نقطة نظام
الطُّهْرُ: توجيه الرَّغبة لا قَتْلَها!
في بيت النبي
الإسلامُ لا يتجاهلُ الغريزةَ، ولا يُجمِّلُها بالكتمانِ، بل يضعُ لها طريقًا نظيفًا تعبرُ منه دون أن تُلوِّثَ القلبَ.
وهذا الحديثُ ليس حديثًا عن الجسدِ بقدرِ ما هو حديثٌ عن النفسِ.
إنَّه يضعُ يدَه على منطقةٍ صادقةٍ في طبيعةِ الإنسانِ: منطقةِ الميلِ، والرغبةِ، والضَّعفِ الذي خُلِق فينا ليمتحنَ وعينا لا ليُدينَ إنسانيّتَنا.
هنا نرى النبوّةَ في أرقى صورِ الواقعيّةِ: اعترافٌ بطبيعةِ البشرِ، ثم توجيهٌ رحيمٌ يحفظُ التوازنَ. ليس المطلوبُ أن نكونَ ملائكةً، بل أن نكونَ بشرًا مُهذَّبينَ.
فالفضيلةُ ليست قتلَ الرغبةِ، بل قيادتَها؛ وليست إنكارَ الميلِ، بل تهذيبَه.
وهذا الحديثُ يُعلِّمُنا أنَّ الطهارةَ لا تعني إنكارَ الجسدِ، بل أن يعيشَ الجسدُ في ضوءِ القلبِ، وتحت سقفِ الحلالِ، دون صراعٍ ولا قمعٍ، بل بفهمٍ وسكينةٍ.
روى مسلمٌ في صحيحهِ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنه:
أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى امرأةً، فأتَى امرأتَه زينبَ وهي تَمعَسُ منيئةً لها، أي تدبغُ جِلْداً.
فقضى حاجتَه، ثم خرجَ إلى أصحابِه!
فقال: إنَّ المرأةَ تُقبِلُ في صورةِ شيطانٍ، وتُدبِرُ في صورةِ شيطانٍ، فإذا أبصرَ أحدُكم امرأةً فليأتِ أهلَه؛ فإنَّ ذلكَ يردُّ ما في نفسِه!
الإسلامُ دينُ واقعيّةٍ لا دين إنكار.
والحديثُ لا يتجاهلُ طبيعةَ الميلِ في الإنسان، بل يعترفُ بها بوضوحٍ ثم يدلُّ على طريقِ التعاملِ معها.
والغريزةُ ليست خطيئةً، إنَّما الامتحانُ في إدارتِها. وهذا الدِّينُ لا يطلبُ منك أن تُطفئَ النارَ، بل أن تضعَها في موضعِها الصحيحِ حتى تُنيرَ ولا تُحرِق.
وهذه الواقعيّةُ هي سرُّ بقاءِ التشريعِ صالحًا لكلِّ زمانٍ؛ لأنَّه يُخاطبُ الإنسانَ كما هو، لا كما نتمنّى أن يكون. فحين يُنكرُ الإنسانُ طبيعتَه ينكسر، وحين يفهمُها ويقودُها ينجو.
الشريعةُ لا تُحاربُ الفطرةَ، بل تُعلِّمُها كيف تمشي مستقيمةً دون أن تتشوَّه.
العلاجُ النبويُّ سريعٌ ونظيفٌ.
لم يُعقِّد النبيُّ ﷺ المسألةَ، ولم يفتحْ بابَ الوساوسِ، بل أعطى حلًّا مباشرًا يحفظُ القلبَ من التعلّقِ المحرَّم.
فالفضيلةُ ليست صراعًا طويلًا مع الخيالِ، بل خطوةٌ عمليّةٌ تُعيدُ النفسَ إلى توازنِها قبل أن تنجرف.
فكثيرٌ من الانكساراتِ الأخلاقيّةِ تبدأُ بفكرةٍ تُتركُ بلا علاجٍ.
والنبيُّ ﷺ يُعلِّمُنا أن نُغلِقَ البابَ في أوّلِه؛ لأنَّ القلبَ إذا تُرِكَ يتغذّى على الصورةِ والخيالِ طال مرضُه.
الوقايةُ أسهلُ من العلاجِ، والحسمُ المبكّرُ رحمةٌ بالنفسِ.
الزواجُ حصنٌ نفسيٌّ قبل أن يكونَ حِصناً جسديًّا.
فالعلاقةُ الزوجيّةُ في الإسلامِ ليست ترفًا، بل حمايةٌ للقلبِ من التشوّشِ، وحفظٌ للنظرِ من التيهِ. وحين يعودُ الإنسانُ إلى الحلالِ تهدأُ الفوضى داخلَه، لأنَّ الفطرةَ ترتاحُ حين تسيرُ في طريقِها المشروعِ.
ولهذا جعل الإسلامُ الزواجَ عبادةً؛ لأنَّه يُنقذُ الإنسانَ من صراعٍ داخليٍّ طويلٍ. والاستقرارُ العاطفيُّ ليس كماليّةً، بل ضرورةٌ روحيّةٌ؛ فالقلبُ إذا استراح صفا العقلُ، وهدأت الجوارحُ.
الطهارةُ ليست قمعًا بل توجيهٌ.
هذا الحديثُ يُعلِّمُنا أنَّ العفّةَ لا تعني قتلَ الرغبةِ، بل قيادتَها بوعيٍ. فالإنسانُ الطاهرُ ليس مَن لا يشعرُ، بل مَن يعرفُ كيف يُديرُ ما يشعرُ به. والفضيلةُ نضجٌ لا برودٌ؛ توازنٌ لا إنكارٌ.
والتوازنُ هو أجملُ ما في التربيةِ النبويّةِ: لا إفراطَ يُطفئُ الإنسانَ، ولا تفريطَ يُضيّعه. والطهارةُ الحقيقيّةُ أن تعيشَ إنسانيّتَك كاملةً، لكن تحت ضوءٍ يُرشدُك!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق