الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

حيــــــــن شــــــــــارك حجر النرد في الحكم

حيــــــــن شــــــــــارك حجر النرد في الحكم

حمد حسن التميمي


أمام مجموعة من القانونيين وُضع ملف افتراضي لامرأة متهمة بسرقة متجر، ثم دخل إلى القضية عنصر لا علاقة له بالجريمة: حجرا نرد. 
لم يحددا ذنب المتهمة ولا براءتها، بل حددا رقماً قيل للمشاركين إنه يمثل مدة العقوبة التي يطلبها الادعاء. ظهر لبعضهم الرقم 3، ولآخرين الرقم 9، ثم طُلب من الجميع أن يقترحوا العقوبة المناسبة. 
كان الرقم عشوائياً، والمشاركون يعرفون أنه عشوائي، ومع ذلك لم يخرج من الغرفة من دون أثر.

كانت هذه واحدة من أربع دراسات نشرها عام 2006 الباحثون بيرته إنغليش وتوماس موسفايلر وفريتس شتراك في مجلة «Personality and Social Psychology Bulletin» وفي تجربة النرد تحديداً، شارك 52 قانونياً كانوا في بدايات عملهم القضائي. 
كان حجرا النرد محملين ليظهرا إما 3 وإما 9، ثم يُسجل المجموع بوصفه طلب الادعاء. الذين واجهوا الرقم 9 اقترحوا في المتوسط عقوبة تقارب ثمانية أشهر، بينما اقترح مَن واجهوا الرقم 3 نحو خمسة أشهر.

لم يصبح الرقم دليلاً، لكنه أصبح نقطة البداية. 
وهذا ما يُعرف في علم النفس بتأثير الارتساء: 
أن يسمع الإنسان رقماً أولاً، فيظل تقديره قريباً منه حتى وهو يعرف أن الرقم لا يستحق هذه المكانة. قد يرفضه، وقد يبتعد عنه، لكنه يظل يقيس انطلاقاً منه.

والأخطر أن العقل لا يشعر دائماً بأنه خضع للرقم. فقد أظهرت الدراسة أن الذين ظهر لهم الرقم الأعلى استحضروا حججاً أكثر تشدداً في العقوبة. 
فالإنسان لا يقول لنفسه: سأطيع الرقم؛ بل ينتقي من التفاصيل ما يجعل الاقتراب منه يبدو منطقياً. يصل الحكم أولاً، ثم تأتي المرافعة الداخلية لتمنحه أسباباً محترمة.

وهذا لا يحدث في القضايا وحدها. 
البائع الذي يضع سعراً مرتفعاً لا ينتظر دائماً أن تقبله؛ يكفيه أن يجعل هذا السعر بداية التفاوض. والموظف الذي يُسأل عن راتبه السابق قبل عرض الوظيفة قد يجد مستقبله محكوماً برقم من ماضيه. وحتى الميزانية المبالغ فيها قد تنجح بعد خفضها، لأن النقاش انشغل بمقدار ما حُذف منها، لا بما تستحقه أصلاً.

لهذا لا تأتي قوة الرقم الأول من صحته، بل من وصوله قبل غيره. نسمعه قبل أن نحدد معاييرنا، ثم نبحث بعد ذلك عما يبرره. وقد نظن أننا رفضناه، بينما نكون قد فاوضنا داخل الحدود التي رسمها لنا.

وهذه تجربة افتراضية محدودة، وليست دليلاً على أن المحاكم تصدر أحكامها بالحظ. 
لكن فائدتها العملية واضحة: حدد معيارك قبل أن تسمع الرقم. قبل أن تفاوض على راتب، أو تشتري عقاراً، أو تناقش ميزانية، كون تقديرك وأسبابه قبل أن تسمع رقم الطرف الآخر. 
وإذا سبقك الرقم، فاسأل نفسك: لو لم أسمعه، إلى أي تقدير كنت سأصل؟ وفي القرارات الجماعية، من الأفضل أن يكتب كل شخص تقديره قبل أن يتحدث أول شخص؛ لأن رقماً واحداً قد يوجه النقاش كله من دون أن ينتبه أحد.

في قاعة التجربة، انتهى رمي النرد سريعاً، لكن الرقم بقي يعمل بعد توقفه. 
وهذه هي الحيلة: الرقم الأول لا يأمرك بشيء، بل يختار لك نقطة البداية، ثم يتركك تظن أن ما بعدها كان قرارك وحدك. 
فالمشكلة ليست أن حجر النرد شارك في الحكم؛ المشكلة أن نتركه يحدد بدايته، ثم نسمي ما بعدها قرارنا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق