‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحليلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تحليلات. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 24 أغسطس 2026

المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

 المقارنة المميتة وفخ فيستنغر الاجتماعي

حمد حسن التميمي

هناك إنجازات تموت بعد ولادتها بدقائق. لا لأن أصحابها اكتشفوا أنها ناقصة، بل لأن اسماً آخر دخل الغرفة. يفرح موظف بترقيته حتى يعرف أن زميل دراسته أصبح مديراً، ويرضى رجل عن بيته حتى يرى بيت قريب انطلق معه من النقطة نفسها، ويعتز كاتب بكتابه حتى يسمع بالاحتفاء الذي حظي به من بدأ الكتابة معه. لم يخسر أحد منهم شيئاً، لكن نجاح الآخرين جعل إنجازاتهم تبدو في أعينهم أصغر مما كانت عليه.

فالغريب البعيد قد يُثير إعجابنا، أما الذي يشبهنا فيربكنا. لا نراه شخصاً نجح في طريقه، بل سؤالاً يمشي أمامنا: إذا بدأنا معاً، فلماذا وصل هو قبلي؟ ومن هذا السؤال لا تولد الغيرة وحدها، بل تبدأ محاكمة كاملة لحياتنا؛ نعيد فيها الحكم على أعمارنا ومواهبنا وقراراتنا، لا بما حققناه، بل بالمسافة التي تفصلنا عن شخص آخر.

في عام 1954، نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنغر بحثه «نظرية عمليات المقارنة الاجتماعية» في مجلة العلاقات الإنسانية العلمية. 

رأى أن لدى الإنسان دافعاً إلى تقييم آرائه وقدراته، وأنه حين لا يجد معياراً موضوعياً، يلجأ إلى الآخرين ليعرف موقعه. 

وبلغة أقرب إلى حياتنا، يستطيع المرء أن يقيس طوله بالمتر، لكنه لا يجد أداة تخبره أن كان ناجحاً بما يكفي، أو متقدماً في حياته، أو جديراً بالمكان الذي يطمح إليه. 

وحين يغيب المقياس، يصبح الناس وحدات قياس.

ومن بين ما افترضه فيستنغر أن ميل الإنسان إلى المقارنة يتراجع كلما اتسعت المسافة بينه وبين من يقارن نفسه به. 

لذلك قد لا تستفز الموظف ثروة رجل وُلد في عالم بعيد عنه، بقدر ما يستفزه منصب ناله زميل كان يجلس إلى جواره. 

البعيد حكاية، أما الشبيه فمرآة؛ لأنه يجعل الوصول يبدو ممكناً، ثم يحول تأخرنا عنه إلى سؤال شخصي لا نستطيع الهرب منه.

لكن المقارنة لم تبق وسيلة نفهم بها موقعنا، بل تحولت في مجتمعات كثيرة إلى سلطة توزع المواعيد على الأعمار. 

في سن معينة يجب أن تتخرج، ثم تعمل وتتزوج وتملك بيتاً، وتصل إلى منصب يليق بعدد السنوات التي مضت. 

ومن يتأخر عن هذا الجدول لا يُسأل عما اختاره، بل عما عطله. كأن للحياة ساعة واحدة، وكأن الناس خُلقوا ليصلوا إلى المحطات نفسها بالترتيب نفسه.

وتبدأ هذه السلطة مبكراً. 

يدخل الطفل بيته حاملاً درجة عالية، فيُسأل عن درجة ابن عمه قبل أن يسمع كلمة تقدير. 

هكذا يتعلم أن نجاحه لا يكفي في ذاته، وأن عليه أن يجد شخصاً يتفوق عليه قبل أن يسمح لنفسه بالفرح. ثم يكبر، وتأتي المنصات فتوسع دائرة المقارنة أمامه؛ يرى في جلسة واحدة نجاحات لا تنتهي لأشخاص يعرف بعضهم ولا يعرف أكثرهم. لا يرى الطرق التي قادت إليها، بل لحظات الوصول وحدها، فيخرج شاعراً بأن الجميع تقدموا وأنه وحده تأخر.

وقد تكون المقارنة دافعاً حين تكشف للإنسان ما يستطيع بلوغه، لكنها تصبح فخاً حين تتحول تجربة الآخر إلى حكم على تجربته. 

هناك فرق بين أن يقول: «إذا استطاع، فقد أستطيع»، وأن يقول: «لأنه استطاع، فأنا متأخر». عندها قد يختار تخصصاً لا يحبه، أو يستعجل زواجاً لم يستعد له، أو يشتري بيتاً لا يقدر على ثمنه، حتى لا يبدو أقل من أقرانه. وهنا تصبح المقارنة مميتة؛ لا لأنها تنهي حياته، بل لأنها تدفعه إلى أن يعيش حياة لم يخترها.

الاسم الآخر الذي دخل الغرفة لم يأخذ الترقية، ولم يسكن البيت، ولم يكتب الكتاب. جلس فقط في موضع الميزان، ونحن الذين وضعنا أمامه أعمارنا. ذلك هو فخ فيستنغر الاجتماعي: ألا تخسر إنجازك، بل تفقد القدرة على رؤيته؛ فبعض الأعمار لا تضيع لأنها أخفقت، بل لأنها ظلت تصل في مواعيد الآخرين.

السبت، 15 أغسطس 2026

من الخليفة مروان بن محمد إلى بريماكوف.. ما السر الذي غيّر روسيا؟

باحث أول في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين..


 

إن الصراع المتصاعد بين الدول الغربية وروسيا له جذور وأسباب أعمق بكثير من مجرد صدام بين القادة الحاليين.

يكمن سبب هذا الصراع في قوة الجاذبية الهائلة التي مارسها الشرق على روسيا لأكثر من ألف عام.

ولهذا السبب، تُجبر روسيا، التي سعت تاريخيا جاهدة لتصبح جزءا من الحضارة الغربية، على الاعتماد باستمرار على قوة وموارد الشعوب والحضارات الشرقية، وهو ما يدركه المتخصصون الروس في الدراسات الشرقية بشكل جيد.

بدأت الدراسات الشرقية في روسيا بالظهور قبل نحو ألف عام، مدفوعة بحاجة الحكام والتجار الروس إلى إقامة علاقات مع الدول الشرقية.

علاوة على ذلك، نشأت الدولة الروسية نفسها عند ملتقى طرق أوروبا وآسيا، واضطرت تاريخيا إلى الموازنة بين الغرب والشرق.

لهذا السبب، تطورت الدراسات الشرقية الروسية في البداية بوصفها أداة للقوة والحرب والتجارة، ثم لاحقا كتخصص أكاديمي.

بدأت الدراسات الشرقية في روسيا بالظهور قبل نحو ألف عام، مدفوعة بحاجة الحكام والتجار الروس إلى إقامة علاقات مع الدول الشرقية

الحرب والدين والتجارة

حدث أول اتصال بين القبائل الروسية القديمة وشعوب الشرق عندما اقتربت شعوب الشرق الأوسط من حدود الأراضي الروسية. ففي القرنين السادس والسابع الميلاديين، استولت الإمبراطورية الساسانية الإيرانية على جزء من داغستان.

وفي عهد عمر بن الخطاب عام 642، دخل صحابة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) داغستان، والتي تعد اليوم أكبر جمهورية إسلامية داخل روسيا.

ومن داغستان، اتجه المسلمون شمالا خلال الخلافة الأموية، حتى وصلوا إلى نهر الفولغا العظيم.

وفي عام 737م، وتحت قيادة الخليفة الأموي مروان بن محمد، وصل الجيش الإسلامي إلى حدود أوكرانيا الحالية. بل إن المحاربين الروس القدماء أنفسهم تطوعوا في جيوش القادة الأمويين.

كان اعتناق الشعب الروسي للمسيحية في القرن العاشر الميلادي، وتحديدا عام 988م، ذا أهمية بالغة في توطيد العلاقات بين الشعب الروسي والعالم الشرقي.

فمن خلال المسيحية، تعرف الروس على بلدان مثل فلسطين وسوريا ومصر وبيزنطة.

وبفضل الكتاب المقدس والكهنة المسيحيين والحجاج وكتب الكنيسة، بدأ الروس في اكتساب معلومات عن بلدان وشعوب الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

بهذا الشكل، انجذبت روسيا إلى بيزنطة، فأصبحت معقلا للمسيحية الشرقية، لا الغربية.

وإلى جانب الحرب والدين، كانت التجارة، بطبيعة الحال، قناة فعالة أخرى لتطوير العلاقات بين الأراضي الروسية وشعوب الشرق.

وبدأت أولى الاتصالات التجارية بين التجار والحكام الروس وشعوب الشرق في القرنين الثامن والعاشر الميلاديين من خلال التجارة مع الخاقانية الخزرية، والخلافتين الأموية والعباسية.

وقد أثرت الحملات العسكرية لجنكيز خان، وتبعية الأراضي الروسية للقبيلة الذهبية، تأثيرا كبيرا في اكتساب الدولة الروسية خصائص آسيوية.

ومنذ ذلك الحين، بدأت العلاقات التجارية بين الروس وشعوب آسيا الوسطى، وسافر التجار الروس إلى مدينتي خوارزم وبخارى في آسيا الوسطى، وسافر السفراء الروس إلى منغوليا وأفغانستان.

ومن المعروف أن السفراء الروس زاروا مدينة هرات الأفغانية في القرن الـ15، كما زار سفراء من هرات موسكو.

وفي النصف الثاني من القرن نفسه، زار التاجر الروسي الشهير أفاناسي نيكيتين الهند، وبعده زار تاجر روسي آخر، هو فيدوت كوتوف، إيران.

وكانت هذه جميعها ولايات سابقة للإمبراطورية المغولية ومناطق أخرى تابعة لها.

بدأت أولى الاتصالات التجارية بين التجار والحكام الروس وشعوب الشرق في القرنين الثامن والعاشر الميلاديين من خلال التجارة مع الخاقانية الخزرية، والخلافتين الأموية والعباسية

مرحلة توسع الدولة الروسية

بدأت مرحلة جديدة في علاقات روسيا مع الشرق في منتصف القرن الـ16، عندما تعززت قوة روسيا وبدأ القيصر الروسي إيفان الرهيب في غزو الأراضي الإسلامية المجاورة بنشاط، وهي خانات قازان وأستراخان وسيبيريا.

ولطالما كانت هذه الأراضي طريقا رئيسيا للتجارة الأوروبية مع الشرق الأقصى وآسيا الوسطى، وازداد حجم التجارة الخارجية للدولة الروسية بشكل ملحوظ.

ومن ثم، بدأت دول أوروبا الغربية تعتمد على موسكو في تطوير علاقاتها التجارية مع دول الشرق وآسيا الوسطى.

في ذلك الوقت، بدأ التجار من شتى أنحاء العالم بالتوافد على موسكو، من أتراك وإيرانيين وآسيويين وأرمن وألمان وإيطاليين.

بعد ذلك، أنشأ القيصر الروسي إيفان الرهيب "بوسولسكي بريكاز" (السفارة الروسية)، كأول وكالة للسياسة الخارجية الروسية، والتي جمعت معلومات عن العديد من دول الشرق.

أدى انجذاب روسيا نحو الشرق إلى وضع لم يستطع فيه حتى الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر، الذي بذل كل ما في وسعه لجعل روسيا جزءا من أوروبا، مقاومته.

ومع ذلك، اضطر إلى توسيع حدود الدولة شرقا، وشن حملات عسكرية في إيران، وفتح طرق تجارية جديدة إلى الشرق الأوسط، وقام بالبحث عن سبل لإقامة علاقات بين روسيا والهند.

لم يقاوم أي من القياصرة الروس اللاحقين هذا الانجذاب نحو الشرق، ولهذا السبب، واصلت روسيا في عهدهم التوسع السريع شرقا.

وبعد غزو سيبيريا والشرق الأقصى، وصل الروس إلى شواطئ المحيط الهادئ بحلول القرن الـ17.

علاوة على ذلك، في القرن الـ19، ضمت روسيا نهائيا أراضي القوقاز وآسيا الوسطى، التي كانت تضم أعدادا كبيرة من السكان المسلمين، والتي أدمجت في الدولة الروسية حتى قبل ضمها.

تأسيس الدراسات الشرقية السوفياتية

في عام 1917، اندلعت الثورة الاشتراكية في روسيا، وأطيح بالقيصر الروسي من السلطة.

تحولت روسيا القيصرية إلى روسيا السوفياتية، وبدأت البلاد في بناء مجتمع اشتراكي تحت قيادة الحزب الشيوعي.

ورغم التحول الأيديولوجي والسياسي الحاد في الدولة الروسية، اضطرت الدراسات الشرقية السوفياتية إلى الاعتماد على تقاليد الدراسات الشرقية الروسية في العهد القيصري، وظل تقسيم الدراسات الشرقية الروسية إلى عملي وأكاديمي قائما خلال الحقبة السوفياتية.

أدى انجذاب روسيا نحو الشرق إلى وضع لم يستطع فيه حتى الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر، الذي بذل كل ما في وسعه لجعل روسيا جزءا من أوروبا، مقاومته

كما تطورت الدراسات الشرقية العملية كأداة من أدوات السياسة الخارجية للاتحاد السوفياتي تجاه دول آسيا وأفريقيا.

أما في الدراسات الشرقية الأكاديمية، فقد اتسم البحث بطابع شيوعي واضح، واستخدم الباحثون السوفييت حصريا المناهج العلمية للمنظرين الشيوعيين كارل ماركس وفلاديمير لينين.

وأدت الدراسات الشرقية الإسلامية في العهد القيصري في القوقاز وآسيا الوسطى، الخاضعة للحكم السوفياتي، إلى إنشاء مراكز أكاديمية إقليمية للدراسات الشرقية السوفياتية في هذه المناطق الإسلامية من الاتحاد السوفياتي.

وقد أفضى ذلك إلى نمو سريع للدراسات الشرقية في الجمهوريات الإسلامية للاتحاد السوفياتي، كداغستان وأذربيجان وأوزبكستان وطاجيكستان وكازاخستان.

في هذه الجمهوريات، قاد باحثون محليون في الجامعات ومراكز الأبحاث المحلية دراسة العالم العربي والعالم التركي وإيران.

ويعود ذلك إلى أن الشعوب المسلمة في روسيا، ولاحقا في الاتحاد السوفياتي، كانت تاريخيا على صلة وثيقة بهذه الشعوب الثلاثة: العرب والأتراك والإيرانيين.

ومع ذلك، كانت جميع فروع الدراسات الشرقية في الاتحاد السوفياتي خاضعة لسيطرة الحزب الشيوعي، وتسعى إلى التعاون الوثيق مع وزارة الخارجية والمخابرات وجهاز المخابرات السوفيتي (كي جي بي).

ومن خلال المتخصصين في الدراسات الشرقية، دعمت الدولة السوفياتية بنشاط الأنظمة الموالية لها في الشرق الأوسط، وساندت الحركات الثورية، وعارضت سياسات بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل ودول أخرى في آسيا وأفريقيا.

وتجلى هذا الارتباط الوثيق بين الدراسات الشرقية السوفياتية والحزب الشيوعي وجهاز المخابرات السوفياتي (كي جي بي)، فضلا عن تأثير جاذبية الشرق على تطور روسيا، بوضوح في حياة يفغيني بريماكوف.

المستشرق الذي غير مسار روسيا

تخرج يفغيني بريماكوف من معهد موسكو للدراسات الشرقية في خمسينيات القرن الـ20، وعلى مدار 50 عاما حقق مسيرة مهنية باهرة من باحث شاب في اللغة العربية إلى مدير المخابرات الروسية ورئيس وزراء روسيا.

بعد حصوله على شهادته، بدأ مسيرته في أكاديمية العلوم كباحث أكاديمي، وبعد 20 عاما فقط من حصوله على شهادته في الدراسات الشرقية في سبعينات القرن الـ20، انخرط بريماكوف، كما روى بنفسه في كتابه "الشرق الأوسط على المسرح وخلف الكواليس"، في دبلوماسية سرية في الشرق الأوسط لصالح الحزب الشيوعي السوفياتي.

درس بريماكوف، بصفته محللا، الوضع السياسي في مصر، حيث خلص إلى أن الرئيس أنور السادات، على عكس سلفه جمال عبد الناصر، قد انتهج مسار التقارب مع الولايات المتحدة

في عام 1971، التقى بريماكوف في بيروت بزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، جورج حبش، ونقل إليه توصية موسكو بالامتناع عن اختطاف الطائرات واحتجاز الركاب كرهائن.

خلال تلك السنوات نفسها، درس بريماكوف، بصفته محللا، الوضع السياسي في مصر، حيث خلص إلى أن الرئيس أنور السادات، على عكس سلفه جمال عبد الناصر، قد انتهج مسار التقارب مع الولايات المتحدة.

بعد اندلاع حروب إسرائيل مع الدول العربية، كتب بريماكوف مقترحات إلى القيادة السوفياتية بشأن تعديل علاقات الاتحاد السوفياتي مع إسرائيل.

وافق الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف على هذه المقترحات، مما عزز بشكل كبير سلطة بريماكوف بين مسؤولي المخابرات والحزب الشيوعي السوفياتي.

في عام 1971، عهدت القيادة السوفياتية إلى بريماكوف بمهمة سرية لتحسين العلاقات مع إسرائيل، وهي مهمة حظيت بدعم رئيس جهاز المخابرات (كي جي بي) أندروبوف ووزير الخارجية السوفياتي غروميكو.

حاول بريماكوف إقناع إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهما منطقتان احتلتهما إسرائيل خلال حرب الأيام الستة عام 1967. وفي المقابل، عرض يفغيني بريماكوف، نيابة عن القيادة السوفياتية، على إسرائيل ضمانات أمنية من الاتحاد السوفياتي والغرب.

بعد 20 عاما، وتحديدا في عام 1991، أصبح يفغيني بريماكوف رئيسا لجهاز المخابرات الخارجية الروسية. تزامن ذلك مع الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي مباشرة، حين كانت الدول الغربية على ثقة بأنها قد أخضعت روسيا نهائيا.

النأي عن الغرب

وبعد بضع سنوات، عين بريماكوف وزيرا للخارجية الروسية، وقد قوبل تعيينه في هذا المنصب باستياء من الدول الغربية، إذ يرتبط اسم بريماكوف بانتقال روسيا من التبعية للسياسة الغربية إلى انتهاج سياسة خارجية مستقلة.

وقد دعا بريماكوف إلى مواصلة تطوير علاقات روسيا مع دول أوروبا وأمريكا الشمالية، ومع ذلك، أصر أيضا على الحفاظ على حق روسيا في انتهاج سياسة خارجية مستقلة مع الصين وجنوب آسيا والشرق الأوسط.

بدأت جاذبية الشرق، وبمبادرة من المستشرقين، في تحويل مسار روسيا من الغرب إلى الشرق مجددا في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي. ووفقا للمحللين، أعاد بريماكوف، بصفته وزيرا للخارجية الروسية، "الكرامة إلى السياسة الخارجية للبلاد"

وكان بريماكوف أول من اقترح تعزيز التعاون المتبادل بين روسيا والهند والصين، وهو ما شكل أساس مجموعة البريكس.

وبدأت جاذبية الشرق، وبمبادرة من المستشرقين، في تحويل مسار روسيا من الغرب إلى الشرق مجددا في فترة ما بعد الاتحاد السوفياتي.

ووفقا للمحللين، أعاد بريماكوف، بصفته وزيرا للخارجية الروسية، "الكرامة إلى السياسة الخارجية للبلاد".

لكن أهم تحول سياسي في روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي كان تعيين يفغيني بريماكوف رئيسا للوزراء عام 1998.

وبينما كان على متن طائرة حكومية متجهة إلى اجتماع في الولايات المتحدة، علم بريماكوف بقرار واشنطن قصف يوغوسلافيا، فأمر الطيارين على الفور بالعودة وهم فوق المحيط الأطلسي.

أثار هذا الإجراء الذي اتخذه بريماكوف جدلا واسعا في جميع أنحاء العالم، إذ مثل بداية تحول روسيا من الخضوع للسياسة الغربية إلى سياسة النأي بنفسها عنها.

واستمر هذا النهج بعد استقالة بريماكوف، حيث تولى فلاديمير بوتين منصبي رئيس الوزراء ورئيس روسيا، مظهرا للغرب أن روسيا استمدت قوتها تاريخيا من الشرق.


الأحد، 9 أغسطس 2026

متى دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا؟

 متى دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا؟



حمد حسن التميمي




هناك شجارات تبدأ بالصراخ، وأخرى تبدأ بضبط زاوية الكاميرا. في الأولى يقع الغضب، وفي الثانية يُجهز للنشر. 

يضع الإنسان هاتفه على الطاولة، ويتأكد أن الصورة واضحة، ثم يرفع صوته وينتظر أن يرد الطرف الآخر. 

لم يعد يريد حل المشكلة؛ صار يريد منها مشهداً. 

وبعد أن ينتهي كل شيء، يفتح التسجيل، ويختار الجزء الذي يظهره بالصورة التي يريدها، ثم يضغط زر النشر وينتظر. وحين يظهر التعليق الأول، يشعر أن ما حدث أصبح مهماً.


قد تظن أن هذا المشهد يخص شخصاً يبحث عن الشهرة، لكنك لا تحتاج إلى تصوير شجار حتى تجد جزءاً منك فيه. 

تخرج إلى مكان جميل، فتنشغل باختيار الصورة قبل أن تنظر إليه. تطلب الطعام وتتركه يبرد حتى تنتهي من تصويره. تكتب شيئاً تؤمن به، ثم تحذفه لأن الناس لم يتوقفوا عنده كما توقعت. وفي لحظة ما، لا تعود تسأل إن كنت استمتعت بما حدث، بل إن كان الآخرون قد رأوه؛ وكأن اللحظة التي لا تجد شاهداً عليها لم تحدث كاملةً.

هذه الرغبة لم تبدأ مع الهاتف. 

قبل أكثر من ألفي عام، أحرق رجل مغمور يدعى هيروستراتوس معبد أرتميس في مدينة أفسس، وكان واحداً من عجائب العالم القديم. لم يكن يريد مالاً، ولم يحمل قضية يدافع عنها. 

تقول الرواية إنه أراد شيئاً واحداً: أن يعرف الناس اسمه. فهم أهل المدينة غايته، فعاقبوه ومنعوا الناس من ذكر اسمه، حتى لا يأخذ من جريمته ما جاء من أجله. لكن مؤرخاً سجله، فعبر الاسم أكثر من ألفي عام، بينما ضاعت أسماء كثير ممن بنوا المعبد وحاولوا إنقاذه.

ومن قصته جاءت «الشهرة الهيروستراتية»: 

أن يعجز الإنسان عن بناء شيء يلفت الناس إليه، فيهدم شيئاً أكبر منه حتى يلتفتوا. 

وقد لا يكون ذلك الشيء معبداً؛ قد يكون بيته، أو سمعته، أو كرامة شخص يحبه. 

وفي عام 2010، دخل هيروستراتوس مختبر أريزونا من دون أن يذكر الباحثون اسمه. دخل على هيئة سؤال: 

هل يجعلنا التفكير في الموت أكثر رغبة في الشهرة؟

طلب باحثون، من بينهم جيف غرينبرغ من جامعة أريزونا، من 269 طالباً أن يكتب بعضهم عما يشعر به حين يفكر في موته، بينما كتب الآخرون عن الألم.

 وبعد ذلك قاسوا رغبتهم في الشهرة، فوجدوا أن الذين فكروا في الموت أصبحوا أكثر رغبة في أن يكونوا معروفين. 

وفي تجربة أخرى، عرض الباحثون على 55 طالباً خدمة تتيح للإنسان أن يضع اسمه على نجم في السماء، فكان الذين جرى تذكيرهم بالموت أكثر انجذاباً إلى الفكرة. 

لم يكن النجم هو المهم؛ المهم أن يبقى الاسم معلقاً في مكان أطول عمراً من صاحبه.

فالشهرة ليست دائماً حباً في التصفيق. أحياناً تكون محاولة لمقاومة الاختفاء. 

يعرف الإنسان أن عمره سينتهي، فيبحث عن شيء يقنعه بأن اسمه سيواصل الطريق بعده. 

وحين لا يجد عملاً يتركه، قد يترك فضيحة. والهاتف لم يصنع هذه الرغبة، لكنه جعل الطريق إليها أقصر؛ فالمنصات لا تسأل ماذا خسر الإنسان حتى يلفت الناس إليه، بل ترى رقماً يرتفع. لحظة غضب، أو سر من أسرار البيت، أو طفل يبكي، أو شخص يُهان؛ كل ذلك يصلح للنشر ما دام قادراً على إيقاف الناس أمامه.

ونحن لا نقف خارج المشهد. نشاهد المقطع، ونستنكر ما فيه، ثم نرسله إلى شخص آخر. نكتب أن صاحبه يبحث عن الشهرة، ونمنحه ما جاء من أجله. فالحريق لا ينتشر لأن أحدهم أشعله فقط؛ ينتشر لأن الآلاف قرروا أن يمنحوه الهواء. ثم يهدأ كل شيء، ويبقى صاحبه وحده أمام ما فعله. قد يعتذر، وقد يتغير، لكن المقطع لا يعتذر معه؛ يعود كلما بحث أحد عن اسمه، ويلتصق به أكثر مما التصقت به حياته كلها.

ومن يُعرف بسبب خلاف، قد يجد نفسه مضطراً إلى صناعة خلاف آخر حتى يبقى. فالناس الذين توقفوا عند سقوطه الأول لن ينتظروا منه حياة عادية؛ سينتظرون مشهداً جديداً. وهكذا يتحول الانتباه الذي رفعه لحظة إلى سجن يقضي داخله ما بقي من عمره. وفي بداية المشهد، كان الهاتف فوق الطاولة والكاميرا تعمل. انتهى الشجار وغادر الجميع، لكن المقطع واصل طريقه من هاتف إلى آخر. حصل صاحبه على ما أراد، ولم ينتبه إلى أن الهاتف لم يكن شاهداً على الحريق. كان عود الثقاب.

الثلاثاء، 4 أغسطس 2026

5 أعراض قد يخفي القلب وراءها حكاية

5 أعراض قد يخفي القلب وراءها حكاية


د. طارق أبو غزالة
استشاري أمراض القلب والأوعية والعلاج بالقسطرة.

يدخل رجل في الـ50 من عمره غرفة الطوارئ وقبضة يده على صدره بينما توحي ملامح وجهه بالذعر وكأنه ينتظر نهايته المحتومة، وفي غرفة الانتظار المجاورة، تجلس امرأة تشكو من دوخة متكررة لا تعرف لها سببا، وتكاد يُغشى عليها.

وفي زاوية أخرى شاب عشريني يشعر أن قلبه يخفق خفقانا سريعا "يكاد يقفز من صدره " وكأنه يجري في سباق الماراثون بينما هو جالس على كرسيه بهدوء.

وفي خضم ذلك كله يدخل فريق الطوارئ مع مريضة في عقدها الثامن على نقالة الإسعاف وقناع الأكسجين يغطي نصف وجهها وهي تتنفس بصعوبة بالغة.

القلب لا يتحدث بلغة واحدة حين يواجه مشكلة، فهو يعبر عن نفسه عبر عدة أعراض رئيسة قد تظهر منفردة أو مجتمعة: ألم الصدر، وضيق التنفس، والخفقان، والدوخة، وفقدان الوعي

أربعة مرضى بأربعة أعراض مختلفة، لكن السؤال الذي يدور في ذهن الممرضة التي تتلقاهم في غرف الإسعاف سؤال واحد: هل للقلب علاقة بما يجري بحيث يستدعي تدخل الطبيب بشكل آني؟

القلب لا يتحدث بلغة واحدة حين يواجه مشكلة، فهو يعبر عن نفسه عبر عدة أعراض رئيسة قد تظهر منفردة أو مجتمعة: ألم الصدر، وضيق التنفس، والخفقان، والدوخة، وفقدان الوعي. في هذا المقال سنأخذ كل عرض على حدة: ما هو، وما الأسباب القلبية التي قد تكمن خلفه.

علما أن هذا المقال لأغراض التوعية الصحية العامة، ولا يغني عن استشارة الطبيب المختص في أي حالة فردية.

أولا: ألم الصدر

ما هو؟: هو إحساس بالضغط أو الثقل أو الحرقة في منتصف الصدر، قد يمتد إلى الذراع اليسرى، أو الرقبة، أو الفك، أو منتصف وأعلى الظهر. لا يشترط أن يكون "ألما " حادا بالمعنى الحرفي، فالكثيرون يصفونه بأنه "شيء ثقيل يجثم على صدري".

الأسباب القلبية: أبرزها الذبحة أو الخناق الصدري الناجم عن تضيق الشرايين التاجية. هذا الخناق قد يكون مستقرا يظهر مع المجهود ويزول بالراحة وتناول حبة النيتروغليسيرين تحت اللسان، أو غير مستقر يظهر حتى في الراحة ويعد إنذارا خطيرا يستدعي سرعة كبيرة في التدبير.

إعلان

وقد يكون الألم علامة على احتشاء عضلة القلب (النوبة القلبية) نتيجة انسداد كامل في أحد الشرايين بالجلطة القلبية، وهي خثرة دموية صغيرة تسد الشريان التاجي الذي قد لا يتجاوز قطره 3 مليمترات، أي قُطر خيط السباغيتي الإيطالية، أو بسبب تشنج مفاجئ في الشريان التاجي حتى دون انسداد فعلي وهو ما يُعرف بخناق برنزميتال.

بقي أن نذكر أن أحد أهم الأسباب المؤهبة لأمراض الشرايين التاجية أو الإكليلية هو التدخين بكل أصنافه من سجائر وأرجيلة وشيشة.

كما يمكن أن ينتج الألم الصدري عن التهاب التامور وهو الغلاف المحيط بالقلب والذي قد يلتهب بسبب فيروسي في أغلب الأحيان، أو يكون الألم الصدري بسبب تسلخ الشريان الأبهر الأورطي، وهي حالة نادرة لكنها خطيرة جدا تؤدي للوفاة إذا لم يشخص المريض ويعالج بسرعة خلال ساعات، إذ إن معدل الوفاة فيه هو 1 إلى 2% في الساعة، بينما 50% من المصابين بهذا المرض يموتون قبل وصولهم للمستشفى.

ثانيا: ضيق التنفس

ما هو؟: هو الشعور بصعوبة أخذ نفس كاف، أو الحاجة إلى بذل مجهود إضافي للتنفس، وقد يظهر أثناء المجهود الشديد أو الخفيف أو حتى أثناء الراحة والاستلقاء.

أحد أهم الأسباب المؤهبة لأمراض الشرايين التاجية أو الإكليلية هو التدخين بكل أصنافه من سجائر وشيشة

الأسباب القلبية: أكثرها شيوعا هو قصور القلب الانقباضي أي تقلص القلب، أو الانبساطي وهو استرخاء القلب كي يعبئ الدم المؤكسج قبل ضخه للجسم، فيعجز القلب في كلتا الحالتين عن إيصال الدم بكفاءة للجسم فيتجمع السائل في الرئتين مسببا ما يعرف بالاحتقان الرئوي الذي يؤدي إلى نقص الأكسجين في الدم الذي يؤدي بدوره إلى ازدياد فشل القلب ما يؤدي لتجمع السوائل في الرئة وهكذا دواليك.

وغالبا ما يزداد ضيق التنفس هذا عند الاستلقاء ويتحسن بالجلوس.

كما يمكن أن يكون ضيق التنفس عرضا مرافقا لنوبة قلبية، أو ناجما عن أمراض الصمامات كتضيق أو قصور الصمام الأبهري أو التاجي، أو عن تجمع السوائل حول القلب (الانصباب التاموري) الذي يمنع القلب من الاسترخاء بالشكل الطبيعي فيعيق عمله وقد يؤدي لهبوط ضغط الدم إن لم يتم بزل (سحب وتفريغ) السائل التاموري بشكل إسعافي.

ثالثا: الخفقان القلبي

ما هو؟: هو الإحساس الواعي بخفقان القلب، سواء كان سريعا، أو قويا، أو غير منتظم، أو الشعور وكأن القلب "يتوقف " للحظة ثم يعاود النبض. أحيانا تعبر المريضة عن الخفقان بأنها تشعر برفة كالفراشة داخل صدرها.

الأسباب القلبية: أشيعها اضطرابات نظم القلب السريعة، وعلى رأسها الرجفان الأذيني الذي يجعل النبض سريعا وغير منتظم، أو تسارع القلب فوق البطيني الذي يبدأ فجأة ويتوقف فجأة، أو خوارج الانقباض المبكرة (سواء الأذينية أو البطينية) التي يشعر بها البعض كـ"نبضة زائدة " أو "قفزة ".

أما تسارع القلب البطيني فهو أخطر أنواع الخفقان؛ لأنه قد يهدد الحياة ويستدعي تدخلا عاجلا. كما قد ينتج الخفقان عن كسل في العقدة الجيبية الأذينية المسؤولة عن تنظيم نبض القلب الطبيعي فيتسارع القلب تارة ويبطئ تارة أخرى.

رابعا: الدوخة

ما هي؟: هي الشعور بخفة في الرأس، وقد يترافق هذا الشعور مع تشوش الرؤية، أو أن المرء قد أصبحت رؤيته نفقية سوداء، أو الشعور بالإغماء الوشيك.

إعلان

الأسباب القلبية: تحدث الدوخة القلبية غالبا حين يقل تدفق الدم إلى الدماغ؛ بسبب اضطراب في نظم القلب: نبض سريع جدا لا يمنح القلب وقتا كافيا للامتلاء بالدم، أو نبض بطيء جدا لا يوفر نتاجا قلبيا كافيا للدماغ.

كثير من حالات الدوخة أو الخفقان مثلا سببها القلق، أو الجفاف، أو شرب القهوة والشاي أو مشروبات الطاقة التي تحتوي على كمية كبيرة من الكافيين

كما يمكن أن تنتج الدوخة عن هبوط ضغط الدم الانتصابي؛ أي هبوط ضغط الدم عند الوقوف والمرتبط بقصور القلب أو بأدوية القلب نفسها، أو عن تضيق الصمام الأبهري الذي يحد من كمية الدم المتدفقة من القلب عبر الصمام، خصوصا أثناء المجهود.

خامسا: فقدان الوعي، الإغماء أو الغشي

ما هو؟: هو الفقدان المفاجئ والمؤقت للوعي ما يؤدي لانعدام القدرة على الوقوف وبالتالي السقوط، وهو ناجم عن النقص الحاد والمؤقت في تدفق الدم إلى الدماغ، ويعرف طبيا بالإغماء (Syncope).

الأسباب القلبية: هذا العرض من أكثر الأعراض التي تستدعي الحذر؛ لأنه قد ينتج عن اضطرابات نظم خطيرة كتسارع القلب البطيني أو الحصار القلبي الكامل الذي يؤدي لبطء شديد في معدل النبض، وقد يوقف القلب لثوان معدودة.

كما يمكن أن يكون الغشي علامة على مشكلة بنيوية في القلب مثل تضيق الصمام الأبهري الشديد، أو اعتلال العضلة القلبية الضخامي، أو عرضا لجلطة رئوية كبيرة تعيق تدفق الدم عبر الرئة بشكل مفاجئ.

الإغماء الذي يحدث أثناء المجهود البدني تحديدا يعد علامة تحذيرية قوية توجب الفحص القلبي العاجل.

يبقى أن نشير إلى أن السبب الأكبر للغشي هو الوهط (الهبوط) القلبي الوعائي؛ نتيجة تنبه العصب المبهم العاشر (أو الحائر) جراء الألم أو القلق الشديد أو الإثارة، أو غير ذلك من الأسباب.

متى يجب طلب المساعدة الطبية فورا؟

  • ألم صدر مفاجئ مصحوب بتعرق بارد أو غثيان أو ألم يمتد إلى الذراع أو الفك.
  • ضيق تنفس مفاجئ وشديد، خصوصا أثناء الراحة أو الاستلقاء.
  • خفقان مصحوب بألم صدر أو دوخة شديدة أو ضيق تنفس.
  • فقدان وعي حدث أثناء المجهود البدني، أو تكرر أكثر من مرة.
  • دوخة شديدة مفاجئة مصحوبة بعدم انتظام واضح في النبض.

هذه الأعراض الخمسة ليست علامة على مشكلة قلبية دوما، فكثير من حالات الدوخة أو الخفقان مثلا سببها القلق، أو الجفاف، أو شرب القهوة والشاي أو مشروبات الطاقة التي تحتوي على كمية كبيرة من الكافيين.

لكن حين تظهر هذه الأعراض بشكل مفاجئ أو متكرر أو مصحوبة ببعضها، فإن السلامة تقتضي عدم تجاهلها وطلب الفحص الطبي، فالقلب قد لا يمنحك تحذيرا ثانيا.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

تآكل الحقيقة والتآكل الصامت للواقع المشترك

 تآكل الحقيقة والتآكل الصامت للواقع المشترك



د. عثمان غازي قندمير 

 ترجمة وتحرير ترك برس

لم يُنتج البشر في أي مرحلة من تاريخهم هذا القدر من المعلومات كما هو الحال اليوم. كما لم يمتلكوا في أي وقت هذا الكم من البيانات، والخبراء، والأبحاث، ووسائل الاتصال. ومع ذلك، فإن العصر الذي نعيش فيه يُعد من أكثر العصور التي تُثار فيها النقاشات حول الحقيقة.

قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، تناقضاً. فأين تكمن المشكلة؟

المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في أن الحقيقة تفقد تدريجياً ثقلها في الحياة الاجتماعية.

وخلال السنوات الأخيرة، كان أحد أكثر المفاهيم استخداماً لتفسير هذه الظاهرة هو مفهوم "ما بعد الحقيقة" (Post Truth).

وقد اختار قاموس أكسفورد هذا المصطلح كلمةً لعام 2016، ويُقصد به أن الناس، عند تشكيل مواقفهم السياسية والاجتماعية، يتأثرون بمشاعرهم ومعتقداتهم الشخصية أكثر من تأثرهم بالحقائق الموضوعية.

وبعبارة أخرى، فإن الحقائق لا تختفي تماماً، لكنها تفقد تأثيرها في قراراتنا.

وكان هذا التشخيص مهماً.

لكن، هل يكفي لتفسير التحول الذي نشهده؟

لا، لا يكفي. فهناك مفهوم جديد هو Truth Decay، ويمكن ترجمته إلى العربية بـ**"تآكل الحقيقة"**.

ويقدم هذا المفهوم إطاراً أوسع، لأنه لا يقتصر على كيفية اتخاذ الناس لقراراتهم، بل يركز على تآكل النظام العام الذي تُنتج فيه الحقيقة، وتُتداول، وتحظى بالقبول.

ويفسر هذا المسار من خلال أربعة اتجاهات رئيسية:

تراجع التوافق حول الحقائق.

تلاشي الحدود الفاصلة بين الوقائع والآراء.

ازدياد تأثير الآراء الشخصية مقارنة بالمعلومات الموثقة.

تراجع الثقة بالمؤسسات المنتجة للمعرفة.

جميعها تبدو مألوفة بالنسبة إليكم، أليس كذلك؟

فهذه الاتجاهات تغذي بعضها بعضاً، وفي النهاية تتآكل مشاعر الإحساس بالواقع المشترك.

فماذا يعني ذلك؟

لنتخيل محكمة. فقد يطوّر محاميان دفاعين مختلفين انطلاقاً من الأدلة نفسها. وقد يقترح طبيب علاجات مختلفة استناداً إلى نتائج التحاليل ذاتها. كما يمكن لخبيرين اقتصاديين أن يدافعا عن سياسات اقتصادية مختلفة بالاعتماد على بيانات النمو نفسها.

وهذا أمر طبيعي في المجتمعات الديمقراطية، لأن أرضية النقاش مشتركة. فالاختلاف لا يكون في الوقائع، بل في تفسيرها.

وهنا تحديداً يبدأ تآكل الحقيقة.

ففي كثير من النقاشات اليوم، لم يعد الناس يتحدثون عن الوقائع نفسها. ولم يعودوا يدافعون عن تفسيرات مختلفة للحدث نفسه، بل عن وقائع مختلفة له.

يقع زلزال.

فتبرز إحدى القنوات التلفزيونية جهود البحث والإنقاذ، بينما تركز قناة أخرى على غياب التنسيق.

ويعرض السياسيون الحدث نفسه من مواقعهم السياسية المختلفة، فيما يقدم الخبراء، عبر شاشات مختلفة، تحليلات تتناقض مع بعضها البعض.

الزلزال واحد، لكن الروايات المتداولة في الرأي العام تنفصل تدريجياً عن بعضها.

ويمكن ملاحظة مشهد مماثل في الأخبار الاقتصادية.

فمعدل التضخم رقم واحد، وبيانات البطالة إحصائية واحدة.

ومع ذلك، يمكن بناء روايات متناقضة تماماً انطلاقاً من البيانات نفسها.

ففريق يتحدث عن تعافٍ اقتصادي، بينما يتحدث فريق آخر عن انهيار اقتصادي.

وفي النهاية، لا يتذكر المواطن غالباً البيانات نفسها، بل الإطار الذي قُدمت فيه تلك البيانات.

ويصبح هذا المشهد أكثر وضوحاً في الأزمات الدولية.

فخلال الحروب، لا تتنافس الأطراف في الميدان العسكري فقط، بل تتنافس أيضاً في مجال المعلومات.

فقد تُعرض صور القصف نفسه على أنها دفاع مشروع من جانب، وجريمة حرب من جانب آخر.

وتتحول التصريحات والإحصاءات والصور إلى أدوات لإقناع الرأي العام، بدلاً من أن تكون وسائل لشرح الحقيقة.

وبالطبع، فإن الدعاية ليست أمراً جديداً.

كما أن الصحافة المثيرة ليست جديدة.

أما التلاعب السياسي، فهو قديم قدم التاريخ البشري.

فما الذي تغير إذن؟

الذي تغير هو أن هذه الأساليب أصبحت جزءاً من السير الطبيعي للحياة العامة.

وفوق ذلك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي ليست وحدها المسؤولة عن هذا التحول.

فوسائل الإعلام التقليدية، بدافع السعي وراء نسب المشاهدة، تخلط أحياناً بين الرأي والخبر.

كما أن السياسيين قد يستخدمون البيانات بصورة انتقائية لتعزيز رواياتهم.

وقد يُجبر الخبراء، خلال البرامج التلفزيونية، على إطلاق أحكام قاطعة.

أما مراكز الفكر ومؤسسات البحث، فقد تقع أحياناً تحت تأثير التوجهات الأيديولوجية أو التوقعات المؤسسية.

وفي المقابل، يجد المواطن غالباً أن المعلومات التي تؤكد رؤيته للعالم أكثر إقناعاً.

إن تآكل الحقيقة ليس مشكلة أوجدتها مؤسسة واحدة أو تقنية واحدة، بل هو تحول بنيوي ناتج عن سلوكيات متشابهة تصدر عن أطراف متعددة.

وهناك تحول آخر لافت للنظر.

ففي السابق، كان هناك فرق واضح بين الخبر والمقال.

وكان القارئ يستطيع بسهولة التمييز بين النص الذي يقدم معلومات، والنص الذي يقدم رأياً.

أما اليوم، فقد أصبح هذا التمييز يتلاشى تدريجياً.

يُطلق أحد السياسيين ادعاءً.

وقبل التحقق منه، ينتقل إلى نشرات الأخبار.

ثم يُناقش لساعات في البرامج التلفزيونية المسائية.

وفي اليوم التالي، يصبح موضوعاً للتحليل في مقالات الرأي.

وبعد فترة، يتحول ما كان مجرد ادعاء في البداية إلى معلومة مؤكدة في أذهان كثير من الناس.

والمشكلة ليست في كون الادعاء صحيحاً أو خاطئاً.

بل في أن آلية التحقق فقدت وزنها في النقاش العام.

وهنا يظهر أيضاً الفرق الأساسي بين "ما بعد الحقيقة" و**"تآكل الحقيقة"**.

فمفهوم ما بعد الحقيقة (Post Truth) يفسر في المقام الأول نفسية الفرد، ويحاول فهم أسباب اتخاذ الناس قراراتهم بناءً على مشاعرهم.

أما تآكل الحقيقة، فيركز على المؤسسات.

فيدرس كيف تغيرت وسائل الإعلام.

ويتساءل إلى أي مدى يدعم النظام التعليمي التفكير النقدي.

ويبحث في كيفية إسهام الاستقطاب السياسي في تآكل الواقع المشترك.

كما يقيّم أسباب تراجع الثقة بالمؤسسات المنتجة للمعرفة.

وباختصار، فإن ما بعد الحقيقة يصف النتيجة، بينما تآكل الحقيقة يشرح المسار.

فإلى أي استنتاج يمكن أن نصل من ذلك؟

إن القضية التي نواجهها اليوم أعمق بكثير من مجرد تداول عدد من الأخبار الخاطئة.

فالمشكلة الحقيقية هي أن المجتمع يفقد تدريجياً نقاطه المرجعية المشتركة.

فالأنظمة الديمقراطية لا تتطلب من الناس أن يفكروا بالطريقة نفسها.

بل على العكس، فإن تنافس الأفكار المختلفة هو أساس الديمقراطية.

غير أن هذا التنافس لا يمكن أن يعمل بصورة سليمة إلا إذا استند إلى وقائع مشتركة متفق عليها.

وعندما يبدأ كل فرد بالعيش داخل واقع مختلف، تتحول النقاشات من البحث عن الحلول إلى إنكار واقع الطرف الآخر.

إن أكبر خطر اليوم ليس أن يصدق الناس الأكاذيب.

بل إن الخطر الأكبر هو أن يبدأوا بالاعتقاد بأن أي معلومة ليست جديرة بالثقة.

وفي بيئة تُنتج الشك بصورة مستمرة، يبدأ التعامل مع البحث العلمي ونظرية المؤامرة على أنهما في المستوى نفسه.

كما تصبح الحدود بين الخبر الموثق والادعاء غير الموثق باهتة.

إن الحقيقة نفسها لا تختفي.

لكن دورها الحاسم في الحياة العامة يتآكل.

وهذا هو بالضبط معنى تآكل الحقيقة.

فالمشكلة ليست في اختفاء الحقيقة، بل في التآكل الصامت للإحساس بالواقع المشترك الذي يتيح للمجتمع اتخاذ قراراته بصورة جماعية.

فالديمقراطية، وسيادة القانون، والنقاش العام، لا يمكن أن تقوم إلا على وقائع مشتركة.

وعندما تضعف هذه الأرضية المشتركة، لا يبقى لدينا أفكار مختلفة فحسب، بل وقائع مختلفة لا يلتقي بعضها ببعض.

إن القضية الأساسية اليوم ليست إنتاج حقائق جديدة، بل إعادة جعل الحقيقة المشتركة مرئية وجديرة بالثقة من جديد.

المصدر

 - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس