الاثنين، 8 ديسمبر 2025

مرة أخرى.. لا معني للحياة بدون الحرية

 مرة أخرى.. لا معني للحياة بدون الحرية 

د. عبد الرحمن بشير

داعية ومفكر إسلامي، من جيبوتي



1- لا خوف من الحرية، ولكن الخوف كل الخوف من ثقافة العبودية في لحظة مطالب الحرية، هناك من يرفض الحرية، لأنها تؤدى إلى الفوضى.

2- هناك من يخاف من الحرية، لأنه لا يستطيع أن يعيش في أجواء الحرية، والسبب أن زمن الحرية لا يقبل إلا الدليل، والحجة، ولا مكان للقوة، وقانون القوة، فالجميع يتساوون، ولكنهم مع ذلك يتنافسون مستغلين أجواء الحرية.

3- قابلت أحدا من العرب والأفارقة في الغرب، وهو يخاف من الحرية، ويهوى العودة إلى قانون الغاب في وطنه، لأنه يجد ذاته هناك، فلا وجود لذاته إلا في ظل العبودية، واستغربت عشقه لبلاد العبودية، ومناهج العبودية، وأفكار العبودية.

4- استمعت إلى عالم دين يحذّر من الحرية، ويراها خطورة، بل كارثة، ويدعو الناس إلى منهج يقدس الحاكم، ويلغى الشعب، ويضخم دور الرجل، ويُهمّش دور المرأة، وبهذا المنهج يختل الميزان، ويفقد الناس العدل فى الحقوق، ومع هذا فهو يرى بأن هذا هو الإسلام.

5- يدعى واحد من الناس بأن الحرية من أفكار الماسونية، وهي من وحي الثورة الفرنسية، فلا معنى لوجودها عند المسلمين، يا ويح هذا الفكر وأهله، ومن قال: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحرارا، هل هذه الكلمة من وحي روسو، أو من أفكار ماكس فيبر، أو من أدب فولتير؟ وبعضهم يرون أنها دخيلة، بل يرون الكلمة أنها لا تصح من عمر الفاروق، ولهذا ليست من عمر الفاروق.

6- ادّعى شيخ معمّم بأن الحرية فساد مطلق، وأن الاستبداد شر مقبول، فلا مكان للمقارنة بين الحرية (الفساد المطلق)، والاستبداد (الشر المخفف)، فإذا كان لا بد من الخيار بينهما، فلا مناص من اختيار الاستبداد، فالناس مع الحرية يدخلون النار، ومع الاستبداد قد يدخلون الجنة، كيف؟ لم يجب.

7 – في العراق كان صدام حسين يقتل الشيعة والأكراد باسم العروبة، واليوم يقتل النظام الشيعي السنة باسم الدين، وتنصر إيران الحوثيين باسم الحسين، وتحارب السعودية الحوثيين باسم السنة، والجميع يقتل، والجميع ينصر، ولكن لا أحد يستخدم عقله، ذلك لأن العقل لم يتحرر بعد، فالحل الحقيقي يكمن في الحرية.

8- في السودان تمّ مصادرة الوطن باسم الدين يوما ما، وكانت ثورة الإنقاذ الوطني، ولكن الوطن ضاع تحت ثورة الإنقاذ، فلا حياة للسودانيين بعد اليوم ما لم يتحرروا من الفكر الرافض للآخر، وهذا ليس من طبيعة السودانيين، ولكنه طرأ عليهم، غريب أن يصبح الدين ذاته في السجون.

9 – ليست الحرية في اللباس، ولكن الحرية في الاختيار، الزِّي خيار، وليس إجبارا، المرأة المحجبة اختارت الحجاب عن قناعة، ولا مكان للمحجبة التي تلبس الحجاب خوفا من العار، لأنها تغير نوع اللباس حين تتحول من أوطان العار إلى أوطان الحرية، وهكذا تفعل النساء غالبا حين لا يلبسن الحجاب دينا وقناعة.

10 – التدين ليس قضية اجتماعية، بل هو خيار وقناعة، من كان متدينا مع والده وبيئته، لن يكون متدينا مع الناس جميعا، ولكن من تديّن عن قناعة سيبقى متدينا إلى الأبد، فالتدين قناعة، وفى القناعة الحرية، لأنك لن تصل إلى القناعة بدون استخدام صحيح للعقل، والاستخدام الصحيح للعقل يتطلب وجود حرية في الحياة.

11- في بعض البلاد يتمّ اعتقال الناس وعلى رأسهم العلماء والدعاة، والناشطين باسم الإصلاح، وكأن الإصلاح يتطلب تكميم الأفواه، وتكون البداية من القمع، بل البداية هي الإصلاح السياسي، ومن شروط الإصلاح السياسي الحرية.

12- في مصر، يتمّ اعتقال الآلاف بلا سبب، ويتمّ قتل الناس بدون محاكمات عادلة باسم المصلحة القومية، ويتمّ كذلك تجويع الناس باسم الوطنية، الوطن للحكام، والوطنية للفقراء، فتمتلأ السجون بخيار الناس، وأشراف الناس، وأكثر الناس فهما للعالم، والسبب هو أن لا حرية لمن لا يستحق الحرية، فالساكت عن الحق شيطان أخرس.

أيها الناس، تأمّلوا في شهادة التوحيد: الحرية قبل الالتزام، تبدأ كلمة التوحيد (بلا إله)، ثم يأتي الجزء الثاني (إلا الله)، فهنا وجدت ثورة وانقلابا، ولكن ليس من الخارج، بل كل ذلك يتم في الداخل، واسمعوا كلمة عمر: (متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، فلا تقبلوا حياة ثمنها الحرية، وهناك من يقول للناس: الأوطان أقدس من الإنسان، وليس فى الوحي نص واحد يقدس الأرض لأجل الأرض ما لم تكن مقدسة لذاتها كمكة والمدينة والقدس، بل هناك ألف وألف نص يقدس الإنسان، فلا شرف لوطن يدنس فيه الإنسان، فالأوطان تكتسب أهميتها من الإنسان، وليست من الأحجار والوديان والبحار، فلا وجود للوطن بدون إنسان، ولا معنى للإنسان بدون وطن.

متى يفهم الناس أن القيمة العليا في الإنسان؟ ومتى يقول الدعاة أن الإنسان هو المقصد من الشريعة؟ ومتى يفهم الناس أن محمدا عليه الصلاة والسلام ترك بلاده الأصلية للدفاع عن الإنسان والدين؟ ومتى نقرأ الوحي بعيون مفتوحة، وليس بعيون مغلقة؟ (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا)، فلا تفكير حقيقي فى الوسط الاجتماعي القاهر، لأن التفكير الصائب هو البعيد عن المؤثرات الداخلية والخارجية، والمستخدم كل أدوات المنهجية فى التفكر والتفكير.

في الحرية حياة، وفى الحياة حرية، وهما متلازمتان لا تتأخر إحداهما عن الأخرى، وفى العبودية قهر للذات، وفى القهر عبودية، وكل واحد منهما يؤثر في الأخرى، وأخطر ما في القهر (العبودية المختارة)، ولكم أن تقرؤوا كتاب (الاستبداد) للدكتور خالص حلبي، وفيه من المعلومات ما يجعل الإنسان يختار الحرية ما لم يكن مريضا نفسيا، أو جاهلا جهلا مركبا، أو معتوها يحتاج إلى طبيب نفسي، ولكم أيضا أن تقرؤوا كتاب (الحرية أو الطوفان) للدكتور حاكم المطيري، ففيه ثروة من المعلومات الدينية، والتي تمٌت اختطافها، وتغييبها عن الناس باسم المصلحة، فهذا زمن الحرية كما يقرر المفكر الموريتاني في كتابه النوعي (الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي)، وفى هذا الكتاب ثورة على الثورة، وقراءة عميقة للنصوص والواقع معا، وتأملات دقيقة للتاريخ والحاضر والمستقبل، وغوص فى القراءات للنصوص بشكل غير مسبوق، ومن هنا أدعو المثقفين إلى قراءة هذا الكتاب أيضا.

وفى الأخير أقول: السلام على الحرية أينما كانت، والسلام على الأحرار أينما كانوا، والسلام على المناضلين للحرية فى سجون الطواغيت، وفى المنافي، وفى بيوتهم، وعند أولادهم، والسلام لمن يحب الحرية ويدافع عنها، ولمن يحبها، والسلام على من يرفض التنازل عن حرية وطنه وكرامته مهما كانت الظروف، ولكنه يعيش فى بلاد الطواغيت، ولا يجد سبيلا في الدفاع عنها، والسلام على الأرواح المؤمنة التي ماتت لأجل الحرية والكرامة، والسلام على الفتية التى ترى العيش تحت العبودية قهرا وإجراما في حق مستقبلهم.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق