‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.أسامة الأشقر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.أسامة الأشقر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أبريل 2026

أمَا وقد منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها!

أمَا وقد منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها!

1- افتحْ مصحفك، أو اسمع كلام الله يقول لك: (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم)

2- إنه يقول لك: لا أحد أظلمُ من هؤلاء الذين يصدّون عن المواضع التي يسجدون فيها لله، ولا أحد أظلم ممن يسعى في خرابها بتعطيل شعائرها، أو تفريغها من الناس أو نقضها أو تغيير وظيفتها بتحويلها إلى غير ما بُنيت له.

3- وإنه يقول لك: إن الأوغاد الذي يفعلون ذلك كان حقّهم ألا يدخلوا هذه المساجد إلا خائفين، إذ لا يجوز لهم أن يدخلوها بحالٍ، ويجب أن يؤدَّبوا ويعاقَبوا على تجاوزهم بدخولها.

4- وهذا هو عين ما يجري في مسجدنا المأسور المقدّس منعاً وتخريباً؛ وكان الأجدرُ بكلّ أحد أن يمنع وقوع هذا الظلم الكبير الذي لا يقاربه ظلمٌ وفق البيان القرآنيّ، وذلك بالاستنفار الكامل والمقارعة بكل ما يُستعان به.

5- وبما أن هذه الأمّة قد بلغت مستوى من الانحطاط والخزي ما بلَغَتْه فإنّ الغَيْرة قد وجبت بإظهار الغضبة وإعلان النفير، وأوّل ما يبدأ النفير  بأن ننبّه الناس إلى هذا الظلم الكبير بصلاة الجمعة في مساجدنا المركزية الكبيرة في الساحات العامة والطرقات في يوم واحد وليس داخل المساجد لإظهار معنى المنع وفداحة الظلم بصورة عملية، ونخرج بصوت واحد في ساحات مسجد آيا صوفيا وجامع الفاتح والجامع الأزهر والجامع الأموي وجامع القيروان وجوامع الأمّة التاريخية وجوامعها الكبيرة خاصّة بأن إغلاق مسجدنا المقدّس عمل حربيّ يستدعي النفير الشامل، وأن الصمت جريمة لا تُغتفَر، وأن الواجب الآن قد انعقد بالمتاح لكسر هذا العدوان وإرغام العدوّ على فتح مسجدنا وتمكين عُمّاره من الصلاة فيه والسيادة عليه.

الأحد، 2 نوفمبر 2025

ستعود غزلان الفاشر ويماماتها

 ستعود غزلان الفاشر ويماماتها

د. أسامة الأشقر 


لا أكاد أصدّق حتى الآن مزاعم سقوط الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور بيد الميليشيات المسلحة التي هاجمتها أكثر من 260 هجوماً خلال عامين من ملاحم الصمود الأسطوري لهذه المدينة التي كانت حاضرة مملكة الفور التي حكمت قروناً عديدة قبل أن يغتال الإنجليز آخر سلاطينها الأقوياء السلطان علي دينار عام 1916م.

زرت هذه المدينة عدة مرات، وكنتُ ضيفاً مع رفاقي في رحلات أرض السُّمُر على ولايتها، وتجوّلنا في قصر السلطان الراحل الكبير، وشهِدنا مجلس قضائه، ودخلنا منزله العامر، ورأينا ما تبقّى من آثاره وأوراقه، واطّلعنا على قصة أوقافه في الحرمين، ولمسنا واحدة من قماش كسوة الكعبة التي كان يرسلها مع المحفل المصري.

وأكلنا من نبق السدرة التي أتى ببذورها من المدينة النبوية، وهي شجرة وارفة عامرة قديمة تخلّت عن أشواكها منذ دهر فصارت الناس تأكل من ثمارها دون أذى.

تجولنا في سوقها العامرة، وأكلنا من مناصيصها، وطفنا بين غزلانها وغرانيقها التاجية، ورأينا يماماتها الماسيّة الكحلاء المنقّطة تنتقر الحبّ من عشبها الأخضر، وشربنا من مائها العذب، ورأينا طِيب أهلها، وحلاوة معشرهم.

هذه السودان جنّة حقيقية رأيناها بأم أعيننا، ولكن الأوغاد الطامعين في خيراتها العجيبة من الذهب الرسوبي والمنجميّ، ومن صمغها العربيّ بهَشابه وطَلْحه الذي لا يوجد له مثال في التداوي الحيويّ، وفي صناعة المشروبات الغازية العالمية، ومن ثروتها الحيوانية الهائلة، ومن معادنها النفيسة التي لم تستثمر إلى الآن، ومن آثارها المخفيّة… 

هؤلاء الأوغاد لم يتركوها ولم يتركوا أهلها، وظلّوا يزرعون بينهم الفتنة، حتى تشظّى الأهلون، وافترقت القبائل، ودُقّ بيهم عِطرُ منشم الفاسد.

لا يعلم كثيرون أن هذه الفاشر اليوم كانت أسطورة صمود في عامَي الطوفان الأخيرَين، وظلّت تقاتل تحت الحصار بشرفٍ وعزّة حتى آخر طلقة.

أيها السودانيون!

كما استعدتُم الخرطوم والجزيرة وسنّار من قبل، فلابد أن يعود ملايين النازحين إلى ديارهم، ولابد أن ينتهي هذا الظلام القاسي الطويل، ولابد أن ينكسر هذا العدوان الأثيم، ولابد أن ينتصر الحقّ والأمان، فكونوا على قلب رجل واحد، واستنفِروا غاية النفير، فأنت شعب واحدٌ، ولا تنظروا إلى وجه واشنطن وعملائها، فإنها كانت عدوّاً منذ عقود طويلة، ولم تنفكّ عن إضعافكم وإرهاقكم وتمزيق شعبكم، حتى يرثوا أرضكم ودياركم وأموالكم

وكلنا يعلم أن الله آتى السودانيين صبراً عجيباً وشجاعة فائقة، ولن تستطيع دولة ٌ مارقة أرسلت أوغادها إليكم أن تهدم بنيانكم العزيز، فاستكملوا ما بدأتم به من تطهير أرضكم، ولا تكفّوا عن الصبر والإقدام حتى تبلغوا مرادكم، وتعود أرضكم حرّة طاهرة.

الجمعة، 9 مايو 2025

حقّ الشجاعة!

حقّ الشجاعة!

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني


 1- الشجاعة التي ترونها في أهل الثغر اليوم بحرٌ ثائر زاخر لا يخوضه إلا فدائيٌّ جَوَادٌ عوّامٌ، أو نبيلٌ شريفٌ حَسِيب.

2- وإنّك كلّما غرفتَ من هدير هذا البحر وهياجه فإنه يحلو لك بعد مرار، ويَعْذُب بعد ملحٍ، ويزداد مع كل نقصٍ.

3- إن محلّ الشجاعة عند هؤلاء الجوّاسين أولي البأس هو في جرأة الفؤاد، ونقاء الروح، وحكمة الضمير، وتجرّد العبادة، وأناقة الهجوم.

4- والشجاعة التي يعرفونها هي السياسة الفاضلة والإرادة الحرّة والاستقلال الحقّ؛ وهي الحبل الذي يشدّ الخير إليك، والرصاصة التي تنطلق من ثورة الحقّ لديك، وهي شعلة الغضب التي تنقدح من حرّيّتك، وهي الدم الذي يتدفق في شرايينك، وهي العروق التي تشدّ أنواط القوّة المجبولة فيك.

5- وشعائر الشجاعة عندهم هي الإبداع في تناوش الأعداء، والتباهي في انتزاع أرواح مردة الشياطين، والدخول عليهم من كل باب حصين.

6- وليست الشجاعة في دروعك الفولاذية التي تتحامَى بها، ولا في سرعة فرارك عندما يتوجّب اللقاء، ولا في أوقار أذنيك التي تتجاهل بها هزيم الرعد المشتبك، ولا في زيادة حساباتك السياسية، ولا في إعادة قياس قدراتك التي تنقص كل يوم بسبب جبنك وخوفك وتبريرك وتأخيرك في اتخاذ القرار الذي تعرفه حق المعرفة.


الخميس، 8 مايو 2025

أجِيبونا قبل أن تسلّمونا!

 أجِيبونا قبل أن تسلّمونا!

د. أسامة الأشقر

ربّما كان من أسهل الفتاوى وأيسر المشورات أن تطلب من الناس المكلومين أن يسلّموا ما لديهم، وأن يستسلموا، ويرضوا بواقعهم، وينسوا مؤقّتاً أن لهم أرضاً ووطناً وحياةً بعد كل هذا الخراب، ويأن يتجهوا إلى أرض الله الواسعة التي تكفل لهم الحياة، وتفتح لهم باب الفرص!

أجيبونا أيها الواعظون المستشارون!

1- هل تعلمون عن أوضاع آلاف الجرحى المحبوسين هناك بين جدران المستشفيات القذرة الذين لا يجدون إلا البؤس وسوء العيش ورداءة المعاملة، سواء من الإدارة الحاكمة أو سفارة السلطة هناك، والتهديد لهم بأن ينسوا العودة إلى ديارهم، لأنهم ضمن مشروع تهجير الآن.

2- هل تعلمون كيف سيقضي عشرات الآلاف من شعبنا المهجّر في معسكرات اعتقال تسمى مخيمات نزوحٍ حياةً كئيبة محطّمة ينتظرون طوابير البؤس صباح مساء، ويتلقّون خدمة متساوية في المنّ والأذى، ويتطاول بهم العمر حتى يوزِّعوا بعضهم في أقطار الدنيا، ويتركوا البقية في شقاء المخيمات المنصوبة، ولا يبقى لدى القادرين سوى حلم واحد أن يقرضهم أحدٌ مبلغاً يغطّي رحلة غير آمنة لهجرة غير مشروعة لأوروبا!

3- هل تعلمون أن أحداً ممن سينجو من هذا المخيمات بواسطةٍ أو شفاعةٍ يدفع فيها دم قلبه فإنه سيعيش في هوامش الضواحي على مساعدات الأقربين المستنزَفين أصلاً، ويظلون يخافون كل شهر إن كانوا يستطيعون دفع إيجار منزل ترتفع أجرته كل شهر، ويخافون كل يوم من أجل توفير لقمة كريمة تسدّ الرمق لأولادهم، أو جرعة دواء مسكّن، ويتحمّلون أذى الشعوب الذين يظنّون أنهم أخذوا منا أعمالهم وأرزاقهم، ورفعوا عليهم تكاليف الحياة!

4- هل تعلمون أننا في مخيماتنا هذه لن يسمحوا لنا برخصة عمل، ولن يعطونا إذن إقامة مؤقتة ولا طويلة، وسنبقى تحت بند اللجوء والطفولة الشقية والأمومة المعذّبة، يرتزقون منّا شطر القليل الذي يصرفونه لنا.

5- وحتّى لو أعطيتمونا بعض المنافع الكريمة، فهل تعلمون أن شعبنا لو قرر الاستماع لكم والنزوح خارج بلده فإنّ ألسنتكم لن تكفّ عنهم، وستتهمونهم بترك أوطانهم، والتخلي عنها، ألا تتذكرون كيف أنكم ما زلتم تتحدثون عن دعاية قديمة صنعها العدوّ بأن أجدادنا باعوا أرضهم، وتعيّروننا بشيء لم يكن!

6- عندما نحسبها بشكل صحيح فنحن بين وعيد الموت الذي ينتظره كل واحد منّا في أي لحظة بتسليمٍ كامل، وبين خيار الجلوس بحسرة إلى باب خيمة ممزّقة فوق ركام بيوتنا المهدّمة، أو خيار الذلّ المستديم القاهر الذي سنعيشه في أكناف الجيران الساخطين؛ أو خيار استدعاء الثبات والوقوف في وجه العاصفة باعتباره الخيار الأنقَى والأشرف في ظل هذه الخيارات العدميّة المتاحة.

7- أيها الواعظون المستشارون، ارفقوا بالناس فإنهم متحيّرون تائهون يريدون نصرةً وإسناداً ونجدةً، ويريدون مشروعاً يحفظ سلامتهم وتعمير ديارهم، ولا يريدون خدّاماً لعفاريت الأوغاد، ودعاةً على أبواب الأوهام، وسخافة العقول!

8- وقبل أن نأخذ بنصيحتكم: هل أخذتم بعين الاعتبار ضمانات عودتنا إذا أَخرجتمونا بحبّكم الشهم الكبير هذا، ورحمتكم العظيمة بنا!

9- وهل أخذتم بعين الاعتبار مَن هي الطليعة المقاتلة الجديدة التي سترث الدفاع عن كل بلدانكم أمام شراسة هذا العدوّ وقذارة مبادئه وانكشاف أهدافه التوسعية الذي انفتحت شهيّته التدميرية عليكم!

10- ألا تعلمون أنكم تهدرون فرصة الدفاع عن أوطانكم بتخلّيكم عنّا وتهجيركم لنا والتفريط في طليعتنا المقاتلة؛ فإنّكم لو أعدتم تركيب أحداث الزمان فسترون أننا كنّا نقاتل نيابة عنكم منذ أكثر من خمسين سنة قاسية، وأنّنا كنا نؤخّر عنكم هؤلاء الأوغاد، وما زلنا!

الثلاثاء، 22 أبريل 2025

إنهم يكشفون أوراقهم!

 إنهم يكشفون أوراقهم!


د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني، مستشار سياسي بمركز الراصد للدراسات




1- لا يوجد في الدنيا حملات بريئة أو متجرّدة من المرجعية والانتماء، فهذه الحملة المشتعلة الآن واحدةٌ من أوسخ الحملات التي تستهدف روح الشعب وروابطه المنسوجة بذكاء المجتمعات المتحضرة، وتستغلّ حالة الاستنزاف النفسيّ الذي فيه ليغّير اتجاه مشاعره الغاضبة المتوجهة إلى أعدائه لتتوجه إلى مكوّنات أساسية في داخله.

2- تستغل هذه الحملة مواطن الضعف النفسي والإرهاق غير المسبوق في الروح المعنوية والاضطراب النفسي الناجم عن انعدام الاستقرار وأساسيات الحياة من شراب وطعام ومأوى.

3- لا تسعى الحملة إلى ترميم الوضع النفسي وإعادة بعض التوازن إلى المجتمع المنكوب الذي يحاول التماسك بشقّ الأنفس وبأدنى كلمة أو سلوك، كما لا تراعي ظروفه ولا سمعته.

4- لا تسعى الحملة إلى تحديد غاياتها بشكل مباشر، وهي لا تتحدث عن إخضاع الشعب أو استسلامه، بل تخاطبه بوصفه القادر على التغيير من خلال انتهاج سلوكٍ احتجاجيٍّ سهلٍ يقترحونه على هذا الشعب الذي تنعدم أمامه الخيارات.

5- من أخطر ما تسعى إليه هذه الحملات هو تسويق حلول وهمية على الأرض تبدأ بتنظيم وقفات احتجاجية ضد المناضلين وتشجيع العامّة على إيذائهم واعتراضهم في مرحلة الاستثارة العاطفية، وصولاً إلى محاولة منعهم من أيّ تحرّك، وإشعارهم بأن ذلك قد يؤدي إلى وقف القصف عليهم وذلك في مرحلة ما يسمّى ب«إزالة الكوابح» وفق ما كتبوه في خطتهم، ثم الانتظام في نسخ نماذج الاحتجاج والاعتراض وتكرارها في مواضع عدّة للإشعار بانتشارها وجاهزيتها لأي حلول بدون أية سقوف.

6- هذه الحملة تعدّ من أكثر الحملات غشّاً وخداعاً، تُظهر نفسها بلباس إنسانيّ رحيم خائف على أرواح المدنيين، وتَفرش شعائر الحزن الباكي على ما جرى لهم، ولكن الحقيقة أن عينها واحدة لا تنظر إلا إلى سلاح المناضلين وما في أيديهم من غنائم ثقيلة، وإلى تصفيةِ قوتهم، ولا تبالي بأحزان الشعب ودموعه.

7- لا تسعى هذه الحملة الضخمة المموّلة إلى مواجهة حملة العدوّ العسكرية أو محاصرته دعائيّاً أو دعوة المحيط العربي والدوليّ للتدخّل الإيجابيّ.

8- ومن قذارة هذه الحملة أنها لا تحتاج للتنسيق المباشر مع العدو لأنها شديدة الانسجام معه وتستفيد من ضغوطه دون أن تتحمل تبعات وحشيّته، والغريب أن العدوّ صار يستفيد منها ويركبها ويروّج لها بفجاجته المعهودة مما يُضعِف تأثيرها بسياسته هذه من حيث أراد دعمها وإسنادها.

9- هذه الحملة تشتغل بهستيرية ظاهرة، تقودها أحقاد وعصبيات تربّوا عليها، وليس فيها شرف ولا أخلاق، وهي لا تداري عواطفها المعادية، والضابط الوحيد في تصعيد حملتها وتصدير أجنداتها هو ألا يُعلَن اسم الجهة المركزية التي أطلقتها وتموّلها وتشرف عليها، وتحلل التغذية الراجعة منها، وتصرف بعد ذلك مخصصاتها منها.

10- وهي حملة جدّيّة تنتظم فيها كل أدوات القوة المتاحة لهؤلاء وباستخدام المنابر المملوكة لهم جزئياً أو كلياً بالكامل، ولم يعودوا يخشون انكشاف هذه المنابر ومرجعياتها، ولا انكشاف الشخصيات المتعاونة أو المأجورة أو المتفقة معها، فالأوامر واضحة للجميع بالانخراط فيها حتى لو خسرت مصداقيتها أو مهنيتها.

11- هذه الحملة المدروسة تتّسم بالتركيز والتكرار والردم المستمر وتحفيز الانفعالات المتراكمة، وتعمل على إشراك أكبر عدد ممكن من المتفاعلين معها لبلوغ أهدافها، وينشرون على كل الحبال التي ترتبط بهم حتى لو كانت وسخة.

12- ولأن وقت هذه الحملات محدود بمواسم الضغط العسكريّ وحلقات التأزيم المسقوفة بأزمان مدروسة فليس هناك تدرّج في بث المضامين المتفق عليها، فتراها تفتح كل الأبواب الكبيرة أو الصغيرة المتاحة لها، ولذلك وقعوا في أخطاء غبيّة ساذجة في توجيهها ولم يصحبهم التوفيق في إدارتها.

13- هذه الحملة ستفشل لأنها سياسية دعائيّة استفزازية محضة ولا قيم فيها، ويَفُوتها أيضاً أن الجمهور المعلن المستهدف لا يستطيع التجاوب معها بسبب انعدام الكهرباء والتشرد والشظف الشديد وانعدام الاستقرار وزهد الناس في التفاعل مع أي شيء لشدة الضغوط وكثرة الواجبات وانعدام الحيلة.

14- ولأنها ستفشل هكذا فلابد من تحريك أدواتهم المرتبطة بهم على الأرض لذلك سيجازفون بكشف عملائهم الميدانيين تحت ضغط الوقت، وهي فرصة للمناضلين أن يكشفوهم ويضعوا أيديهم عليهم.

15- وعلينا أن ننتبه الآن أكثر فثمّة جمهور آخر مستهدف من هذه الحملة في الناحية الأخرى من الوطن المسلوب، تتوجه فيها أدبيّات الحملة إلى تخويف الضفة وتحذيرها من أي استجابة، وردعها نفسيّاً؛ كما أنها في طريقها لاستهداف الجمهور المحيط والعالمي الذي أدرك بوعي كبير أبعاد ما يجري، ويتخذ مسارات عملية تضامنية وربما إسناديّة.

الجمعة، 11 أبريل 2025

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء! (٢)

 

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء!
(٢)


بقلم د. أسامة الأشقر 
مؤرخ وروائي فلسطيني

إن عليك إلا البلاغ!

1. إنّ هذا الدين ليس وظيفةً، وليس دار إفتاء، وليس ديواناً رسميّاً، ولا حزباً دينيّاً مسيّساً، ولا هيئة مكلّفة، ولا جماعةً ولا قبيلةً ولا شعباً ولا دولة…، إنما هو دينٌ أرادنا الله أن نَدِين به على وجهه الذي أراده الله لعباده بتجرّد كامل.
2. أنت أيها المفتي أو صاحب الرأي المطاع لستَ واعظاً في خِضمّ المعركة إلا إن كنتَ بين قومٍ جاهلين غافلين مرتابين، إنّك اليوم في أمّة فيها ملياران من المسلمين يعلمون ويميّزون في حقّ وجوبِ نصرة أهل الثغر ربّما أكثر من علمهم بصلاتهم وسائر عباداتهم وواجباتهم.
3. عندما أصدرتَ الفتوى أو كتبتَ المقالةَ أو تصدرتَ للخطبة أو أثرتَ الرأي هل سألتَ عن أثر ذلك، ومن سيحملها عنكَ، ومن سيعتني بتنفيذها والعمل عليها، وهل قرّبتَ إليها من يتابعونك ويأخذون عنكَ، وسألتَهم عن مقتضاها!
4. هل أنت مستعدّ لدفع ثمنها والدفاع عنها وتوصيلها إلى ذوي القرار بكل طريقة صعبة أو مستطاعة، ولو عارضتْ فتواك موقف السلطة المتنفّذة التي تعتقد أنها مخالِفة لشرع الله في منع أشكال النصرة؟
5. هل استثنيتَ مَن تخاف منهم في فتواك أو مقالتك لتجد لنفسك مَخرَجاً أو مَهْرباً إذا صدعتَ بالحقّ الذي تعتقده؟
6. البلاغ ليس بياناً أو فتوى، البلاغ هو أن تجتهد وتسعى ليصل بيانُك إلى غايته، وإلى مقصده، ومن القرائن التي تظهر لنا الاختلاف بين مستوى البيان والبلاغ أن البلاغ الكامل هو البلاغ المبين الذي لا شبهة فيه ولا لبس ولا تحوير ولا مداراة ولا مداهنة ولا مسايسة ولا حزبية ولا عصبيّة ولا مصالح ذاتيّة: (فإنما على رسولنا البلاغ المبين)، فالبلاغ المطلوب هو فوق البيان العادي الذي يأتي عادةً في سياق الوعظ العام والظرف الاعتياديّ.
7. هذا البلاغ يجب أن يكون جليّاً: صواباً في موضوعه، وصِدقاً في نفسه، ومطابقاً للمقصود به، وأن يكون مقنعاً في عرض الحقّ بحيث لا يجد فيه المبلَّغ المتجرّد عن الهوى والغرض ما يعترض موضوعه إلّا أن يتعنّت.
8. هذا البلاغ فيه حجّة ومجادلة، ويمكن أن يكون فيه ومصادمة ليؤدَّى كما هو، وفيه مشقّة لتحقيقه لأنه يكون غالباً في سياق الإعراض والرفض والتحدي، ويمكنك أن تفهم هذا من الجوّ العامّ لهذه الآية: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنْ عليك إلاَّ البلاغ).
9. ولا مجاملة في تشديد الأمر بالبلاغ، وأنّه مسؤوليّة كبيرة يُكلّف بها العالِم (يا أيها الرسول بلِّغ ما أُنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته)، فالبلاغ يكون بمواقفكم الحاسمة والصدع بالحقّ والثبات عليه، وتفنيدكم لشبهات السياسيين والملبّسين والمتنفّذين والجبناء وذوي الأهواء.
10. وإذا أدّى العلماء البلاغَ على وجهه، واطمأنّوا إلى بلوغه للجمهور المستهدَف، انتقلت المسؤوليّة من المبلِّغ إلى المبلَّغ (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)، فالمبلِّغ لا يتحمّل مسؤولية المعرضين المتولّين، وليس مكلّفاً أن يُحْدِث الهدى فيها، وليس مطالباً بالأسف عليهم إذا توّلوا.
11. أيها العلماء! إنّ البلاغ موقف فاصل، وأيّما عالمٍ لا يبلّغ البلاغ المبين فقد غشّ الحاكم، وغشّ الناسّ، وغشّ نفسه، فاتّقوا الله، وأدّوا ما أوجَبه عليكم، أو استقيلوا عمّا لا تستطيعونه!

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء! (١)

الخميس، 10 أبريل 2025

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء! (١)

 

رسالة إلى السادة الموظفين العلماء!
(١)



بقلم د. أسامة الأشقر 


1. يبتدئ التضليل عند دوائر الفتوى الوظيفية بالتشكيك في المسلّمات الشرعيّة التي نؤمن بها ممّا تلقّيناه من مصادر التشريع وأئمته الكبار، ويفتتحون لنا التضليل بمنطق منهجيّ بأنّ ثمّة حكماً شرعيّاً، ومناطاً للحكم، وتحقيقاً لهذا المناط، ثم يحتالون بالقول إن الحكم مبثوث في بطون الكتب، ويتجاهلون الإشارة إليه وبيانه، ثم يشغلونك بالمناط وتحقيق المناط، ويقولون إن فهم ذلك صعبٌ جدّاً لا يفقهه إلا أهل الحكم والولاية، وهم أصحاب الشأن وحدهم دون غيرهم، ويتكلمون باسم الحكومة في شأن سياسيّ لا يفقهون فيه إلا ما ظهر على السطح لهم مما لقّنتهم إيّاه أبواق الحكومة وإعلامها ومكاتب الظلّ فيها.
2. أكثر هذه الدوائر الوظيفية لا يفرّقون بين المتغيرات السياسية المؤقتة وظروفها، والثوابت السياسية المستقرّة التي يمكن المناورة حولها وليس بها أو عليها؛ ولا يعرفون أنهم يعطّلون الأحكام الشرعية الثابتة بدعوى تعذّر تنزيلها بسبب ظروفها المؤقتة؛ وأكثر دوائر الفتوى هذه من أشد الناس سذاجة في السياسة وتدابيرها وتراتيبها، ولا يفهمون منها إلا الطاعة للسلّم الوظيفي؛ ولا يعرفون أن السياسة علمٌ كبير وخطير له أكاديمياته وأساتذته وخبراؤه، وهم ليسوا بالضرورة سلطة متنفذة آتية بالتغلّب أو الوراثة أو الاستقطاب.
3. لا تجيبنا دوائر الفتوى الوظيفيّة هذه عن إشكالية الجمع بين طاعة قرار السيّد المتنفّذ على قرار الدولة من جهة، وبين توجّهات هذا السيد المتنفّذ وارتباطاته وارتهان قراره السياديّ للعدوّ وحلفائه في مسألة منع النصرة المؤثّرة، فكيف نطيع حاكماً مغلوباً على أمره السياديّ وقراره الاستراتيجي في واجبٍ شرعيّ كلّي يريد نقضه وإزالة العمل به!
4. واجب الفتوى في هذه الظروف الصعبة أن تتوجّه إلى الحكام العاجزين والغائبين والدول اللاهية والمتجاهلة والمتواطئة كما توّجهونها إلى الأفراد والأعيان والأحزاب المغلوب على أمرها، والعجيب أنّكم توجبون على شعوبكم العجز وهم ليسوا بعاجزين، والأمر كلّه في حقيقته يتعلق عندكم بتقديرات مرجعيّاتكم الموهومة أو الجبانة أو المرتبطة.
5. أهل الثغر مُستضعَفون الآن ويُقتلون، وهم يبادون الآن لأنّهم مصرّون على حقوقهم التي أمرهم الله بالدفاع عنها وصيانتها، وليس ثمّة وقت مستقطَع في هذه الإبادة، وليس عندنا ترف الانتظار، بينما جيرانهم الأقربون والقريبون لا يقومون بأيّ أمر ذي بال رغم وجوب النصرة عليهم كما تقرّر لديهم في مصادر الفتوى ومراجعها المعتبرة، ولكن دوائر الفتوى الوظيفية تشتغل على خط التثبيط، ولم تعمل يوماً في خط التثبيت.
6. إذا كنتَ غير قادر على القتال أو النصرة أو تعذّر عليك ذلك، فاعترِف بما أنتَ عليه سرّاً أو جهراً، وصارِح ذوي الشأن والرأي المستقلين الأمناء بعجزك، وهم سيقررون إذا كان ادّعاؤك هذا حقّاً أو مداراة والتفافاً.
7. ومهما كان الأمر فيجب على دوائر الفتوى أن تفتح باب الاجتهاد في إمكانات النصرة التي لا تنتهي أشكالها وأساليب الإمداد والإسناد فيها، وإيّاها أن تتورّط في تخذيل الناس ومنعهم من أداء ما يجب عليهم.
8. وأما الحدود والدولة القطريّة فإنها لم تكن يوماً في التشريع مانعاً من موانع النصرة أيها العلماء، وإنما هي شأن إداريّ تنظيميّ بحت يُحترَم ويُلتزم به في غير معصية الله.
9. واستقرار البلدان ليس شأناً تكتيكياً بل هو شأن استراتيجيّ، وزعزعة الاستقرار تكون بترك هذا الكيان على حاله وتمكينه ومسالمته، ومن المعلوم لدى حكوماتنا في أدبيات الأمن القومي والوطني أن هذا الكيان عدوّ استراتيجيّ لكنهم منذ سبعين عاماً يتعاملون معه على أنه خصم سياسي يمكن التفاهم معه.
10. شفقتكم الزائدة ودموعكم الزائفة علينا لن تنطلي على الناس، وكان بإمكانكم على الأقلّ أن تدعو الدول للاجتماع على كلمة سواء وردع العدو وتخويفه وتهديده ولو بالضغوط السياسية والاقتصادية والدبلوماسية… ولكنكم لم تفعلوا ذلك أبداً.
11. وأمّا اجتهادكم في البحث عمّا يثبّط الناس، وتردادكم للتحليلات الفاسدة غير الموضوعيّة، وتبريركم لسقوط مواقف حكوماتكم فهذا من الخذلان المبين الذي ستحاسبون عليه عند رب العالمين، وأخشى أن يسلّط ربّنا سبحانه الناسَ عليكم يوماً ليحاسبوكم ويؤدبوكم كما رأيتم من قبل.
12. ولا يجوز لكم أن تصفوا حكوماتكم بغير ما هي عليه، فالمواقف والأحكام تؤخذ من ألسنة الأفعال لا ألسنة الأقوال أيها السادة العلماء.
13. ودعوى عدم التوازن في القوّة من التضليل فلطالما كانت معارك الإسلام الأولى من غير توازن، وكان النصر حليفهم مصحوبين بمعيّة الله وتوفيقه لعباده، ونعلم أن الله لا يكلف نفساً فوق وسعها، ونعلم أيضاً أنه أمرنا بإعداد ما نستطيع، وقد أعددنا فائق القوة التي استطعناها وحققنا الكثير حقاً وثبتنا ثباتاً عظيماً، وكان ينقصنا أن تكونوا معنا، لكننا عجزنا عن استدعائكم منذ عقود طويلة رغم وجوب ذلك عليكم، ولو أردتم النصرة حقّاً لأعددتم لها عدّتها، بل كان بعضكم ممن ناصبَنا العداء جهارة وكأننا العدو دون أولئك الأوغاد، فاتقوا الله أيها المفتون، وكونوا لله فيما تعلمون!

الجمعة، 28 مارس 2025

حمّالةُ الحطب الصخّابون!

  حمّالةُ الحطب الصخّابون!

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني




1- الثبات الاستراتيجي ليس فكرة للاختبار، وليس سياسة مؤقتة خاضعة للمراجعة والتغيير كما يوحي لنا القوّالون والحمّالون، سواءٌ منهم: الضعفاءُ المتأثرون بسطوة الضغط، أو المسيَّسون المتعصبون، أو المرتزقة المأجورون، أو الصخّابون الباحثون عن الظهور؛ وإنما الثبات الاستراتيجي نمطٌ عمليّ عنيد يُصرّ على شقّ طريق الاتجاه الاستراتيجي الذي لا محيد عنه في تدبير شؤون الصراع، وهو الاتجاه الذي تواضع الحكماء الخبيرون والعارفون المجرّبون على غائيّته وضرورته وترجُّح المصلحة فيه على المدى الطويل.


2- وفي إدارة الثبات الاستراتيجي يمكن استعمال تكتيكات مرنة وسريعة، ويسعك المرور في طرق فرعية وجانبية وخلفية، ويمكنك أن تستريح قليلاً، وتموّه بالعودة إلى محطة سابقة، ولكنك تظل على منهاج الطريق، وتعرف غايتك، وتراقب خطّ الانحناءات والانكسارات أثناء المسير، ولا يفوتك مدى تأثيرها على مؤشر الصعود الذي يجب أن يظل صاعداً في القياس.


3- وكلما كانت قدرتك على تثبيت منهجك عالية الالتزام أصبحتَ أكثر قدرةً على التحكّم بهذا المسار وضبط مستجدّاته وإحكام أدواته، وفي الإدارة النبوية الاستراتيجية وجدنا نماذج قويّة الاستدلال، ولاسيما في خط الفتوح والتخطيط العسكري والانتشار الأفقي.


4- ووجدنا نماذج في التخطيط الاجتماعي النبويّ الذي يشدّ الموقف العام إلى الغايات الاستراتيجية ولو بالإعلان عن اتجاهات فرديّة لتعزيز القناعة بالاتجاه الاستراتيجي.


5- من هذه النماذج ما يذكره أصحاب السِّيَر أن رسول الله تجهّز للموعد الذي ضربه مع أبي سفيان لمواجهة عسكرية في بدر الموعد بعد انتهاء معركة أحد، واستثمر الأموالَ التي أفاءها الله عليه من غزاة بني النضير، ومع قرب حلول الموعد تردّد أبو سفيان في الوفاء بميعاده، ولم يجد فيه مصلحة ذات قيمة في هذا التوقيت الذي ورّط قومه فيه في لحظة نشوة، وأرسل لنعيم بن مسعود الأشجعي أن يثبّط رسول الله وأصحابَه عن الخروج لأنه غير مستعد، لكنه لا يريد أن يكون إخلاف الموعد منه، وطلب منهم أن يشيع بين المسلمين أن قريشاً في جمع كثير ولا طاقة للمسلمين بهم، وأعطى لنعيم مكافأة جزيلة مضمونة.


6- كان نعيمٌ ماهراً في إذاعة الأخبار وتسويقها واللعب بمضامينها، فطاف على أصحاب رسول الله وهم يتجهزون، فصار يحكي لهم عن خسارتهم في أحُد، وكثرة القتل فيهم، وعن جراحات رسول الله وإصاباته حتى كاد يُقتل، وأن قريشاً في جمع كثير سيطؤونكم في عقر داركم، ولن يفلت منكم أحد، وصارت هذه الرسالة على لسان كل قادم من مكة، حتى رَعَبَهم، وكره المسلمون الخروج، حتى نطقوا بتصديق قول نُعيم أو من نطق منهم بقوله، وهابوا ذلك.


7- وانتشرت دعاية هذه الحملة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رعبهم حديث نعيم، وكرّه إليهم الخروج، ونَطقوا بتصديق قول نعيم أو من نطق منهم. وتظاهرت الأخبار والمعلومات بذلك عند رسول الله حتى خاف ألا يخرج معه أحد.


8- يقول عثمان بن عفان: لقد رأيتُنا وقد قُذِف الرعب في قلوبنا، فما أرى أحداً له نية في الخروج، حتى أنهج الله تعالى للمسلمين بصائرهم، وأذهب عنهم تخويف الشيطان.


9- وسبب إنهاج تلك البصيرة ووضوحها كان في ثبات القيادة العليا، فقد شعر أبو بكر وعمر بخطورة هذه التعبئة السالبة وتمكُّنها، فجاءا إلى رسول الله، وتحدّثا معه عن ثقتهم الكاملة بوعد الله بإعزاز دينه، وأنه لا يمكن التخلي عن المواجهة لأن ذلك سيظهرهم جبناء في مجتمعٍ يقدّر الشجاعة ويتبع من يتحمّل تكاليفها؛ فسُرّ رسول الله برأي أصحابه المقرّبين، وأعلن لهم توجهه الاستراتيجي بصورة قاطعة مهما بلغت التكلفة: “والذي نفسي بيده لأخرُجنّ، وإن لم يَخرج معي أحد”، فخرجوا مع رسول الله بجيش كبير وتجارةٍ، وتخلّفت قريش، وكسب رسول الله الجولة بهذا الثبات.


{فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأساً وأشد تنكيلا}


الثلاثاء، 3 ديسمبر 2024

امرأة من الجنّة.. سيّدة الثبات!

  امرأة من الجنّة.. سيّدة الثبات!

د. أسامة الأشقر



1- أكثر ما يشدّني إلى شخصيّة سيدتنا وأمّنا خديجة بنت خويلد الأسديّة رضي الله عنها أنها كانت سيّدة ناضجة متوازنة الشخصيّة، ولديها ثبات نفسيّ عجيب يجعلها امرأة استثنائيّة فريدة كانت من أركان الإسلام الأولى.

2- السنوات العشر التي قضتها مع سيدي رسول الله بعد البعثة هي من أصعب السنوات وأكثرها أزمات وأحداثاً ضاغطة أظهرت فيها شخصيتها العظيمة، وأثبتت أنها سيدة الثبات الأولى التي تستحق أرفع مقامات التكريم على أدوارها في بدايات الإسلام وبزوغ شمسه.

زوجها رجل استثنائيّ

3- لقد أدركت أن زوجها رجل استثنائيّ، وقررت أن تكون إضافة له وتكميلاً، وأن تسخّر كل إمكاناتها ليؤدي رسالته، ويحظى ببيئة داخلية مستقرّة يجد فيها الأنس والراحة وصلاح البال والتوازن.

4- كانت تذهب إليه في تحنّثه في غار حراء تمشي نحو خمسة أكيال ونصف لتوصل له طعامه وشرابه وزاده، وتصعد جبلاً يزيد ارتفاعه عن ثمانمائة وستين متراً فوق سطح البحر، ولا تزعجه، ولا تقطع عليه خلوته، ولا تعكّر عليه صفو وصاله مع السماء، وكأنّها كانت تدرك أن شخصية زوجها لا يمكن أن تجعله راهباً ينقطع عن الناس ويعتزلهم، بل إنه كان يتزوّد ليعود للناس، ويكون معهم، ويحملهم برفقته إلى بوابة السماء التي نهَل منها.

5- سخّرت السيّدة العظيمة أموالها في خدمة زوجها، وأضافت رصيدها إليه، ومكّنته اقتصاديّاً حتى قال بعض المفسرين إن ربّنا أغنى سيدنا محمّداً بمالها (ووجدك عائلاً فأغنَى)، وقد حكى ابن شهاب الزهري أنها أنفقت أربعين ألفاً وأربعين ألفاً أخرى على مشروع زوجها ورسالته.

قاست عضّة الحصار والحرمان ثلاث سنين
6- وقاست أمّنا خديجة عضّة الحصار والحرمان ثلاث سنين لكنها لم تكن شخصية سلبيّة أو حياديّة فاستخدمت نفوذها القبليّ والمالي في قومها بني أسد لإسناد أسرة زوجها المحاصرين في بني هاشم، واستغلّت ثغرة في صحيفة المؤامرة لا تنصّ على حصار من هم من غير بني هاشم وبين المطلب فكان يأتيها دعمٌ من أهلها ولاسيما ابن أخيها حكيم بن حزام بن خويلد فتجعل ما يأتيها لهذا المجتمع المحاصَر الجائع.

7- كانت فوق إيمانها العميق وحنيفيّتها الظاهرة الحلقة الأقوى حول رسول الله، تدعمه وتؤازره وتدثّره وتزمّله وتؤمن بصدقه ومصداقيّته وتعرف مواضع التفوّق فيه، وتدرك أن رسالته تستحق أن يتحمّل المرء فيها أشدّ العناء، وما تزال كلماتها شاهدةً على وعيها الحاضر وفكرها العميق: (كلا والله لن يخزيك الله أبداً، إنّك لتصل الرحمَ، وتَحمِل الكَلّ، وتُكسِب المعدوم، وتعين على نوائب الحق، أبشِر يا ابن عمّ، واثبت! فوالذي نفس خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمّة).

8- وقد وصلت خديجة إلى يقين كامل بأن هذه الصفات الكاملة في زوجها هي صفات نبيّ موحَى إليه، وهذا الإدراك من شواهد رجحان عقلها وكمال شخصيتها وقوّة معارفها، ولذلك استدعت ابن عمها العالِم العارف بالكتب والأديان ورقة بن نوفل ليعين في تثبيت زوجها وتقويته على حمل رسالته في بداية التكليف الإلهي له ببلاغ رسالة الله.

أحاطت النبي بدعم مستمر لا ينقطع

9-
ولم تترك السيّدة خديجةُ زوجَها بعيداً عنها، وأحاطته بدعم مستمر لا ينقطع، ومنحته الثقة الكاملة، ووفرت له المحضن الآمن المنيع (آمنت به إذْ كفر الناسُ، وصدقتني إذ كذبني الناس، وآستني بمالها إذ حرمني الناس).

10-
وقد خصّها الله تعالى بمزيّة نادرة لا تحدث عادة سوى للأنبياء وهي أن جبريل طلب من رسول الله أن يقرئها السلام من ربها ومنه، وأن يبشّرها ببيت في الجنّة من قَصَب لا صخب فيه ولا نصب، كما في حديث الصحيحين؛ وسلام الله تعالى عليها الذي أوصله جبريل إليها، وحرص جبريل على تبليغ سلامه الشخصيّ لها يدلّ على خصوصيّة معرفتها بربّها وقربها منه، وكأنّ روحها اندمجت مع روح رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه، فاستشعرت مقام القرب من جناب الله وحضرته المتعالية.

عرّفها الله مكانتها ومكانها وجزاءها في الآخرة
11-
وأظنّ أن من دواعي كمال شخصيتها أن الله تعالى الله عرّفها مكانتها ومكانها وجزاءها في الآخرة ومكافأتها نصّاً في مرحلة مبكّرة من حياتها الدعوية فكانت امرأة من الجنّة تمشي على الأرض، وكانت تدرك تماماً ما يقتضيه كونها من سيّدات الجنّة الرفيعة، وضرورة الالتزام بمواصفات أهل الجنّة الذين رأوا عين اليقين.

12-
لذلك كان رسول الله لا يكاد يرى امرأةً إلا هي، وقد أعلن حبّه لها: “إني رُزقت حبّها”، وجعل محبته لها رزقاً ساقه الله إليه، وأتاه دون سعي منه، وجعله له طُعمةً وبُلغةً وزاداً، وتقوّى بحضورها معه، وتعزَّى بتثبيتها له، وتحصينها لداره، وكفته أمر متابعة أمور بيته ليتفرّغ لرسالته ومعركته.

ولو كانت أمّنا خديجة في زماننا لأحبّت نساء أهل الثغر، وشهدت على ثباتهنّ، رضي الله عنهن أجمعين!

الأحد، 10 نوفمبر 2024

حدِّثيني يا نفسُ!

 

حدِّثيني يا نفسُ!

د. أسامة الأشقر


1- ما زال الموسم العظيم مفتوحاً بهذا الطوفان، فليس أمامك إزاءه إلا أن تغزو، أو تَخْلُف غازياً، أو تجهّزه، أو تحدِّثَ نفسَك بغزو، وأحسب أن سيدي رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه من كثرة بعوثه وسراياه لم يكَدْ يَبيت في المدينة إلا على تدبير سريّة أو غزوة، ولا يستيقظ إلا على التخطيط لمعركة.

2- وحديث النفس بالغزو يعني أن تلحّ عليها وتقنعها بقصد المشاركة بالقتال بنفسك أو مالك أو محل قدرتك وخبرتك، وتعظيم أدوارك.

3- وحديثك مع نفسك لا يعني أن تأتيك الخاطرة ثم تدفنها بسلوك لا ينتمي إليها، بل يعني أن تستعد للمستقبل وتخبر نفسك بجدّيّة أنك تحب القتال والمقاتلين، وتتشوّق إلى مشاركتهم والانخراط في صفوفهم، وتدافع عنهم وتذبّ عن أعراضهم.

4- وحديثك لنفسك يعني أنّه يتعين عليها اعتقاد وجوب الغزو، وأنّك جاهز للدخول فيه إذا انفتحت أسبابه ببحثك الدائم عن مداخله، وهذا كله استعداد نفسيّ وتوطين روحيّ.

5- وهذا الحديث يتضمّن النية على فعل ذلك، وظهور علامات هذه النية بإعداد الآلات، يقول تعالى: (ولو أرادوا الخروجَ لأعدّوا له عُدّة)؛ ومن شؤم المرء ونَحسِه أن يتوفّاه الله وهو محروم من هذه النية، وينتظره حساب عسير عند ربّه.

6- ولا يظهر صدق المرء وبراءته من النفاق إلا بتجريد نفسه للحرب على العدو سرّاً وجهراً، وإذا لم يقاتل ولم يحدّث نفسه بقتال فإن شعبة النفاق عنده ستنفتح على واديه، وسينغمس في لجّة النفاق، ففي الحديث الصحيح: “من مات ولم يغزُ، ولم يحدّث نفسَه بغزو، مات على شعبة من النفاق”.

7- ومن شعائر النفاق تجنّب الحديث للنفس في قضية وجوب الغزو والخلافة فيه وجمعِ الناس على استدامة الشحن به؛ وإذا لم يكن المرء غازياً ولا قائماً مقام الغازي فلينتظر قارعةً داهية تحلّ عليه فجأة وتهلكه، وتهلك من اشترك معه في عظيم جرمه، وفي الحديث الحسن: ” من لم يغزُ، ولم يجهِّز غازياً، أو يخلُف غازياً، في أهلِه بخيرٍ أصابَهُ اللَّهُ بقارعةٍ قبلَ يومِ القيامة”.

8- فإذا كان مَن لم يحدّث نفسه بغزو على شُعبة من النفاق، فإن تاركه منافق، وأما الداعي إلى تركه والمعادِي لأهله بلسانه وإعلامه وسِنانه فإنه في درك مُستفِلٍ عميق من هذا النفاق، فبرِّؤوا أنفسَكم بحديث النفس هذا، ولا تنكثوا الميثاق، فالموسم العظيم ما زال قائماً!

السبت، 26 أكتوبر 2024

تدبُّر في معاني «لن يضروكم إلا أذى»

 تدبُّر في معاني «لن يضروكم إلا أذى»

د. أسامة الأشقر
مؤرخ وروائي فلسطيني



1- كان مذاق هذا اليوم السابع فاخراً لم يذقه الناس من قبلُ، وهو طعامٌ عجيب غذّى الروح، وشَحَنَها بالاندفاع، وغَمَرها بالثقة، وقلَب المشهدَ، وغيّر المدى، ولكنّ بعض آثاره الظاهرة في الميدان الاجتماعي العام كان فيها مرارة فاجعة، وحزن عميق، وغضب نازف، وتيه لا دليل فيه، وشعور جارف باليتم والخذلان، وقد حلّ البلاء والدمار والفقد والنقصان بكل ما حولهم ؛ ولولا أنّ الله يلقي على عباده بعضاً من رحمته، ويكرر عليهم شواهد من دلائل نصره القادم ليخفف عنهم شدّة المصاب لكان الحال أشبه بجائحة نفسيّة جماعيّة مجنونة لا يشفى أحدٌ من عقدتها.

2- ولا شك أن في هذا الطوفان الكبير أذىً قد جرى الإخبار القرآنيّ بأشباهه والتنبيه عليه والحثّ على الاستعداد له وتحمّل عواقبه، وهذا لا يعني أن هذا الطوفان أذى في الاستنتاج البارد، فإن النصيحة يكون فيها أذى، لذلك كانوا يوجّهوننا كيف نقلّل اتجاه الفضيحة في النصيحة، ونَزِنُها ميزانَها؛ كما أن في السفر أذى للمشقّة فيه وانقطاعه عن الأهل والأحباب ومألوف العادات.

3- وقد كنتُ أتحدّث لإخواني أنّنا كنا نرى كتب التفسير تذهب إلى أن الأذى في قوله تعالى: (لن يضروكم إلا أذى) هو المكروه اليسير والشرّ الخفيف، حيث نظروا إلى سياق بعض الآيات فاستنتجوا هذا، فطالَعوا هذا: (إن كان بكم أذى من مطر)، وهذا (أو به أذى من رأسه)… فذهبوا هذا المذهب.

4- وفاتَهم أن الأذى هنا ناتجٌة من النواتج، وضرر مقدّر بقدره، وهو يوزَن بالقدر الذي يكون عليه في كل سياق أو قضيّة، لأنّ حقيقته هو في النواتج السلبية من تداعيات الأمر، وردود الفعل عليه، وتغذيته الراجعة.

5- ولأنّه ناتجةٌ وأثرٌ فإن أثره يتوزع معناه في اتجاهات عدّة نحو التقذُّر والوجع والاستقباح والرهق والإزعاج والملل واستمرار القلق والكآبة والحزن وعدم الانتفاع والإهانة والانكسار والهمّ والغمّ…

6- وهذا الأذى في أصل الوضع اللغوي قد يتجه صوب الضرر الخفيف كالشعور الذي يصيبك من الحر الشديد أو البرد الشديد، إذ أوّلوا الأذَى بأنّه شِبْه البَعُوض الذي يأتي عقب المطر يَغْشَى الْوَجْه ولا يَعَضُّ؛ وقد يتجه صوب الضرر الشديد كالآذِيّ الذي هو موج البحر الشديد المتلاطم الذي يمكنه قلب السفينة وتكسير الشواطئ واجتياحها؛ وقد يكون هذا الأذى على مدى متطاول، ومنه الناقة الأَذِيَة التي تراها في حركة دائمة لا تكاد تستقر، وكأنّ بها وجعاً أو أذى مخلوقاً معها فتظل في قلق متصل واضطراب غير منقطع.

7- والتهوين في الآية (لن يضروكم إلا أذى) ليس مادياً خفيفاً أو نفسيّاً عابراً كما فهمه بعضهم بعد أن استقر لديهم أن الأذى هو المكروه اليسير، فجعلوا الضرّ يتضمّن دلالات القتل والأسر والإعاقة المستديمة والدمار المنتشر، وجعلوا الأذى يتضمّن ما هو أقلّ منه كالطعن والجراحة والإذلال والتهديد والحملة الإعلامية والتشويه والدسائس والمؤامرات الشاغلة… بل إن زاوية التفريق بين الضر والأذى تتعلق بالتداعيات والآثار، فإن الضرر هو الفعل الشرير كبيراً كان أو صغيراً، والأذى هو ناتج هذا الضر صغيراً كان أو كبيراً.

8- وهذه الآية لم تكن في فهمي تهويناً للضرر الذي سينشأ عن ملاقاة هؤلاء الأوغاد الفاسقين، بل إنه تأكيد لنظرة واقعيّة بأن هذا الضرر سيكون له مستوى من الأذى يكافئ الضرر الموجود فيه وقد يخرج عن حدّه، ومن المفهوم أن الضرر إذا كان متصلاً طويل الأمد فإن الأذى الناتج عنه سيكون مصاحباً له حتى يرتفع الضرر المباشر ويتوقف، وعند ذلك يذوب الشعور بهذا الأذى لشدة اعتياد العظائم فيه بكثرة تكرارها، وهو ما يعني تخليق جيلٍ مسبوك بالنار والثأر المحتدِم وإرادة التضحية وشعائر الثبات وحلول القيم الراسخة.

9- لذلك أمرنا الله دائماً بالصبر والمصابرة واستدامة الثبات والتواصي بذلك واستشعار معيّـته دائماً، وإذا حققنا الاستجابة لأمر الله فقد استحققنا موعوده القدَريّ بأنّ هؤلاء الأوغاد سيولّون الأدبار، وستُضرَب عليهم الذلة والمسكنة، وسينقطع عنهم حبل الناس كما انقطع عنهم حبل الله، وسيبوؤون بغضب منه، ومَن غضب الله عليه قهَرَه، وأذلّه.

الخميس، 17 أكتوبر 2024

يا أمّ موسى!

يا أمّ موسى!


مؤرخ وروائي فلسطيني 

1- أترون كم هو فؤادُ الأمّ مشحونٌ بالعواطف العميقة، ومسكون بالغرائز الأصليّة النفسيّة القويّة! وترونَ إذا أصابه الفراغ الصِّفريّ نتيجة صدمة عظيمة أو صدمات ثقيلة متتابعة مستديمة أنّ هذا يعني أن كل هذه العواطف والغرائز الأصليّة قد ذهبت وراء شيء عظيم يشغل بالها، ويطرد سكونها، فلا يظهر على فؤادها من الخارج إلا ستائر الهمّ، ولا يخرج منها إلا أدخنة الحزن على فراق وليدها الرضيع الذي لا حول له ولا قوّة ولا إرادة.

2- كان همّ أم موسى يزيد أكثر بفراغ القدرة على التدبير، والعجز عن الحيلة، واشتدّ الواردُ على هذا القلب المفجوع المتصدِّع من احتمال وقوع الطفل بيد ذابحيه، وهاجَ قلبُها عندما هجمت عليها أوّلَ الأمر أفكارُها النفسيّة الطبيعيّة التي تتهمها بقتل وليدها وإغراقه إذا ألقته في اليمّ، ووضعتْ مصيره أمام مجهولٍ خطير لن يكون أقلّه أن يغرق ولدُها أو تفقده إلى الأبد، وكثيراً ما يتحوّل الوارد الشديد على القلب إلى تجميد مشاعره وإطفاء شرارته وإبطال عمله.

3- كانت أم موسى تتلقّى وحياً صادقاً مُقْنِعاً لا يتلقّاه إلا الأولياء المقرّبون، وكان الوحي أشدّ ولوجاً على قلبها واطمئناناً به من أي مشاعر قوية مختزنة في فطرة قلبها، وعندما أتاها هذا الخاطر القويّ والحبل المتين من هذا الوحي يأمرها ألا تخاف وألا تحزن، لأن مصير صغيرها لن يكون بنجاته من القتل والغرق فحسب بل سيكون إماماً مرسَلاً، وفوق ذلك هديّة غالية معجّلة بأن الله سيردّ إليها صغيرها، وسيعود إلى صدرها راضعاً من حنانها ولَبانها، وستأنس بقربه مع أمانٍ لحياته وضمانٍ لمستقبله.

4- لقد ربط الله على قلبها الجازِع الفارغ بإفراغ الصبر فيه، فلم تَخَفْ لأن الخائفَ عاجزٌ جبان، ولم تحزن لأن الحزين لا يصبر، وليس فيه عزيمة ولا إرادة؛ وجعل الله لقلبها رباطاً تشدّ به عواطفها، وتُوجّهها بالصبر نحو المقاصد والغايات، فلم تنكشف عواطف الأمومة وتَذيع شفقةً أو وَجْداً عندما رأت تابوت وليدها يبتعد عنها في الماء وتتقاذفه تيارات الماء، ولم تنفعل عندما أعلنوا أن هذا الصغير هو ابن فرعون، ولم تخبر أحداً أنه ابنها هي، وأنها أمّه دون غيرها، وانظر إلى هذا التعبير القرآني العجيب (إن كادت لتبدي به) ولم يقل “تبديه” لأن الإظهار والإبداء هنا ليس معرفة هذا الخبر فحسب بل يتضمن معنى الإشاعة والإخبار.

5- وثمرةُ هذا الربط على القلب أن يكون المرء مؤمناً مصدّقاً، فإن الإيمان يريح القلب، ويصرفه عن الهواجس والمخاوف وطوارئ الانفعال، ويثبت قلبه ويقوّيه، وينقله إلى سماء اليقين فلا يتزعزع التزامه بقضيته مهما أصابه من القوارع والكوارث التي تفرغ القلوب وتذهل النفوس.

6- يا أمّي تحت الويل والنار! إنّه مع اشتداد الكارثة عليكِ وانعدام الحيلة أمامكِ فإن أقوى ما نعالج به أنفسنا هو في ربط أنفسنا بالله ربطاً كلّياً نَخرج به من حولنا وقوّتنا، ونفرغ قلوبنا تماماً من أي خوف أو حزن، ونمسك بهذا الحبل المتين الوحيد، ونعلّق أنفسنا بأسباب السماء، ونترقّى بهذا الحبل إلى أعلى مع كل ضائقة ومصيبة بالصبر الجميل والحمد المتصل والرضا الكامل والتوكل الحقّ، وتظل عيوننا مفتوحة إلى السماء، ولا نخفضها إلى ظلم الأرض وجور أهلها وخذلان الأقربين فيها.

وكتب الله لك اللطف والسلامة

الأحد، 22 سبتمبر 2024

ميزان الشماتة!

ميزان الشماتة!




سألني بعض الفضلاء عن موجة الشماتة التي تجتاح وسائط التواصل في هذه الأيام وكيف ينبغي التعامل معها وتقدير الحال فيها، فكتبتُ له:

1- الشماتة أن يفرح المرء ببليّة تصيب فرداً أو جماعة؛ وهذا الخلق موقفٌ فيه توحّشٌ نفسيٌّ في أصله، والنظر إليه يكون باعتبار أركانه وجهاته، فقد يكون خلقاً بغيضاً مكروهاً، وقد يكون مطلوباً مرغوباً، وقد يكون متردداً إذا داخلته الفتنة واختلف فيه تقدير المصلحة.

2- فالشماتة في وجهٍ هي بغْيٌ وعدوان قوليّ على أعراض المسلمين وخصوصياتهم وأمنهم الاجتماعي؛ وهي ناتج من نواتج البغضاء أو الحسد؛ وهي لؤمٌ في أصل الطبع والتركيب النفسي؛ لذلك فإن أكثر من يستخدمها هم الأعداء في الحروب المستعرة؛ وهو ما رأيناه من استعاذة النبي صلوات ربي وسلامه عليه من شماتة الأعداء، فشماتة الأعداء مما ينكأ القلب، وتبلغ به النفس أشد مبلغ؛ وقد قال هارون لأخيه موسى عليهما السلام: «ولا تشمت بي الأعداء»، أي لا تفرحهم بما تصيبني به؛ والعدو هو كل من ساءه ما يفرحكَ أو أفرحه ما يصيبك من شر.

3- ولك أن تتخيّل أن تصيب إنساناً مصيبة تكسره فيفرح لها هذا الشخص؛ أو يراه واقعاً في ذنب عظيم فيفرح لوقوعه فيه؛ ولذلك قرر العلماء أن الشماتة بمصائب المسلمين من كبائر الذنوب الموجبة لتوبة صادقة، بل إن بعضهم جعل الفرحَ المجهور به بالمصائب العظيمة أو الكوارث الكبيرة التي تلحق بالمسلمين في الجملة أو الخصوص من أنواع الكفر المخرج من الملة لأن ذلك يعطي الدليل على تمكّن الكراهية في نفسه من أهل الإسلام، ولا تكون نفسٌ بهذا الشعور إلا نفساً منافِقة.

4- وقد جاء النهي واضحاً وصريحاً عن الشماتة بمصائب المسلمين بدليل ما أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»؛ وفي رواية للترمذي مرفوعا: [من عيّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله]. قال الإمام أحمد في تفسير الذنب إنه الذنب الذي قد تاب منه.

5- لكن للشماتة وجهاً آخر تكون فيه مباحة بل ومأموراُ بها أيضاً كالشماتة بمصيبة الغادر والظالم والعدو المتجبّر؛ فإن الشماتة بهم تشفي صدور المظلومين والضحايا؛ وتعطي العبرة لمن يقع في أعراض الناس ويؤذي مشاعرهم بلا مبرر ؛ وقديماً قالوا : إن لكل عاثر راحماً إلا الغادر، فإن القلوب مجمعة على الشماتة بمصرعه ؛ ولذلك أَفْتَى سلطان العلماء العز العزّ ابن عبد السلام أنّه لا مَلام بالفرح بموت العدوّ ومن حيث انقطاعُ شرّه عنه وكفايةُ ضرره؛ بل تكون الشماتة مأموراً بها إذا لم يقدر المرء على إنكار المنكر الجليّ بيده أو لسانه المؤثر المسموع له؛ وتكون واجبة أيضاً عند الدفاع عن أعراض المسلمين كما فعل حسان بن ثابت بالشماتة من قتلى قريش وساداتها يوم بدر في أشعاره الكاوية ؛ لما في ذلك من إغاظة الأعداء وإحراق نفوسهم ؛ ولهذا كله ذكر الله فرح المؤمنين بنصر الله رغم أن في إظهار هذا الفرح شماتة بالمهزوم المنكسر .

إن المصائبَ تنتهي أوقاتُها *** وشماتةُ الأعداءِ بالمرصادِ

6- وهذه الشماتة الواجبة أو المستحبّة ليست مفتوحة، بل هي مقدرة بقدرها لأن الشماتة هي تنفيس علاجيّ يرمم النفوس المقهورة، ويستعيد الشعور بجرحها فلا يتعاطى مع أسبابها، وهي ليست أداة ووسيلة للتغيير أو الإصلاح، لأنّ مركب المقت والحقد فيها ينطوي على تعديلات نفسية خطيرة تبيح للمرء أن يقهر ويظلم ويتجاوز ويستحلّ ويعم بالشر تحت تبرير نفسيّ قويّ؛ كما أن الانفتاح فيها قد يؤدي إلى خلل التوازن في تقدير الأشياء ووزنها لاسيما في الخطوب الكبيرة التي تختلط فيها الأشياء الصالحة والطالحة، وتتعقد فيها الخطوط القريبة والبعيدة، وتتداخل فيها المصالح والمفاسد.

7- ولهذا ننصح ذوي الرأي المعتبر في سلّم القيادة والتأثير دائماً أن يضبطوا ميزانهم على تقدير المصالح القريبة والمتوسطة والبعيدة، وليس على جموح النفس وغضبها والانسياق وراء ثورة الغضب المحبوس لدى الجمهور المظلوم واتجاهاته غير المحسوبة، ولا يعني هذا أن يغيّروا ما بأنفسهم من مشاعر غضب صادقة وحزن محفور في العمق، وهو أمر عسير حقّاً، لكن لا مناص من النصيحة به في الفتن خاصّة، وعند اختلاف الرأي بين الصالحين في تقدير حظ الشماتة وسهمها وتأثيرها على مصالح كل قوم أو قُطر أو ظرف، لاسيما إذا كان ثمة اشتراك بين الشماتة الواجبة بعدوّ ما يستفيد منها عدوّ آخر متربّص يستفيد منها في حربنا أجمعين، فندخل في مفهوم شماتة الأعداء التي تعوّذ رسولُ الله منها.

الجمعة، 23 أغسطس 2024

سودانيّ على عرش البوسنة

 

شيخ الإسلام في شرق أوروبا الفاتح علي حسنين

سودانيّ على عرش البوسنة

د. أسامة الأشقر
مؤرخ وروائي فلسطيني


«لمحات من حياة شيخ الإسلام في شرق أوروبا الفاتح علي حسنين»

لم يتح لكثيرين أن يتعرفوا شخصية الفاتح علي حسنين رحمه الله، والذي اختاره الله تعالى إلى جواره فجر الإثنين 19/8/2024 بعد سنوات طويلة من المرض الشديد قضى أكثرها في المستشفيات وبين أكوام الأدوية الموصوفة، حتى إنك إذا دخلت مجلسه فلابد أن تتعثر بواحدة منها سواء السائلة منها أو الجامدة أو الأوكسجين أو المحاليل المنصوبة.

أوّل ما عرفته كان في التسعينات، وكان الوصول إليه صعباً إذ كان مستشاراً خاصاً لعلي عزت بيجوفيتش، ووصل إلى منصب نائب الرئيس البوسني، وتولى الرئاسة فعلياً بعد أن دخل بيجوفيتش السجن، وكان أحد القادة المؤثرين في الحرب البوسنية بعد تفكك الاتحاد اليوغوسلافي، وكان يفتخر بتواضع أنه أحد أهم الأشخاص الذين كتب الله على يدهم أن ينجزوا ميلاد أول جمهورية إسلامية في أوروبا.

ولد الشيخ الفاتح في كركوج بولاية سنار عام 1946 من عائلة ذات أصول مغاربية شريفة تعود في أصولها إلى الشيخ الصوفي الكبير أحمد زروق، وكان شيخاً للمغاربة في السودان، وقد أنجز موسوعة عن أشهر أعلامهم في هذا البلد، وكان فوق ذلك شيخاً صوفياً يجلّه أصحابه ومريدوه جدّاً، ولكنه لم يشتهر بالتصوف إلا في أوساط النخبة القريبة منه، وكانت له أوراده التي كان يطبعها ويوزّعها على أحبابه.

كان الشيخ الفاتح رجل دولة بامتياز، يمتلك رؤية ثاقبة، وحذراً شديداً، وجرأة متناهية، وعلاقات واسعة، ونفوذاً ممتدّاً؛ وقد أتى له هذا الشيء من تجربته القديمة والظروف التي وضع فيها.

كان يحب أن يحدثني بتفاصيل كاملة عن تجربته يوم كنت لا أغيب عنه يوماً عندما كنت في إدارة جمعية الصداقة السودانية التركية التي يرأسها، ولم تكن جمعية عادية بل كانت مجلساً سياسياً يكاد يدير الكثير من جوانب العلاقة السودانية التركية بسبب وجود الشيخ الفاتح فيها، وبسبب وجود أشخاص ذوي نفوذ كبير فيها؛ وكان الشيخ شديد العناية بهذه الجمعية ويكاد يصرف عليها وحده.

بدأت علاقة الشيخ بيوغوسلافيا يوم نال منحة لدراسة الطب في جامعة بلغراد في منتصف الستينات، وكان في بداية تأطيره في الحركة الإسلامية السودانية، ونال قبل سفره مباركة أستاذه الذي يحبه ويثق برأيه الدكتور حسن الترابي رحمه الله، وهناك بدأت علاقته مع نفر من الشباب اليوغوسلافي المسلم الذين كانوا ينشطون في الحفاظ على هويتهم من الذوبان وعلى رأسهم علي عزت بيجوفيتش وأشخاص آخرين كانوا لا يقلون عنه حدثنا عنهم الشيخ الفاتح بإسهاب، وكانوا يتحركون في ظروف صعبة داخل المنظومة الشيوعية ذات القبضة الأمنية المشددة؛ وكثيراً ما كان يتعرض للتحقيق والمساءلة والحبس المحدود.

كان علي عزت يكبر الشيخ الفاتح بنحو عشرين سنة، ومع ذلك فقد توطدت العلاقة بينهما كأنهما أصحاب، وكان الشيخ واسطته للتعامل مع المشرق العربي والخليج العربي بعد أن فتح له الدكتور الترابي وغيره آفاق العلاقات هناك، وكانت الكويت والسعودة والإمارات آنذاك من أكبر داعمي النشاط الإسلامي في أوروبا.

كان للشيخ دور كبير في نشر ترجمة معاني القرآن لعدة لغات شرق أوروبية كاليوغوسلافية والرومانية والبلغارية، وكان يطبعها داخل يوغوسلافيا في مطابع سرية نظير المال لصعوبة التهريب عبر الحدود؛ ونشر ترجمات عديدة لأهم كتب الشيخ البنا وسيّد وأبي الأعلى المودودي وغيرهم، وقد كان لذلك الأمر دوره البارز في نهضة الإسلام في شرق أوروبا.

وفي الجانب الإعلامي أصدر مجلة الشاهدة التي رصدت وقائع الحرب البوسنيّة ومعاناة الأقليات الإسلامية بالبلقان وأوروبا الشرقية ونقلت ذلك إلى العالم الإسلامي والعربي، وكان ينوي إعادة إصدارها عام 2016 وكلفني مع آخرين بتكليف إدارة تحرير لها، وبالفعل أصدرنا عدديين منها في الخرطوم؛ كما أصدر من قبل مجلة شيكان في بلغراد وكان بمثابة الصوت الوحيد للطلاب الأجانب الإسلاميين في يوغسلافيا السابقة.

اهتم الشيخ الفاتح بالعمل الطلابي الأكثر حيويّة في شرق أوروبا، فأسس اتحاد الطلاب المسلمين بيوغسلافيا عام 1966م، وأقنع زملاءه من الإسلاميين اليوغوسلاف بتأسيس اتحاد يجمع الطلاب المسلمين بشرق أوروبا بمدينة بلغراد في العام 1967م.

كان الشيخ الفاتح يؤمن بضرورة وجود حواضن سياسية للعمل الإسلامي في شرق أوروبا فتمكّن من جلب دعم كبير لتأسيس المجلس الإسلامي لشرق أوروبا في النمسا عام 1987م. شاركت فيه قيادات إسلامية من كل من بلغاريا، اليونان، رومانيا، ألبانيا، صربيا، البوسنة والهرسك، مقدونيا، كوسوفا، المجر، سلوفاكيا، التشيك، بولندا، ومولدافيا؛ كما فتح الباب للمنظمات الإغاثية الإسلامية الكبيرة للعمل في شرق أوروبا مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والوكالة الإسلامية الإفريقية للإغاثة.

استطاع الشيخ الفاتح أن يفهم المجتمع الشرق أوروبيّ وخصوصيته، وأدرك أولوياته، ولم ينشغل بالاهتمامات الأخرى التي يركّز عليها الدعاة العاديون، ولم تنقطع علاقته بهؤلاء الذين عاش معهم بعد تخرجه في كلية الطب واشتغاله بالطب الباطنيّ، وظل أثناء عمله في الإمارات طبيباً يتواصل معهم، ويفتح لهم سبل العلاقات الخاصة، حتى أنشأ واحدة من أكبر المنظمات الإغاثية الإسلامية المعروفة باسم وكالة إغاثة العالم الثالث في النمسا، والتي استطاعت أن تتحوّل إلى ما يشبه الخزانة الكبيرة لتأسيس هذه الجمهوريات الإسلامية لاتساع مواردها التي بلغت عدة مليارات في بعض المراحل كما أخبرنا الشيخ؛ إذ كانت دول عربية وإسلامية كبيرة تجعل هذه الوكالة مدخلها لدعم المسلمين هناك.

لم يكن النشاط الإغاثي هو النشاط الوحيد لهذه الوكالة فقد كان لها مناشط دعوية وثقافية واجتماعية ورياضية كبيرة، وتطورت لتكون مركز قيادة فعلي لنهضة الإسلام في وسط أوروبا وشرقها، وكان لها نفوذ مالي كبير أدى إلى ترحيب الدول الغربيّة بها أول الأمر طمعاً في وارداتها الكبيرة على بلدانهم، ثم تنبّهوا إلى خطورتها فطاردوها.

كان الشيخ الفاتح يجلس مع الرؤساء وكبار الزعماء كأنه الرئيس آنذاك، وكان يحظى بتلبية أكثر طلباته عند جلوسه معهم، وقد حكى لي تفاصيل واحدة من أكبر أعماله يوم استطاع نقل نحو 13 طائرة حربية روسية من الشيشان إلى البوسنة عبر باكستان والإمارات والسعودية والسودان مروراً بمصر، وكيف أنجز موافقة هذه الدول كلها بطرق ذكية وملفتة ولا يخلو بعضها من الحيلة، وحكى لنا كيف تبرّع بها الجنرال الشيشاني الراحل جوهر دوداييف رحمه الله قبل أن يقتله الروس في الحرب الشيشانية خوفاً من أن تقع غنيمة في أيديهم.

كان النجاح الكبير للشيخ الفاتح في البوسنة حيث أسهم في تأسيس حزب العمل الديمقراطي (SDA) الذي تولى الحكم عام 1991م؛ وأسهم في تأسيس المجلس العالمي لحقوق الإنسان للبوسنة والهرسك بمدينة فينا في العام 1993م، وأسس العديد من المراكز والهيئات الحساسة هناك.

كان الدكتور الفاتح رحمه الله أحد القادة الحقيقيين في هذه الحرب، الذين دعموا مواقف علي عزت بيجوفيتش وعضدوها، وسافر معه إلى بلدان كثيرة للاعتراف بجمهوريته الصغيرة الناشئة، وروى لنا الكثير من المواقف المؤلمة والمثيرة أثناء رحلة الاعتراف قبل الحرب، وكان الشيخ من أوائل مواطني الجمهورية البوسنية الناشئة بقرار من رئيسها الثائر علي عزت؛ وظل الشيخ مع رئيسه طيلة فترة الحرب، ينتقل معه من مدينة إلى مدينة، ويروي لنا قصص الحرب هناك، ويروي كيف استطاعوا توصيل الإمداد العسكري حتى يثبت هؤلاء البوسنيون أمام موجات الإبادة التي قام بها الصرب والكروات ضدهم بدعم كامل من أوروبا، وعندما توقفت الحرب كان الشيخ أحد ضحاياها إذ تقرر تجريده من الجنسية البوسنية وإخراجه من البوسنة في صفقة مؤلمة مقابل الإفراج عنه، وإلا فإنه سيحاكم بعقود طويلة في السجن، فعاد إلى تركيا واستقبله الرئيس التركي الراحل سليمان ديميريل، وله معه حكايات مؤثرة تحتاج إلى مدونة خاصة لتسجيلها.

كان علاقة الشيخ برجب طيب أردوغان قديمة تعود إلى بداية الثمانينات وتعززت في آخرها، وكان أحد الذين شجعوه لخوض غمار الانتخابات البلدية حتى إن لم توافق قيادة حزبه على ترشيحه، وهناك تفاصيل كان يتحفّظ الشيخ في روايتها لئلا تؤثر على حياة صديقه السياسية.

وعندما زار أردوغان السودان عام 2017 بعد وساطة من الشيخ الفاتح كلفني الشيخ رحمه الله مع الأخ الدكتور أيمن الطيب سرور مدير إذاعة الفرقان بترتيب زيارة أردوغان له عند عودته من سواكن ليلاً رغم عدم وجودها في بروتوكول الزيارة، كما كلفنا بتحديد أسماء الحضور إلى هذه الجلسة الخاصة التي كان كثيرون يتطلعون للمشاركة فيها، وأذكر الكثير من التفاصيل حول تلك الزيارة وأهميتها، وأذكر أن ما كتبتُه عنها في صفحتي على فيسبوك كانت المصدر الوحيد الذي ذكرها آنذاك مع صورها، وعنها نقلت جميع المصادر الأخرى دون عزو.

وعندما تراجعت صحة الشيخ في عام 2018 أمر الرئيس التركي بنقله بطائرة خاصة إلى تركيا وبقي فيها حتى وفاته رحمه الله.

لم يكن الشيخ الفاتح موقوفاً على البوسنة وشرق أوروبا فحسب فثمة الكثير مما يمكن قوله عن أدواره في فلسطين وكيف ابتعث عدداً من كوادرهم إلى أنحاء العالم في حقبة الثمانينات، وقد يتاح لنا الكتابة عن ذلك لاحقاً إن شاء الله، كما كان الشيخ منفتحاً على قضايا إفريقيا، إذ كان المصلحون والدعاة الأفارقة والزعماء السياسيون الرسميون والمعارضون يأتونه ويستشيرونه، وكثيراً ما سمعنا قصصهم حول ما قدمه الشيخ لهم؛ ويمكننا الحديث كثيراً عن أدواره في أفغانستان حقبة الغزو الشيوعي وفي الفلبين وتايلاند، كما أن الشيخ له باع طويل في بلده بمشروعاته الكبيرة في القطاع الزراعي خاصة، وفي مؤسسته الخيريّة “حسنين” وقد رأيت بنفسي كرمه الباذخ في إعانة المحتاجين والصبر عليهم، كما كان له أدوار مهمة في كثير من الملفات الخاصة التي كان يديرها في أضيق الحدود لصالح بلده.

كان الشيخ الفاتح الطبيب أديباً ذوّاقة للشعر، وكان يتقن اللغة اليوغوسلافية ويترجم بعض أعمالها الأدبية التي تأثر بها، كما كان يعشق تاريخ البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفا ومقدونيا العثماني، وقد كلفني بتصحيح العديد من كتبه ونقدها مثل «جسر على نهر الدرينا» و«الطريق إلى فوجا» و«بلنة جزيرة الشيطان» و«الزنبقة البيضاء»… وألّف في سير أجداده «لمعان البروق في سيرة مولانا أحمد زروق»…، وكان الشيخ ينتقد بعض المواضع في ترجمة مذكرات علي عزت بيجوفيتش، وينتقد العنوان الذي اختاره المترجم للمذكرات، وله في ذلك نظر له موضعه .

كتب الله أجرك شيخنا الحبيب، ورحمك رحمة واسعة، فقد كنتَ عظيم البركة، كثير النفع لهذه الأمة، وأنقذ الله بك أمماً وشعوباً تحفظ لك قدرك إلى اليوم.