هل أخرج نتنياهو البيجر ليهدد العالم؟
د. جاسم الجزاع* باحث وأكاديمي كويتيJassimaljezza@hotmail.com
تأملتُ كغيري في مجريات الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة، فرأيت مشهدًا يلخص شيئًا من تناقضات هذا العالم الذي نعيشه، قاعةٌ وجدت لتكون منبرًا للحوار بين الشعوب، وتتمركز فيها الدعوة إلى نبذ كل ما يعرقل حياة الشعوب وأمنها واستقراراها، وتُرفع فيها شعارات القانون وأن يكون قادراً على حماية حقوق الإنسان، ولكن مع الأسف أنها قاعة ما تزال تعاني من دخلاء يعيثون فسادا ويعرقلون كل سبل السلام والبناء بين الأمم، ففي مثل هذه اللحظات، نجد أنه تُقاس الكلمات بجمال بما تكشفه عن نظرة أصحابها إلى حقوق الآخرين وتوظيف السلطة لذلك، وعن الطريق الذي يريدون للعالم أن يسلكه.
ووسط هذا الميدان، بدا خطاب صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، صوتًا يدعو إلى تغليب الدبلوماسية في العالم المضطرب، ويحذر من أن استمرار الحروب سيدفع المنطقة إلى مرحلة أشد خطورة، والتذكير بمبدأ الوساطة الإيجابية، ودعوته إلى أمنٍ إقليمي لا يستثني أحدًا من حقه في الاستقرار.
كما استوقفني خطاب سمو ولي عهد الكويت الشيخ صباح الخالد الصباح، بما حمله من تأكيد على احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، والدعوة إلى التعاون وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، فالحكمة لا تعني غياب الموقف، والدعوة إلى خفض التصعيد لا تعني الضعف، بل إدراكٌ لكلفة الحرب على الدول والشعوب ومؤسساتها.
أما نتنياهو، فقد بدا غارقًا في غطرسة القوة وعماها، فمع بدء كلمته انسحبت وفود من القاعة احتجاجًا على سياساته وسياسة دولته التوحشية، فردّ بوصف المغادرين للقاعة بـ«الجبناء أخلاقيًا»، ودعا من بقي منهم إلى الخروج بطريقة عنجهية لا تمت إلى عالم السياسة الرصينة بأي صلة!، فكان المشهد يصف حالة شعورية أجمعت عليها دول العالم بأغلبيتها في نظرتها إلى دولة الكيان وسياساتها ثم أخرج نتنياهو جهاز بيجر، مستحضرًا تفجيرات أجهزة الاتصال في لبنان، كأنما يلوّح للعالم بما فعلته إسرائيل بخصومها ليهدد به دول العالم، فلم يكن الجهاز مشهدا عابرا في الجلسة، بل أراد نتنياهو أن يستعيد صورة عملية عسكرية في قاعة دولية تتسم بالحوار، وأنه يستطيع إيذاء وضرر كل من أراد أن يستهدفه!، وغابت عن أمثاله أن الإدارة الحكيمة للقوة لا تقوم على استعراض غطرسي بقدرتك على إلحاق الضرر بالآخرين بل على قدرتك على توظيفها لخدمة الإنسانية وليس ممارسة الوحشية في التنكيل بالشعوب المقهورة وأولها الشعب الفلسطيني.
وهنا دعونا نتجاوز المسألة إلى طرح سؤال مهم عن طبيعة النظام الدولي الآن.. ما قيمة النظام الدولي إن لم يستطع أن يجعل القانون حاكماً على الجميع ؟!، بل وما جدوى القرارات إذا ظل تنفيذها رهين ميزان القوة ومصالح الدول؟، إن التاريخ كما قرأناه يعلّمنا أن الأمم لا تحفظ السلام إلا إذا فرضته بالقوة العادلة على الجميع.
فالأمم لا يستقيم أمرها بالتهديد، ولا تستقر بغلبة طرفٍ على طرف، بل تحتاج إلى عقلاء وحكماء من كل ملة ودين، يعرفون أن القوة التي لا يضبطها العقل تصنع خوفًا جديدًا، وأن السلام الذي لا يقوم على العدل لا يدوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق