السبت، 21 فبراير 2015

هل عزلت مصر نفسها بقصف ليبيا؟

هل عزلت مصر نفسها بقصف ليبيا؟




شريف عبد العزيز


اللعبة الدولية لها أصولها وقواعدها التي فرضتها ثقافة المنتصر منذ الحرب العالمية الثانية، فمن عالم متعدد الأقطاب في مرحلة ما قبل الحرب إلى عالم ثنائي القطبية بعدها، إلى عالم أحادي القطبية منذ مؤتمر منيسك سنة 1990 والذي تفكك على أثره الاتحاد السوفيتي، ولم يعد ثمة قوة مسيطرة على العالم سوى الولايات المتحدة الأمريكية التي فرضتها ثقافتها ورؤيتها على العالم بأسره حماية لمصالحها وأهدافها الأنية والاستراتيجية وعلى رأسها حماية ربيبتها؛ إسرائيل، ومن لا يعي قواعد اللعبة الدولية وكيف تدار وما هو موقعه في هذه المنظومة المعقدة فإنه حتما سيواجه بلطمات قاسية، وهو ما تتعرض لها مصر اليوم.

أحداث قد تبدو مفاجئة لمن يجهل طبيعة التحركات المصرية في نطاقها الإقليمي منذ 3 يوليو، بدأت بالمشهد المروع لذبح عشرين مصريا نصرانيا، على يد التنظيم المرعب "داعش" على ضفاف المتوسط بطرابلس الليبية مع رسالة تهديد باللغة الانجليزية للدول الأوروبية عموما وإيطاليا خاصة، تلتها بساعات قليلة قصف الطائرات المصرية لمدينة "درنة" في شرق ليبيا والتي ينظر إليها على نطاق واسع بأنها معقل التنظيم المرعب، لتنسحب الأنظار داخيا وإقليميا ودوليا إلى هذا البقعة الملتهبة من العالم وملفها الشائك شديد الوعورة، حيث تحاول مصر الحصول على تأييد وغطاء دولي لتدخلها العسكري في ليبيا بدعوى حماية أمنها القومي وأمن مواطنيها من خطر الارهاب.

ولأن التعامل مع المجتمع الدولي يختلف عن التعامل مع المجتمع الداخلي، واللغة التي تستخدم هنا قد لا تصلح للتسويق هناك، والخطاب الإعلامي الذي يخدم على السلطة القائمة هنا قد يكون كارثة عليها هناك، فقد ظنت مصر تحت قيادة الجنرال السيسي وأنصاره أن المجتمع الدولي بهيئاته ومؤسساته ومجالسه سوف يسارع بالاصطفاف إلى الجانب المصري ودعمه بلا حدود، وأن العالم بأسره سيغني أغنية النظام الأثيرة "تسلم الأيادي" كما أعتادوا على ذلك منذ أحداث 3 يوليو، فجاءت اللطمة القاسية، فمصر قد تقدمت بطلب لمجلس الأمن لاستصدار قرار أممي بشأن التدخل العسكري في ليبيا، غير أن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودولا أخرى عقدوا اجتماعا عاجلا بخصوص الملف الليبي دون دعوة مصر إليه، انتهوا فيه ببيان يذهب في مسار مختلف تماما عن المسار الذي يفكر فيه السيسي، حيث ذهب المجتمعون إلى أن العملية التي تقودها الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية توفر الأمل الأفضل لليبيين لمعالجة التهديدات الإرهابية ومواجهة العنف وعدم الاستقرار الذي يعرقل عملية الانتقال السياسي والتنمية في ليبيا، كما أكدوا على استعداد المجتمع الدولي التام لدعم أي حكومة وحدة وطنية ـ دون تحديد لحكومة طبرق التي تدعمها مصر ــ تعالج التحديات الحالية التي تواجه ليبيا.

وأشاروا إلى أن ممثل الأمين العام للأمم المتحدة الخاص لليبيا بيرناردينو ليون سيعقد اجتماعات خلال الأيام المقبلة لبناء مزيد من التأييد الليبي لتشكيل حكومة وحدة وطنية.
وأعربت القوى الغربية في بيانها عن تشجيع كافة الأطراف بما في ذلك هؤلاء الذين على صلة بالمؤتمر الوطني العام السابق على انتهاز فرصة الانضمام إلى العملية التي تقودها الأمم المتحدة خلال الأيام المقبلة بروح بناءة للتوصل إلى توافق إذا كانوا يأملون في صياغة مستقبل ليبيا السياسي.

من جهة أخرى قالت الممثلة العليا لشئون السياسة الخارجية بالاتحاد الاوربي فريدريكا موجيريني في تصريحات للصحفيين في العاصمة الإسبانية مدريد أمس أنه لن يتم دراسة أي التزام أوروبي بأي عمل عسكري في ليبيا، وكان رئيس الوزراء الإيطالي قد تراجع عن حماسته للتدخل بعد وضوح الموقف الأمريكي والأوربي .

هذا نص الكلام هو يعني أن المجتمع الدولي يرى أن الأوضاع الداخلية الملتهبة في ليبيا لا يمكن معها الانجرار دوليا إلى الانحياز لطرف ضد آخر، كما يريد السيسي وداعموه، وأن الحل في حوار سياسي تنبثق منه حكومة وحدة وطنية تشمل الجميع، في حين أن الرؤية المصرية للشأن الليبي أن حكومة طبرق والجنرال حفتر هم الشرعية، والباقون خوارج أو إرهابيون، ويشكلون خطرا إقليميا ودوليا، وأن على المجتمع الدولي أن يضطلع بمسئولياته، ويمنح السلاح والعتاد لحكومة طبرق وميليشيات حفتر من أجل السيطرة وبسط الأمن، ولكن المجتمع الدولي رأى أن هذه الرؤية ستفجر ليبيا وتحولها لمستنقع إرهاب آخر كما حدث في العراق وسوريا، وهذا يعني أن مصر تمضي عكس اتجاه الريح الدولي تماما بخصوص ليبيا.

هذا على الصعيد الدولي، أما على الصعيد الإقليمي فكانت اللطمات أشد وأقسى،فبالتزامن مع هذا التصعيد الرسمي المصري، التفتت الأنظار إلى إحدى أقوى جيوش المنطقة تسليحًا وتجربة، ونعني بها الجزائر، حيث انتظرت مصر من الجزائر سرعة الرد الايجابي مع الحدث والتعاطي عسكريا في الأزمة ، غير أن الرد جاء سلبيًا للغاية، حيث توالت التصريحات الجزائرية المنددة بالإرهاب من جهة ، والرافضة من جهة أخرى لأي تدخل عسكري خارجي في ليبيا، كما أعاد وزير الخارجية الجزائري رمضان العمامرة خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية القطري لشؤون التعاون الدولي محمد ابن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، التذكير بضرورة "احترام سيادة ليبيا وتعزيز مؤسساتها"، قائلاً: "الجزائر تدعو إلى احترام سيادة ليبيا وتعزيز المؤسسات الليبية بمصالحة وطنية، وتجدد إدانتها كافة أشكال الإرهاب"، مضيفًا أن الجزائر "ترفض من ناحية المبدأ أي تدخل أجنبي سياسي أو عسكري في ليبيا، وتدافع عن هذا الخيار، وتسعى إلى إقناع المجتمع الدولي بذلك، وتعتبر أن أي تدخل عسكري من شأنه أن يوجد مبررات للمجموعات المتطرفة".

وتأكيدًا على إدراك الإدارة الجزائرية لمدى خطورة التدخل العسكري في ليبيا، كشفت جريدة الخبر الجزائرية عن طلب أرسلته حكومة طبرق الموالية للجنرال خليفة حفتر والفاقدة للشرعية، للحكومة الجزائرية طلبت من خلاله تزويدها بعربات مدرعة وآليات قتالية وصواريخ مضادة للدروع لاستخدامها في "الحرب على الجماعات الإرهابية"، غير أن الإدارة الجزائرية لازالت ترفض تلبية هذا الطلب منذ ثلاثة أشهر، وذلك لأن تقارير أمنية جزائرية حذرت من أن "دفع أسلحة للحكومة الليبية يعني بداية لتورط عسكري مباشر في ليبيا".

الجزائر وعبر تجربتها الطويلة والمريرة مع المجموعات المسلحة باتت أكثر دول المنطقة دراية بعدم جدوى الحلول العسكرية في محاربة المجموعات المسلحة صغيرة الحجم، كما تدرك أن تبني سياسة الجنرال خليفة حفتر والسيسي وتحويل الخلاف السياسي إلى مواجهة عسكرية يصب في صالح المجموعات المتطرفة التي تتوسع بشكل كبير بمجرد فشل الحلول السياسية.

ومتطابقا مع وجهة النظر الجزائرية جاء الموقف التونسي والمغربي والسوداني وهي دول الجوار الأهم المعنية بالوضع الليبي.

ربما يكون الموقف الجزائري متوقعا لمن تابع المواقف الجزائرية على التحركات الإقليمية المصرية منذ 3 يوليو، ولكن الذي لم يكن متوقعا قط حتى أشد المتشائمين في نظام السيسي هو الموقف الخليجي الذي كان دعمه المادي واللوجستي والسياسي هو الأساس القوي الذي قامت عليه حركة 3 يوليو، ففي الوقت الذي كانت الأمور في الاجتماع العاجل الذي دعت إليه مصر في جامعة الدول العربية تسير على هوى الجنرال وأنصاره، جاء التحفظ القطري على بند من بنود بيان الجامعة وهو البند الخاص بحقّ مصر في الدفاع الشرعيّ عن نفسها وتوجيه ضربات للمنظمات الإرهابية، ليجعل مندوب مصر الدائم في الجامعة "طارق عادل" يفقد صوابه ويهاجم الموقف القطري متقمصا شخصية إعلاميي الفتنة في مصر، ومتخليا عن الدبلوماسية اللازمة والمتوقعة من أكبر وأعرق دولة عربية حيث وصف قطر بالدولة الراعية للارهاب .

الدوحة من جهتها، اعتبرت الردّ موتوراً ويخلط بين ضرورة مكافحة الإرهاب وبين قتل وحرق المدنيين بطريقة همجية، ورأت أن التصريح جانبه الصواب والحكمة ومبادئ العمل العربي المشترك، الذي يفترض وجود تشاور بين الدول العربية قبل قيام إحدى الدول الأعضاء في الجامعة «بعمل عسكري منفرد» ضد دولة عضو أخرى، وأتبعته بسحب سفيرها في القاهرة.

المفاجأة الصادمة لمصر أن مجلس التعاون الخليجي أصدر بيانا شديد اللهجة ضد مصر ومدافعا عن قطر ومنددا بالاتهامات الجزافية من جانب مصر بعضو بالاتحاد الخليجي.

التغير في الموقف الخليجي تجاه مصر جاء عقب سلسلة من التطورات الهامة والخطيرة في المنطقة أدى لتعاظم النفوذ الإيراني في المنطقة وإحاطتها كالسوار بالمعصم لأهم بلد خليجي وهو السعودية التي وجدت نفسها أمام خطر وجودي يتهددها من جميع الجهات، وأن التأييد المستمر وغير المشروط لنظام السيسي سيدفع باتجاه تبني أجندة الاتجاهات الأشد عنفا وردايكالية في العالم السنّي؛ داعش، وتنديد مجلس التعاون الخليجي بالتصريحات الرسميّة المصرية رسم خطّاً سياسياً عربياً جديداً ذا مغزى، فهو، بوقوفه مع قطر، بعد أن عانى المجلس من تصدّعات كبيرة، وانقسم، في الموضوع المصري على الأقلّ، إلى طرفين متعارضين، يعيد الروح مجدّداً إلى هذا المجلس، ويقدّم مقاربة عقلانية للقضايا العربية، عموماً، وللمسألة المصرية، بشكل خاص.
الموقف المصري قد يكون مبررا من وجهة نظر الأمن القومي ولكن سرعته وانفراده أدى لإثارة الكثير من التساؤلات عن مغزي وحقيقة هذا القصف، بحيث أصبح يقينيا عند الكثيرين أن حماية الأمن القومي والثأر للمواطنين ليست وحدها وراء القصف، فمصر لا تخفي نيتها التدخل العسكري في ليبيا منذ 3 يوليو حتى أن المذيع الأكثر جدلا وشهرة في مصر "توفيق عكاشة" والمعروف بصلاته مع أجهزة المخابرات قد صرّح في أعقاب حركة 3 يوليو بقليل أن مصر ستقوم بحرب على ليبيا ستكون مثل حرب 73 ، وفي الثلاثاء، السادس والعشرين من أغسطس لعام 2014 أقرت الولايات المتحدة لأول مرة بأن مصر والإمارات العربية المتحدة نفذتا ضربات جوية مشتركة على أهداف عسكرية لفصائل إسلامية في ليبيا، وكان التصريح رسميًا على مستوى عالٍ وقام به الأميرال (جون كيربي) أحد المتحدثين باسم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، قبلها صرح مسئولون أمريكيون لوكالة فرانس برس أن مقاتلات إماراتية شنت هجومًا جويًا مرتين على مواقع لميليشيات إسلامية مسلحة في طرابلس انطلاقًا من قواعد جوية عسكرية مصرية، وأكدت في نفس السياق الأمرَ صحيفةُ نيويورك تايمز حينها وأضافت على لسان مصدرين من مصادرها الرسمية الأمريكية أن الطائرات الإماراتية قادها طيارون أمريكيون، وفي الشهر ذاته كشف النقاب عن اتفاقية تعاون عسكري واستراتيجي بين الحكومة المصرية ووزارة الدفاع في حكومة طبرق الليبية التي يترأسها "عبد الله الثني"، وتسمح الاتفاقية للطرفين باستخدام المجال الجوي لكليهما لأغراض عسكرية وإرسال عسكريين على الأرض، مما اعتبره البعض بداية التبشير بعمل عسكري مصري على الأراضي الليبية ، البعض رأه من باب مكافحة تيار الإسلام السياسي ومحاربة المليشيات الإسلامية المسيطرة فعليا على معظم التراب الليبي، في حين رأه البعض الأخر طمعا في الثروات النفطية الضخمة في إقليم برقة الذي تجدد الحديث عن أحقية مصر التاريخية فيه على لسان عرّاب الانقلابات العسكرية المعاصر الصحفي المخضرم "هيكل" ، في حين ما فتئ نظام السيسي عن الحديث عن خطورة الوضع الليبي على الأمن القومي المصري.

كثير من المحللين رأوا أن النظام المصري برئاسة السيسي استبق أي رد فعل عسكري من قوات فجر ليبيا على ذبح الأقباط المصريين، بهدف عزل قوات فجر ليبيا كقوة نظامية أو شبه نظامية تابعة للمؤتمر الوطني العام، ضمن سياق مساندته العلنية لعملية الكرامة بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
إذ يسعى النظام المصري إلى استبعاد المؤتمر الوطني العام، ومؤيديه من القادة العسكريين والمدنيين في ليبيا من أي معادلة سياسية أو أمنية، حتى ولو كانت موجهة ضد الجماعات المتشددة ومن بينها تنظيم الدولة، عكس بعض الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية التي التقطت إشارات من خلال تصريحات قادة فجر ليبيا، من إمكانية أن تكون فجر ليبيا والشروق أحد أذرع التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة في ليبيا.

مصر بهذه الخطوة الاستباقية قد أدت لزيادة عزلتها الدولية والاقليمية وخسرت تأييد عدة أطراف مؤثرة وهامة بالنسبة لمشروع السيسي، وورطت نفسها في المستنقع الليبي شديد الوعورة، وانحازت إلى طرف خاسر شرعية انتهت قضائيا ودستوريا وعسكريا، ومحاولات السيسي تقديم نفسه إلى العالم كحارس أمين على العلمانية المشرقية وسد منيع أمام التطرف والارهاب قد باءت بالفشل بعد أن أيقن الجميع أن مغامرات وطموحات الجنرال وسياساته القمعية المفرطة في القسوة مع معارضيه كانت هي نفسها أحد أهم أسباب زيادة وانتشار العنف والارهاب في المنطقة والعالم بأسره.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق