السبت، 28 فبراير 2015

حسام الغمري يكتب: لماذا يهزم الاخوان ، وكيف ومتى ينتصرون ؟


حسام الغمري يكتب: لماذا يهزم الاخوان ، وكيف ومتى ينتصرون ؟
 

المناورة السياسية هي أعمال تقوم بها الدولة أو الحزب أو الجماعة السياسية قاصدةً غاياتٍ غير الغايات التي تظهر للوهلة الأولى من القيام بالعمل .

وقوة المناورة تكمن في تأثير الإعلان عن الأعمال وإخفاء الأهداف الحقيقية دون افتضاح يفقد الحزب أو الجماعة أو الدولة المصداقية .

والمناورة السياسية تكون محصورة فقط في الأعمال وليس في المبادئ والأفكار.

فالمبادئ والأفكار لا مكان للمناورة فيها بل الصراحة والوضوح في العلن وفي الخفاء هي ما ترسخ قوة الجماعة وتزيد من أهميتها ومكانتها .

من الغبن للسياسة أن يقال إنها فن الممكن لأن عمل الممكن ليس فنا ولا سياسية وإلا صار الحصول على انبوبة بوتاجاز في مصر فنا سياسيا عظيما ، أو ركوب الباص ، أو العودة من مسيرة في شارع هامشي ضيق على قيد الحياة .

والحق أقول لكم ان السياسة عمل متميز لا يستطيع القيام به الكثيرون ، لأن السياسي الحقيقي في الواقع يمارس ذلك الفن في ضوء علاقة خاصة جدا بين الممكن و المستحيل الآن أو بمعنى أدق في ظل المناخ السائد ، في إطار يجمع بين الواقع و قدر لازم وضروري جدا من الخيال يساعد علي تغيير هذا الواقع في إطار من الممكن ، وهنا يحدث نوع التزاوج بين الحقائق الثابتة والأحلام الممكنة التطبيق في ظل واقع يبدوا مستحيلا أو رافضا .

و هناك ثلاثة أنواع من السياسات :
  • الممكن فى الزمن الممكن
  • المستحيل فى الزمن المستحيل
  • فن الممكن في الزمن المستحيل او فن المستحيل في الزمن الممكن. 

والسياسة بصفة عامة هى التى تتعامل مع الوضع القائم اما بهدف تثبيته والمحافظة عليه وتحسينه ان امكن، كما نلحظ في سياسات العسكر والمنتفعين من نظامهم عبر سته عقود ، أو بهدمه وتدميره لبناء نظام جديد كما يهدف الثوار وفي القلب منهم جماعة الاخوان المسلمين بإعلانهم ان الثورة خيار استراتيجي .

أى نحن هنا أما نوعين مختلفين من السياسة :
  • السياسة الثائرة على الوضع القائم .
  • والسياسية المتسقة المتناغمة معه.

تعرّف السياسة التى تتعامل مع الواقع وتدور فى إطاره ولا تخرج عنه هى سياسة فن الممكن فى الزمن الممكن ككل سياسات مبارك ، وهى سياسة مصنوعة وليست صانعة ، مخلوقة و ليست مبدعة ، وهى خالية من الصراع مع عصرها فهى تبغى الاستقرار والاستمرار وتتفادى الصراع وتميل للتنازلات والحلول الوسط حتى ولو استخدمت أساليب انبطاحية رخيصة كالجزء الخاص بالخليج في خطاب السيسي التليفزيوني الأخير
اما الصراع فيرتبط بالسياسة الأخرى الثائرة على الوضع القائم و المناخ السائد .

وهذه السياسة الأخرى الناقمة الثائرة تنقسم بدورها الى قسمين :
1- سياسة تبغى تغيير الوضع القائم وتدميره ،ولكن لا تفهم ثقافة عصرها وما فيه من حتميات بشرية فى ظل المناخ السائد فتفشل ، وهى سياسة فن المستحيل فى الزمن المستحيل . و تخرج هذه السياسة من الصراع خاسرة مهزومة مأزومة وهي باختصار تجربة الاخوان من بعد ثورة يناير وحتى عزل الرئيس مرسي في يوليو 2013 ، حيث كان من المستحيل اصلاح مؤسسات دولة تكرست بالفساد والعمالة للخارج فضلا عن اجتذاب تيارات سياسية ذات ايدولوجيات ترفض الفكرة الإسلامية تماما حيث انها تتربح من ضحدها ومحاربتها .
2- سياسة تبغى التغيير بل تدمير الوضع القائم ولكن مع ادراك ماهية الممكن فى الوضع أو فى الزمان والمناخ ، وتستخدم الممكن هنا أو هناك ضد المستحيل هنا أو هناك ولكن بقدر كبير من الخيال والمرونة السياسية والتكتيكية ، فتنجح فى التغيير وتخلق واقعا جديدا ومناخا جديدا وثقافة جديدة، وتخرج من الصراع منصورة بإذن الله .

وهذا ما يحاول الاخوان صناعته بعد الانقلاب ولكن بضعف كبير في الخيال السياسي اللازم لتحقيق النصر .

و إرادة التغيير دائما تبدأ بفكرة – كفكرة حسن البنا – ، ثم الدعوة لهذه الفكرة ليتقبلها الناس وليتحمس الأفراد للدفاع عنها وتحمل الأذى فى سبيلها .

ولكى يتقبل الناس هذه الفكرة في مصر يجب أن ترتبط بنفع عام وتحقيق الآمال للفقراء المطحونين ، وهم دائما الأغلبية فى مصر ، وهم دائما وقود الحركات الثورية وضحايا الثوار والسياسيين دون استثناء لاحد ، وهما العنصر المفتقد في خطاب التحالف الوطني الذي لا يرسم لهذه الفئة أي ملامح جادة للمستقبل حال عودة الشرعية في حين ان السيسي ادرك ذلك منذ اليوم الأول وبشرهم كذبا بأنه سيحنو عليهم وكانت هذه الجملة ذات تأثير كبير على البسطاء والمهمشين .

أى أن أرض الصراع ومسرحه هو تلك الأغلبية الصامتة البسيطة والمهمشة .

وأصحاب الفكر الجديد يلجأون لتلك الأغلبية الصامتة يحاولون إنهاضها وإقناعها بأن مصلحتهم (فى الدنيا و الآخرة ) تستلزم التمسك بهذه الفكرة الجديدة و الدفاع عنها وتجسيدها واقعا على أنقاض الوضع القائم ( الظالم ).

وفى المقابل فإن النظم المستبدة تستند دائما الى عقلية ( ما وجدنا عليه آباءنا ) وتترصد أى فكر جديد بالمصادرة والمنع .
لذا فإن سياسة فن الممكن في الزمن المستحيل أو سياسة فن المستحيل في الزمن الممكن هي أفضل انواع السياسة اذ تجمع بين الواقعية والابداع والخيال السياسي في اطار العلم بحقائق الاوضاع ومدي امكانية التغيير فيها دون التخلي أو التفريط ، وبكل الصلابة الممكنة وبعزم لا يلين .

والسياسي هنا يقف علي ارض الواقع ويتعامل مع حقائقه ، ولكن يترك في عقله مساحة كبيرة للخيال السياسي فيحاول مع المستحيل ليجعله ممكنا بكل ما يستطيع ، لكي يخلق واقعا جديدا مستغلا بعض الثغرات والفجوات في الاوضاع الخارجية والاقليمية والمحلية ومستنهضا معه كل القوي والامكانات لتكون فاعلة ومؤثرة معه ، ويحاول التأثير علي المناخ العام ليطوعه ما امكن وفق مشروعه السياسي .
وهذه القدرة في التأثير علي المناخ العام وعلي القوى المتحكمة هي التي تعين ذلك السياسي علي خلق واقع جديد في اطار عملية غاية في التعقيد ،اذ تحتاج سياسة فن الممكن في زمن المستحيل وفن المستحيل فى الزمن الممكن الي تضافر المعلومات والتحليلات والحسابات التي تعطي خريطة متكاملة بالمتاح والبدائل وامكانات التقدم، وحساباته، وتكاليفه، واحتمالات التراجع المحسوب مع الجرأة العقلية والرغبة في التغيير والاقتحام عندما يتعين الاقدام دون تفويت للفرصة تلو الفرصة كدأب قيادات الاخوان بكل اسف .

وبهذا يخلق السياسي وضعا جديدا، ويصنع احداثا جديدة يجعلها تحمل بين امواجها السياسيين الاخرين من اصحاب سياسة فن الممكن في زمن الممكن، وفن المستحيل في الزمن المستحيل .
و سياسة فن الممكن فى الزمن المستحيل أو فن المستحيل فى الزمن الممكن هي التي تحسن التعامل مع المناخ الثقافي السائد، فتغيره الي الافضل، وتحسن التصرف مع القوى المتحكمة لتقيم علي حسابها واقعا جديدا بأقل قدر ممكن من الخسائر والتكاليف

 ( لذا اخطأ الاخوان في عدم ضخ أموال كبيرة في مجال الاعلام التنافسي لخلق وعي جديد يناسب حركتهم وتوجههم ) ، وكل ذلك في اطار التحرك بين الممكن والمستحيل ،

فتجرب ان تقترب من المستحيل بحذر لتعرف ما هو المستحيل بحق فتتعامل معه علي هذا الاساس، وما يبدو مستحيلا في ظاهره، وان كان ممكنا في حقيقته بكثير من الجهد والمعاناة فتبذل ما تستطيع لكي تحوله الي ممكن بأقل قدر من التضحيات.
ولكل عصر مناخه الثقافي السائد والقوى المتحكمة فيه.

ولا يصح ان نفرض معطيات مناخ ثقافي ومراكز قوته علي ما كان في عصر آخر وهذه هي سقطة السيسي الكبرى التي يجب استثمارها حيث انه افقد نفسه القدرة على التراجع عنها ، حيث لم يدرك السيسي حقائق الوضع (الممكن) والمناخ السائد فى هذا العصر ، و الفارق بين ثقافة عصره و العصور السابقة التي يحاول استنساخها ، دون ان يحاول تحويل المستحيل إلي ممكن وذلك بقدرة سياسية تعمل علي خلق واقع جديد باستنهاض كل القوي الساكنة في المجتمع لاسيما الشباب ، لتكون فاعلة ومؤثرة معه ، فينجح في تحييد الخصوم ، بل استعاض عن ذلك كله بآلته العسكرية الضخمة وقدرتها على القمع والبطش بكل المعارضين على حد السواء في زمن يستطيع فيه هاتف جوال حديث نقل صور وحشيته في لحظة الى العالم كله .

و يجب ان نعلم ان ساحة العمل السياسى الناجح تتسع لتضم الأخيار الأبرار والأشرار الفجار.

وهكذا فإن كل الأنبياء قاموا بتغيير فى الوضع السائد وخلقوا واقعا جديدا بالصبر والمعاناة ، وهو واقع يقيم حقوق الله تعالى وحقوق البشر وفق العدل الذى على أساسه نزلت كل الرسالات السماوية ، ولكن جاء بعدهم من نجح في تغيير وتدمير عملهم بإقامة أديان أرضية وضعية تناقض دعوة النبى الذى ينتسبون اليه كدعاوي العصبية الجاهلية و الوطنية والقومية أو الاشتراكية والرأسمالية التي ابتليت بها الامة الإسلامية .

فنلحظ هنا عملان سياسيان متناقضان ، ولكنهما معا ينتميان الى نفس النوعية: (سياسة فن الممكن في الزمن المستحيل او سياسة فن المستحيل في الزمن الممكن) أى تغيير الواقع وخلق واقع جديد بالنضال ، وباستغلال ثغرات فى المناخ السائد لتغييره وإقامة واقع جديد على أشلاء الوضع الذى كان .
من هنا أيضا تتسع الساحة فى هذا النوع من السياسة لتضم مؤسسى الدول وقادة والتحولات الانسانية والتاريخية بغض النظر عن توجهاتهم ، من خاتم النبيين محمد عليه السلام الى معاوية بن ابى سفيان ، ومن أبى جعفر المنصور العباسى الى غريمه عبد الرحمن الأموى الداخل (صقر قريش ) ، ومن قادة الفتوحات العربية (الخلفاء الراشدين ) الى قادة الحروب الصليبية والكشوف الجغرافية ، ومن غاندى ومارتن لوثر كنج ومانديلا الى هتلر وموسولينى ، ومن منشىء اسرائيل ( دافيد بن جورين ) الى عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة الراهنة( 1902 : 1932 ).

جميعهم أمثلة تاريخية سياسية على هذا النوع الأعلى من العمل السياسى الذى قام بتغيير الواقع وانشاء وخلق واقع جديد وفق الفهم السابق للممكن والمستحيل .
وللتوضيح تعالوا نضرب مثالا من السيرة العطرة ، وهو مثال إقامة خاتم النبيين محمد عليه السلام دولته الاسلامية الديمقراطية كان مستحيلا بسبب المناخ الثقافى السائد ، حيث ترسخ الاستبداد ممثلا فى أقوى امبراطوريتين فى فارس و الروم ، وحيث سيطرتهما على دول تابعة لهما جنوب الشام وجنوب العراق وحيث سيطرة قريش على الجزيرة العربية وتحكمها فى التجارة العالمية بين الهند واوربا من اليمن الى الشام وبالعكس ، واستخدامها الكعبة فى الايلاف أو حماية قوافلها .

كان مستحيلا أن تقام فى هذا المحيط من الظلم والاستبداد الدينى و السياسى دولة مؤسسة على العدل وحرية الفكر والمواطنة وحقوق الانسان.تزعم قريش فى هذه الفترة الهاشميون والأمويون وهما أولاد عمومة ينتمون لعبد مناف.

وكان بنو هاشم يشرفون على رعاية البيت وسقاية الحجيج ورعاية أصنام العرب حول الكعبة، وبهذا تتزعم قريش العرب دينيا، وكان الموكل بذلك العباس بن عبد المطلب عم النبى محمد ،بينما كان ابو سفيان هو قائد رحلة الشتاء و الصيف.

ووقف الاثنان (العباس وأبوسفيان ) ضد دعوة الاسلام ، وكان ابوسفيان قائد القاقلة التى نشبت بسببها غزوة بدر بينما كان العباس ضمن أهل قريش الذين هبوا لحرب المسلمين فى غزوة بدر. وظل العباس وابو سفيان متلازمين الى أن أسلما معا عند فتح مكة .
واضح هنا أن الزمن لا يسمح بوجود دولة اسلامية بسبب تلك السيطرة شبه التامة على الوضع وبسبب المناخ السائد القائم على الاستبداد والظلم والفساد والاعتقاد فى الأولياء وتقديس البشر والحجر.
هنا (الزمن المستحيل ) ولكن هناك ثغرات فى الواقع تسمح بتغيير هذا المستحيل ، منها الأغلبية المقهورة الساكتة، ومنها امكانية الاصلاح الدينى والعقلى بأن يدرك العرب عبث عبادة الأصنام ، وأن قريش تأخذ أصنام العرب رهائن عند الكعبة لتتسيد عليهم وترغمهم على عدم الاعتداء على قوافلها ، ولتستغلهم إقتصاديا فى أداء مناسك الحج .

هذا التغيير العقلى أحدثه القرآن الكريم سواء باستنهاض الأغلبية المقهورة لتدافع عن نفسها ضد سطوة الجبابرة ، أو بالحوار العقلى حول عبثية تقديس الأصنام وقبور الأولياء ، وتطور هذا التغيير العقلى بالحركة العملية فى الدفاع عن النفس واسترداد الحقوق فى غزوة بدر .
(ومن هنا تكمن عبثية اعلان السلمية كخيار وحيد غيرقابل للتغيير)
ثم بادراك استحالة القضاءعلى الدولة الاسلامية بعد فشل الأحزاب.

عندها أدرك العرب عبثية الأصنام وعجزها عن حماية من يعبدها ، وعرفوا أن قريش تبتزهم بالأصنام لحماية تجارتها ودوام ثرائها فتعيش فى امن ورخاء وهم فى جوع وخوف.

ولكن السبب الأهم هو أن قريش باضطهادها ومطاردتها للمسلمين هى التى ساعدت فى خلق دولة الاسلام فى المدينة . لانه بسبب الاضطهاد اضطر المسلمون الى الهجرة ، وبسبب استمرار قريش فى مطاردة المسلمين وحربهم وهم فى المدينة نزل الأمر للمسلمين بالقتال ( الحج 39 ـ ).. وانتهى الصراع المسلح بهزيمة قريش ودخول أهم زعيمين لها فى الاسلام وهما العباس وابوسفيان .
بهذا تمت هزيمة المناخ المستحيل وأقيمت الدولة الاسلامية ودخل الناس فى دين الله جل وعلا افواجا فى عهد النبى محمد عليه السلام . 

هذا مثال على فن الممكن فى الزمن المستحيل .

حيث كان للسلمية دور ، وللعمل على ردع الظلم دور آخر ، وكلاهما تكاملا وتناغما في خيال بديع ، استثمر أيضا فكرة عقد المعاهدات والهدنة في التوسع في اجراء التحالفات ومد الجسور عبر الحدود .

ولا ننسى ان الدعوة الإسلامية وضعت قريشا منذ اليوم الأول في خانة رد الفعل ، وليس في خانة المبادرة ، وهذا هو ما يفتقده الاخوان بعد 30 يونيو ، حيث نجح السيسي في وضعهم في خانة رد الفعل وفشل قادة الاخوان على الخروج من هذه الخانة حتى اليوم .
وللحديث بقية ان شاء الله
حسام الغمري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق