اللغط حول البيعة .. وخداع المصطلحات
د. عطية عدلان
باحث ومفكر إسلامي متخصص في العلوم الشرعية
مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي,
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
منذ أيام وأنا أتابع ما يثار على مواقع التواصل الاجتماعي حول (البيعة)، وما جرى من جدل حول قضية البيعة التي تقع في إطار الجماعات العاملة للإسلام، ومدى معارضتها ومناقضتها للبيعة السياسية لمن له شرعية سياسية، وقد ثار هذا اللغط كلُّه في أعقاب إعلان جماعة الإخوان المسلمين في سوريا استعادة وضعها التنظيمي على أرض سوريا، فإذا برجال يثيرون قضية البيعة التي تُعَدُّ ركنًا من أركان التنظيم؛ بدعوى أنّ الحكومة السورية حكومة لها شرعية، وأنّ تكوين تنظيم يعتمد البيعة للمرشد أو لزعيم التنظيم يُعَدُّ صورة من صور الخروج على الحاكم الشرعيّ والحكومة الشرعية، وهذا محرم، ومن ثمّ فواجب على جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات على أرض سوريا أن تبادر إلى حلّ نفسها؛ لأنّ مبرر وجودها لم يعد موجودًا، فإذا كان وجودها مبرّرًا في ظلّ أنظمة لا شرعية لها فإنّه لا مبرر له مع حكومة شرعية.
شرعية النظام السوري الحالي
فأمّا أنّ النظام السوري الحاليّ له شرعية فَنَعَمْ، وشرعيتُه القائمة استمدّها من رضى الأمة السورية به - وإن ضمنًا - لكونه حرّرها من نظام الأسد المحارب لله ورسوله والقاتل لشعبه؛ فمن الشرعية الثورية ومن رضى الأمة السورية استمدّ هذا النظام شرعيته، ولكنّها شرعية انتقالية، لا يدري الناس بعدها ما الذي سيجري على أرض سوريا، ثم إنّ بقاء هذه الشرعية مرهون بقيادة النظام للأمة السورية بكتاب الله، وبعدم ظهور الكفر البواح في البلاد بسبب هذا الحكم، مع مراعاة التفريق بين حال الاختيار وحال الاضطرار لدى الحكم على هذا النظام وإلزامه بالأحكام، ومن هنا فإنّ النظام الحاكم في سوريا إلى الآن له شرعية، ويجب أن تُحترم هذه الشرعية، فيجب له السمع والطاعة في المعروف، ويجب الكفّ عن الخروج وترك الفتن، والصبر على ما يقع من بعض المسئولين من الأذى، وعدم اتخاذ ذلك ذريعةً للخروج وإثارة الفتن وزعزعة الأمن، عن ابن عباسٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ، إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »([1])، والجماعة هنا هي الجماعة السياسية، التي تشمل الأمة والدولة والحاكم الشرعيّ، وعن نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً »([2])، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ»([3])، وغيرها من الأحاديث التي استهدفت انتظام الأمر، ولا ننس أنّ هناك في المقابل - وعلى التوازي مع هذه النصوص - نصوصٌ أخرى كثيرة تأمر الحكومة بالعدل وأداء الأمانات، وتأمر المحكومين - ولاسيما العلماء - بالحسبة والنصح للحكام، وتأمر الجميع بإمضاء الشورى.
هل تتعارض شرعية النظام مع قيام جماعات منظمة؟
أمّا أنّ شرعية النظام الحاكم تتعارض مع قيام جماعات لها نظام يشتمل على بيعة داخلية؛ فهذه فيها تفصيل، ولا يصحّ أن يقودنا خداع المصطلحات إلى تعميم غير قويم، فإمّا أن تكون الجماعة مشتملة في نظام تكوينها على بيعة سياسية، وعقد على السمع والطاعة لأمير سياسيّ، وعندئذ يكون حكمها البطلان وعدم الشرعية ووجوب الحلّ الفوريّ، فإن رفضت الجماعة وأصرت على موقفها وجب على الأمة الوقوف مع الحكومة الشرعية ضدّها؛ لإزالة الخروج على الدولة وإنْ بالقوة، وإمّا أن تكون الجماعة ليست مشتملة في نظامها على بيعة سياسية لأمير مطاع، ولا يأتي قيامها في سياق الخروج على الحاكم أو منازعته السلطان، فلا مسوغ لسحب ذلك الحكم عليها؛ إذْ إنّ مسوغات الحكم هنا غير متوافرة والواقع الذي تتنزّل عليه لا وجود له، وكونها تشتمل في نظام تكوينها وعملها على بيعة تأتي على نحو ما لا علاقة له بالبيعة السياسية؛ لا يصنفها ضمن جماعات الخروج على الحاكم، ولا يعطيها وصف المنازعة السياسية للدولة والنظام.
وتقسيم المعاصرين للبيعة إلى بيعة حكم وبيعة منهج لا أثر له في ترتيب هذه الأحكام؛ لأنّ العبرة بالصورة الواقعية لا بالاسم الذي أطلق على صورة من الصور، فالصورة الواقعية هي أنّ البيعة - أيّ بيعة - عقد من العقود، والأصل في العقود والشروط الإباحة والصحة([4])، ويأتي البطلان والفساد بسبب ما طرأ على العقد من مبطلات ومفسدات، "وهذا القول هو الصحيح بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار مع الاستصحاب وعدم الدليل المنافى"([5])، وأوضح الأدلة على هذه القاعدة أن الله تعالى أمر في آيات كثيرة بالوفاء بالعقود والعهود، وهى تشمل بمعناها اللغوى الذي نزل به القرآن كل عقد أو شرط أو التزام، من هذه الآيات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة 1)، (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء 34)، (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (الرعد 20)، وهذه الأوامر عامة تشمل كل عقد وعهد والتزام، ولا يخرج منها إلا ما دل الدليل على تحريمه وإبطاله وعدم وجوب الوفاء به.
فالبيعة السياسية عقد من العقود، يقول القلقشنديّ واصفًا صورة البيعة: «الْبيعَة وهى أَن يجْتَمع أهل ألحل وَالْعقد ... ويعقدون الأمامة لمن يستجمع شرائطها»([6])، ويقول الخازن في تفسيره: «وأصل البيعة: العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام، والوفاء بالعهد الذي التزمه له»([7])، والبيعة التي يعقدها قومٌ لواحد منهم في إطار دعوة أو عبادة أو ما عمل خيري عقد من العقود، إن سلم من المفسدات فهو صحيح يجب الوفاء به، غير أنّ وجوب الوفاء به يكون ديانة لا حكمًا وقضاءً، بينما البيعة السياسية وعقود المعاملات المالية والأنكحة وما شابه ذلك فإنّه يلزم الوفاء بها ديانة - بين العبد وبين الله - وحكمًا.
ولا مناقضة بين هذه البيعة وبين البيعة السياسية إلّا إذا اشتملت على بند فيه منازعة للسلطان وخروج على الحاكم وما شابه ذلك مما نهت عنه الشريعة، والذي أحدث اللبس هو تسمية هذا بيعة وهذا بيعة، وهي تسمية لا تضرّ بالأصل ولا تؤثر في الحكم، إنما يؤثر في الحكم التكييف الذي يمتهد به السبيل لتنزيل الحكم الشرعيّ، فتكييف البيعتين هو أنّهما من العقود، والأصل في العقود والشروط الإباحة والصحة، فإن طرأ على الأصل ما ينقله إلى الوجوب كعقد البيعة السياسية وجب، وصار الذي يبيت ليلتين وليس في عنقه بيعة يبيت ووصم الجاهلية يحوم حول فراشه، وإن طرأ على العقد ما ينقله إلى الحرمة والبطلان كبيعة فيها منازعة للحاكم الذي له شرعية سياسية فإنّه يحرم ويبطل، وما لم يطرأ عليه شيء من المفسدات فليس ثم ما يحمل على الانتقال عن الأصل.
فلو أنّ جماعة من الجماعات قامت - مثلا - على الدعوة والتربية والتمكين للإسلام، أو على عمل خيري عام، وتعاقدت على ذلك، وأعطت بيعة على الطاعة لمتبوع فيها، دون أن يكون في ذلك منازعة للسلطان الشرعيّ القائم، ولا دعوة للخروج عليه، ولا تخطيط أو ترتيب لإزالته؛ فلا مسوغ للقول ببطلان هذا الفعل أو حرمته أو وجوب إنهائه، إذْ إنّه ليس سوى عقد من العقود، والأصل فيها الإباحة والصحة؛ حسب نظرية العقد في الشريعة الإسلامية، وهذا الأصل يكفينا في هذا المقام، ولسنا - بعد تقرر هذا الأصل بالاستقراء - بحاجة إلى أدلة جزئية.
ومع ذلك فإنّ السنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين شهدت ألوانًا من التعاقد والتعاهد على أمور لا علاقة لها بالعقد السياسي الذي تقوم به الدولة، وأقرب مثال على ذلك بيعة الرضوان، قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) (الفتح: 18)، ولم تكن بيعة سياسية على إقامة الدولة، وإنّما كانت بيعة على القتال وعدم الفرار، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ الشَّجَرَةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَنَا رَافِعٌ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِهِ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، قَالَ: «لَمْ نُبَايِعْهُ عَلَى الْمَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ»([8])، والأمثلة كثيرة، لكنّ المشكلة كما أسلفنا هي الدوران مع المصطلحات التي لا علاقة لها بتنزيل الحكم، فيجب العودة للأصل إذا كنّا ننشد رشدًا في هذه القضية، والأصل هو أنّ العقود والشروط ليست توقيفية، وإنّما هي على أصل الإباحة والصحة حتى يقوم الدليل الذي يقوى على الانتقال عن هذا الأصل.
قد يقال - وللقول وجاهة - إنّ جماعةً كجماعة الإخوان المسلمين قامت من حيث الأصل على استعادة الخلافة الإسلامية، ولم يحدث في أدبيّاتها بعد تحرير سوريا تطوير يدلّ على تخليها في سوريا عن هذا الأصل القديم، فلنقل ذلك، ولنفترض أنّها بالفعل تستهدف استعادة الخلافة؛ فما علاقة ذلك بمنازعة الحكم الشرعيّ القائم؟ إنّ السعي لاستعادة الخلافة وتحكيم الشريعة والتمكين للإسلام واجب لم يسقط بمجرد نجاح الثورة السورية في الوصول للحكم والإطاحة بنظام الأسد وإقامة حكم له شرعية سياسية، إنّه واجب على الدولة السورية، وواجب على الجماعات العاملة للإسلام، وواجب على المجتمع المسلم في سوريا وفي غيرها من بلدان العالم الإسلاميّ، وهذا الواجب لا يتحقق - فقط - بالمسار السياسي الذي تسلكه الدولة، إنّما تحققه يكون قبل ذلك ببناء المجتمعات وتمتينها واستعادة الأمة لوعيها ورشدها، وهذا - لعمر الحقّ - لا تنهض به الحكومة السورية الحالية ولو أمدتها من بعدها سبع حكومات مثلها، فما لم تعلن العصيان أو تسلك إليه السبل الخفية أو المعلنة فلا مسوغ شرعًا للقول بوجوب الإنهاء والحلّ.
ثمّ إنّ مصلحة سوريا - التي هي فوق مصلحة الحاكم وفوق مصالح الجماعات - أن تبقى هذه الجماعات - على اختلافها وتنوعها - تعمل في المجتمع، وتكون ظهيرًا للدولة، بشرط عدم منازعتها، مع قيامها بالنصح والحسبة السياسية، وقد يكون لها دور سياسيٌّ داعم للمشروع الإسلامي في سوريا، يتمثّل في تكوين أحزاب سياسية إسلامية - بشرط أن يقوم بينها تحالف - تقوم هذه الأحزاب الإسلامية المتحالفة بمساندة الحكم الشرعيّ الحالي إذا استقام، وتقويمه إذا اعوجّ، والحلول محلّه إذا جارت عليه الظروف السياسية - لا قدر الله - فأزالته قوى علمانية أو طائفية أو دولية، وذلك كلّه قد يقع في هذا الظرف الاستثنائيّ، الذي يجعل الدولة والأمة السورية في حال اضطرار لا حال اختيار، وفي حال الاضطرار يجوز - من باب اختيار أهون الشرين وارتكاب أخف الضررين - إقامة نظام يعتمد التعددية السياسية سبيلًا لإقامة حياة فيها قدر من العدالة والحريات وتوفر المناخ للعمل الجاد الذي تبلغ به الأمة ما تريد من التمكين.
إنّ المشكلة لا تكمن في تكوين جماعات، ولا في تعدد هذه الجماعات، ولا في اختلافها في فروع العقيدة أو فروع الشريعة أو في خطط التغيير والتطوير، فإنّ العمل الجماعيّ ضرورة والتعددية واقع مفروض لا يمكن دفعه، وقد يكون مثريًا إذا أحسنّا إدارته، إنّما المشكلة تكمن في أمرين، الأول: ضعف الفقه السياسيّ الذي ينشئ رشدًا سياسيًّا وسدادًا في الرأي، الثاني: التعصب والتحزب، ذلك الذي يزداد سوءًا إذا انضاف إليه عنصرية في معاملة الآخرين وتقييمهم، وشعور بالتميز فوق المجتمع يجعل الدعوة بينها وبين الناس حاجز مجهول، وقلة إنصاف تدعمها خصال رديئة كالسخرية واللمز والغيبة وسوء الظنّ.
ولن تكون المشكلة في قابل الأيام متمثلة في تعدد الإمارات الإسلامية؛ إذْ إنّه بالإمكان تحقيق وحدة إسلامية عبر تحالفات سياسية واقتصادية وعسكرية ومصيرية، تُغني لمدد طويلة عن الاضطرار لاعتساف الطريق وحرق المراحل لإقامة دولة واحدة، قد لا تقوم إلا على بحور من الدماء، إنّما تكمن المشكلة - أيضًا - في الأمرين ذاتهما، الأول: ضعف وهشاشة الفقه السياسيّ؛ بما قد يسول لإمارة من هذه الإمارات أو بعضها - أو كلها رُبَّما - لارتكاب خطأ فادح يتمثل في سعيها بالقوة لضمّ الإمارات الأخرى بزعم أنّها الإمارة الأمّ أو الأسبق أو الأولى بالبيعة العامّة أو بأي مسوغ، ومع افتراضنا وقوع ذلك قَدَرًا واحتمالية تحقق الوحدة به، فإنّ الأمر القدريّ ليس كالأمر الشرعيّ، فلا يصح من البداية سلوك هذا السبيل، أمّا السبيل المشروع فله تفاصيله التي يوضحها فقه السياسة الشرعية، الأمر الثاني: هو التعصب للإمارة والنظر إليها على أنّها الخلافة، وهذا يرجع للأمر الأول، ويترتب عليه النظر إلى الآخرين على أنّهم خوارج.
وأخيرًا أضرب أمثلة لمكونات يمكن أن تنشأ عبر تنظيم داخليّ يشتمل في نظامه على بيعة لا تتعارض مع احترام البيعة السياسية، وتكون في الوقت ذاته ظهيرًا يحقق للأنظمة السياسية قدرة على مناورة النظام الدوليّ والقوى الكبرى التي تتحكم فيه، فمثلّا إذا قام في بلاد المسلمين تنظيم يتعاهد فيه أفراده ويتعاقدون ويعطون البيعة على أمر واحد لا يحيدون عنه ولا يزيدون عليه، وهو أن يقموا - كلّ في بلده - بتصفية السياح الصهاينة رجالًا كانوا أو نساء، دون الأطفال بالطبع، وبشرط أن يكونوا صهاينة مقيمين في الأرض المحتلة؛ لأنّهم عندئذ سيكونون محاربين لا عهد لهم ولا ذمة، فإذا قام العلماء بدعم مشروع كهذا؛ فإنّه سوف ينجح في الضغط على الكيان الصهيونيّ، وتسهيل التفاوض معه لتخفيف الضغط عن غزة وعن الضفة وعن سوريا، بل وفي التقليل من لهجة العداء لكثير من الدول المحترمة كتركيا وغيرها، وسيمهد مستقبلًا بعون الله لتحرير فلسطين وإنهاء الكيان الصهيونيّ، وتبقى الأنظمة - كالنظام السوري - في سعة.
وماذا لو تعاقد وتعاهد وأعطى البيعة اقتصاديون مسلمون، على أن يقيموا مشاريع اقتصادية على قيم إسلامية مناهضة للنظام الرأسمالي المجرم؟ وتعاقد وتعاهد وأعطى البيعة معلمون وتربويون على إنشاء نظم تعليمية مبتكرة تخرج بالجيل من هذه النظم العقيمة إلى نظم تبني وتؤسس بصورة تجمع بين إسلامية القيم والمبادئ وعصرانية العلوم والتكنلوجيا، والأمثلة أكثر من أن تحصر حقيقة، المهم هو أنّنا بحاجة إلى توسيع دائرة العمل الجماعي المنظم، وتحريره من القيود التي تملى عليه من جهات عديدة منها الداعم والكفيل، وبحاجة كذلك إلى دعم العلماء لها بالترشيد والتسديد؛ حتى تكون رصيدًا حقيقيًّا للأمة، والله المستعان.
([1]) رواه البخاري ك الأحكام باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية برقم "6639" (ج11 ص5353).
([2]) رواه مسلم ك الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عندظهور الفتن.. برقم "3447" ( ج 5 - ص 2423 ).
([3]) رواه مسلم ك الإمارة باب الأمر بلزوم الجماعة عندظهور الفتن.. برقم "3442" ( ج 5 - ص 2420 )
([4]) ر: القواعد النورانية لابن تيمية ص 188 ط دار المعرفة - مجموع فتاوى ابن تيمية 29/132.
([5]) القواعد النورانية لابن تيمية ص 192 مرجع سابق
([6]) «مآثر الإنافة في معالم الخلافة» (١/ 39)
([7]) «تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل» (٤/ 156)
([8]) «صحيح مسلم» (٣/ 1485) برقم (1858)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق