السبت، 29 مارس 2025

طوفان غزة ووهم الدولة الوطنية

 طوفان غزة ووهم الدولة الوطنية

نور الدين العلوي


عملية خلط الوقائع بالأماني مستمرة في أغلب مقالات الكتاب العرب بمختلف المواقع، فكثير من الأقلام تنوي الحديث فيما هو كائن فتكتب في ما ينبغي أن يكون، لذلك نقع جميعا في حالة من التحفز لوضع جديد مريح بينما نحن ماكثون في حفرة السوء العربية المسماة دولة وطنية. دولة الكيان لن تنهار غدا ونصر العرب بسورة الأحزاب ليس حقيقة علمية (وهذا موضوع غالب على أقلام كثيرة)، ولذلك فإن تأمل دروس غزة يصير أولوية منهجية نرتب بها أفكارنا للمستقبل وربما تساعدنا على حركة سلمية في الزمن القادم.


أضع في مقدمة دروس غزة أن الدولة العربية المسماة وطنية هي مخفر شرطة صهيوني؛ مهمته قمع المواطن العربي وإهدار كرامته وبدون مقابل لصالح قوى الهيمنة وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. أما الدرس الثاني (الدرس الأول في الحقيقة) فهو أن إزالة الوهم مقدم على بناء الحقيقة.

مجاملة الفلسطيني للتخلص منه

كانت هذه سيرة الدولة العربية منذ انطلاق حركة التحرر الفلسطيني ومرورها بمراحل مختلفة؛ شعارات تضامن وأغان ثورية ومقعد في الصف الأول للقيادة وتسمية شوارع بأسماء أبطال أو مواقع مقدسة وبعض الدولارات لخبز المخيمات. لكن ذلك كان في عمقه تخلصا من الفلسطيني الذي لا يريد أن يستسلم ويغلق الملف، وكان من يذِّكر الساسة العرب بأن معركة تحرير فلسطين ليست فلسطينية بل عربية وإسلامية، وأن وجود الخازوق الصهيوني في تلك البقعة ليس موجها للفلسطيني وحده،
النتيجة بعد سبعين سنة من الدولة الوطنية: شعوب عربية فقيرة بل جائعة وعارية ومقهورة وفلسطيني مشرد، وكيان/خازوق مهيمن برا وبحرا وجوا وعلى غرف نوم القيادة العربية. تنادي غزة الدول فلا تستجيب وتنادي الشعوب فتحول شرطة الدولة الوطنية بين الشعوب وغزة. ويبارك الكيان قدرة الأنظمة على حماية الكيان من الشعوب ويطلب المزيد؛ التهجير لإغلاق الملف
 بل لأمة وتاريخ وثقافة يُدْمَغُ بخطاب أولوية تنمية الداخل الوطني استعداد للمعركة الحاسمة التي تجمع العرب الأقوياء (بلغة دولة البعث السوري، تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو). لذلك يستوي في هذه الخطاب أنظمة قُطرية رجعية عميلة وأنظمة قومية ثورية صامدة ومتصدية.

النتيجة بعد سبعين سنة من الدولة الوطنية: شعوب عربية فقيرة بل جائعة وعارية ومقهورة وفلسطيني مشرد، وكيان/خازوق مهيمن برا وبحرا وجوا وعلى غرف نوم القيادة العربية. تنادي غزة الدول فلا تستجيب وتنادي الشعوب فتحول شرطة الدولة الوطنية بين الشعوب وغزة. ويبارك الكيان قدرة الأنظمة على حماية الكيان من الشعوب ويطلب المزيد؛ التهجير لإغلاق الملف. وتناور الدولة العربية لتمرير البرشام المر لشعوبها في الأخير: "الفلسطيني أخونا ومرحبا به ولنغلق الملف".

لم تطور الدولة العربية شعبها ولم تحرر فلسطين لكنها تطورت حتى صارت هي نقطة الحراسة المتقدمة للكيان. نحن هنا وهذه حقيقة صقلتها معركة طوفان الأقصى، نحن ممنوعون حتى من التضامن اللفظي في السوشيال ميديا مع غزة ومعركتها الشريفة.

هل ننسف المكاسب القُطرية؟

السؤال الصواب هنا والآن: كم كانت كلفة الكيان الصهيوني على تاريخ العرب الحديث وكم ستكون كلفته على مستقبلهم المنظور؟ ما نثمنه كمكاسب قُطرية نسميها تنمية اقتصادية واجتماعية ونسميها سيادة وطنية ومقعد بين الأمم (الخ)، هي قليل من كثير لم يتحقق لأن الكيان "يخوزق" الأمة منذ قرن. بإمكان المرء أن يحسب مقدار الخسارات قياسا إلى الإمكانات المتاحة (نظريا)، فالتقييم الحقيقي هو كم خسرنا مما كان متاحا لنا أن نكسب؟ فما كسبناه قليل قياسا إلى عمر الدولة العربية وأعمار شعوبها وإمكاناتها البشرية والطبيعية المتاحة.

نقول في الإمكانيات المهدرة لقد كان بالإمكان تحرير فلسطين باستعمال قناة السويس كورقة سياسية دون الإنفاق على قطعة سلاح واحدة، لكنني أسمع اللحظة تهمة المثاليات الرومانسية. ليكن الوجه الآخر لدرس غزة وكنا نعرفه ونغض الطرف حتى لا تنفجر مراراتنا، الدولة العربية تحتاج وجود الكيان لتعيش من وهم مقاومته.

نحن لا نستطيع السير في الشوارع متضامنين مجرد تضامن لفظي مع غزة لأن حكومتنا تمنعنا، وهي تفعل ذلك بمقابل من الصهاينة وداعميهم "اقمعوا شعوبكم لصالحنا سنحميكم من شعوبكم"، هكذا بمثل هذا التبسيط. أين الدولة الوطنية إذن؟ أين مكاسبها؟ وأين كرامة شعوبها؟ تتضح الصورة أكثر، تلازم التحرير مع بناء الديمقراطية في الأقطار.

لا مهرب لنا
توجد حقيقة بحجم التاريخ نفسه، هي ما كشف الطوفان خلال عشرين شهرا؛ الكيانات السياسية العربية التي نراها ونسميها دولا وطنية تعيش آخر أيامها، وهي تستشعر أن من يستخدمها يعرّيها أمام شعوبها وكل خطوة تهز أسسها المزيفة. تلك الجلسة الذليلة أمام مدفأة ترامب هي حقيقة الدولة العربية

نحن أيضا، أعني الشعوب الثرثارة، نحتاج الكيان ليقمع الفلسطيني فنثرثر بالتضامن، خاصة بعد أن مُنحنا وسائله الرخيصة فنحرر القدس في إكس وفيسبوك وأخواتهما. لكن فينا أمل أو نظنه، نحن ننظر إلى الدولة العربية (الوطنية) بوعي ما بعد الطوفان. ونجزم بأن أسباب بقائها قد انتهت، لقد انكشف الوهم فلا تنمية ولا تحرير ولا ديمقراطية. غير أن هذا الوعي لا يتحول حتى اللحظة إلى مشروع طوفان لأن هناك معركة أخرى محلية تقف دونه، هي المعركة ضد النخب التي وقف وعيها عند الدفاع عن الإدارة التي تمنحها رواتبها كل شهر.

النخب العربية أو نخب الرواتب هي التي ما زالت تبيع وهم الدولة الوطنية بعد حرب الطوفان، وقد عاينت في أكثر من مرة أنها ممنوعة حتى من مظاهرة رفع عتب في شارع ضيق. هناك أولوية تاريخية، خوض المعركة المحلية للتحرر من النخب الوطنية والتي ليست إلا أبواقا للأجهزة الأمنية المسماة دولة وطنية، وهي في حقيقتها مخفر شرطة صهيوني.

يوجد شيء من الأحلام العاجزة في ما نقول هنا، فهل يمكن إعادة تأسيس الدول؟ لكن توجد حقيقة بحجم التاريخ نفسه، هي ما كشف الطوفان خلال عشرين شهرا؛ الكيانات السياسية العربية التي نراها ونسميها دولا وطنية تعيش آخر أيامها، وهي تستشعر أن من يستخدمها يعرّيها أمام شعوبها وكل خطوة تهز أسسها المزيفة. تلك الجلسة الذليلة أمام مدفأة ترامب هي حقيقة الدولة العربية.

لحظة الانفلات الشعبي ضد مخافر الشرطة الصهيونية تلوح في الأفق، وعسى أن تبدأ بكنس النخب التي تحرص على إيهام الشعوب بوجود دول وطنية لتضمن رواتبها. هل خلطت الأماني بالوقائع؟ نعم، لكن الأمل في وصول الطوفان إلى أبعد من حدود غزة لم يفارقنا منذ الرصاصات الأولى، فلم نر الطوفان معركة غزاوية بل معركة إنسانية.

“جيل محتال”.. هل فقدنا قيمتنا في عصر الذكاء الاصطناعي؟

 “جيل محتال”.. هل فقدنا قيمتنا في عصر الذكاء الاصطناعي؟ 


مؤخراً، تناولتُ في مقال ما أطلقت عليه “مفارقة العبقري الكسول“؛ ذلك الشعور المزدوج بين التمكين وعدم الارتياح عند استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز إنتاجيتنا وإبداعنا. وأثار المقال نقاشًا أوسع حول التحولات التي يشهدها مفهوم الذكاء، والجهد، والملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

منذ السبعينيات؛ عُرّفت متلازمة المحتال بأنها الإحساس بأن النجاح غير مستحق، حتى في ظل الاعتراف الخارجي بالإنجازات. ويعاني المصابون بهذه المتلازمة من القلق من أنهم قد خدعوا الآخرين ليعتقدوا أنهم أذكى أو أكثر إبداعًا أو كفاءة مما هم عليه في الواقع.

لكن ماذا لو لم يكن الشك نابعًا من الإحساس بعدم الكفاءة، بل من سهولة الوصول إلى المعرفة ذاتها؟ في عصر الذكاء الاصطناعي، نشهد بروز مفارقة نفسية جديدة: متلازمة المحتال في الذكاء الاصطناعي، وهي حالة من التنافر المعرفي تنشأ عندما تعزز تقنيات الذكاء الاصطناعي قدراتنا، لكنها في الوقت ذاته تجعلنا نشك في شرعية إنجازاتنا الفكرية.

الأمر يتجاوز مسألة الإنتاجية؛ إنه يعيد تعريف التفكير نفسه. عندما يصبح الذكاء شيئًا يمكن تفويضه للآلات، فهل يجعلنا ذلك أكثر ذكاءً؟ أم أقل أهمية؟ أم أن له تأثيرًا أعمق على إحساسنا بقيمتنا الذاتية؟


متلازمة المحتال التقليدية مقابل متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي

في متلازمة المحتال التقليدية، يشعر الأفراد بأن نجاحهم غير مستحق رغم الجهد الكبير الذي بذلوه لتحقيقه. أما متلازمة المحتال في الذكاء الاصطناعي، فتنشأ عندما يصبح النجاح سهلًا جدًّا، وذلك عندما يولد الذكاء الاصطناعي الأفكار، ويكتب المقالات، بل ويقترح ابتكارات إبداعية بحد أدنى من التدخل البشري.

في المتلازمة التقليدية؛ يرتكز الشك على الاعتقاد بأن الإنجازات حدثت بالصدفة، وأن الجهد المبذول لا يبرر الاعتراف بالنجاح. أما في المتلازمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فتنقلب المعادلة: بدلًا من الشعور بأن الجهد غير كافٍ لتحقيق النجاح؛ يشعر الأفراد بالشك لأن النجاح لم يتطلب جهدًا يُذكر. هذه السهولة المفرطة تخلق نوعًا من التنافر المعرفي، حيث يتعايش الشعور بالإتقان مع الإحساس بعدم الشرعية.

    الجهد: لطالما ارتبط التفكير بالعمل الذهني المكثف؛ حيث تُكتسب المعرفة من خلال الكفاح والتكرار والممارسة الشخصية، مما يجعل الإنجازات ذات قيمة.

    الوصول: اليوم أصبح التفكير شيئًا نحصل عليه
    بضغطة زر؛ حيث يوفر الذكاء الاصطناعي المعرفة فورًا، مما يجعل الذكاء يبدو بلا مجهود وأحياناً بلا مجهود أكثر من اللازم.
في النهاية، يفرض هذا التحول تساؤلات جوهرية في كيفية إدراكنا لمساهماتنا الفكرية. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة مقال، أو توليد فكرة، أو تحسين إستراتيجية في ثوانٍ، فمن الذي يتحمل المسؤولية الفعلية عن هذا الإبداع؟ المستخدم أم الخوارزمية؟

بالنسبة للكثيرين، يُربك هذا التصور معتقداً راسخاً وهو أن الذكاء مرتبط بالجهد؛ إذ يُحوّل الذكاء الاصطناعي التفكير من عملية بناء إلى عملية استرجاع، مما يجعل الذكاء يبدو أشبه بالاختيار والترتيب أكثر من كونه إبداعًاً أصيلًا.

والنتيجة؟ أزمة متزايدة في الملكية الفكرية والهوية المعرفية.

هذا يعكس مفهوم تبرير الجهد؛ فغالباً ما نُثمّن الإنجازات أكثر عندما تتطلب كفاحًا، لكن الذكاء الاصطناعي يقلب هذه المعادلة، مما يجعل الذكاء يبدو وكأنه تنسيق وتجميع أكثر من كونه توليدًا وابتكارًا. ومع تلاشي الحدود بين الجهد البشري والمساعدة الآلية، يتضاءل كذلك يقيننا بما يعنيه التفكير الحقيقي.

العبء النفسي المتزايد

ووفقًا لأبحاث مركز تصوّر المستقبل الرقمي، يعتقد ما يقرب من نصف مستخدمي الذكاء الاصطناعي أن مساعدهم الذكي أكثر ذكاءً منهم. في الوقت نفسه؛ أعربت نسبة كبيرة من المشاركين عن قلقهم بشأن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في التفكير واتخاذ القرارات.

ومع استمرار اندماج الذكاء الاصطناعي في مجالات الإبداع والعمل الاحترافي، من المرجح أن يزداد هذا الشعور بعدم الارتياح. فإذا كان التفكير ذاته يُفوض إلى الآلات، فماذا يتبقى من الهوية الفكرية البشرية؟

هل ستتلاشى متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي؟

عادةً ما يتلاشى القلق من التقنيات الجديدة مع مرور الوقت والتطبيع. فقد كنا في السابق نخشى الآلات الحاسبة، والتدقيق الإملائي، وأنظمة الملاحة الإلكترونية، لكنها أصبحت اليوم امتدادًا للقدرات البشرية وليست بديلاً عنها.

فهل سيسير الذكاء الاصطناعي على المسار نفسه، ليصبح مجرد أداة لتعزيز إمكانياتنا؟ أم أنه يتجاوز هذا الحد، ليؤثر في جوهر الإدراك البشري ذاته؟

إحدى الإمكانات تكمن في ما يمكن تسميته بالذكاء التكراري؛ فبدلاً من النظر إلى الذكاء باعتباره نتاجًا ثابتًا للجهد، قد نحتاج إلى رؤيته كعملية ديناميكية مستمرة؛ حيث يتفاعل الإنسان والتقنية في تحسين متواصل للأفكار والرؤى والفهم. وبهذا المفهوم، لم يعد الذكاء يُقاس فقط بمدى المعاناة الفردية، بل بقدرتنا على التطوير، والتحليل، وتوجيه إمكانات الذكاء الاصطناعي نحو نتائج ذات قيمة حقيقية.

هذا التحوّل يشير إلى أن علاقتنا بالذكاء نفسه آخذة في التغيّر. ومع اندماج التقنية بشكل أعمق في عملياتنا الذهنية، قد يتراجع الشعور بعدم الارتياح تجاه دورها، تمامًا كما حدث مع التحوّلات السابقة في تطور الأدوات الفكرية. ولكن السؤال الأهم هو: هل يمكننا تبنّي هذا التغيير دون أن نفقد جوهر التفكير البشري: إرادتنا، فضولنا، وغايتنا في عالم تزداد فيه قوة الأدوات الإدراكية؟

التعامل مع متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي

بدلًا من مقاومة هذه التقنية، من المفيد إعادة تعريف الذكاء ليتناسب مع الواقع الجديد؛ ليس فقط من حيث الجهد المبذول، بل من حيث العائد على التفاعل الفكري.

· إعادة صياغة مفهوم الذكاء: الذكاء ليس مجرد جهد، بل إستراتيجية، وقيمته لا تكمن في مدى المشقة المبذولة، بل في مدى فاعلية التفاعل مع المعرفة والتقنيات والأفكار.

· امتلاك العملية الفكرية: حتى مع وجود المساعدة التقنية، فإن عمق التفاعل البشري – من خلال الحكم، والمراجعة، والتطوير – هو الذي يحدّد القيمة الحقيقية للذكاء.

· الجهد مقابل الإستراتيجية: المسألة ليست الانتقال من التفكير إلى الكسل، بل من التفكير اليدوي إلى الدقة الإدراكية. الذكاء الاصطناعي ليس اختصارًا للجهد، بل أداة لتعزيز التفاعل الفكري.

وعبر تحسين العائد على التفاعل الفكري، يمكننا التخلي عن رؤية الذكاء الاصطناعي كتهديد، والبدء في توظيفه كقوة داعمة للتفكير العميق والإبداع.

الذكاء في عصر الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الذكاء البشري بل يعيد تعريفه؛ حيث إن بروز متلازمة المحتال في عصر الذكاء الاصطناعي يشير إلى تحوّل محتمل في الهوية المعرفية، مما يدفعنا لإعادة التفكير في معنى التفكير، والإبداع، والذكاء في عالم يزداد فيه استخدام الآلات لتعزيز قدراتنا الذهنية.

مع دخولنا عصر الإدراك المعزز، قد نحتاج إلى الانتقال من رؤية الذكاء كإنجاز شخصي إلى فهمه كعملية تكرارية، ومزيج من الحدس البشري، والتعزيز الاصطناعي، والقدرة على التعديل والتكيف.

التحدي الحقيقي ليس في إثبات ذكائنا في عالم مدعوم بالذكاء الاصطناعي، بل في تعلم كيفية تشكيله.

البلطجة الأمريكية !!

 البلطجة الأمريكية !!

 د. عزالدين الكومي 

الولايات المتحدة الأمريكية التي تزعم بأنها أم الديمقراطية في العالم تتعامل مع باقي دول العالم بنظام البلطجة، ونظام “الكاو بوى” ورؤساء العصابات “وفتوات الحتة”، ألا يعتبر هذا بلطجة وإرهابًا؟

فالتهديد الأمريكي لأعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة هو تهديد لدول العالم الممثلة في الجمعية العامة، وهذا دليل على الغطرسة الأمريكية، ومحاولة فرض مواقف سياسية على الدول الأعضاء تحت التهديد!!

فقد كشفت صحيفة “هارتس الصهيونية” أن المندوبة الأمريكية “نيكى هايلى” وجهت رسالة تحذير وتهديد إلى كل دول العالم الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل التصويت على مشروع قرار ضد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي اعترف فيه بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى!!

وقالت المندوبة الأمريكية بالأمم المتحدة: إن الرئيس ترامب طلب منها أن ترصد وتسجل أسماء الدول التي ستصوت ضد القرار الأمريكي بشأن القدس، في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأن الرئيس ترامب طلب منها متابعة الدول التي ستصوت ضد القرار الأمريكى، وتدوينها بالاسم وإرسالها للبيت الأبيض بقائمة، لأنه يأخذ الأمر بشكل شخصي.. في رسالة تهديد واضحة لدول العالم!!

وبالفعل فقد بعثت السفيرة الأمريكىة لدى الأمم المتحدة نيكي هايلى برسالة تهديد إلى جميع ممثلي الدول التى تعتزم التصويت فى الجمعية العامة، ضد الاعتراف الأمريكى بالقدس.

وقالت المندوبة الأمريكية فى رسالتها: إن الرئيس ترامب سيراقب تصويتك بعناية، وطلب منى أن أبلغه بأسماء الذين سيصوتون ضدنا، مطالبة إياهم بالتواصل معها من أجل إجابتهم على إي أسئلة أو استفسارات، لأنها سنقوم بتسجيل أسماء الدول التي ستصوت لصالح القرار العربي الإسلامي الخاص بالقدس، في جلسة الجمعية العامة لصالح سحب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيونى.

وهذا ليس بجديد على هذه المرأة، التى أهانت كل الدول، عندما صرحت: بأنها تلبس حذاء بكعب عالى ليس -موضة- ولكنها لتضرب به أى قرار يصدر ضد دولة الكيان الصهيونى!؟

وقد أعلن عدد من الدبلوماسيين من بعثات الدول الأعضاء بالمنظمة الدولية: أنهم تلقوا رسائل مكتوبة من مندوبة الولايات المتحدة الدائمة لدى الأمم المتحدة، حذرتهم فيها من مغبة التصويت لصالح قرار بشأن القدس، وأنها ستنقل للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أسماء الدول التي ستصوت لصالح القرار المتوقع التصويت عليه خلال الجلسة المقبلة للجمعية العامة، وأخبرتهم بأن أمريكا لا تطلب منهم أن يحذوا حذو واشنطن (في اعتبار القدس عاصمة للصهاينة ونقل سفارات بلادهم إليها)، لكنهم إذا فعلوا فسيكون ذلك أمرا صائبا.

وقالت في تغريدة لها: بالأمم المتحدة يطالبوننا دائما بأن نعمل أكثر وأن نعطيهم (معونات) أكثر، لذلك عندما نتخذ قرارا بخصوص أين يكون موقع سفارتنا، لا ينبغي أن نتوقع من هؤلاء الذين قدمنا المساعدة لهم أن يستهدفوننا.

والحقيقة أن المعونات التى تقدمها الولايات المتحدة لحلفائها، بقصد وأد الديمقراطية ودعم العسكر فى هذه البلاد!!

وقالت إن بلادها استخدمت حق الفيتو ضد مشروع القرار المصرى بمجلس الأمن يوم الاثنين، دفاعا عن السيادة الأمريكية، ودور الولايات المتحدة فى عملية السلام بالشرق الأوسط، كما انتقدت مشروع القرار، ووصفته بأنه إهانة لواشنطن وإحراج لأعضاء المجلس، وأن القدس كانت عاصمة اليهود لآلاف السنين، ولم يكن لهم عاصمة أخرى، وأن بعض الدول ترغب في تشويه صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأغراض خاصة!!

وبدوره فقد أثنى رئيس الوزراء الصهيونى “بنيامين نتن ياهو” على موقف واشنطن من مشروع القرار المصري أمام مجلس الأمن، وقال: أشكر السفيرة نيكي هيلي التي هزمت الأكاذيب، شكرا للرئيس ترامب.

ويدعو مشروع القانون المقدم إلى الجمعية العامة جميع الدول إلى الامتناع عن إنشاء بعثات دبلوماسية في مدينة القدس الشريف، كما يطالب جميع الدول بالامتثال لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بمدينة القدس الشريف، وبعدم الاعتراف بأي إجراءات أو تدابير مخالفة لتلك القرارات.

على الرغم من إن القرارات التي تصدرها الجمعية العامة للأمم المتحدة غير ملزمة، لكن الأمم المتحدة لا تعترف باحتلال الصهاينة للقدس الشرقية منذ عام 1967، وحتى ضمها إليها فى عام 1980، واعتبارها مع القدس الغربية عاصمة موحدة وأبدية!!

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أعلن “إن تركيا ستلجأ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرار بشأن القدس، لاستصدار قرار يدعو الولايات المتحدة الأمريكية إلى سحب إعلانها باعتبار القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيونى، وقال أردوغان: إننا سنعرض مشروع القرار على الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأن تأييد الثلثين في الجمعية العامة، سيعني رفض قرار مجلس الأمن والطريف أنه بعد إعلان ترامب اعتبار القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيونى، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، تقدمت مصر بمشروع قرار إلى مجلس الأمن، نيابة عن فلسطين كممثل للمجموعه العربيه بمجلس الأمن.

وجاء نص القرار كالتالى: أي قرارات أحادية الجانب تخص وضع القدس، ليس لها أي أثر قانوني ويجب إلغاؤها، وقد تجنب مشروع القرار ذكراسم الولايات المتحدة الأمريكية، أو قرار ترامب ضد القدس، كنوع من الخديعة، كدولة مشكو فى حقها، حتى يمنحها فرصة استخدام حق الفيتو ضد القرار، طبقا للمادة (27/ 3 من ميثاق الأمم المتحدة).

وقد تواصل ترامب مع عدد من القادة العرب من حلفاء واشنطن، ومن بينهم محمود عباس والملك عبد الله والملك سلمان وقائد الانقلاب العسكرى فى مصر!!

فماذا تنتظرمن صهاينة العرب سوى الخنوع والخيانة وضياع المقدسات؟!! 


د. عزالدين الكومي
ديسمبر 21, 2017

لن يضرّوكم إلا أذى

لن يضرّوكم إلا أذى


. قـلـم الـتحـرير


وكما تجاهلت حماس تهديدات ترامب؛ فقد عاد الرئيس المطرود دون التوقيع على الاتفاقية، واستمر ترامب في توقيع الأوامر التنفيذية المثيرة للجدل والاضطراب؛ مثل تشديد إجراءات الدخول، وإلغاء وزارة التعليم، والحبل على الجرار؛ حتى أصبح الداخل الأمريكي بين خيارين؛ فإما


الحمد لله قاصم الجبارين، وفاضح المنافقين، وناصر المستضعفين.

فنحن بين هذه الآيات العظيمة؛ ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥]، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: 30]، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]؛ فخيبة هذا الجبار الخبيث محتومة، على الرغم من عناده وتكرار محاولاته وكيده، وأما إرادة الله فنافذة، والمسكوت عنه هنا هو الزمن، ولذا فقد أمرنا الله بالصبر والمصابرة والرباط، مع تقوى الله واليقين بوعده ووعيده.
ولذا فلا يمكن فَهْم الحدث الجزئي بدون أن يُوضَع في سياقه؛ ففي قصة يوسف كانت الرؤيا الدالة على تمكين يوسف أساسًا في اقتناع يعقوب -عليه السلام- بحياة يوسف، وكذلك هي أساس في صبر يوسف -عليه السلام- على الابتلاء؛ من الاستعباد، والسجن، ومعرفته أنها لا تُمثِّل نهاية مسيرة، بل هي محطات في الطريق المؤدي إلى النهاية السعيدة.

وفي خِضَمّ الأحداث التي تحصل أمامنا لا يمكننا

 تحليلها إلا بوضع نهايات متيقَّنة، وربطها بالأحداث

 الجارية. فمن النهايات المتيقَّنة: انتصار الطائفة

 القائمة بالحق والجهاد في سبيل الله الموجودة في

 أكناف بيت المقدس، كما بشَّر بذلك نبينا الكريم محمد

 صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال طائفة من أُمتي

 قائمة بأمر الله، لا يضرهم مَن خذلهم أو خالفهم، حتى

 يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس».[1]


وأما الأحداث الحالية ففيها الكثير من المُثبّطات والألم، وقد يصل الأمر بكثير من الناس إلى اليأس، وهذا كله من علامات قرب الفرج؛ فقد قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].

ولكن هناك أيضًا ملامح لبروز مُبشِّرات من الضروري إلقاء الضوء عليها، ومن أهمها:

أولاً: على الرغم من الهالة التي أُحيط بها ترامب الذي كان يُكرِّر كثيرًا: «لو كنت في السلطة لما كانت هناك حرب لا في أوكرانيا ولا في غزة، وأنه سيُوقف الحروب العبثية فورًا»، ولكن وصوله للحكم أدخل العالم في دوامة محاولة فَهْم تصرفاته؛ فقد بدأ بتحرُّش غير مفهوم بأقرب حلفائه: كندا والمكسيك، وكذلك مع أكبر أعدائه، وهي الصين. ومن جانب آخر فقد كان التقارب مع بوتين مُريبًا، وأوقع أوروبا في حالة من القلق الشديد.

وعندما ندقّق النظر في شخصية ترامب، وطبيعة المحيطين به؛ نجد أننا أمام شخص استعراضي مُعتدّ بنفسه، مُحاط بمجموعة من الصهاينة والرأسماليين المؤيدين بشدة للكيان الصهيوني. وأما نائبه فهو مجرد شخص سطحي ساذج.

ومن القضايا التي يجب الوقوف أمامها: قضيتان مُهمتان؛ هما غزة وأوكرانيا. فقد طرح ترامب مشروعه لحل مشكلة غزة، والذي يتلخص في إجلاء أهل غزة إلى دول الجوار، وذكر الأردن ومصر. وأما غزة فسيُحوّلها إلى منتجع سياحي. وفي الحقيقة لا ندري، هل هي خطة مدروسة أم خواطر ذهنية؟! ولكن في فورة الزوبعة التي أثارتها الخطة استدعى ملك الأردن الذي صُدِمَ بطريقة الاستقبال، وحاول التخلُّص من الزاوية التي وُضِعَ فيها، والتي أصابته باضطراب لا تخطئه العين.

ومن ناحية أخرى، فقد فرض ترامب وقف إطلاق النار في غزة، وتم توقيع اتفاق من ثلاث مراحل، لم يُطبّق حتى أولها، ولكن عنوان المرحلة هو تهديد ترامب بفتح أبواب الجحيم؛ وهي «لازمة» كرَّرها نتنياهو ووزير دفاعه وكبار رجالاته.

وفي خِضَمّ نجاح المقاومة في إعادة قضية الأسرى للواجهة، ودق «إسفين» كبير في جسم الدولة والمجتمع اليهودي، ومع تشبُّث نتنياهو بالعودة للحرب كمَخْرج لأزمته؛ تتنامى المعارضة، فقد استُبعِدَت قيادات الجيش من وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة كبار، وحاليًّا تتفاعل قضية عزل رئيس الشاباك والمستشارة القضائية للحكومة، وزاد الحراك في الشارع، وعاد الزخم للمظاهرات.

والذي يجري حاليًّا هو تخبُّط نتنياهو «الداهية» الذي نجح في سحب البساط من ترامب، ولكنه في الحقيقة لا يملك تصورًا لخطة عملية يمكن أن ترغب أمريكا في فَرْضها؛ فمبعوث ترامب للشرق الأوسط «ويتكوف» سارَع بإجراء مقابلة مع المذيع «تاكر كارلسون»، على منصة «إكس»؛ لتوصيل عدة رسائل؛ أهمها أن نظامَي الأردن ومصر مُهدَّدان بسبب تفاعل الشعوب مع غزة، وأن مصر تعاني من البطالة التي تصل إلى 45% بين الشباب، وحذَّر من أن تغيير النظام يعني أن أمريكا ستخسر مصر وضياع جهد سنوات طويلة، وهذا يعني أنّ قضية التهجير وُضِعَت على الرفّ، وبقي ترتيب غزة، وهي معضلة.

وفي توافُق عجيب أُعلِن أن الرئيس الأوكراني سيزور أمريكا لتوقيع اتفاق استيلاء أمريكا على نصف ثروات أوكرانيا المعدنية؛ للتعويض عن شحنات الأسلحة الأمريكية ودعمها لأوكرانيا في مواجهة روسيا، ولكن المقابلة كانت فضيحة؛ فترامب أرادها أمام الإعلام ليُذِلّ زيلنسكي، ويُظهِر عظمة أمريكا، ولكنّ الممثل الساخر زيلنسكي قلب الطاولة، وتبيَّن للجميع نَزق الرئيس وسذاجة نائبه، وخرق القواعد الدبلوماسية بعد طرد الرئيس الأوكراني من البيت الأبيض.

وبعدها صرَّحت الخارجية الروسية بـ«أن ترامب كان ينبغي له صفع زيلنسكي!»؛ في لفتة تجمع بين التشفّي بالرئيس الأوكراني والاستهزاء بترامب. ولكنّ محصلة المشهدين الواضحة التي فهمها زعماء العالم أن زيارة أمريكا المعتادة لمبايعة سيد أمريكا لم تَعُد رحلة مريحة.

وكما تجاهلت حماس تهديدات ترامب؛ فقد عاد الرئيس المطرود دون التوقيع على الاتفاقية، واستمر ترامب في توقيع الأوامر التنفيذية المثيرة للجدل والاضطراب؛ مثل تشديد إجراءات الدخول، وإلغاء وزارة التعليم، والحبل على الجرار؛ حتى أصبح الداخل الأمريكي بين خيارين؛ فإما تجاهل القرارات والالتفاف عليها، أو الدخول في صدام مستمر مع الإدارة الفيدرالية.

ثانيًا: من الواضح أن تصرُّفات الإدارة الأمريكية التي تحمل الكثير من الابتزاز المادي والحرب التجارية والتهديد، بل وشنّ ضربات عسكرية استعراضية على اليمن؛ قد دفعت إلى تشكيل واقع جديد؛ فزيلنسكي «الطريد» استقبلته أوروبا في لندن، وعرضوا عليه أن يعود برفقتهم لمقابلة ترامب والتصالح معه وإعطائه ما يريد، ولكنه فضَّل الذهاب لأنقرة، ومقابلة أردوغان؛ مما يعني الكثير لما تُمثّله تركيا على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصةً بعد دورها في إسقاط الأسد وبداية استقرار سوريا الجديدة؛ فرسالة بوتين وزيارة وزيرة الخارجية الألمانية وافتتاحها لسفارة بلادها؛ علامات لتسليم دول كبرى بالواقع الجديد، وعودة أوروبا مع تغيُّر السياسة الأمريكية إلى مرحلة الدول القومية، وأُفُول الاتحاد الأوروبي، وتوقُّع انقسام أوروبا بحسب تقديرها لأسلوب التعامل مع الروس الذين يحاولون تحقيق أكبر قَدْر من المكاسب قبل أن يُغيِّر ترامب موقفه.

ثالثًا: لقد أدَّى الاحتكاك الأمريكي الصيني إلى إعلان الصين -ردًّا على مقترح ترامب- على لسان وزير خارجيتها بقوله: «إن قطاع غزة مِلْك للشعب الفلسطيني، وجزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية»، وأضاف: «إن تغيير الوضع في غزة بالقوة لن يُحقّق السلام، ولكنه سيخلق فوضى جديدة»، مضيفًا بـ«أنه لا يجوز تحدّي إرادة الشعب أو نَبْذ مبدأ السلام». وهذا موقف مُهِمّ إذا أُضيف إلى طلب وزير الخارجية الروسي من نظيره الأمريكي الوقف الفوري لاستخدام القوة ضد الحوثيين.

مما سبق يتبين أن المنطقة شهدت تغيُّرات إستراتيجية؛ فبعد التفرُّد الغربي بأوراق اللعبة، جاء طوفان الأقصى ليُعيد قضية فلسطين إلى الواجهة، ويقلب الطاولة على مشروع سيادة الكيان اللقيط على المنطقة الذي رغم كثرة الحديث عنه إلا أنه يلفظ أنفاسه، وكذلك تهشيم مشروعَي كردستان الكبرى والتمدد الشيعي الإيراني، مع بروز كيان سُنّي جديد في الشام، سيتعاظم دوره في المنطقة بتجاوزه المؤامرات والعراقيل، وانشغال أمريكا بمحاولة التحكم في وليدها المشاكس، وكذلك إعادة فتح باب المندب، وهي مهام صعبة؛ حتى إنها لن تسمح لأمريكا والغرب المُفكّك الضعيف بالتدخل لمنع استكمال تصفية النفوذ العلوي في تركيا التي تشهد تغيُّرات هائلة؛ بدأت بإعلان عبدالله أوجلان -زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون- تبنّيه لمبادرة إلقاء السلاح، وهي خطوة مهمَّة، من أهم نتائجها: تفكّك الحزب، وإضعاف القيادات الكردية العلوية التي تسيطر على التنظيم، وبذلك فقد حزب الشعب الأتاتوركي المعارض أهم حليف له، وهو ما سمح بإطلاق حملة ضد رموز الحزب بدأت بأكرم إمام أوغلو.

ويبدو أن هذه الحملة يُقصَد بها كشف السيطرة العلوية، ومِن ثَم تقزيمها، وهذا مشروع مصيري لمستقبل تركيا، ولمستقبل الحراك السُّني في المنطقة؛ فخوف أمريكا من فقدان مصر والأردن أدَّى لعرقلة جهود «إسرائيل» ومنعها من المُضي قُدمًا في مشاريع التهجير التي لا يمكن تنفيذها بمعزل عن تغيير خرائط المنطقة، وهو ما يُمثّل مغامرة غربية خطيرة قد تكون نتائجها كارثية على النفوذ الأمريكي في المنطقة؛ خاصةً مع التربص التركي الروسي الصيني الذي يُضاف إليه بعض الأطراف الأوروبية المتمردة، ولذا فخيارات نتنياهو في التعامل مع غزة محدودة، وسيقف عند حصارها، وما يتبعه من عمليات اغتيال وقتل جماعي، وهي أعمال لا يمكن أن تستمر، وسيتوقف هذا العبث بالمسلمين -بإذن الله-.

ونُبشِّر إخواننا الصامدين الصابرين بأنه لم ينتصر اليهود على المسلمين قط؛ فقد وصف ربنا حالنا معهم بقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ  ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 111 - 112]؛ فهذه هي العاقبة، وعلى أساسها ينبغي أن نَفْهم الأحداث الجزئية التي يُدبِّرها الله لتحقيق الوعد لنا والوعيد لأعدائنا.


[1] صحيح مسلم (١٠٣٧).

قيم ومواثيق إلى... مزبلة التاريخ!

 أوضاع مقلوبة!

قيم ومواثيق إلى... مزبلة التاريخ!


           
وليد إبراهيم الأحمد





المُتوقّع أن تكون الحقبة الحالية (الثانية) للرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أسوأ الحقبات التي ستشهدها الولايات المتحدة في علاقاتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية مع دول العالم خاصة دول الشرق الأوسط وبالتحديد ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية رغم مرور (شهرين ويومين فقط) على رئاسته منذ 20 يناير الماضي 2025 حتى اليوم!

وسبب ذلك نسفه للمواثيق والاتفاقيات مع الدول بسهولة ما دامت لا تتماشى وتطلّعاته الاقتصادية التوسّعية كتاجر أو بمعنى أصح كـ(سمسار عقار)!

ولمعرفة تاريخ هذا التاجر يُؤكّد تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز نشرته (الحرة) بأنه «نشأ في أسرة تعمل في مجال العقارات، حيث كان والده يمتلك ويدير شركة (إليزابيث ترامب آند صن)، التي سميت باسم والدة فريد ترامب، وكانت تعمل على تطوير عقارات مُخصّصة للطبقة المتوسطة البيضاء في مناطق مثل كوينز وبروكلين وستاتن آيلاند».

وبالتالي، أصبح هذا الملياردير اليوم الذي يحكم أقوى دولة عسكرية واقتصادية في العالم لا يعبأ بأيّ وسيلة تفاهم غير سلاح المال، حتى انه نجح في تعطيل مجلس الأمن في وقف اعتداءات الكيان الصهيوني المستمرة على غزة بعد نقض الهدنة بمباركة ودعم من هذا الملياردير الذي قال عن حكم المحكمة الجنائية الدولية عندما رفعت مذكرتها الدولية لإلقاء القبض على المجرم نتنياهو، سنفرض عقوبات على المحكمة كونها تتعرّض لنا ولحليفتنا إسرائيل!

بعد ذلك، من سيطبق القانون الدولي على اللصوص وقطاع الطرق ومجرمي الحرب؟

وما هو دور مجلس الأمن في إحلال السلم والأمن الدوليين إذ إن أكبر دولة تدرس وتعلّم العالم أصول الديمقراطية والإنسانية والعدالة في العالم أصبحت بلا قيم!

على الطاير:

- تقول الخارجية الأميركية: (أولويتنا وقف القتال وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة)!

هذا التصريح درس من دروس السياسة القذرة في التعامل مع البشر!

أسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك أتعجب!

ومن أجل تصحيح هذه الأوضاع، بإذن الله نلقاكم!

email:bomubarak1963@gmail.com

twitter: bomubarak1963

الجمعة، 28 مارس 2025

حمّالةُ الحطب الصخّابون!

  حمّالةُ الحطب الصخّابون!

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني




1- الثبات الاستراتيجي ليس فكرة للاختبار، وليس سياسة مؤقتة خاضعة للمراجعة والتغيير كما يوحي لنا القوّالون والحمّالون، سواءٌ منهم: الضعفاءُ المتأثرون بسطوة الضغط، أو المسيَّسون المتعصبون، أو المرتزقة المأجورون، أو الصخّابون الباحثون عن الظهور؛ وإنما الثبات الاستراتيجي نمطٌ عمليّ عنيد يُصرّ على شقّ طريق الاتجاه الاستراتيجي الذي لا محيد عنه في تدبير شؤون الصراع، وهو الاتجاه الذي تواضع الحكماء الخبيرون والعارفون المجرّبون على غائيّته وضرورته وترجُّح المصلحة فيه على المدى الطويل.


2- وفي إدارة الثبات الاستراتيجي يمكن استعمال تكتيكات مرنة وسريعة، ويسعك المرور في طرق فرعية وجانبية وخلفية، ويمكنك أن تستريح قليلاً، وتموّه بالعودة إلى محطة سابقة، ولكنك تظل على منهاج الطريق، وتعرف غايتك، وتراقب خطّ الانحناءات والانكسارات أثناء المسير، ولا يفوتك مدى تأثيرها على مؤشر الصعود الذي يجب أن يظل صاعداً في القياس.


3- وكلما كانت قدرتك على تثبيت منهجك عالية الالتزام أصبحتَ أكثر قدرةً على التحكّم بهذا المسار وضبط مستجدّاته وإحكام أدواته، وفي الإدارة النبوية الاستراتيجية وجدنا نماذج قويّة الاستدلال، ولاسيما في خط الفتوح والتخطيط العسكري والانتشار الأفقي.


4- ووجدنا نماذج في التخطيط الاجتماعي النبويّ الذي يشدّ الموقف العام إلى الغايات الاستراتيجية ولو بالإعلان عن اتجاهات فرديّة لتعزيز القناعة بالاتجاه الاستراتيجي.


5- من هذه النماذج ما يذكره أصحاب السِّيَر أن رسول الله تجهّز للموعد الذي ضربه مع أبي سفيان لمواجهة عسكرية في بدر الموعد بعد انتهاء معركة أحد، واستثمر الأموالَ التي أفاءها الله عليه من غزاة بني النضير، ومع قرب حلول الموعد تردّد أبو سفيان في الوفاء بميعاده، ولم يجد فيه مصلحة ذات قيمة في هذا التوقيت الذي ورّط قومه فيه في لحظة نشوة، وأرسل لنعيم بن مسعود الأشجعي أن يثبّط رسول الله وأصحابَه عن الخروج لأنه غير مستعد، لكنه لا يريد أن يكون إخلاف الموعد منه، وطلب منهم أن يشيع بين المسلمين أن قريشاً في جمع كثير ولا طاقة للمسلمين بهم، وأعطى لنعيم مكافأة جزيلة مضمونة.


6- كان نعيمٌ ماهراً في إذاعة الأخبار وتسويقها واللعب بمضامينها، فطاف على أصحاب رسول الله وهم يتجهزون، فصار يحكي لهم عن خسارتهم في أحُد، وكثرة القتل فيهم، وعن جراحات رسول الله وإصاباته حتى كاد يُقتل، وأن قريشاً في جمع كثير سيطؤونكم في عقر داركم، ولن يفلت منكم أحد، وصارت هذه الرسالة على لسان كل قادم من مكة، حتى رَعَبَهم، وكره المسلمون الخروج، حتى نطقوا بتصديق قول نُعيم أو من نطق منهم بقوله، وهابوا ذلك.


7- وانتشرت دعاية هذه الحملة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رعبهم حديث نعيم، وكرّه إليهم الخروج، ونَطقوا بتصديق قول نعيم أو من نطق منهم. وتظاهرت الأخبار والمعلومات بذلك عند رسول الله حتى خاف ألا يخرج معه أحد.


8- يقول عثمان بن عفان: لقد رأيتُنا وقد قُذِف الرعب في قلوبنا، فما أرى أحداً له نية في الخروج، حتى أنهج الله تعالى للمسلمين بصائرهم، وأذهب عنهم تخويف الشيطان.


9- وسبب إنهاج تلك البصيرة ووضوحها كان في ثبات القيادة العليا، فقد شعر أبو بكر وعمر بخطورة هذه التعبئة السالبة وتمكُّنها، فجاءا إلى رسول الله، وتحدّثا معه عن ثقتهم الكاملة بوعد الله بإعزاز دينه، وأنه لا يمكن التخلي عن المواجهة لأن ذلك سيظهرهم جبناء في مجتمعٍ يقدّر الشجاعة ويتبع من يتحمّل تكاليفها؛ فسُرّ رسول الله برأي أصحابه المقرّبين، وأعلن لهم توجهه الاستراتيجي بصورة قاطعة مهما بلغت التكلفة: “والذي نفسي بيده لأخرُجنّ، وإن لم يَخرج معي أحد”، فخرجوا مع رسول الله بجيش كبير وتجارةٍ، وتخلّفت قريش، وكسب رسول الله الجولة بهذا الثبات.


{فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا}


بين نكبة فلسطين ونكبة المسار الفلسطيني

 بين نكبة فلسطين ونكبة المسار الفلسطيني

إضاءات عربية فلسطينية منهجية




يقول شيخ الأقصى الشيخ رائد صلاح -حفظه الله- إن نكبة فلسطين بدأت منذ زوال الخلافة، وهذا حق.

وأقول إن زوال الخلافة قد أحدث نكبة في فلسطين وفي عموم الأمة العربية والإسلامية دولا وشعوبا، حيث أخرجها جميعا عن صراط البناء الصحيح، واستبدل جهدها الحضاري السديد ببناء أصنام الدول الوطنية، والتي استولت على عقول وقلوب شرائح شعبية وحركات ومذاهب سياسية، فأشربت حبها وضلت وابتعدت عن توجيهات الوحي، واختل انحيازها للأمة الواحدة، حتى باتت أصنام الدول الوطنية محلا للتضحية والشهادة في سبيلها، وأمست هي الأصل والإسلام هو الفرع!

أقول وأزيد على ما قاله شيخ الأقصى الشيخ رائد صلاح حول النكبة، وذلك بطرح ثلاثة أسئلة واجبة لوعي المعضلة، ولأجل لمعالجة أخطاء المسار والتجربة:

إذا كانت نكبة فلسطين قد وقعت منذ إعلان حل الخلافة الإسلامية عام 1924 …

أولا: متي وقعت نكبة المسار الفلسطيني ومشروعه التحرري عموما.

ثانيا: متى وقعت نكبة المسار الفلسطيني الإسلامي التغييري خصوصا.

ثالثا: متى وقعت نكبة الشعب والمجتمع الفلسطيني بأسره.

أسئلة محرجة ولازمة من باب الأمانة في حمل الرسالة، وأجوبة واجبة لرفع مستوى الوعي الجمعي للفلسطينيين والعرب والمسلمين.

الأجوبة الثلاثة:

أولا: وقعت نكبة المسار الفلسطيني ومشروعه التحرري منذ صياغة اتفاق أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية أمريكية عام 1993، وقد كان عميد هذا الخيار والانجاز هو ياسر عرفات قائد حركة فتح وموجه المسار الفلسطيني الوطني!

ثانيا: وقعت نكبة المسار الإسلامي الفلسطيني ومشروعه التغييري، منذ قبول حركة حماس بالمشاركة في العملية السياسية في ظل المحتل الإسرائيلي، والذي جسدته بالمشاركة في الانتخابات التشريعية -وليست البلدية-، وذلك برعاية وتوجيه الطرف الأمريكي عام 2005، والذي قاد بشكل حتمي للصراع الداخلي المقصود، وأفضى لانفراد حركة حماس بحكم غزة عام 2007، حيث وقعت في الفخ المعد سلفا، فسلمت عمليا مدن الضفة الغربية وجبالها للإسرائيليين والمستوطنين، وحصرت العمل الإسلامي في قطاع غزة -الساقط عسكريا-، والمحكوم عليه بالفشل نتيجة ظروفه الموضوعية جغرافيا واقتصاديا وسياسيا وأمنيا، وقد كان الدور القطري السياسي في هذا الاتجاه موجه من قبل الطرف الأمريكي وغير نزيه!

ثالثا: وقعت نكبة الشعب والمجتمع الفلسطيني منذ قررت حركة حماس الارتباط بإيران الطائفية حيث زار الشيخ أحمد ياسين طهران عام 1998، الأمر الذي تجسد في ربط وارتباط تراكمي فولاذي بين القضية الفلسطينية والمشروع الإيراني، فأنتج بعد عقدين فكرة وحدة الساحات، والتي قعدت وأسست لعملية 7 أكتوبر التي آلت إلى نحر أهل غزة، ومعارك الطوفان التي أغرقت شعب فلسطين، وإذا كان الخيار الأخير مرتبطا بيحيى السنوار، فإن فكرة وحدة الساحات قد ارتبطت بمهندسها الشيخ صالح العاروري، وأما أس المشكلة وهو ارتباط حركة حماس وتحالفها مع إيران فهي تعود للخلل الفظيع المتربع في عقول ومنهج حركة الإخوان المسلمين -إلا من رحم الله-.

إن الجدية والمسؤولية الأخلاقية والأمانة في حمل الرسالة تقتضي طرح الأسئلة العميقة والإجابة عليها بشكل واضح شفاف ورشيد، وهو شرط لإعادة ترميم الخراب الذي أحدثناه بأيدينا وخياراتنا السيئة في ماضي وحاضر فلسطين، ودفع ثمنه الشعب الفلسطيني المضحي والمجاهد والمسكين، كما استفاد من فساد تصوراتنا وانحراف خياراتنا المحتل الإسرائيلي، فأحدث في قضيتنا وأرضنا وشعبنا خرابا فوق ما أحدثناه بأيدينا من خراب.

إن كل اجتماع فلسطيني سواء أكان في الداخل أم في الخارج، وسواء أكان في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أم خارجها، وسواء حمل عنوانا إسلاميا أم وطنيا … لا يطرح أمام شعبه الصورة الحقيقية ليناقش الأسئلة العميقة ويجيب عنها بوضوح، هو خائن لشعبه ومستمتع ومستفيد من رفع عنوان القضية الفلسطينية والتألق بها … فلا تسمعوا له ولا تطيعوه، وابحثوا عما يجمع بين الفهم القويم والهدى العزيز.