‏إظهار الرسائل ذات التسميات المستشار شفيق إمام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المستشار شفيق إمام. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 16 فبراير 2025

ما قل ودل: حالة الاغتراب والضياع التي تعيشها الأمة العربية

ما قل ودل: حالة الاغتراب والضياع التي تعيشها الأمة العربية 




المستشار شفيق إمام

وكما كشف ترامب عن الوجه الآخر القبيح لأميركا، وهو عنوان لمقالين سابقين لي نُشرا على صفحات «الجريدة» الغراء، فقد كشف ترامب كذلك عن حالة الاغتراب، التي تعيشها الأمة العربية، في الوطن العربي، عندما قرر فجأة، وبلا مقدمات، مع تابعه (قفه) نتنياهو، إعادة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، وتمزيق أوصال الأمة العربية، لضمان أمن دولة الاحتلال إسرائيل، وكانت سورية خطوة في مسلسل هذه الخريطة الجديدة، في الدعم الذي قدَّمته أميركا لهيئة تحرير الشام، في الخلاص من حاكم مستبد، وقد كان هذا هو الظاهر، لنا جميعاً، وربما كان كذلك لهيئة تحرير الشام ذاتها في ظني الذي يغلب عليه حُسن النوايا، ولكن كان في باطنه تقسيم سورية إلى دويلات، واحتلال جيش إسرائيل لجبل الشيخ وغيره، والسيطرة على نهر اليرموك، الذي يمد الأردن بمياهه، تزيد من الضغط على الأردن، لقبول خطة الشيطان الأكبر ترامب بتهجير الفلسطينيين إلى الأردن، وكانت الأمم المتحدة قد خرجت إلى حيز الوجود بصفة رسمية في أكتوبر 1945 والذي يقوم ميثاقها، من بين ما يقوم عليه من أهداف، على هدفين رئيسيين، حفظ السلم والأمن الدولي، وإنماء العلاقات الدولية بين الأمم على أساس حق تقرير المصير والمساواة بين الشعوب. 


إلا أن ترامب جاء لينتهك ميثاق الأمم المتحدة، وليفرض سيادة أميركا على كل دول العالم، بموجب ما أسماه السُّلطة الأميركية التي تخول الحق له بموجب هذه السلطة في الاستيلاء على غزة، وليلغي مبدأ سيادة الدول وحق تقرير المصير والمساواة بين الشعوب بقوة السلاح، وسط تأييد من اليمين المتطرف في أميركا. 

فلا غرو أن يخرج من الدولة العميقة في أميركا حاكم لأميركا، مثل ترامب، بهذا الصلف والتعالي والاستهتار بشعوب العالم كله، بحُكم ترسانته العسكرية العظمى، ليضم كندا وغرينلاند، ويمارس سيطرته واستبداده على كل شعوب العالم. 

الاغتراب أو الضياع العربي 

وقد رأى في الأمة العربية حالة من الضياع والاغتراب كشفت عنها حرب غزة، ليعلن أمام نظر العالم وسمعه أن الضفة الغربية هي مصدر قلق أمني لإسرائيل، وأنه قد آن الأوان لاستيلاء إسرائيل عليها، وأن غزة يجب أن يتم إعمارها باعتبارها من ممتلكات أميركا. 

فالأمة العربية، بامتدادها من قارة آسيا إلى شمال قارة إفريقيا، لتشمل المشرق العربي والخليج العربي وشبه الجزيرة العربية ووادي النيل والمغرب العربي، هذه الأمة أصبحت تعيش حالة اغتراب من نوع جديد ليس الاغتراب في الفلسفة الألمانية عند هيغل وفيورباخ ومصدره عندهما ديني وليس الاغتراب الاجتماعي والسياسي عند ماركس، فالاغتراب العربي اغتراب من نوع خاص، اغتراب سياسي عن النظم الديموقراطية التي تعيشها الأمم المتحضرة، واغتراب ديني، بين جماعات إرهابية تمارس الإرهاب باسم الدين، وهي بعيدة كل البُعد عن جوهر الدين الإسلامي الذي تعتنقه الغالبية العظمى من مواطني هذه الشعوب، وهو العدل والحرية والإخاء والمساواة والشورى الملزمة للحكام في مسماها الحديث (الديموقراطية). 

هو اغتراب قديم وحديث، في خضوعه للاستعمار القديم، ثم لاستعمار جديد، اقتصادي وثقافي، حتى بعد ثوراتها التحررية الوطنية، وإعلان استقلالها، والذي أصبح ديكوراً يزدان به جبين حكومات هذه الشعوب، وزخرفاً تتباهى به هذه الحكومات، وهي خاضعة لهذا الاستعمار الاقتصادي الجديد، من خلال أدواته الكثيرة، المساعدات الأميركية u.said وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واحتكار النظام الاستعماري الإمبريالي لثرواتها الطبيعية في تنمية شعوبه، وفي تخلف شعوب الوطن العربي في ظل ثقافة جديدة يغرسها هذا الاستعمار في وجدان هذه الشعوب العربية، باعتبارها مظهراً من مظاهر التقدُّم الحضاري، ليخضع الوطن العربي خضوعاً كاملاً لهذا الاستعمار، بتعاليه العنصري، واحتلاله الثقافي، وسحقه للشخصية العربية الحضارية والإسلامية، وإنسانيتها من جميع الوجوه. 

الذات الفلسطينية 

ولكن الذات الفلسطينية كانت من الصلابة والقوة التي صمدت ضد الاغتراب، فلم ينجح الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين في محو الشخصية الفلسطينية، وقد عاش الفلسطينيون ثلاثة أرباع قرن من الزمن تحت سطوة هذا الاحتلال، يتجرعون خلالها أبشع صنوف العذاب والقهر والقمع والأسر والقتل كل يوم على أيدي الآلة العسكرية الإسرائيلية، كما لم ينجح في اقتلاع هذا الشعب من جذور أرضه التي يرويها كل يوم بالدم، وقد رواها خلال الخمسة عشر شهراً الماضية بدماء خمسين ألفاً من شهدائه من أطفال ونساء وشيوخ ورجال ومقاومة باسلة تعيش في الخنادق، لتتنفس من تحتها رياح الوطنية والكرامة الإنسانية، فأصبحت الأرض عند هذا الشعب أغلى من كل كنوز الدنيا، وقد أضنت هذا الشعب الوعود الدولية في أوسلو وغيرها، في ظل سُلطة سياسية ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، وهي منظمة تتلقى تمويلها من فتات الرسوم التي تفرضها سُلطة الاحتلال على الأرض المحتلة، فإسرائيل صاحبة السيادة على هذه الأرض، بالقوة العسكرية التي تملكها، وبالدعم الاستعماري العالمي والمادي والأدبي، والذي كشف عنه طوفان الأقصى بعد هذه الحرب الوحشية على غزة، والتي امتدت إلى رفح والضفة، فأيقظت هذه الحرب وهذا الطوفان شعوب العالم كافة على القضية الفلسطينية وعلى شعب مقهور تمارس عليه سُلطة الاحتلال أبشع أنواع القمع والإرهاب والتشريد، بل والقتل. 

وأصبحت المنظمة آلة بيد سُلطة الاحتلال، في حالة اغتراب عن الواقع الفلسطيني المؤلم، والذي اهتزت له ضمائر شعوب العالم كلها وخرجت المظاهرات في كل أنحائه تندد بهذه الحرب، وعندما خرجت في الضفة مظاهرة واحدة، أطلقت عليها السلطة الفلسطينية النار، وأختتم هذا المقال بكلمة للمنظمة على لسان كل فلسطيني، 

ما قاله الشاعر ابن الرومي: 

تخذتكُمُ دِرعاً وتُرساً لتدفعوا

نِبَاَل العدا عنِّي فكنتُمْ نصالَها

وقد كنتُ أرجو منكُم خيرَ ناصرٍ

على حينِ خذلان اليمين شِمالَها

فإنْ أنتُمُ لم تحفظوا لمودّتي

ذِماماً فكونوا لا عليها ولا لَها


وللحديث بقية إن كان في العُمر بقية.


الأحد، 21 يوليو 2024

في ظلال الإسلام: تجديد الفكر الديني الكويت نموذجاً... دستوراً وواقعاً (1-2)

 في ظلال الإسلام: تجديد الفكر الديني الكويت نموذجاً... دستوراً وواقعاً (1-2) 

المستشار شفيق إمام 

كانت الحرب العالمية الأولى المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية العثمانية، ولم تجد من يبكي أو ينتحب عليها، عندما قام كمال أتاتورك بانقلابه عليها وألغى فيها الخلافة سنة 1924، فتخلت عن جوهر الحكم في الإسلام، المتمثلة في مبادئه الأربعة: العدل، والحرية، والمساواة، والشورى. 

بين عصرين 

لم يكن للسمع والطاعة وجود في صدر الإسلام، سواء في عصر النبوة، أو في عصر الخلافة الراشدة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للناس: «ما نَهَيْتُكُمْ عنْه فَاجْتَنِبُوهُ، وَما أَمَرْتُكُمْ به فَافْعَلُوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ». 

وفي عصر الخلافة، يقف سيدنا أبوبكر رضي الله عنه، بعد توليه الخلافة مخاطبا الناس «... إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني». 

ويقف عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بعد توليه الخلافة مخاطبا الناس «....إن رأيتم فيّ اعوجاجا فقوموني» فيرد عليه أحدهم ليقول له «والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بحد سيوفنا، فيرد عمر ويقول: الحمد الله الذي وجد في أمة محمد، من يقوّم عمر بحد السيف». 

وإن الخليفة الأموي، عبدالملك بن مروان، وقف بعد توليه الخلافة مخاطبا الناس يقول لهم «إنني في مقامي هذا من قال لي اتق الله، جعلتها في رقبته». 

سقوط الإمبراطورية العثمانية 

وقد كانت الحرب العالمية الأولى المسمار الأخير في نعش الإمبراطورية العثمانية، ولم تجد من يبكي أو ينتحب عليها، عندما قام كمال أتاتورك بانقلابه عليها وألغى فيها الخلافة سنة 1924، فقد تخلت عن جوهر الحكم في الإسلام، المتمثلة في مبادئه الأربعة: العدل، والحرية، والمساواة، والشورى. 

ولم تمض بضع سنوات إلا وكانت الصحوة الإسلامية التي تمثلت في جماعة الإخوان المسلمين، لإعادة الخلافة الإسلامية، ووجدها السلطان فؤاد، الذي أصبح ملكا على مصر بعد صدور دستور 1923، فرصة سانحة ليكون خليفة المسلمين. 

فتصدى لهذه القضية، قضية الخلافة الإسلامية فضيلة الشيخ علي عبدالرازق، في كتاب أصدره في هذا الخصوص، «الإسلام وأصول الحكم»، لا يزال تجديدا للفكر الإسلامي والخطاب الديني بعد ما يقرب من مئة عام على صدوره. 

السمع والطاعة 

وقد أغضب هذا الكتاب الملك فؤاد، كما أغضب علماء الأزهر الشريف، إلا أن الخطأ الذي وقعت فيه جماعة الإخوان المسلمين، هو أن تنظيمها، كان يقوم على «السمع والطاعة»، فلم تفتح لأعضائها باباً للاجتهاد وتجديد الخطاب الديني، لمواجهة التحديات التي واجهتها هذه الجماعة على مدى قرن من الزمان، في خطاب إعلامي، هو عالمي بحسب نشأته، بنزول الوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هدى للعالمين، بغض النظر عن أعراقهم وأجناسهم وألوانهم واختلاف ألسنتهم، وقد خاطبهم القرآن بـ«يا بني آدم» و«يا أيها الناس، » فالإسلام دين عالمي جاء للناس كافة في قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (سبأ، 28). 

وقد واجهت جماعة الإخوان المسلمين، عندما انتخب د. محمد مرسي رئيسا لمصر، بعد ثورة 25 يناير، مشكلة السمع والطاعة للمرشد العام، لهذه الجماعة، وقتئذ محمد بديع فرأى الأخير أن يحل د. محمد مرسي من قسمه بالسمع والطاعة، وقد أصبح رئيسا لمصر، وكان الحل من السمع والطاعة يجب أن يكون عاما شاملا لكل أفراد الجماعة، وقد انخرطت في العمل السياسي، وأنشأت حزبا من الأحزاب الذي خاضت به معركة الانتخابات للبرلمان، وقد غلبت على التيار الإسلامي النشوة والزهو بالأغلبية الكبيرة التي حصل عليها في الانتخابات، فراح يدعو الى السمع والطاعة في منتدياته وصحفه وقنواته الفضائية، والى قتل النفس التي حرام الله قتلها إلا بحق لكل من يخرج على طاعة الحاكم، وهي الدعوة التي أطلقها د. محمود شعبان في إحدى الفضائيات. 

ويشبه الأستاذ محمد عبدالمقصود د.محمد مرسي بالرسول، صلى الله عليه وسلم، يوم الحشد الذي حشده الفصيل الحاكم في 31/6/2013 في رابعة العدوية بمدينة نصر، فيقول لهم عندما طالب الرسول المسلمين بالبيعة، فسألوه: نبايعك على ماذا؟ فرد عليهم الرسول تبايعونني على السمع والطاعة. 

ويخطب المهندس عاصم عبدالماجد عضو مجلس شورى الجماعة في الحشد سالف الذكر الذي حمل شعار «لا للعنف» فيعلن أنه يرى، رأي الحجاج، رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لقاطفها بإذن الله، فلم يكن الحجاج فردا بل كان نظاما استمر قرونا طويلة بعد موت الحجاج، يقتل ويعذب ويشرد وينتهك الحرمات، رافعا راية الإسلام.

 وتخسر مصر ثورة 25 يناير التي بهرت العالم أجمع على صخرة (السمع والطاعة) لأولي الأمر، وقد حذر كيسنجر، داهية السياسة الأميركية، وراسم سياستها لعدة عقود من الزمان، حذر نتنياهو من شعب مصر، الذي قام بهذه الثورة. 

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية عن الكويت نموذجاً لتجديد الفكر الديني، دستوراً وواقعاً.

المصدر: هنا 

الأحد، 30 يونيو 2024

في ظلال الإسلام: تجديد الخطاب الديني... لنتجمل بالإسلام ونزهو ونفخر به ونلوذ

 في ظلال الإسلام: تجديد الخطاب الديني... لنتجمل بالإسلام ونزهو ونفخر به ونلوذ 

المستشار شفيق إمام


استطاعت المقاومة الإسلامية الفلسطينية، التي اعتبرها الغرب من جماعات الإرهاب، إرضاء لربيبته إسرائيل، أن تجدد الخطاب الديني السياسي، أمام العالم كله، بالمقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال الإسرائيلي، في طوفان الأقصى، في السابع من أكتوير 2023. 

في تجديد الخطاب الديني 

لست من المتخصصين في العلوم الشرعية أو من المتفقهين في علوم أصول الدين وغيره من العلوم التي تدرس في الأزهر الشريف، فلم أشرف بذلك، ولا أستطيع أن أطاول هؤلاء وأولئك في علمهم أو أن أخوض نقاشاً فيما تفقهوا فيه، وأفنوا حياتهم في البحث والدراسة والتحصيل العلمي، زادهم الله بصراً وعلماً وبصيرة. 

ولكني أحاول مع من سبقوني من غير هؤلاء العلماء الأجلاء مع كل التقدير لعلمهم الغزير، الاجتهاد ما وسعني ذلك في تفهم الدين والاجتهاد فيه، وهو حق كل مسلم، فالقرآن نزل بلسان عربي، وقد يسره الله للناس كافة، لينهلوا منه، ما يصلح أحوالهم في الحياة الدنيا للفوز بالجنة في الآخرة، فلم يجعل تبيانه حكراً على كهنوت يسبر الناس باعتباره الأعلم، والله أعلم مثل باقي الديانات، كالمسيحية التي ظلت تعاليمها محصورة لقرون طويلة في نطاق لغة، لم يكن متيسراً لغير العلماء أن يفهموها، ومثل الديانة اليهودية التي لم تكتمل شرائعها في حياة موسى، بل شاركه في تشريعها الأحبار من بعده في إعداد وصياغة كل التعاليم التي تحكم سلوك اليهود في الأسفار الخمسة، التكوين والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية. 

وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) في حجة الوداع يوم عرفة وقد نزل فيه الوحي مبشراً أنه «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» 

أهداف تجديد الخطاب 

فتجديد الخطاب الديني يستهدف في المقام الأول هدفين: 

أولهما: الرد على قالة السوء في الإسلام، من الغرب والذين وصفوا المسلمين بالهمجية والعنف والإرهاب، ولا أنكر أن هناك عشرات من الكتاب والمفكرين في الغرب الذين أنصفوا الإسلام في الخطاب السياسي ومن هؤلاء في فرنسا لامارتين وجارودي، الذي أسلم بعد ذلك، وبرنارد شو في إنكلترا وتولستوي في روسيا، ومايكل هارت في أميركا، حيث يقول الأديب والمفكر الروسي تولستوي (1828-1910) في كتابه عن محمد (صلى الله عليه وسلم) «أنا من المبهورين والمعظمين لمحمد، فهو الذي اختاره الله لتكون آخر الرسالات على يديه، ويكون هو كذلك آخر الأنبياء، فيكفيه فخرًا وشرفاً أنه خلص أمة ذليلة همجية دموية من مخالب شيطان العادات الذميمة، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم، وإن النبي محمد من عظام المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه شرفاً أنه هدى أمة برمتها إلى الحق». 

أما لامارتين (1790-1869) المفكر والأديب الفرنسي فقد أصدر كتابا عن حياة محمد، وقد تعرض لحملة عدائية من طرف المفكرين الفرنسيين لما تضمنه من آراء مدافعة عن الإسلام وعن سيرة الرسول والصحابة لتقريب الديانة الإسلامية إلى عقول الفرنسيين، وكانت مؤسسة جائزة سعود عبدالعزيز البابطين بالكويت قد أصدرت ترجمة لهذا الكتاب للدكتور محمد قويع. 

ويقول الأديب البريطاني برنارد شو (1856-1950م) «إنني أكن للدين الإسلامي تقديراً بالغاً نظراً لحيويته الرائعة، فهو الدين الوحيد الذي يبدو لي أنه يملك القدرة على استيعاب المرحلة المتغيرة من الوجود التي يمكن أن تكون جذابة لكل عصر، وعلى العالم أن يعلق قيمة كبيرة على توقعات الرجال العظام أمثاله... ولو كان لرجل مثل محمد أن يحكم العالم الحديث لاستطاع حل مشكلاته بطريقة تحقق له السلام والسعادة، اللذين يحتاج إليهما العالم بصورة ملحة... وقد تنبأت لدين محمد بالقبول في أوروبا مستقبلا، وقد أصبح مقبولا حاليا في أوروبا». 

ويقول مايكل هارت في كتابه «الخالدون المئة» من العظماء وأعظمهم محمد: «إنه أعظم سياسي عرفه التاريخ، وإن محمدا، عليه الصلاة والسلام، هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي... وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينيا، وبعد 13 قرناً من وفاته فإن أثر محمد علی الصلاة والسلام لا يزال قويا متجدداً... وكان البدو من سكان شبه الجزيرة مشهورين بشراستهم في القتال، وكانوا ممزقين أيضا رغم أنهم قليلو العدد، ولم تكن لهم قوة أو سطوة العرب في الشمال الذين عاشوا على الأرض المزروعة، ولكن الرسول استطاع لأول مرة في التاريخ، أن يوحد بينهم وأن يملأهم بالإيمان، وأن يهديهم جميعاً بالدعوة إلى الإله الواحد». 

الهدف الثاني من تجديد الخطاب الديني هو مواجهة السوس الذي بدأ ينخر في عظام الأمة الإسلامية في انتشار جماعات التكفير والهجرة، فهم أكثر عداوة وأشد قسوة وشراسة وإساءة الى الإسلام من أعداء الإسلام في الغرب. 

الجهاد وثورة المعلومات 

مواجهة هؤلاء بتجديد الخطاب الديني في الجهاد، في عصر المعلومات، بأن الطريق أصبح سهلاً وميسوراً لنشر الإسلام في العالم كله، وقد أصبح قرية صغيرة، من خلال وسائل الإعلام، من خلال التواصل بالإنترنت وغيرها من تقنيات ثورة المعلومات. 

ولم تكن الفتوحات الإسلامية، في عصر النبوة والخلافة الراشدة إلا دفاعاً عن الدين ورداً لعدوان الكفار على النبي وأصحابه، حيث كانت الثورة الإسلامية هي الأعظم في ثورات التاريخ كله، ثورة بيضاء أعلنت الإخاء والمساواة، في أعلى مستوياته بين الأسياد والعبيد بما لم تصل اليه الثورة الفرنسية (1789م)، وكانت الثورة الإسلامية الأسبق تاريخا في إعلان المبدأ الديموقراطي المعاصر، سيادة الأمة، في قول المولى عز وجل «وأمرهم شورى بينهم».

 «حماس» وتجديد الخطاب الديني 

وقد استطاعت المقاومة الإسلامية الفلسطينية التي اعتبرها الغرب وبعض البلاد العربية من جماعات الإرهاب، إرضاء لاسرائيل ربيبته، أن تجدد الخطاب الديني السياسي، أمام العالم كله، بالمقاومة الوطنية المشروعة للاحتلال الإسرائيلي، في طوفان الأقصى، في السابع من أكتوير من العام الماضي، وأن تبهر العالم أجمع، بروح الإسلام وجوهره في التسامح والغفران بالرعاية التي شملت بها الرهائن والأسرى الإسرائيليين، صحيا وإنسانيا ومعيشيا، بل في تسليمهم الى الصليب في الهدنة الأولى في الوقت الذي يرزح فيه الأسرى الفلسطينيون تحت صنوف وألوان من التعذيب في سجون إسرائيل. 

كما بهرت العالم أجمع ببسالتها وشجاعتها وصمودها لتسعة أشهر أمام الترسانة العسكرية العالمية، التي تزود الجيش الإسرائيلى، بأحدث أسلحة الفتك والتدمير للإنسان والحجر في حرب الإبادة الجماعية، الأكثر في دمويتها وفظاعتها وحجمها، من أكثر الحروب فتكاً بالبشرية، في الوقت الذي لا تملك فيه «حماس» إلا الأسلحة الخفيفة التي يخرج بها شبابها من الأنفاق، والأهم والأعظم من ذلك الإيمان بشعبها وحقه في حياة كريمة. 

في الوقت الذي تطالع العالم من داغستان، هجوم بالرصاص على كنيستين مسيحيتين ومعبد يهودي في هذا البلد، لتسيء هذه الهجمات الإرهابية، للإسلام والمسلمين، وللقضية الفلسطينية، التي نجحت حركة حماس الإسلامية في إحيائها بعد موات، بالكشف عن زيف الادعاء، بأن إسرائيل دولة ديموقراطية، تبحث عن الأمن والسلام، في أرض الميعاد وقد غص مطار إسرائيل الدولى في الثامن من أكتوبر الماضي، بجموع من الإسرائيليين لمغادرة إسرائيل، لعدم انتمائهم إلى هذه الأرض أصلاً، فهم من المغامرين، الذين نزحوا من بلادهم، ليحتلوا أرض غيرهم، يسومون أهلها العذاب والظلم والقتل والتشريد والتنكيل، باعتبارهم قاعدة عسكرية للاستعمار الإمبريالي العالمي. 

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.


الأحد، 23 يونيو 2024

في ظلال الإسلام: لكي لا تضل المفاهيم بين الجهاد وقتل الأطفال في غزة

 في ظلال الإسلام: لكي لا تضل المفاهيم بين الجهاد وقتل الأطفال في غزة 
المستشار شفيق إمام


في ظلال الإسلام أستميح قرائي الأعزاء أن أغير عنوان مقالي الأسبوعي «في ظلال الدستور» الذي شرفت به على صفحات «الجريدة» الغراء منذ صدورها في يونيو 2007، إلى «في ظلال الإسلام» ونحن نحتفل هذا الشهر جميعا قراءاً وكتاباً، بمضي سبعة عشر عاما على صدورها، وهي تزداد في كل يوم تألقا وإشراقاً، باعتبارها حاضنة لكل الآراء، مستميتة في الدفاع عن حرية الرأي وحق التعبير عنه. 

ولم يكن في تغيير هذا المقال تحولٌ عن منهجي الفكري في الدفاع عن التجربة الديموقراطية في الكويت، التي حفل بها دستورها، والتي تعتبر بحق نموذجا معاصرا للحكم في الإسلام، كالنموذج الأوروبي في البوسنة أو في تركيا أو تحولٌ عن اختصاصي المهني، كما لقبني الأخ العزيز والكاتب القدير عبداللطيف الدعيج في مقال له على صفحات «القبس» تحت عنوان «لا يا شيخ» في رده على مقال لي على صحفات «القبس» ذاتها، عندما تصديت للدفاع عن الإسلام الذي خرج الدستور من رحمه، ليطالبني بأن أعود أدراجي في البحث الدستوري والقانوني الذي أتقنه، وفقا لرأيه. 

وكان حواري والأخ الدعيج وثالثا الأخ أنور الرشيد، حول ما وصف به الدعيج العقوبات الشرعية بأنها عقوبات وحشية، تخالف الدستور الذي حظر إيذاء المتهم، وكان ردي على هذه القالة بأن هذا الحظر، ينصرف الى المتهم، لا المدان بحكم قضائي، وهو ما دار في المجلس التأسيسي في مناقشة نص الدستور الذي فرض هذا الحظر، وقد أبديت رأيي في تطبيقها بأن العقوبات الشرعية طائر في سرب أو رافد في نهر، وأنه لا يجوز الحديث عن الطائر دون الحديث عن سربه، أو الحديث عن الرافد دون الحديث عن نهره، وأن هذا السرب وهذا النهر يتمثلان بالعدالة الاجتماعية، وأن تكفل الدولة حقوق الإنسان كافة، وهو ما جعل سيدنا عمر، رضوان الله عليه، يوقف الحدود في عام المجاعة. 

فقد كنت دائما وأبدا مدافعا عن الإسلام، وفقا لمفهومه الصحيح، (وقد دار هذا الحوار بيننا على صفحات «القبس» بتاريخ 23 و25 و29 مايو 2001). 

وما زلت على الدرب ذاته، تحت هذا العنوان الجديد أتناول القضايا الدستورية لنبذ الخصومة التي افتعلها بعض (الشيوخ) بين الإسلام والديموقراطية (الشيخ سيد غباشي في كتابه «القول السديد» في أن دخول مجلس الأمة مناف للتوحيد)، والديموقراطية تدين بأصل نشأتها الى القرآن، وهو منبتها الأصيل قبل بزوغ فجرها في أوروبا بأكثر من عشرة قرون في قوله تعالى «وأمرهم شورى بينهم» وهي الآية التي يستمد منها مبدأ «سيادة الأمة» الذي لم تصل إليه أوروبا إلا في القرن السادس عشر. 

قتل الأطفال بدلاً من تيتيمهم 

ولا تختلف النازية الإسرائيلية عن النازية الألمانية في الحرب العالمية الثانية التي كانت السبب في يتم الملايين من الأطفال وهي الحرب التي قتل وشوه فيها خمسون مليوناً من البشر، كانوا آباء وأمهات لهؤلاء الأطفال، إلا أن النازية الجديدة في إسرائيل اختصرت الطريق بدلا من تيتيم الأطفال إلى قتلهم. 

الأطفال هذه النبتة الطيبة والغرسة الجميلة ما إن تتفتح عيونها على الحياة، وعلى حقها في الحياة بلا تمييز بحسب الجنس أو اللون أو الدين أو الهوية حتى تجد نفسها بين ركام التراب والأحجار في غزة ورفح لتلقى اليتم على أيدي آلة الإبادة الإسرائيلية، أو لتلقى حتفها، هذه النبتة الجميلة الطاهرة ما إن تطبق بشفتيها على ثدي أمها لتصبح هذه الأمة سيدة العالم، تلقى حتفها هي وأمها في مستشفيات غزة، هذه البراعم الطيبة وقد استيقظ العالم كله على صرخاتها وبكائها ونحيبها، ودمائها الزكية على أرض غزة، رمز العزة، إلا عالمنا العربي والإسلامي الذي يرزح تحت وطأة الإمبريالية العالمية، وفي قبضة أفيال مجلس الأمن بزعامة أميركا صاحبة أكبر رقم في الاعتراض على أي قرار يصدره مجلس الأمن يدين إسرائيل، لوأده، وهي الطفل المدلل في أحضان أفيال مجلس الأمن والإعلام الغربي وإعلام التيك توك وقد اختلطت أوراقه بين مفهوم الجهاد كما يمارسه شعب غزة الأبي لا «حماس» وحدها، فهي المتنفس الوحيد لهذا الشعب ضد القتل والتدمير لحياة هذا الشعب، هذا الإعلام يخلط بين الجهاد وبين الاستسلام لمقررات بايدن ومبادرته في إيقاف الحرب، وهي لا تعني سوى استئنافها لإبادة الشعب الفلسطيني عن آخره بعد الإفراج عن الرهائن. 

الجهاد في المفهوم الإسلامي 

والجهاد في المفهوم الإسلامي، ليس القتل الذي تمارسه إسرائيل على الهوية الفلسطينية، وفقا لمفهومها العقائدي اليهودي، فقتل غير اليهودي بشكل عام عند اليهود حلال لأنهم بقتله يرضى عنهم الرب لأن موروثهم العقائدي التاريخي أن من عاداهم وثنيون وأميون ينبغي التخلص منهم للاستقرار في أرض الله بما أنهم شعبه وأحباؤه، وقد كلم الله موسى نبيهم. 

وإن كان القتل يعد خطأ عاما في حق السماء فإن قتل غير اليهودي بطريقة غير مباشرة لا يعتبر إثما على الإطلاق في حق اليهودي (إسرائيل شاحالك: اليهود واليهودية ثلاثة آلاف عام من الخطايا- ترجمة ميادة العفيفي– تقديم إدوارد سعيد– ميريت للنشر وللمعلومات– الطبعة الأولى 2003، ص120 وما بعدها). 

إنما الجهاد في المفهوم الإسلامي هو الدفاع عن العقيدة ضد من أخرجوا المسلمين من ديارهم وساموهم الظلم والعذاب والتنكيل في استهلال نشر الدين الإسلامي، وما كان فتح مكة إلا لتحقيق هذا الغرض، وما كانت الفتوحات الإسلامية الا لنشر هذا الدين، وقد سبق هذه الفتوحات رسائل محمد (صلى الله عليه وسلم) الى هرقل وكسرى والمقوقس في مصر يدعوهم الى الإسلام، ولم يجبر أحدا بعد هذا الفتح أو هذه الفتوحات على ترك دينه واعتناق الإسلام. 

وينقسم الجهاد في الإسلام باعتباره فرضا من الفروض التي فرضها الدين الحنيف على المسلمين من حيث نطاق التكليف به الى نوعين: 

أولهما: فرض كفاية يبرأ من التكليف به أفراد المجتمع، إذا قام به فريق كاف منهم وتحققت أهدافه من حفظ الدين ونشره. 

أما النوع الثاني من الجهاد كفرض عين على كل مسلم إذا دنس العدو قطعة من تراب وطن المسلمين فلا تبرأ ذمة المسلم فيه إلا إذا نهض بدوره لتتكافل الأمة كلها في النهوض به، وانطلاقا من هذا التقسيم بين نوعين من الجهاد، فإن القضية الفلسطينية ليس الجهاد فيها وفي تحرير أرضها، فرض كفاية بل فرض عين على كل مسلم لأن أرضها تدخل في دار الإسلام، فضلا عن كونها فيها المسجد الأقصى، ثاني القبلتين وفيها بيت المقدس الذي يحج اليه المسيحيون من كل أنحاء العالم، فالجهاد لتحريرها من براثن العدو الصهيوني الذي يدنس هذا البيت في كل يوم، هو فرض عين على كل مسلم ومسيحي. 

وانطلاقا من هذا التقييم النوعي فإن «حماس» لم تكن الا الشرارة الأولى في الجهاد المقدس الذي فجرته في السابع من أكتوبر الماضي، وهو ما أدركه الفلسطينيون في غزة فشاركوا «حماس» معركتها بصمودهم وتضحياتهم الكبيرة بالأنفس والأرواح والأموال ليصنعوا لأمتهم الإسلامية والعربية النصر المؤزر. 

فلا تلوموا «حماس» إذا هي تحفظت على مبادرة بايدن في إيقاف الحرب لبضعة أسابيع لتستأنف بعدها حرب الإبادة الاسرائيلية لجميع الشعب الفلسطيني بعد تسلم رهائنها وأسراها، فهي ورقة الضغط الوحيدة، لدى حماس، لإنهاء هذه الحرب، واعادة الحياة الى القضية الفلسطينية، فغاية «حماس» من هذه التحفظات هي إنقاذ أرواح شعبها في غزة من استمرار هذه الإبادة. 

والله على ما أقول شهيد... وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.

الأحد، 16 يونيو 2024

ما قل ودل: مبادرة بايدن والحرب على غزة

 ما قل ودل: مبادرة بايدن والحرب على غزة  

     المستشار شفيق إمام


في خضم عودة الوعي إلى شعوب العالم بالقضية الفلسطينية في المظاهرات الصاخبة التي تجتاح الدول الكبرى ومدنها، وغيرها من الدول دفاعا عن الشعب الفلسطيني ضد حرب الإبادة الجماعية التي تشنها عليه إسرائيل في حربها على غزة، وصمود هذا الشعب العظيم تأنتي مبادرة بايدن لوقف الحرب. 
وفي هوس الولايات المتحدة الأميركية اللا واعي بترسانتها العسكرية والذي بلغ درجة تجاوز الهوس إلى ما يعرف بجنون العظمة، فهي تستجهل شعوب العالم، بكم من الرماد لا يكفي لذره في عيون كل شعوب العالم، ومستجهل الناس جاهل، فالحقيقة أقوى من الباطل، في ضوء كل ذلك تظهر حقيقة أميركا. 
الحقيقة أن أميركا تشارك في هذه الحرب بأحدث قوة تدميرية تزود بها الجيش الإسرائيلي لإفناء الشعب الفلسطيني، وهي تواصل ذلك وفي يدها اليسرى إنجيل المحبة والسلام، ودعواتها إلى ضرورة توفير كل الإمكانات لوصول المساعدات الإنسانية إلى سكان غزة، الذين تحاربهم إسرائيل بسلاح مضاعف الأثقال على الأطفال والنساء والمسنين، هو سلاح التجويع فتلقي طائراتها المساعدات الإنسانية في بحر غزة، ليلقى الفلسطينيون حتفهم غرقا بدلا من الموت جوعا، تعددت الأسباب والموت واحد، والرئيس الأميركي بايدن المبجل! 
يعلن في بداية الحرب أنه على ثقة بأن إسرائيل تراعي قوانين الحرب، ووزير خارجيته بلينكن المبجل أيضا يعلن أن الحرب على غزة، إنما هي حرب على «حماس» وحدها، ولكن لها تداعيات على المدنيين، بل نتقبل هذه التداعيات بصدر رحب لأن نبل الهدف من هذه الحرب، هو القضاء على حماس، وهو هدف مشترك يشارك فيه حكام العرب، كما يقول المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون يبرر إبادة الشعب الفلسطيني بأسره، كما فعلوا معا في النصيرات عندما قتلوا 269 فلسطينيا للإفراج عن أربعة رهائن يحملون الجنسية الأميركية والإسرائيلية. 
إن «حماس» أصبحت فكرة والفكرة لا تموت أبدا، وإن القضاء على «حماس» معناه إفناء الشعب الفلطسيني كله، وقد آمن بهذه الفكرة، وقد عانى من التنكيل به واضطهاده وهدم بيوته وأسر شبابه وتشريد سكانه، والقتل على الهوية الفلسطينية، ما عاناه طوال 70 عاما ويزيد. 
وبايدن يدعو الى وقف الحرب بيده اليمنى، ويستخدم بيده اليسرى حق النقض (الفيتو) ليوقف ويعطل كل قرار يقترح في مجلس الأمن لوقف الحرب، بل يرفض لاستخدام هذا المجلس لسلطته في تنفيذ حكم محكمة العدل الدولية لوقف الحرب على غزة. 
ويقر الكونغرس الأميركي قانونا يتيح للحكومة الأميركية فرض عقوبات اقتصادية على المحكمة الجنائية الدولية إذا سولت لها نفسها أن تصدر مذكرة اعتقال في حق نتنياهو وعصابته الإجرامية عن جرائم حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني. 
وجدير بالذكر أن أميركا وإسرائيل كانتا ضمن الدول التي وافقت على إنشاء هذه المحكمة، وميثاق إنشائها بروما سنة 1998 إلا أنهما انسحبتا من المحكمة قبل اكتمال إنشائها حتى لا يتعرض جنودهما للملاحقة الجنائية لهذه المحكمة. 
ويقرر الرئيس الفرنسي ماكرون حل الجمعية الوطنية (البرلمان) بعد الانتفاضة التي قام بها نوابه لمناصرة فلسطين والشعب الفلسطيني، في جلسة علنية شاهدها العالم أجمع على التلفاز، استجابة للمظاهرات التي اندلعت في الشارع الفرنسي على زعم التصدي لليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي. 
وكان الرئيس الفرنسي في بداية الحرب على غزة، قد أعطى لإسرائيل في مؤتمر صحافي عالمي تفويضا على بياض، باستمرار هذه الحرب لعشر سنوات. 
ويقدم الرئيس الأميركي بايدن تحت ضغط الشارع الأميركي المتمثل في طلاب أكبر جامعات في أميركا والمظاهرات الصاخبة في المدن الأميركية وهو على أعتاب انتخابات رئاسية قريبة، مبادرة بإيقاف الحرب على غزة، مبادرة يلفها الغموض من كل جانب، وتحيطها الشبهات من كل ناحية، تصاحبها مطالبة إسرائيل أميركا بتقديم ضمان أساسي بأن تستأنف إسرائيل الحرب، بعد بضعة أسابيع وبعد أن يكون قد تسلمت أسراها (الرهائن)، لأن الحرب لم تحقق أهدافها في القضاء على «حماس» التي هي الشعب الفلسطيني بأسره، مسرحية محبوكة لإلقاء اللوم على «حماس» بأنها وحدها التي تتحمل تبعات قتل شعبها، وأن إسرائيل بريئة من دم هذا الشعب براءة الذئب من دم ابن يعقوب، و«حماس» والشعب الفلسطيني يخوضان أشرف معركة عرفها التاريخ الإنساني. 
ومبادرة بايدن لا تعدو أن تكون تأجيلا للإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في الحرب على غزة، حتى تتفرغ لإبادة النازحين الى رفح، ثم تستأنف حرب الإبادة لإراحة بايدن من صداع الشارع الأميركي، وهو يخوض انتخابات الرئاسة الأميركية.


السبت، 27 أبريل 2024

في ظلال الدستور: الثورة الإسلامية الأعظم في تاريخ الثورات «ثورة إنسانية»

في ظلال الدستور: الثورة الإسلامية الأعظم في تاريخ الثورات «ثورة إنسانية» 


المستشار شفيق إمام


ثورة إنسانية 

يقول الفقيه الكبير الإسلامي الراحل الشيخ محمد متولي الشعراوي، في وصف النبي ﷺ في الثائر الحق، «ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد، لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون، وتلتف قلوبهم حوله، أما المنتفعون بالفساد فيقولون إن أتباعك هم أراذلنا».

 استعدت هذه الكلمات التي كانت خاطرة من خواطر فضيلة الشيخ الراحل، وأنا أتابع بالبحث والتحليل والتمحيص، ما جرى في القرن السادس الميلادي، من نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد ﷺ هدى للعالمين، وما قام به آخر الأنبياء والرسل، باعتباره داعيا ومبشرا ونذيرا، بثورة الحق والعدل والحرية والمساواة والإخاء، على الظلم والطغيان في العالم كله، وهو ما سطرته في مقالات سابقة على هذه الصحفة، ورأيت في هذا المقال المنشور اليوم أن أرد الفضل إلى أهله، فقد سبقني إلى وصف الإسلام بالثورة الشيخ الجليل الشعراوي، وإن قالها على استحياء، «وكأنها ثورة» ولكنها- في رأينا- كانت ثورة حقيقية، لا حكما أو مجازا وإن اختلفت عن باقي الثوارت عبر التاريخ في أنها صدرت بأمر إلهي، وما كانت الأوامر الإلهية مصدرا لأي ثورة من هذه الثورات، كما أنه في تشبيهه المجازي كان متأثرا بفقه الإسلام، وهو الأعظم في استنباط الأحكام على مستوى الفقه المقارن كله، وإن كان فقهنا الإسلامي قد ابتعد ما أمكنه ذلك عن شؤون الحكم، مؤثراً السلامة، وقد وجد ضالته في السمع والطاعة للحاكم، وفقا لتفسير الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ»، فضل طريقه عن المقصود من هذا النص القرآني. 

ديموقراطية إنسانية 

وكما أسفرت الثورات على الملوك حصاداً مراً أحيانا بتحول الثوار إلى طغاة، فنشأت النازية والفاشية، وغيرهما من الحكومات الأوليغارسية والعسكرية، وحصادا طيبا أحيانا أخرى، بأن تحكم الشعوب نفسها بنفسها من خلال ممثليها الذين انحرف الكثيرون منهم عن أهداف ثوراتهم، فإن هذه الثورات جميعها لم تجاوز أهدافها، العدل السياسي، الى تحقيق العدل الاجتماعي، فكان هذا أبعد من أن تحققه ثورة من هذه الثورات، سواء كانت قد قامت بها القلة الأرستقراطية، أو النخبة، أو الطبقة العاملة، لأنها لم تكن جميعها ثورة إنسانية كالثورة الإسلامية التي قام بها الجميع من أسياد وعبيد، ومن كل الأجناس والأطياف والألوان، فكانت الديموقراطية نبتتها الأولى في الإسلام، ديموقراطية إنسانية، وهو الوصف الذي أطلقه عليها الأديب الكبير الراحل عباس محمود العقاد، حيث يقول «إن الديموقراطيات قديمها وحديثها لم تقم على الحق الإنساني المعترف به لكل إنسان، وإنها كانت إلى الضرورة العملية أقرب منها إلى المبادئ الفكرية والأصول الخلقية، بل كانت في اليونان القديمة من قبيل الإجراءات أو التدابير السياسية التي تنفي الفتنة، وللاستفادة من جهود العامة في أوقات الحرب على الخصوص، ولم تكن هذه الثورات والديموقراطيات إلا ثورات وديموقراطيات سياسية أما الديموقراطية في الإسلام فكانت ديموقراطية إنسانية تقوم على الاعتراف بحقوق الإنسان (عباس محمود العقاد- الديموقراطية في الاسلام– دار المعارف بمصر)، فالثورة الإسلامية كانت الأولى من بين الثورات التي قامت على أساس حقوق الإنسان، وكانت ثورتها ثورة إنسانية. 

ويضيف د. طه حسين عميد الأدب العربي الراحل إلى ذلك «إن الإنسانية سلكت في سبيل الحكم الصالح كل الطرق، وجربت كل النظم، فلم تنته إلى غاية... تضمن للناس الحرية والعدل جميعا... وهذا النظام القويم هو الذي حاولت الخلافة الإسلامية لعهد أبي بكر وعمر أن تنشئه، فمات أبو بكر، رحمه الله، ولم يكد يبدأ التجربة، وقتل عمر رحمه الله، وقد خطا بالتجربة خطوات واسعة، لكنه لم يرض عنها، فقد رُوي عنه أنه كان يقول في آخر خلافته، لو استقبلت من أمرى ما استدبرت، لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء، فقد رأى عمر أنه لم يبلغ من تحقيق العدل الاجتماعي ما كان يريد، فكيف ولم يعرف المسلمون ولا غير المسلمين أميراً حاول من العدل ما حاول عمر، وحقق منه ما حققه عمر، رضي الله عنه». (د. طه حسين – الفنتة الكبرى – عثمان - دار امعارف – ط الحادية عشرة 1996 – ص8). 

ومع كل التقدير لعميد الأدب العربي ولما نهلناه ونهلته الأجيال من علمه الغزير، وأطروحاته فيما كتبه في، الوعد الحق، ومرآة الإسلام، والشيخان (أبوبكر وعمر) وغيرهما، فإننا ننبه إلى زلة قلم وقع فيها سيادة العميد الراحل، في قوله «وهذا النظام القويم- الذي يضمن للإنسان الحرية والعدل جميعها- حاولت الخلافة الإسلامية لأبي بكر وعمر أن تنشئه) ذلك أن هذا النظام القويم، الذي يجمع بين الأمرين، قد نزل به القرآن الكريم، وطبق في عصر النبوة، فلم تحاول تجربة أبي بكر وعمر إنشاءه بل تطبيقه. 

هولوكست فلسطين والنازية الجديدة 

استعدت الثورة الإسلامية، الإنسانية، وأنا اتابع الفداء الذي قدمه أبطال حماس في السابع من أكتوبر، وحتى هذه اللحظة في إصرار وتصميم على عدم الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين إلا بعد وقف الحرب على غزة، أو بالأحرى وقف هولوكست غزة، والعالم يتابع مجزرة ومذبحة غزة، أو هولوكست الفلسطينيين، على يد النازية الجديدة (إسرائيل) والعالم يرى ويسمع كيف ازداد تمسك الضعفاء من الفلسطينيين بحماس وهم يتساقطون بالعشرات كل ساعة، شهداء يروون بدمائهم، الأرض الطيبة، التي احتلها الغاصبون، وتلتف قلوبهم كل يوم وكل ساعة حول أبطال حماس، أبنائهم وإخوانهم، والعالم يتابع حياة الفلسطينيين المطحونين بطغيان الآلة العسكرية الإسرائيلية وطغيان الترسانة العسكرية الغربية التي تمد إسرائيل بالأسلحة والمال، وقد أقر الكونغرس الأميركي (95) مليار دولار أميركي، مساعدة لكل من أوكرانيا وإسرائيل في حربهما، مع اختلاف المعايير والمقاييس بين الحربين، إلا أن ما يجمعهما هو هيبة الإمبريالية العالمية الغربية التي سقطت في آتون هاتين الحربين. 

وفي هذا الساق يسعدني توجيه تحية إلى المواطن السعودي ماهر موصلي، على الفيديو الذي نشره على حسابه في اليوتيوب، والذي أجرى فيه مقارنة بين جرائم النازية الجديدة (إسرائيل) في حق الشعب الفلسطيني، وجرائم هتلر النازية في حق اليهود، قبل قيام «تويتر» بحذف هذا الحساب. العقيدة الدينية ويجمع بين حماس والثورة الإسلامية التي قادها سيدنا محمد ﷺ، هذه القلة القليلة من أبطال حماس، الذين أيقظوا العالم كله على ثورة الضعفاء في فلسطين، كما أيقظ أحد عشر عربيا من مكة الذين آمنوا بالثورة الإسلامية في مهدها التي قادها النبي ﷺ، ليظهر العالم كله على الدين الجديد. كما يجمع بين القلة القليلة من أبطال حماس في طوفان الأقصى بالقلة القليلة من المؤمنين بدعوة محمد ﷺ، والذين قادهم محمد ﷺ في أعظم ثورة في تاريخ الثورات، العقيدة الإسلامية، كما جاء بها القرآن الكريم قال تعالى «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا» (الأحزاب 36). 

اما المنتفعون بالفساد من أبناء هذه الأمة والذين ضعف إيمانهم بقضاء الله، والذين تجمعهم في الهجوم على حماس واتهامها بأنها سبب هذا الابتلاء في غزة، تجمعهم حظيرة الدفاع عن مصالحهم وأموالهم التي حصلوا عليها بالباطل، بالتقرب من الحكام، والدفاع عن صمتهم على هولوكست غزة، وقد بات هؤلاء وأولئك معزولين عن شعوبهم، بل عن ضمير أمتهم، بل ضمير شعوب العالم أجمع. وللحديث بقية عن حقوق الإنسان في الثورة الإسلامية الإنسانية.



الأحد، 7 أبريل 2024

ما قل ودل: مقاومة دنشواي للاحتلال البريطاني بالحجارة وردة فعلة الإعدام

ما قل ودل: مقاومة دنشواي للاحتلال البريطاني بالحجارة وردة فعلة الإعدام
المستشار شفيق إمام 

الجيش والجلد 
والإعلام يطالعنا بمئات القتلة صباح كل يوم على مدار سبعة أشهر في حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل والغرب الاستعماري على الشعب الفلسطيني في غزة، كردّ فعل لأسر بعض مئات من الجنود والمدنيين الإسرائيليين في السابع من أكتوبر الماضي، الأمر الذي أيقظ ضمير شعوب العالم بأسرها منددا بحرب الإبادة، استعدت من الذاكرة ما فعله الاحتلال البريطاني بأهالي قرية دنشواي الذين قاوموا الاحتلال البريطاني على أرضهم وممتلكاتهم بالحجارة وكان ضباطهم الذين جاسوا هذه الأرض لصيد الحمام في هذه القرية المشهورة بحمامها الجيد، فطاش رصاصهم ليقتل فلاحة مصرية، وخلال مطاردة الأهالي لهم لتسليمهم للعدالة سقط ضابط منهم ميتا قبل أن يصل إلى معسكره وقبل أن يصل إليهم الأهالي. 
كانت الحجارة هي سلاحهم الوحيد، كما كانت الحجارة سلاح المقاومة الفلسطينية قبل أن يكبر أطفالها ويصبحوا أبطال «طوفان الأقصى». 

المحاكمة الجائرة 
وهي التي عقدت لمحاكمة أهالي القرية وكان أبي، رحمة الله عليه، قد رواها لي في طفولتي، فكانت أول دروس الوطنية التي تعلمتها منه، فقد كان والدي شاهد عيان على هذه المحاكمة، فقد سافر والأستاذ عبدالقادر التوني رئيس تحرير جريدة العلم المصري، وهي من جرائد الحزب الوطني إلى جوار جريدة اللواء لتصوير المحاكمة والمشانق التي كانت قد نصبت قبلها، وكانا صديقين وعضوين في الحزب الوطني (حزب مصطفى كامل).
 
تشكيل المحكمة 
وكان بطرس باشا غالي وزير الحقانية (العدل) قد أصدر قرارا بتشكيل محكمة مخصوصة لمحاكمة المتهمين من أهالي القرية، برئاسته وعضوية المستشار القضائي البريطاني، ووكيل محكمة الاستئناف الأهلية البريطاني، والقائم بأعمال المحاماة والقضاء في جيش الاحتلال، وأحمد فتحي بك زغلول (باشا) رئيس محكمة مصر الابتدائية، وأن يكون انعقادها في شبين الكوم، مركز القرية وكان الطبيب الشرعي الانكليزي الذي انتدبته المحكمة قد أثبت في تقريره أن السبب المباشر لوفاة الضابط الانكليزي هو ضربة الشمس التي أصابته من شدة الحر، وكان قد سبق عقد المحكمة لجلساتها، تعليق المشانق في قرية دنشواي وتمت محاكمة تسعة وخمسين منهم، اثنان وخمسون منهم حوكموا حضوريا، وسبعة غائبون، حيث قضت المحكمة بإعدام أربعة شنقا في القرية ذاتها، وبالأشغال الشاقة المؤبدة لاثنين منهما مؤذن القرية الذي ماتت زوجته قتيلة برصاصة طائشة. 
والحكم بعقوبة الحبس على عشرة من أهالي القرية، لمدد تتراوح بين الأشغال الشاقة خمس عشرة سنة، والأشغال الشاقة سبع سنوات، ثلاثة منهم بالحبس سنة واحدة، مع جلد كل منهم خمسين جلدة والحكم بجلد خمسة فلاحين من أهالي القرية خمسين جلدة، وتم تنفيذ حكام الإعدام والجلد علنا في حضور أهالي قرية دنشواي. 

حزن الشعب المصري الساكن 
وقد وصف القاضي والمفكر ومحرر المرأة في مصر حال الشعب المصري يوم تنفيذ الحكم بقوله «رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبا مجروحا وزورا مخنوقا، ورعشة عصبية بادية في أيديهم وفي أصواتهم، كان الحزن والأسى على جميع الوجوه حزنا ساكنا مستسلما للقوة الغاشمة مختلطا بالدهشة والذهول، الناس يتكلمون بصوت خافت وعبارات متقطعة... كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف في كل مكان، وكأن مصر كلها دار ميت». 

الزعيم مصطفى كامل 
وكتب الزعيم مصطفى كامل، باعث الحركة الوطنية في مصر ضد الاحتلال، في جريدة لو فيغارو الفرنسية الشهيرة، في عددها الصادر في 11 يوليو سنة 1906، وكان غائبا في باريس وقت المحاكمة يدعو للقضية المصرية، مقالا باللغة الفرنسية تحت عنون «الى الأمة الانكليزية والعالم المتمدن» يصف في المقال جيش الاحتلال، الذي كان ذريعة احتلاله مصر حماية أمنها، بأنه تحول إلى آلة إرهاب، وأن العدل لم يكن مقصودا في هذه المحاكمة، بل الانتقام الفظيع من الأهالي الذين قاموا بالدفاع عن أنفسهم وعن أملاكهم، وبأن العقوبات التي ستوقعها المحكمة ستضرب للناس عبرة هائلة، كما كتبت الصحف المؤيدة للاحتلال. 

ولم تلتفت المحكمة لدفاع الفلاحين، بأن الضباط الانكليز هم الذين هاجموهم في ممتلكاتهم وقتلوا إحدى نسائهم، وأن هؤلاء الضباط لم يكونوا يمارسون عملا يدخل في طبيعة وظائفهم، بل كانوا متجردين من صفاتهم الوظيفية، باعتبارهم أفرادا عاديين ومنهم نولن الذي حدد سبب وفاة الضابط بضربة شمس. 
وختم مقاله بكلمة قال فيها «إننا نطالب بالعدل والمساواة والحرية، ونطلب دستورا ينقذنا من السلطة المطلقة، ولا شك أنه لا يمكن للعالم المتمدن للحرية والعدل في انكلترا، إلا أن يكونوا معنا ويطلبوا مثلنا، ألا تكون مصر التي وهبت للعالم أجمل وأرق حضارة مدنية أرضا يخرج فيها جيش الاحتلال بهمجيته، بل بلادا تستطيع المدنية والعدل أن ببلغا فيها من الخصوبة والنمو مبلغ خصوبة أرضها المباركة».

دوي المقال في الغرب 
ودوى هذا المقال في انكلترا وأوروبا كلها، وتناقلته الصحف في مختلف الدول، وزلزل الأرض تحت أقدام كرومر، حيث هاجم بعض النواب الأحرار في البرلمان البريطاني اللورد كرومر يستنكرون المحاكمة وتنفيذ الأحكام وحمّلوه المسؤولية الكاملة. 
ونصحت جريدة (التربيون) الإنكليزية الحكومة البريطانية بوجوب منح مصر حكومة مستقلة، وذكر الكاتب الانكليزي الشهير المستر ستيد الحكومة البريطانية في مقال له بمجلة المجلات بوعودهم لمصر منذ بدء الاحتلال وأصبحت مصر الحضارة والمدنية شغل الشاغل في صحف العالم كله. 

استقبال مصطفى كامل في بريطانيا 
ووصل مصطفى كامل لندن في 14 يوليو فقابل عددا من أقطاب السياسة والمعارضة البريطانية، شارحا لهم هذه المحاكمة الجائرة والعقوبات الظالمة، وليعرض قضية مصر واستقلالها فأقامت تكريما له جمعية الوحدة الاسلامية الهندية حفلة كبرى في فندن (كريتريون) حضرها لفيف من المفكرين والكتاب والمسؤولين الشرقيين والانكليز، وبلغ عدد الحاضرين بها 250 عضوا من علية القوم، خطب فيها صاحب الدعوة رئيس الجمعية باللغة العربية، ابتهج في خطابه زيارة أمير أمراء الوطنية وأسد غابة الحرية وبطل المدافعين عن حقوق الإنسان، واستحسن قدومه الى انكلترا لإيقاظ الأمة البريطانية على حقيقة الشؤون المصرية، وأن حضوره لعرض قضية مصر سيجد صدى له كذلك في قلوب محبي الأوطان في الممالك الأخرى الذين هم شركاؤه في الآلام والمصائب، وأن دولة الوطنية أوسع من دول الإسلام. 
وخاطبه قائلا له: إنك لست وحدك بل إن أسمى آمال القاطنين على ضفاف نهر الرين والدانوب والغانغ والفرات والبوسفور وقرن الذهب تشارك ابن وادي النيل في مساعيه، وأن أعينهم لمتجهة نحو أفق مصر منتظرة بزوغ فجر الحرية فيها وصدور الإشارة من أرض الفراعنة الأولين بإنقاذ أبناء إسماعيل (العرب) إلا أنه لم يمض سوى عام ونصف العام لتذوي زهرة شبابه في العاشر من فبراير سنة 1908 وعمره لم يجاوز الرابعة والثلاثين. 

وللحديث بقية حول اغتيال بطرس باشا غالي وزير الحقانية ورئيس المحكمة بعد أن أصبح رئيسا للوزراء وباعتباره رمزا للخيانة وليس بسبب التعصب الديني، فقد كان النصاري والمسلمون يعيشون أزهى عصور الوحدة الوطنية الجميل.

السبت، 30 مارس 2024

لماذا عجزت الإنسانية عن الجمع بين العدل والحرية ونجح الإسلام؟

 لماذا عجزت الإنسانية عن الجمع بين العدل والحرية ونجح الإسلام؟
 المستشار شفيق إمام


في أول الأيام العشرة الأخيرة من الشهر الكريم، ونحن نتضرع إلى الله أن يزيل عنا هذا البلاء الذي تمثل في الموقف السلبي لحكوماتنا عن المجازر والمذابح في غزة والضفة، وحرمان شعوبنا في أكثر البلاد العربية والإسلامية من التظاهر، تعبيراً عن سخطها واحتجاجها على سفك دماء الشعب الفلسطيني، بالرغم من المظاهرات التي اجتاحت العالم كله تنديدا بهذه الحرب، حتى في البلاد التي تساند حكوماتها الحرب على غزة، والسبب لا يخفى على أحد هو أن هذه البلاد تتمتع بالديموقراطية والحرية، التي لا نتمتع بها في بلادنا، بالرغم من أن ديننا الحنيف يأمرنا بالحكم الديموقراطي كفريضة إلهية في قول سبحانه «وشاورهم في الأمر»، وهذه الآية هي النبتة الأولى للديموقراطية في تاريخ الإنسانية، وإن ديننا هو النظام الوحيد الجامع بين العدل والحرية، من أنظمة الحكم الوضعية التي سلكتها الإنسانية في تاريخها الطويل. 

العدل 

وفي هذا السياق يقول إمام الأئمة ابن تيمية: «إن الله يقيم الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة». لمَ لا، والعدل أساس الملك في قوله سبحانه وتعالى: «وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ»؟ (النساء: 258) و«وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى». (الانعام: 125)، «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا» (المائدة:91)، أي العدل المطلق حتى مع من تكره. 

الحرية 

وإن كثيراً من آيات القرآن الكريم تدعونا إلى التفكير والتدبر والعلم، حتى قال رسول الله ﷺ «طلب العلم فريضة» وفي القول المأثور «اطلبوا العلم ولو في الصين»، وهي دولة لم يكن الإسلام قد دخلها. والإسلام يقوم على حرية العقيدة، أي حرية الاختيار التي جسدتها آيات الله البينات في قولة تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (البقرة: 256) وقوله سبحانه: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، (الكهف: 29)، وقوله عز وجل: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»، (يونس: 99)، وقوله: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ».(النحل: 152). 

ويقول النبي ﷺ في عهده لليهود من بني عوف «إن يهود بني عوف أمة من المؤمنين.. لليهود دينهم وللمسلمين دينهم». 

والنبي ﷺ يقول في عهده «للسيد ابن الحارث بن كعب، ولأهل ملته، ولجميع من ينتحل دعوة النصرانية في شرق الأرض وغربها، قريبها وبعيدها، فصيحها وأعجميها، معروفها ومجهولها، كتابا لهم عهدا مرعيا، وسجلا منشورا، سُنّة منه وعدلا، وذمّة محفوظة، من رعاها كان بالإسلام متمسكا، ولما فيه الخير مستأهلا، أعطيهم عهد الله وميثاقه، وأن أحفظ أقاصيهم وأحمي جانبهم، وأذب عنهم، وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم». 

وفي خطاب سيدنا أبي بكر بعد بيعته في مؤتمر السقيفة قال: «أما بعد أيها الناسُ فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم فإن أحسنتُ فأَعِينوني وإن أسأتُ فقوِّموني»، ويقول سيدنا عمر بن الخطاب على المنبر: «أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه، فقام له رجل، وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه؟».

 وكان أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، وغيرهما من الصحابة أكثر الناس بصراً بشريعة الإسلام، من غير شك، وأعمق إدراكا لمبادئها واتجاهاتها بلا جدال. 

وقد وصف المفكر المستنير عميد الأدب العربي د. طه حسين حكم أبي بكر وعمر بالتجربة الجريئة في كتابه «الفتنة الكبرى- عثمان- وعلي وبنوه» في استعراضه لنظم الحكم المختلفة في الإنسانية، بدءاً بحكم الملوك، الذين كانوا يرون أنفسهم آلهة أو ظلالاً للآلهة، أو ظلا لإله واحد، ومرورا بحكم الأقلية الأرستقراطية (النبلاء) الذين استأثروا بالعدل وحدهم دون سائر الناس، ثم بحكم الطغاة، الذين ثاروا على حكم الأقلية، وحاولوا تحقيق العدل للأكثرية، فباؤوا بالفشل، وظلموا الناس جميعا، ثم بالحكم الديموقراطي، فتورط ممثلو الأمة إلى استبداد، قد يكون، في بعض الأحيان، أكثر ظلما وجورا من تورط الملوك الآلهة، أو القلة الأرستقراطية أو حكم الطغاة، ولم تجاوز كل أنظمة الحكم العدل السياسي إلى العدل الاجتماعي، فظهرت الشيوعية، التي أتاحت للطبقة العاملة الانتفاع بثمرة أعمالها، ومنعت الذلة والهوان عن العاجزين عن العمل، لكنها ضحت في سبيل ذلك بحرية الجميع، والفاشية التي ضحت بالحرية والعدل. وكان الملوك الآلهة، والملوك ظل الآلهة أو الإله الواحد لا يستمدون سلطتهم من الناس، فلم يكن يعنيهم رضا الناس أو سخطهم، كالشمس حين تشرق أو تغرب، فإنه لا يعنيها في إشرافها رضاء الناس وسعادتهم بإشراقها، أو بأسهم باحتجابها. 

ويرى الدكتور طه حسين أن الخلافة الإسلامية لعهد أبي بكر وعمر حاولت أن تنشئ النظام القويم الذي يضمن للناس الحرية والعدل معاً، فمات أبو بكر، رحمه الله، ولم يكد يبدأ التجربة، وقتل عمر، رحمه الله، وقد خطا بالتجربة خطوات واسعة، ولكنه لم يرض عنها أولاً، فقد روي عنه أنه كان يقول في آخر خلافته «لو استقبلت من أمري ما استدبرته لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء»، فقد رأى عمر أنه لم يبلغ من تحقيق العدل الاجتماعي ما كان يريد، فكيف ولم يعرف المسلمون ولا غير المسلمين أميراً حاول من العدل ما حاول عمر، وحقق منه ما حققه عمر، رضي الله عنه. 

ولا أجد في ختام هذا المقال عبارات أقولها لمن لا يعبأ من حكامنا برأي شعبه اعتمادا على حماية الأجنبي أو خوفا من بطشه في هذه المجازر والمذابح التي تجري في غزة، خيراً مما رواه أبو بكرٍ الصِّدِّيقِ، رضوانُ اللهِ عليه، عن النبي «وإنِّي سمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ النَّاسَ إذا رأَوْا ظالماً فلم يأخُذوا على يدَيْه أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ».




الأحد، 24 مارس 2024

ما قل ودل: متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟! (3-3)

 ما قل ودل: متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟! (3-3)  

المستشار شفيق إمام

عن نكبة فلسطين 

تناولنا في مقالين متتالين 11 و18 من الشهر الجاري مسؤولية الملك العضوض في الدولة الإسلامية في عصوره الثلاثة الأموي والعباس والعثماني، وانحرافه عن نشر الإسلام في جواهره ومبادئه السامية في الإخاء والحرية والمساواة إلى الاستبداد، ومسؤولية الدول العربية- تحت الاحتلال- التي دخلت جيوشها العربية أرض فلسطين، فأضاعت الأرض في أول المقالين، وتناولنا في ثانيهما كيف سلبت ولاية القضاء في هذه العصور الثلاثة في حفظ النفس التي حرم الله قتلها بغير حق، فانفرد الحكام في هذه العصور الثلاثة خلفاء وولاة بقطع رقاب من يخالفهم الرأي، ولو كان من حق آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستطردنا إلى الأمن الفلسطيني باعتباره أمناً قومياً عربياً، كما تناولنا الحرب النفسية التي تمارس الآن على النصر الكبير الذي حققه أبطال حماس في السابع من أكتوبر ليصحو ضمير الأمة الإسلامية والعربية على مسؤوليتهم التاريخية عن ضياع الأرض الفلسطينية. 

ولأن أسباب هذه المسؤولية كثيرة ومتعددة لا يتسع المقال الصحافي لها فقد آثرنا أن نعرض لبعضها في المقالين السابقين، لنكمل في هذا المقال، أثر الحرب النفسية المدمر في حياة الشعوب بأن نستفيد من تاريخنا القومي بعض ما يبدد اليأس والقنوط الذي نصبح ونمسي عليه في هذا الزمن الرديء. 

نضالنا القومي 

إن نضالنا بدأ ضد الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي، اللذين كانت الأرض العربية مطمعهما منذ فجر التاريخ الحديث، فتحالفا باتفاقية سايس ببكو في عام 1904 لاقتسام هذه الأرض، وفرض الانتداب البريطاني على فلسطين، لتكون وطنا لليهود، وقاعدة استعمارية لهم ولأميركا والاستعمار في ثوبه الجديد المتأنق بتمثال الحرية، والمنمق بالديموقراطية والمتدثر بحقوق الإنسان. 

وفي مرحلة من مراحل هذا التنازع بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي في القرن الثالث عشر جهز لويس التاسع ملك فرنسا جيشا جرارا لغزو مصر، فيما يعرف في التاريخ بالحرب الصليبية السابعة، ونزل لويس التاسع بجيشه في دمياط، ثم اشتبك مع جيش المسلمين في معركة المنصورة التي انتهت بهزيمة الفرنسيين وقتل منهم حوالي 30 ألفا، وغرق في النيل الكثير منهم وأسر الملك لويس وسجن في دار ابن لقمان إلى أن افتدى نفسه وبقية جنوده بمبلغ عشرة ملايين فرنك فرنسي. 

مقاومة حملة نابليون 

وكانت أعراض الاضمحلال والتنكيل قد نخرت عضد الإمبراطورية العثمانية، فدبّ التنافس من جديد بين الاستعمار البريطاني والفرنسي على احتلال مصر، ليقود نابليون بونابرت جيش الشرق مع صفوه من القادة الفرنسيين العسكريين، واصطحبت الحملة معها طائفة من علماء فرنسا ونوابغها في الرياضة والهندسة والطب والجغرافيا والفلك والأدب والكيماء والاقتصاد والآثار والمعادن وطبقات الأرض والحيوان والنبات وفن المعمار وهندسة الري والقناطر والجسور والميكانيكا، ومن الفنانين كما زودت الحملة بمطبعة. 

وهذا يعني أن نابليون القائد العسكري العبقري قد أدرك أهمية الحرب النفسية، فجمع بين أدوات القتل من المدافع والقنابل والأسطول البحري وأدوات التنوير باعتبار أن الحرب العسكرية لا غنى لها عن الحرب النفسية، لإقناع الشعب المصري، أن فرنسا جاءت لتحرير المصريين من استبداد المماليك في ظل الحكم التركي، وللنهضة بمصر، فأنشاء نابليون الديوان لانتخاب أعضاء ممثلين عن الأمة يختارهم المشايخ والوجهاء فيه، إلا أن الفرنسيين فوجئوا، بعد أن نزلوا الأراضي المصرية، بما لم يكن في حسبانهم، وأن حملتهم على مصر لن تكون أكثر حظا من حملة الملك فيليب.

 حاكم الإسكندرية يفتدي وطنه بحياته 

عندما تحرك الأسطول الفرنسي في حملة نابليون على مصر (1798) واستولي على مالطة قادما إلى الإسكندرية، طلب القنصل الفرنسي مقابلة محمد كريم، نقيب الأشراف وحاكم الإسكندرية، فلم يأذن له بهده المقابلة إلا مصحوبا بنونية الثغر (من مذكرات الكاتب الفرنسي بيغان ديتون) وعندما أمر نابليون بإعدامه رميا بالرصاص ومصادرة أمواله وأملاكه ليثير الرعب والفزع والخوف في قلوب المصريين أظهر جلداً وشجاعة أمام حكم الإعدام ليعزز في نفوس المصريين مقاومة الغزو الفرنسي، وعندما سمح له أن يفتدي حياته بسداد غرامة مالية قدرها ثلاثين ألف ريال رفض دفع هذه الغرامة، وكان قد نصحه المستشرق (فانتور) كبير تراجمة الحملة الفرنسية بأن يدفع الغرامة، وقال له إنك رجل غني، فماذا يضيرك أن تفتدي نفسك بهذا المبلغ فأجابه السيد محمد كريم «إذا كان مقدراً عليّ أن أموت فلا يعصمني من الموت أن أدفع هذا المبلغ، وإذا كان مقدراً لي الحياة فعلام أدفعه» وظل على إصراره إلى أن نفذ عليه الحكم رميا بالرصاص. (مراسلات نابليون- الجزء الرابع). 

ومن غرائب القدر أن السيد محمد كريم غادر البارجة (لوريان) في يوم 30 يوليو قبل أن تغرق ويموت من فيها في واقعة أبو قير بيومين، فنجا من الكارثة التي حلت بالأسطول الفرنسي ليصدر حكم إعدامه يوم أول أغسطس فيموت شهيدا على يد الجلاد في القاهرة ولكل أجل كتاب، «وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ...»، وهو ما أثار المصريين الذين خرجوا لمقاومة الحملة الفرنسية في معركة شبراخيت بالبحيرة وفي إمبابة والأهرام وفي القاهرة وفي أبو قير في الإسكندرية وفي رشيد وفي القليوبية والشرقية، وفي معارك الخانكة وأبو زعبل وبلبس والصالحية.

 وثارت القاهرة في وجه الفرنسيين في 21 أكتوبر سنة 1798 بثورة لم يتوقعوها، وهم الذين فتحوا عواصم القارة الأوروبية، وهزموا جيوش الدولة العثمانية، وقد كانوا يتوقعون من هذه المدينة الهادئة الوادعة التي احتملت ظلم حكامها عبر السنين الطوال، أن تستسلم للحملة الفرنسية، وقد أنشأ نابليون ديوانا لحكم البلاد، يختار المشايخ والوجهاء فيه أعضاءه من أهالي البلاد بطريقة نسبة الانتخاب على درجتين. 

وقد بث استشهاد محمد كريم الكرامة والعزة في نفوس المصريين، وبالرغم من فظائع الفرنسيين في إخماد الثورة، فقد كان لثورة القاهرة صداها في المنوفية والغربية وفي الدقهلية ودمياط وفي الوجه القبلي، وإن روح العداء للفرنسيين كانت أقوى من ترسانة سلاحهم، وقد كتب الجنرال بليار في يومياته «إن كل القرى التي تجتازها القوات الفرنسية، خالية من السكان»، وكتب إلى الجنرال ديزيريه رسالة يقول فيها «إننا نعيش هنا معيشة ضنك، وكلما اقتربنا نجدها مقفرة، ولا نجد فيها شيئا من القوت، ولا نرى فلاحا واحدا يدلنا على الطريق، أو يأتينا بأخبار أو يحمل رسائلنا». 

فقد قاوم المصريون الحملة الفرنسية بعدم تزويدها بالماء والزاد وتهريب الجمال كي لا يستعين بها الفرنسيون في ذلك، والهجوم على الحملة في زحفها بين المدن والقرى المصرية، ويقول الجنرال (ديموي) أحد قادة هذه الحملة الفرنسية إنه لم يجد مصريا واحدا يحمل الشارة الفرنسية، وقد لحق بالحملة الفرنسية هزائم متعددة، هزيمة الجنزال (ديموي) ولقي الجيش الفرنسي الزاحف إلى القاهرة مقاومة من الأهالي الذين كانوا يتعقبون كل من يدركونه من قواته التي تتخلف إعياء أو تعبا فيقتلونه. 

وفي سياق هذا المقاومة قتل الجنرال ديبوي قومندان القاهرة كما قتل الكولونيل (سلكوسكي)، والجنرال كليبر بيد سليمان الحلبي الطالب السوري في الأزهر الشريف، وتوالت الثورات المصرية حتى تم إجلاء الفرنسيين عن مصر بالرغم من بشاعة الفرنسيين وهدمهم للقرى بالمدافع وقتلهم أهالي قرى بأكملها بعد مقتل قادتهم وتوجيه مدافعهم إلى الأزهر الشريف الذي كانت تخرج منه الثورات بقيادة علمائه. 

العدوان الثلاثي على مصر 1956 ولقد تخالف الاستعمار البريطاني والفرنسي ودميتهما إسرائيل على مصر، فانطلقت القاذفات البريطانية في أجواء مصر تضرب مطاراتها، وزحف الجيش الإسرائيلي على غزة وسيناء ونزل المظليون البريطانيون والفرنسيون في مدينة بورسعيد في عدوانهم الثلاثي على مصر الذي بدأ في 31 أكتوبر سنة 1956. 

ولم يكن النصر الذي حققتة مصر في دحر هذا العدوان نصرا عسكريا، بل نصرا سياسيا، كان سلاحة الأول الذي استخدمة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حربا نفسية ترفض الهزيمة، بالتضامن العربي والعالمي، الذي حقق هذا النصر. 

كانت الحرب النفسية التي خاضها الرئيس جمال عبدالناصر عندما استقل سيارة مكشوفة سلكت طريقها في شوارع القاهرة بين الجماهير المحتشدة على طول الطريق متجها إلى الأزهر الشريف ليعتلي منصته، ويخاطب الشعب المصري رافضا الهزيمة، وليخاطب العالم أجمع وليوقظ الضمائر الحية للوقوف مع مصر في وجه هذا العدوان. 

وأصدرت الأمم المتحدة قرارها في 1956/11/7 بوقف القتال، ووجه الاتحاد السوفياتي إنذاره الشهير إلى كل من بريطانيا وفرنسا بتهديدهما بضرب لندن وباريس بالصواريخ الأمر الذي ألزم الرئيس الأميركي أيزنهاور بعدم الوقوف مع بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في هذا العدوان، وانسحبت القوات البريطانية والفرنسية من بورسعيد في 1956/12/22 وانسحبت إسرائيل من سينا، ثم من غزة في 1957/3/6. 

والواقع أن حرب 1956 تعتبر نقطة تحول في تاريخ المنطقة بل في تاريخ العالم، فتصاعدت حركة القومية العربية، وحركة عدم الانحياز، وتمت تصفية المواقع المتبقية من الاستعمار البريطاني والفرنسي. وللحدث بقية إن كان في العمر بقية.




ما قل ودل: متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟ (1-2)


متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟ (2-3)


الاثنين، 18 مارس 2024

متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟ (2-3)

متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟ (2-3) 
المستشار شفيق إمام

تناولنا في مقال الاثنين الماضي، تحت هذا العنوان، مسؤولية العالم الإسلامي والعربي التاريخية عن نكبة فلسطين، سواء الملك العضوض، في الدولة الإسلامية، في العصور الثلاثة، الأموي والعباسي والعثماني، في أولا، والمسؤولية التاريخية للدول العربية تحت الاحتلال في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في سنة 1948 في ثانياً. 
ونتناول في مقال اليوم ما فاتنا ذكره في المقال السابق، في سياق الحديث عن المسؤولية التاريخية للملك العضوض في عصوره الثلاثة، وهو غياب حق الشرع، وهو استقلال القضاء، في جوهره الحقيقي وهو حفظ النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، ثم نتبعه بثالث وهو أن أمن فلسطين جزء من الأمن القومي العربي، ورابعا بالحرب النفسية التي تخوضها المقاومة الفلسطينية الآن، في صفقة الهدنة سواء من الإمبريالية العالمية، أو من أشقائها العرب.
 
غياب حق الشرع (الإسلامي) 
في الملك العضوض، من الدولة الأموية، الى الدولة العباسية، إلى الدولة العثمانية، حيث غابت ولاية القضاء في حفظ الدين والنفس، بأن سلبت الدول في هذه العصور من القضاء ولايته، عندما صادر هذا الملك العضوض، حرية الرأي وحق التعبير عنه تحت عباءة طاعة ولي الأمر، وتكفير من يخرج على طاعته، فكانت تقطع رقبة من تسول له نفسه مخالفة رأي الخليفة أو السلطان أو الأمير أو الوالى، دون محاکمة عادلة ومنصفة أمام القضاء، فاستقلال القضاء الذي اعتبره الفقه الإسلامي حق الشرع كان غائبا عن الدولة الإسلامية، في عصور الملك العضوض، فيما يعنيه هذا الاستقلال، من أن يكون القضاء قواما على حفظ النفس والعرض والمال، وقد كان إزهاق الأرواح، أمرا مباحا للحكام في هذه العصور درءاً للفتنه! 
والفتنه أشد من القتل، وقراراته وآراؤه محل قداسة، لم يعد يقول بها أحد في عصر التنوير وحقوق الإنسان، فكان يمتنع على القضاء، النظر في صحة وسلامة هذه القرارات والآراء، وإن خرج القاضي على هذه القداسة، فقرر عدم شرعية تولي حكم مصر السلطان لأنه مملوك، فالتزم السلطان بهذا الأمر، وعرض نفسه، كما عرض المماليك أنفسهم للبيع في سوق الرقيق، حتى تم تحريرهم، لتتولوا حكم البلاد والعباد. 
إلا أنه في حفظ الأموال والأعراض، فقد حرص الحكام في هذه العصور على كفالة استقلال القضاء في عصور الملك العضوض، كأصل عام، بل شموخ أحكامه، فقد كان قضاة هذه العصور مستقلين، لا سلطان لأولي الأمر عليهم في قضائهم، وكان يتم الاختيار لولاية القضاء الأكثر فقها وعلما، ويسحن ويعذب من يرفض القضاء (منهم الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهما) لارتكابه معصية هي مخالفة الآية الكريمة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ...)، وهو تأويل للنص إلى غير المقصود منه، ذلك أن المعنى المراد من هذا النص، هو أن الأمر بطاعة المولى عز وجل وطاعة رسوله ونبيه، صلى الله عليه وسلم، هو خطاب موجه إلى أولي الأمر، بطاعة الله ورسوله، بل هم أولى بطاعة الله ورسوله، فهم القدوة للمسلمين في هذه الطاعة. ومن المعلوم كذلك، أن الكنيسة الكاثوليكية كانت تجري محاكمات لمخالفيها في الرأي وللعلماء، وتقضى المحاكم الكنسية بإعدامهم بتهمة الهرطقة، خلال فترة تسلطها الديني على الحكام في العصور الوسطى. 

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن أمرا ملكيا صدر في فرنسا بقتل جميع البروتستانت في الصراع المذهبي الذي نشأ بين المنتمين للمذهب الذي يدين به الملك، والبروتستانت، هي مجموعة من المسيحيين، من أبرز مؤسسيها مارتن لوثر وكالفن، والتي ظهرت في أوروبا كحركة إصلاح ديني للكنيسة الكاثوليكية وتسلطها الديني والدنيوي آنذاك، وكمحاوله للتخلص من النظام الإقطاعي الأوروبى، ويربط بعض المفكرين هذه الحركة ببداية الثورة الصناعية. 
ثالثا: الأمن العربي مسؤولية قومية تاريخية
 فعدو العرب واحد وهو النظام العالمي الاستعماري والذي يهمين على كل جزء من أجزاء الوطن العربي، يستغل ثرواته، ويملك مقدراته اقتصاديا بواسطة الشركات المتعددة الجنسيات، وصندوق النقد الدولي، والفساد الذي سرى واستشرى في حكوماته. فالحملة الفرنسية الاستعمارية، طليعة الحملات الاستعمارية الأوروبية في العصر الحديث 1798م، استهدفت مصر وفلسطين معا، لاتخاذ مصر وفلسطين قاعدة للتوسع في شرق البحر الأبيض المتوسط وفي شمال إفريقيا ووسطها، ولطرد بريطانيا من الهند والقضاء على نفوذها، باعتبارها عدوة فرنسا الأولى، وكان الأسطول البريطاني قد سبقها الى مصر بثلاثة أيام، وقد كان يجوب البحار بحثا عن الأسطول الفرنسي، فالقرصنة البحرية بدأت بين القوى الاستعمارية الكبرى، بما يكشف أن مصر وفلسطين كانتا منذ قرون في خندق واحد وأن عدوهما عدو واحد. وطبقا لمبدأ المصالح تتصالح أبرم في أبريل 1904 حلف ثنائي بين إنكلترا وفرنسا، لاقتسام الأراضي العربية، الذي تم بموجبه إطلاق يد بريطانيا في مصر، مقابل إطلاق يد فرنسا في مراكش، وهو الأمر الذي مهد لتحالف بريطاني فرنسي إبان الحرب العالمية الأولى. 
ثم بدأ التدخل الأميركي في الصراع الاستعماري بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى في برنامج الرئيس الاميركي ويلسون من 14 نقطة، في مطلع عام 1918، لينتقل الصراع إلى التجارة والاقتصاد من بينها الاعتراف بحرية الملاحة، ونزع القيود عن التجارة، وبعض التعديلات الإقليمية في أوروبا والعالم، ليرتدي الاستعمار الحديث عباءته الجديدة، بالسيطرة على الشعوب بعد الحرب العالمية الثانية، بآلياته الجديده، ومنها إسرائيل باعتبارها قاعدة الاستعمار الجديد، شوكة في قلب الوطن العربي، تمنع امتداده جغرافيا، وتستنفد قدرات العرب العسكرية وأموالهم في حروبها الاستيطانية، لتحقيق حلمها الكبير من النيل إلى الفرات، بقرار اصدرته الأمم المتحدة تحت الضغوط الأميركية، وقد خرجت أميركا من الحرب العالمية الثانية مزهوة بانتصار عسكري لم يسبقها إليه أحد، هو إلقاء قنبلة ذرية على هيروشيما وأخرى على ناغازاكي في اليابان، وكانت الحرب العالمية قد أوشكت على الانتهاء. 
رابعا: الحرب النفسية: 
ولقد خاض العرب والمسلمون عبر التاريخ ولا يزالون يخوضون حروبا نفسية، تثير روح الهزيمة فيهم والانكسار، أمام الاستعمار، وأمام العدو الإسرائيلي المحتل، حتى أصبح الجيش الإسرائيلي في نظر الكثيرين الجيش الذي لا يقهر. 
وقد أصبحت الحرب النفسية، هي علم بذاته من العلوم التي تدرس في أكاديميات عسكرية في العالم، وأصبحت الشؤون المعنوية أحد أجهزة الجيوش الحديثة، بالإضافة إلى المخابرات العسكرية ومستقلة عنها. 
فالحرب النفسية التي تستخدمها الجيوش المتحاربة للتأثير على معنويات عدوها والقضاء على إرادته للقتال أو المقاومة أو حتى المواجهة، هي حرب تتملكها الجيوش الحديثة من خلال أجهزة متخصصة في مجالات الاتصالات وتحليل سلوك المجموعات البشرية والرأي العام ومكوناته، فأصبحت تقنية منظمة في تكتيك الجيوش واستراتيجيتها، ولها من الأهمية ما للحرب العسكرية من أهمية ومن أشكال الحروب، وغسل دماغ الشعوب، وترسيخ روح الهزيمة في نفوس الشعوب من خلال وسائل الإعلام فيها، المقروءة والمسموعة والمرئية، وهو ما يحاول الاستعمار العالمي ممثلا في قيادته الأميركية وحلفائها المساندين لإسرائيل، زغم حقها المشروع في استمرار حربها على غزة، لعشر سنوات أو يزيد، حسبما قال الرئيس الفرنسي ماكرون في أحد مؤتمراته الصحافية، ورفض إعطاء أي ضمانات من أميركا أو إسرائيل بوقف حرب الابادة عقب الافراج عن الرهائن الإسرائيليين، ليصبح الخيار الوحيد أمام حماس، هو قول الموت للشعب الفلسطيني في غزة قبل هذا الإفراج أو بعده، لتصبح الهدنة المقترحة من أميركا وإسرائيل طبعا هي هدنة لالتقاط أنفاس العالم وأهالي غزة من رائحة الموت، التي أصبحت نفوس العالم كلها التي تتطلع لإنهاء الحرب أو حل الدولتين من أضغاث الأحلام. 
وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.



الاثنين، 11 مارس 2024

ما قل ودل: متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟ (1-2)

ما قل ودل: متى يصحو الضمير الإسلامي والعربي على مسؤوليته التاريخية؟ (1-2)
المستشار شفيق إمام


عن نكبة فلسطين 

بدأ الضمير الإنساني العالمي يصحو على هذه النكبة في المظاهرات الشعبية الصاخبة في كل أرجاء الكون، حتى في عقر قادة النظام العالمي، شركاء إسرائيل في هذه الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني، بدءاً بغزة، بل سارعت بعض الحكومات غير العربية وغير الإسلامية إلى طرد سفير إسرائيل وقطع علاقاتها مع إسرائيل، وإلى المطالبة بالاعتراف بفلسطين، دولة كاملة العضوية بالأمم المتحدة، وإلى رفع قضايا أمام محكمة العدل الدولية، وأمام المحكمة الجنائية الدولية بجرائم حرب وإبادة. 

ولا يزال العرب والمسلمون في إغفاءة بدأت منذ زمن طويل، والشعب الفلسطيني يعاني سكرات الموت كل يوم وكل ساعة بقتل وإبادة، أفراداً وجماعات، وقد تكررت الحرب على غزة أكثر من مرة لاستئصال شعبها الصامد الأبي في صمت عربي وإسلامي وعالمي، وسكون بلغ حد سكون القبور، وقد امتلأت القبور بآلاف الجثث من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال كما امتلأت سجون المحتل الإسرائيلي بآلاف الأسرى من الشعب الفلسطيني، وسالت دماء الشهداء من القادة الفلسطينيين الشرفاء في اغتيالات على أرض فلسطين وغيرها في شتى أنحاء العالم. فكان لا مفر أمام المقاومة الفلسطينية من اختراق هذا الصمت الرهيب، الصمت العربي والإسلامي والعالمي، وهو ما أزعج الحكام العرب والمسلمين وأيقظهم من هذه الإغفاءة الطويلة التي نعموا فيها براحة البال والاطمئنان إلى أن القضية الفلسطينية لم يعد طنينها يؤرق أسماعهم في هذه الإغفاءة فعقدوا كالعادة مؤتمرهم الجامع بين الحكام العرب والمسلمين الذي عقد في الرياض في 11 نوفمير 2023، وكالعادة في مثل هذه المؤتمرات تتلى الكلمات، وتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، ويختلفون، ثم يتفقون، ثم إن القرارات التي تصدر بعد هذا الاختلاف وهذا الاتفاق، تصدر دفعاً لإراقة ماء الوجه وإنقاذا لهيبة المؤتمر أن تضيع. 

وكالعادة فإن مثل هذه القرارات تصدر منذ مولدها ضعيفة هزيلة، كالشاة النحيفة المريضة التي لا تقوى أرجلها على حملها، فيأنف أصحابها حتى من ذبحها، وكالعادة فإن القرارات لا تردّ وطناً سليباً ولا تحرر شبراً من الأرض، بل لا تأتي بجديد للواقع العربي والإسلامي الذي يمزقه الضياع والانقسام، ولا أحد يطلب من هؤلاء الحكام تحريك الجيوش الجرارة والأساطيل العابرة للقارات التي يملكها حكامنا جميعاً في هذه الحقبة العصيبة التي تعيش فيها أمتنا العربية والإسلامية، وقد أصبحت قرارات بعضهم تصدر من البيت الأبيض، والبعض الآخر يصدرها حسب أهواء هذا البيت وأغراضه، والبعض الثالث يصدرها ويداه ترتعشان ولا تكتمان الخشية من غضبة هذا البيت، وترسانته العسكرية التي تجوب المحيطات والبحار، وحلفائها من أصحاب هذه الترسانات وإسرائيل صنيعتهم، وقاعدتهم العسكرية في الشرق الأوسط، وجواسيسهم المنتشرين في أرجاء الوطن العربي والإسلامي كافة لتدبير المؤامرات والانقلابات على كل من تسوّل له نفسه من هؤلاء الحكام الخروج على طاعة أولي الأمر في البيت الأبيض، إنما تطالبهم شعوبهم بأن يقفوا موقفاً إيجابياً واحدا كالموقف الذي وقفته كولومبيا عندما طردت سفير إسرائيل لديها أو الأروغواي أو إسبانيا عندما طالبت بالاعتراف الدولي في ساحة الأمم المتحدة بفلسطين كدولة كاملة العضوية التي اتخذتها بعض حكومات دول غير عربية وغير إسلامية من القضية الفلسطينية ومن العدوان الهجمي البربري على شعب غزة، والتي اتسمت بالشجاعة والإنسانية والحكمة السياسية، والدول العربية والإسلامية أولى بذلك من غيرها لتتحمل مسؤوليتها أمام التاريخ وأمام شعوبها الرافضة لنكبة فلسطين أو لعدوانها البربري الهمجي، فتتحمل بذلك مسؤوليتها التاريخية عن هذه النكبة، وهو ما سنستعرضه فى هذا المقال من المسؤوليات الآتية: 

أولاً: مسؤولية الملك العضوض في الدولة الإسلامية: 

عندما تخلت الدولة الإسلامية في الملك العضوض، منذ العهد الأموي عن نشر الإسلام، في جوهره وأساس الحكم فيه، في كل وطن من الأوطان التي فتحتها الجيوش الإسلامية، فلم تعمل على ترسيخ مبادئ الإخاء والحرية والمساواة، ومبدأ سيادة الأمة، الذي هو جوهر الحكم في الإسلام في قوله تعالى، و«أمرهم شورى بينهم»، فانحرفت هذه الدول عن هذه المبادئ التي كانت أسبق من نظيرتها في الثورة الفرنسية بقرون الى الاستبداد بالرعية، تحت عباءة طاعة أولي الأمر، فنكلوا في الدولة الأموية بالرعية، وجاء بعدهم العباسيون ليستبدوا وينكلوا بالرعية وبالأمويين، واستبد العثمانيون بالرعية كذلك من المسلمين من مواطني البلاد المفتوحة، وساقوا الأرقاء من كل بقاع الأرض التي فتحوها، ليجندوهم في جيوش تحمي عروشهم، وتغزو باقي البقاع، فاستقل بعض هؤلاء الولاة ببعض البلاد المفتوحة، ثم تركوها للقوى الاستعمارية، التي اجتاحت الأرض العربية، وانتدبت على فلسطين لتقدمها لقمة سائغة للصهيونية العالمية التي استباحت الأرض والعرض والشرف والكرامة، وهجرت الفلسطينيين الى شتات الأرض. 

وكان هذا الحكم الاستبدادي يصاحبه حاشية السوء من علماء زينوا للحكام الاستبداد والفساد وسفك دماء المعارضين والزج بهم في السجون أو نفيهم عن البلاد وقد التووا بتفسير القرآن الكريم الى تقديس طاعة الحاكم ولو كان فاسقا أو ماجنا، وفي هذا السياق كله أغفل حكام المسلمين ما للروابط الثقافية في البلاد المفتوحة من تعايش في مجتمعاتها على أساس ثقافة وتقاليد ومصالح مشتركة باعتبار كل ذلك قوة لبنيان الدولة الإسلامية واستقرار الحكم فيها.

 ثانياً: المسؤولية التاريخية للدول العربية: 

فقد أسست هذه الدول جامعة الدول العربية لتوحيد صفوف الأمة العربية في أحلك أيام تمزقها وأسوأ أيام هوائها تحت احتلال بريطانيا وفرنسا وقرار القمة العربية الصادر في اجتماع هذه الجامعة في ديسمبر 1947 والذي قررت فيه الدول العربية رفضها قرار تقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين الذي أصدرته الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947. 

وبانتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين في الخامس عشر من مايو 1948 دخلت الجيوش العربية فلسطين لتحرير أرضها المقدسة من عصابات اليهود، وفقا للقرار الذي كانت الدول العربية قد اتخذته بالإجماع في جامعة الدول العربية بتاريخ 12/ 4/ 1948 دون أي مخطط للتنسيق بين هذه القوات التي كان الاستعمار البريطاني والفرنسي يتحكم في تسليحها والهيمنة على كل مقدراتها، وقد تمكنت من السيطرة على جنوبي فلسطين، إلا أن الجيش الأردني والعراقي وقفا بقيادة الجنرال غلوب باشا البريطاني عند حدود قرار التقسيم بالرغم من الانتصارات التي حققها الجيشان والسرعة الهائلة التي تحققت في طرد هذه العصابات من الأرض الفلسطينية التي احتلتها بما يعد اعترافا بشرعية قرار التقسيم الذي كان العرب جميعا قد رفضوه وكان السبب في دخول الجيوش العربية فلسطين. 

وكانت الغاية الحقيقية من الوقوف عند هذه الحدود، التي استبانت للجميع بعد ذلك، هي رغبة مملكة الأردن في ضم هذا الجزء من قرار التقسيم الى المملكة، وهو ما أعلنه الأردن بعد انتهاء الحرب والنصر الذي حققته عصابات إسرائيل على الجيوش العربية بعد الهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة في القتال الدائر على الأرض الفلسطينية بعد أسبوع واحد من بدء الحرب بسبب الخسائر التي لحقت باليهود في هذه الحرب ليتسنى لهذه العصابات إعادة بناء قواتها العسكرية من المتطوعين من كافة أنحاء العالم، يهود وغيرهم، ومن المال والسلاح والعتاد الذي زودت به من النظام العالمي الذي تهيمن عليه دول الأفيال الخمسة في مجلس الأمن. 

وقد أدى سقوط اللد والرملة في يد الصهاينة التي أهمل غلوب باشا تحصينهما إلى كشف المجنبة اليمنى للقوات المصرية وحصار الفالوجا بعد خرق اليهود للهدنة الثانية وحصول الصهاينة على قاعدة جوية مهمة في اللد، وقد كان يفترض أن تقوم جامعة الدول العربية والأمة العربية والإسلامية قاطبة بالسعي الى تشكيل حكومة فلسطينية على الأرض المتبقية من قرار التقسيم في ظل الشرعية الدولية لهذا التقسيم لاعتراف المجتمع الدولي بدولة فلسطين، وانضمامها الى الأمم المتحدة أسوة بدولة إسرائيل التي أعلنت قيامها فور قرار التقسيم، وضمت إلى الأمم المتحدة في العام التالي مباشرة، إلا أن العرب تقاعسوا عن ذلك بعد ضم المملكة الأردنية الضفة العربية إلى المملكة، وبعد أن أصبحت غزة تحت الإدارة المصرية وهو خطأ كبير لا يغتفر، وقد أدى ذلك الى أن أصبح حلم الدولتين من أضغاث الأحلام التي ترفضها إسرائيل. 

ومن المؤلم والمؤسف أن تطالب إسبانيا الآن بالاعتراف الدولي بفلسطين وحصولها على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة ولم يطالب العرب بذلك منذ عقود من الزمن. 

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.




الأحد، 18 فبراير 2024

ما قل ودل: الإرهاب الديني العقائدي الإسرائيلي... وموقف الغرب المتسامح منه

 ما قل ودل: الإرهاب الديني العقائدي الإسرائيلي... وموقف الغرب المتسامح منه 

المستشار شفيق إمام

المعسكر الديني في إسرائيل هناك طائفتان هما الطائفة الأشكنازية والفاردية، وتقوم أيديولوجية العقيدة الدينية اليهودية على أن اليهود يؤلفون شعبا وديانة في آن واحد، وألا يمكن للأمة اليهودية أن تضم في تعدادها أشخاصاً يعتبرون من غير يهود من وجهة نظر دينية، وأن الشخص اليهودي في الدياسبورا يجب أن يجمع بين القومية والدين، وإن لم يتخل عن هذه العقيدة إنما يتخلى عن جنسيته ومواطنه ومواطنيته، وأن هذا الأمر لا يصدق إلا على الشعب اليهودي، ولو كانت الشعوب الأخرى تقبل تمييزاً بين الدين والقومية.

 الدين مصدر القومية بإسرائيل 

يقول أحد الرموز البارزين للصهيونية الدينية (يحييل ميخائيل بينس 1842- 1912) إن القومية اليهودية هي التي روحها التوراة وحياتها مستمدة من تعاليم التوراة ووصاياها، وإن اليهود في رأيه لا يؤلفون جماعة إثنية أو قومية على غرار الجماعات والشعوب الأخرى في العالم، وأن الخاصيتين الرئيستين لمفهوم القومية هو البقاء في بقعة أرضية واحدة والنطق بلغة تخاطب مشتركة، وأن للدين اليهودي دوراً في تعيين الهوية القومية لليهود، وأن هذا التداخل والتشابك بين الخاصيتين يجب أن يشمل طريقة الحياة ويتناول جميع أعماله اليومية. 

ويقول زيراخ فارها فتيغ (وزير الشؤون الدينية الأسبق) إن فقدان العقيدة الدينية بهاتين الخاصيتين يعني خسارة حقنا فى العيش داخل الأرض الموعودة، ومن هنا فإن الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي، هي انقسامات جذرية مع النزعة العلمانية واتجاهها الديموقراطي. 

وهناك طوائف أخرى من اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل من شتى بقاع العالم الذين يدينون بعادات وتقاليد موروثة في البلاد التي هاجروا منها، وإن هذه الطوائف يهود الهند الذين يعرفون قانوناً للأسرة تختلف تفصيلاته عن القانون التقليدي اليهودي والسائد حالياً في إسرائيل، فهم تيزاوجون من غير اليهود ويمارسون الزواج المختلط، وقد عانى هؤلاء اليهود المهاجرون من الهند الاضطهاد والتمييز العنصري ضد لون بشرتهم. 

كما أن هناك جماعة اليهود السود المهاجرين من شيكاغو ولهم حاخاماتهم المسؤول عنهم والذين كانوا قد هاجروا إلى ليبيريا بعد تحررهم بعد عام 1847، ثم شدوا الرحال إلى فلسطين في ديسمبر 69 لذلك يبقى الخلاف داخل المجتمع الإسرائيلي خلافاً عقائدياً، هو كالنار تحت الرماد، وأن شعور هذا المجتمع بالخطر والقلق من الانقسام، في أرض اغتصبها اليهود من سكانها الفلسطينيين الأصليين، والخوف من فقدان تعاطف اليهود الأميركيين النافذين وسخائهم هو الذي أبقى هذه النار حتى الآن تحت الرماد. 

وقد حصلت الأحزاب الدينية في أول انتخابات للكنيست (1949) على 12% من مجموع أصوات الناخبين و16مقعدا من أصل (120) وعلى 11٪ من مجموع أصواتهم في الانتخابات التالية (1951) و15 مقعدا في الكنيست، وعلى 17 مقعدا في الانتخابات الثالثة (1955)، و18 مقعدا في الانتخابات الرابعة (1959) وفي الانتخابات الخامسة (1961) و17 مقعدا في الانتخابات السادسة (1965) و18 مقعدا مرة ثالثة في الانتخابات السابعة (1969). وقد بلغ عدد مقاعد الأحزاب الدينية في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الأخيرة (2022) 14مقعداً إلا أنها ما زالت رغم عددها المحدود نسبيا تمارس ضغطاً هائلاً على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بحكم أن التمثيل النسبي للأحزاب في إسرائيل لا يتيح لأي حزب من الأحزاب الكبيرة الحصول على الأغلبية المطلقة لعدد مقاعد البرلمان، فيضطر الحزب المكلف بتشكيل الحكومة إلى استكمال هذه الأغلبية بتعيين وزراء من الأحزاب الدينية، وتعتبر الحكومة المشكلة حالياً برئاسة نتنياهو هي الأكثر الحكومات تشدداً وعنصرية وإرهاباً في تاريخ اسرائيل الطويل. 

ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الإسرائيلية أبطلت العمل بحكم صادر من محكمة العدل العليا في إسرائيل بموافقة 5 قضاة من أصل 9 أعضاء فى المحكمة يطلب إلى مأمور النفوس فى حيفا أن يبادر إلى تسجيل أولاد شاليت في خانة الانتماء اليهودي عندما رفضت هذه الدائرة في عام 1964 تسجيل مولود شاليت في خانة القومية على أساس أن المولود يهودي، وبقيت خانة الدين أو المذهب دون تحديد ثم تكررت القصة عام 67 عندما رزقت الأسرة بمولودها الثاني فتم تسجيله على النحو التالى: 

القومية:(الأب - يهودي)،(الأم - أجنبية)،(الدين:لا شيء). 

وتحت ضغط الأحزاب الدينية التي كان ممثلاً فيها ثلاثة وزراء ممثلون عن الحزب القومي اليهودي، وزير الداخلية، ووزير الشؤون الدينية، ووزير الشؤون الاجتماعية، أصدرت الحكومة الإسرائيلية في 29 يناير 1970 قراراً يتضمن تسوية النزاع القضائي: 

أولاً: إلزام دائرة النفوس التابعة لوزير الداخلية بتسجيل أولاد الضابط شاليت في خانة الشعب اليهودي. 

ثانيا: عدم سريان قرار محكمة العدل العليا على المواليد من كل الزيجات المختلطة في إسرائيل والبالغ عددها 12 ألف حالة. 

تعلیق 

لعل ما يستوجب التعليق في هذا السياق أن الفكر العقائدي اليهودي المتشدد في إيذاء الآخر والذي يرفض الاعتراف حتى بهوية اليهودي داخل إسرائيل، في الأوساط الحاكمة بسبب التفرقة على أساس العنصر والجنس، والمتغلغل حتى في الأوساط الحاكمة الإسرائيلية، وفي الكنيسيت والأحزاب السياسية، يلقى كل تسامح من النظام العالمي وفي المجتمعات الأميركية والأوروبية، بالرغم من أن هذا التعصب الديني العقائدي يتصف بالعنف والإرهاب ضد الآخر بوجه عام وضد الإنسانية، حيث تقوم القوات الإسرائيلية منذ احتلالها للأرض الفلسطينية بأعمال إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الأبرياء والمدنيين من أبناء الشعب الفلسطيني لكسر إرادته وتهجيره واحتلال المزيد من أرضه.

 وعلى النقيض من ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد بالنسبة إلى بعض الجماعات المتطرفة، والخارجة على حدود الشرع الإسلامي الذي ينادي بالحرية والإخاء والمساواة، وهذه المبادئ هي جوهر الدين الإسلامي، احتجاجاً واستنكاراً لأعمال العنف التي تقوم بها بعض هذه الجماعات التي لا تتجاوز أعدادها بضع مئات أو آلاف، وقد أصبح الإرهاب بسبب هذه الأعمال وصفاً يطلقه الغرب على الإسلام.