الجمعة، 28 ديسمبر 2018

جيفري لانج.. والهدف من الحياة! ج(3)

جيفري لانج.. والهدف من الحياة! ج(3)

رَشيد الغُولي
أركان وأسس المناعة الفكرية

تَتَعَدَّدُ الأَقْلاَمُ وَالحَبْرُ وَاحِد، لكننا نسأل المولى عز وجل التوفيق والسداد في اختيار نوع القلم والثبات عليه، وَانطلاقًا من الحب الكبير للفكر والمفكرين، والرغبة الصادقة في المساهمة ولو بالقليل في البناء والاتزان، والعمل المتواصل الدؤوب على إثبات الذات. جميعها أسباب تدفع وتقوي كل من يحمل في قلبه ذرة أمل أو حبة حب على التشبث، حتى في قشة الأمل، من أجل المواصلة على زرع الشغف في كل القلوب القاحلة، التي تكالبت عليها كل قوى الشر والظلام، فجعلتها تعيش حياة فارغة شاحبة جوفاء لا لب فيها ولا مذاق، فاقدة للثقة في كل شيء، حتى في نفسها، تعيش عمرها خريفًا دائمًا، عارية باردة الأغصان، بلا أوراق ولا أزهار ولا ألوان، على مبدأ ملأ الفراغ بالفراغ وأحيانًا وبالضجيج والنهيق والنباح، بسبب وبدون سبب، لأنها فعلًا سئمت وملت من هذه الحياة، فرغم وفرت الطعام والأمان، إلا أنها دخلت نفق الجوع والضياع، فلا الروح سكنت ولا البطن شبعت، ولا الفصول تعاقبت، ولا العقول أينعت، ولا الأفكار أزهرت وأثمرت وأبهرت، ولا الإنسانية عمت وسيطرت.
فعلًا ينطبق على فئة كبيرة من شباب هذا العصر، المثل العربي الشهير، الذي يقول مكره أخاك لا بطل، نظرًا لصعوبة ومناعة الفهم السليم، في غياب الفكر القويم، لكن رغم كثرة العثرات وضيق الوقت، وظلم الأعداء، وجهل الأبناء، إلا أن التوكل على الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، والإيمان القوي الراسخ بأهمية الحديث في كل ما من شأنه إخماد نار الجهل، فقط نقطة صغيرة جدًا في جدار الخدلان، قد تصير حفرة، ولماذا لا نقول نافذة واسعة ومريحة جدًا، نستطيع الفرار عبرها، من العدم إلى الوجود.
كانت هذه مقدمة بسيطة وموجزة عن سبب الاهتمام والحديث عن الفكر والمفكرين، والفلسفة والفلاسفة، الذين تركوا بصمتهم، وساهموا بشكل كبير في ترسيخ المعرفة. جيفري لانج (Jeffrey Lang)، من مواليد (30 يناير 1954، مدينة برديجبورت) بروفيسور في الرياضيات، استلم شهادة الفلسفة من جامعة باردو سنة 1981. كانت الرسالة عن سطح زاريسكي (Zariski surface). وكتبها تحت توجيهات ويليام هاينزر وبايتور بلاس.
كل هذا من أجل الوقوف ولو للحظات، على الأهمية القصوى لأركان وأسس المناعة الفكرية، وضرورة بيان هذه المناعة، مسؤولية جسيمة ملقاة على عاتق كل شخص، يستطيع تقديم محتوى أو تجربة أو فكرة أو معرفة، قد تعود بالنفع على الآخر. جميعنا في حاجة ماسة إلى معرفتها ومعرفة قوتها، ومظاهر ضعفها، متشوقون للاطلاع على أركانها، وأسباب ضعفها، مهتمين لبيان خطوات تكوين هذه المناعة، متحمسين لجرد قواعد التعامل مع التحديات والشبهات والإشكالات الفكرية المرتبطة بها. هذا الموضوع في هذا الوقت بالذات، وفي هذا الزمان، يطول الحديث فيه، نظرًا لكثرة التحديات الفكرية الراهنة، التي يتعرض لها شبابنا، وهم على ما أعتقد، في حاجة إلى أن يكون لديهم من التحصين الذاتي والقوة الفكرية، ما ينطلقون به، ويواجه به ما يعرض لهم ويتحداهم من إشكالات وشبهات.
لقد توقفنا في المقال السابق (الثاني) عند الآية الكريمة: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)». بعدها نظر إلى الإجابة التي قال الله تعالى فيها إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. مما جعله يجادل إلاهًا لا يؤمن به، وهذا ما حدث له كثيرًا أثناء قراءته للقرآن الكريم، حيت إنه يبدأ في الجدال مع ذلك الصوت الذي يقرؤه أمامه مكتوبًا ويناديه.
ثم انتقل إلى الآية التالية واتضح له أن القرآن الكريم لم يتهرب من الإجابة عن هذا السؤال، وإنما بدأ يجيب عليه بالتدريج، إذ تقول الآية الكريمة: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)». اتضح له بجلاء أن هذه الآية تشير للآية السابقة، ومن خلال خلفيته الدينية السابقة يعرف جيدًا أن سيدنا أدم بدأ في تسمية الأشياء، لكن ذلك لم يكن مرتبطًا بالإجابة عن أي سؤال فلسفي، لكنه لاحظ أن هذه الآية تحمل لب وسر ودقة معرفة سيدنا آدم للأسماء. عندها اجتاحه إحساس رهيب، ورغبة جامحة، يقودها فضول كبير، يدفعه دفعًا نحو قراءة هذه الآيات القرآنية الدقيقة أكثر وأكثر، وتبين له أنها تحمل في ثناياها، كنز من المعلومات، الإجابات والمعرفة، يستطيع المتدبر لها كاملة، والمتمعن لمعانيها العميقة، الوصول إلى درجة جد متقدمة، تفوق الخيال في الفهم والتحليل، لكل صغيرة وكبيرة في هذه الحياة.
زاد من شغفه الكبير هذا، جمالية الحوار، والمعنى الفلسفي العام، والمنطق والموضوعية في التقديم، والإعجاز اللغوي الدقيق، مما جعل الأمور الجد معقدة سابقًا، سهلة يسيرة تشد الانتباه. فكان له موعد غير متوقع مع الملاحظة الدقيقة التي أسرت قلبه وشغلت عقله وتفكيره، وأشعلت رغبته في معرفة المزيد والمزيد، هذه الملاحظة هي أن سيدنا آدم عليه السلام، لم يكن يتمتع فقط بالقدرة على تلقين الأسماء كلها، قصد الإجابة على السؤال، وإنما كان قادرًا على التَّعَّلُّمَ، والله سبحانه وتعالى هو من عَلَّمَهُ.
عند انتهائهِ من قراءة هذه الآية العظيمة، اتَّضَحَ لَهُ جَلِيَّا، نظرًا لِفِطْنَتِهِ وذكائه وقدرته الذهنية الكبيرة على التحليل والاستنباط، أن القرآن الكريم يحمل له مفاجآت سارة في الآيات التالية، بالنسبة لكثير من الأمور الحيوية والفلسفية في هذه الحياة، فمن بين المسائل التي أكد عليها، قدرة الإنسان على المعرفة، وأنه مخلوق قادر على التَّعَلُّمْ. وقد تم فعلا تَعْلِيمهُ. لكن ما الذي تَعَلَّمَهُ آدم عليه السلام من ربه سبحانه وتعالى؟ وما هي أكبر موهبة منحها الله له جزاءً على إجابته عن السؤال الذي طرحته الملائكة؟
وفي لحظة ذُهول وسُكُون وتَرَقُّبْ، تَبَيَّنَ لَهُ أنها موهبة اللغة، نعم لأن اللغة ليست فقط مجرد وسيلة لتعليم الإنسان، بل كذلك طريقة مضمونة وفعالة ومثالية لتلقي وتلقين العلم والمعرفة والخبرات والتجارب، سواء تعلق الأمر بالأجيال السابقة، أو اللاحقة، في كل الأماكن وفي كل الأزمنة، وبالتالي كل العلوم والمعرفة البشرية تتراكم، وهذا ما لاحظه كذلك لاحقًا في القرآن الكريم، ويؤكده مرارًا وتكرارًا، كما في الآية القرآنية الأولى العظيمة من سورة العلق: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)».
إذن القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا يدعو الإنسان إلى استخدام قدراته العقلية والمعرفية بشكل صحيح، لأنها ستلعب دورًا أساسيًا وحاسمًا في الوصول به حتمًا إلى الحقيقة، ومن تم النجاة والالتحاق إلى غيره من الأخيار في بَرِّ الأمان، وترك العالم الأسود الغامض المعقد المُدَمِّرْ للبشر والحَجَرْ، عالمُ الأشْرار، عالم الجَهْل والجُهَلاء، لِأَنَّ الجاهل حَجَرةٌ لاَ يَنْفَجَر مَاؤُهاَ، وَشَجَرَةٌ لاَ يَخْضَرُّ عُودُهاَ، وَلَنْ يَشْتَدَّ أبَدًا. بل إن الله سبحانه وتعالى أقسم بقدرات الإنسان العقلية ودعاه باستمرار على استخدامها في الخير، وحَثِّهِ على اجتناب الشَّر، والاجتهاد والإخلاص في معرفة الحق، من أجل التقدم والازدهار، والسلم والسلام.
إذن المناعة الفكرية هي وجود مستوى عَالٍ من التحصين لَدَى الفرد المسلم أمام الأفكار المخالفة لدينه، خصوصًا في هذا الوقت العَصْر، إِذْ تَجْتاحُهُ موجة تشكيكية معاصرة عنيفة، تتمثل أوْجُه خطورتها في عدَدٍ من الصور، منها أنها موجة تُشَكِّكُ في أصل الإسلام، بمعنى أدق أنها ليست موجهة في المسائل الخلافية بين العلماء، فتجد أنها تشكك في وجود الله سبحانه وتعالى، تشكك في صحة القرآن الكريم، وتشكك في شخص ونزاهة وصدق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من الأصول الشرعية، ومن خطورة هذه الموجة، أنها موجهة ضِدَّ الشباب، والشباب هم عماد هذه الأمة، لأنهم هم أصحاب القرار في المستقبل، لذلك هذه الموجة تستدعي اهتمامًا فكريًّا وفلسفيًّا بالغًا، وتستدعي تكوينًا شاملًا منطقيًّا عقلانيًّا علميًّا للمناعة الفكرية.
من خطورة هذه الموجة أنها تحمل شعارات جدابة وذات بريق، مجملة وتحتاج إلى تفصيل وتدقيق، فنأخد ما فيها من الحق، ونرد ما فيها من الباطل، مستعملين في ذلك العلم، المعرفة، الهدوء، والخلق الحسن، لأن كثيرًا منها يكون مغلفًا بغلاف الحق، يصعب فصله وتفصيله. إذن المشكلة العويصة، أو السم المُحَلَّى بالعسل، أن هناك معاني من الباطل تمرر تحت هذه الشعارات الرَنَّانَة والبَرَّاقَة، فَتَجِدُ أحدهم يقول لَكَ حَرَّرْ عقلك ولا تكن عبدًا أو أسيرًا لأحد من الناس، نعم هذا المعنى جيد، غير أنه معنى عام، لكن ما الذي سوف يتم إدخاله وإيصاله عَبْرَ هذا المعنى؟ أو إن صَحَّ التعبير تَحْتَهُ وبواسطته؟، ومما يجعل كذلك هذه الموجة خطيرة جدًا، هي أنها موجة هدمية فوضوية لا بِنَائِيَّة، والهَدْمُ دائمًا أسهل من البناء، فتجدها مليئة بالتشكيكات والتساؤلات وأشياء مبعثرة ومفرقة، وأشياء فوضوية، وغير منطقية بتاتًا، مع الغياب التام للشيء المقابل للشيئ البذيل.
من أهمية المناعة الفكرية أنها تطور إلى حد كبير من عملية الاتصال والتواصل والحوار والتحاور، دون أي مُرَكَّبْ نقص، أو عَجْز أو خوف، كما أنها تلعب دورًا جبارًا في التأقلم والتعايش، وتقبل الآخر، وتسهل الاحتكاك بالثقافات الأخْرَى، في مستوى راق جدًا من الوعي الفردي والجماعي، مبني على أسس متينة من الاحترام المتبادل والتعاون البَنَّاء من أجل صَوْنَ الإنسانية، والتقدم وازدهار البشرية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق