى الصدق والإخلاص لكل الفرائض الإلهية الأخرى، فإن أصبت فحمداً لله على توفيقي، وإن أخطأت فالحق أردت، ولكل امرئ ما نوى وحسبي الله أن أنال عنده ثواب الاجتهاد. 

وللحديث بقية في الأساس الشرعي لهذا التفسير من خلال مصادر التشريع في الشريعة الإسلامية ومقومات الحكم في الإسلام.



في ظلال الدستور: سيادة الأمة والملك العضوض والأمر بالطاعة (1-2)‏

أسباب فشل العديد من الانتخابات في الدول العربية وشمال أفريقيا

أسباب فشل العديد من الانتخابات في الدول العربية وشمال أفريقيا

تحليل إعداد الإعلامى المتخصص فى الصحافة الاستقصائية

أ. عبدالهادي بوسنينة
فيينا – النمسا


تشهد الدول الإفريقية العديد من الانتخابات، إلا أنها لا تحقق دائماً النجاح المطلوب، ويعود ذلك إلى عدة عوامل وأسباب، تتعلق بالأسلوب المتبع في الانتخابات، يظهر هذا الواقع بوضوح في العديد من الدول الإفريقية، فالعديد من الانتخابات تشوبها العديد من المشاكل والتحديات التي تؤثر على نزاهتها وشفافيتها، وتجعلها ضعيفة في عين الناخبين والمجتمع الدولي. وسوف نستعرض في هذا المقال أسباب عدم نجاح العديد من الانتخابات في الدول الإفريقية، والعوامل التي تؤدي إلى تدهور جودة الانتخابات في هذه الدول.

هل الاستبداد السياسي هو السبب

أصدرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي حول مؤشر مدركات الفساد في العالم، الذي يقيس درجة الفساد في القطاع العام والحكومي في 180 دولة حول العالم، وفق مؤشر درجات من مئة درجة.

ويضم التقرير فصلا خاصا عن العالم العربي، تبين منه أن إجمالي مؤشر الفساد في المنطقة ظل ثابتا عند 34 من أصل مئة درجة للعام الرابع على التوالي، ولم تحقق أي من دول المنطقة تقدما في أوضاع الفساد خلال العقد الماضي.

وتقول كندة حتّر، المستشارة الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط في منظمة الشفافية الدولية، إن هذا الجمود على المؤشر وعدم التغير هو رسالة بحد ذاته. “فهناك مشكلة حقيقة في أنه مهما التزمت الدول سطحيا بسطر قوانين وقواعد، لن يحدث شيء طالما لا يوجد تغيير حقيقي في المنظومة والثقافة السائدة.”

ويقيس المؤشر كفاءة الدولة في التصدي للفساد في القطاع العام والحكومي، ولا يضم القطاع الخاص، بحيث تكون درجة صفر فاسد جدا، ودرجة مئة نظيف جدا.

وفي ذيل القائمة عربيا وعالميا تأتي سوريا بمعدل 13 نقطة، ليكون ترتيبها 179 عالميا. وتتقدم عنها قليلا اليمن لتحقق 16 درجة، وليبيا محققة 17 درجة.

ورغم قوة تأثير الحرب على تراجع مكافحة الفساد، إلا أنها قد لا تكون السبب الوحيد، فوفقا لحتّر، يظل الفساد الداخلي هو العامل الأكبر.

“الدول التي سقطت في حرب أهلية كانت قائمة على نظم هشة سمحت بالانهيار السريع. والحروب عموما تجلب التدخلات سواء الإقليمية أو الدولية. ولا يوجد نظام في العالم لا يستفيد من وجود نظام فاسد آخر بجانبه. وهذا ما رأيناه من سقوطهم كالدومينو في الربيع العربي. حتى جهود إعادة الإعمار بها فساد بسبب تداخل الاستثمارات في القرار السياسي، وغياب القرار الداخلي والقيادات الحقيقية الساعية لإنهاء الصراع.”

وتؤثر بعض القضايا والمشاكل المشتركة على أداء الدول العربية بشكل عام، فمثلا تعد الوساطة والرشوة والتمييز بأشكاله المختلفة أحد أبرز المشاكل التي تؤسس لعدم العدالة في القطاع العام، سواء في فرص العمل أو الخدمات. ويضطر واحد من بين كل خمسة مواطنين في الدول العربية لدفع رشى مقابل تلقي خدمات أساسية كالصحة والتعليم.

وهناك العديد من الأسباب التي تمنع الانتخابات من النجاح في الدول الأفريقية، ومن بين هذه الأسباب:

1- الفساد: يواجه العديد من البلدان الأفريقية تحديات كبيرة في مكافحة الفساد، وهذا يؤدي إلى انتهاكات لسلطة القانون وعدم وجود بيئة انتخابية نزيهة.

2- العنف: تتعرض بعض الدول الأفريقية للاضطرابات والصراعات المسلحة، وهذا يؤثر على الاستقرار السياسي ويمنع الانتخابات من النجاح.

3- عدم وجود ديمقراطية ناجحة: تحتاج الدول الأفريقية إلى ديمقراطيات بالغة النضج حتى تكون الانتخابات ناجحة، ومع ذلك، يواجه العديد من هذه الدول مشاكل في تطوير هذا النظام.

4- تقنيات الاقتراع: يواجه بعض الدول الأفريقية تحديات في استخدام تقنيات وأساليب حديثة وأنظمة الكترونية متطورة للانتخابات، وهذا يؤثر على نزاهة العملية الانتخابية.

5- قلة الموارد: تحتاج الدول الأفريقية إلى تكاليف كبيرة للقيام بإعداد نزيه للانتخابات، وتوفير البنية التحتية والتكنولوجية اللازمة، ومع ذلك، يواجه العديد من البلدان تحديات في توفير هذه الموارد.

هذه بعض الأسباب التي قد تحول دون نجاح الانتخابات في الدول الأفريقية، وعلى الرغم من ذلك، يتم عمل الكثير من الجهود المبذولة لتحسين العملية الانتخابية في هذه البلدان وتحقيق الاستقرار السياسي.