الاثنين، 5 أكتوبر 2026

ميري وكومار

 ميري وكومار 



 عبدالرحمن الشمري


كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم..

في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد ….

ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه:

أكل؟ نعم
رجع من المدرسة؟ نعم
نام؟ نعم


وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها:

معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!!

وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي …

إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة.

وسؤال صريح:

ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟

فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء.


دعونا نرتبها بشكل أبسط:

الخادمة توقظه
الخادمة تطعمه
الخادمة تلبسه
السائق يوصله
السائق يعيده
الخادمة تستقبله
الهاتف يسليه
الألعاب الإلكترونية تبعده

ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان:

ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟


والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون:

متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟


نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي


غرفة مستقلة
هاتف حديث
ألعاب
مدارس ممتازة
خادمة
سائق
ملابس
مصروف
كل شيء موجود


إلا شيء واحد:

الأب والأم في التفاصيل اليومية


وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية

فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح.


هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف.

هذه ثقافة تُعاش

يرى أباه فيقلد

يرى أمه فيتعلم منها

يجلس مع جده

يسمع حديث أقربائه

يستقبل الضيوف


يسلم

يسمع

يخطئ

فيُصحح له


وهكذا تتشكل الشخصية


لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا

نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل


البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. 
دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. 
ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته

وهنا يجب أن نكون منصفين

ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة

وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية

وليس كل رعاية غير أبوية سيئة

المشكلة في الإفراط في التفويض

أن يتحول المساعد إلى بديل


نشتكي:

عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم

طيب هل أخذناهم معنا؟

أبناؤنا انعزاليون

ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟

نحن السبب

وهناك سؤال أكثر إحراجًا:

هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟

الأبوة ليست دفع الفواتير

والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد


لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم

فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن

ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم

الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها

الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر

والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام

والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا

وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي:

(( عيال اليوم تغيّروا ))

الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون:

ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم.

شكراً ميري.. شكراً كومار






مقالات ذات صلة

وصل عيالك!!

العودة للمدارس خطأ !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق