الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية

 7 أكتوبر... أفق الحرية الذي فتحه شعب بتضحيته بنفسه للإنسانية



ياسين أقطاي
قيادي في حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم



- يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس

اليوم 7 أكتوبر، ذكرى «طوفان الأقصى» بوصفه خروجًا من شأنه أن يغلق عصرًا ويفتح عصرًا آخر. قبل ثلاثة أعوام، في صباح 7 أكتوبر، عندما استيقظ العالم، لم يكن أمامه مجرد عملية تجاوزت جدران إسرائيل التي كان يُعتقد أنها عصية على الاختراق. كان هناك صرخة شعب يهتف في وجه القوة التي تحاول محوه من التاريخ: «أنا هنا!». 

شعب حوصر لسنوات، وانتُزعت أراضيه منه قطعة تلو أخرى، وهُدمت بيوته فوق رؤوسه، وقُتل أطفاله أمام أعين العالم، كانت تلك الصرخة التي أطلقها شعب باتجاه من يحاصرونه قد اخترقت أيضًا الصمت الذي أطبق على العالم بأسره. 

لقد كان حدثًا، مثل ابتسامة إسماعيل الذي جرى تجاهله واستبعاده وإذلاله، يسخر من منظومات القيم كافة التي أطبق بها العالم على نفسه، ومن أنظمة الأمن التي يتفاخر بها، ويكشف أن باطنها فارغ تمامًا.

لنتذكر. قبل «طوفان الأقصى»، كانت القضية الفلسطينية مسألة ينبغي الحديث عنها، لكن يمكن تأجيلها. كانت إدانة الاحتلال الإسرائيلي تصدر، ثم تستمر الحياة من حيث توقفت. 

وبينما كان الناس يموتون في غزة، كان العالم يجد طرقًا للتعوّد على هذه الوفيات. حياة تضيق أكثر كل يوم، وحصار يتسع أكثر، واحتلال يتقدم أكثر؛ كان يُفسَّر كل ذلك بأنه «حقائق المنطقة المعقدة». لقد بدأت البشرية تعتبر الصمت أمام الظلم الذي علت صرخاته نوعًا من التعقل، كما بدأت تعتبر صمت الفلسطينيين نوعًا من السلام.

كان 7 أكتوبر صاعقة سقطت في خضم هذا الاعتياد. كان رفضًا من شعب لأن يعيش منتظرًا الموت. 

كان هناك من يعرفون ما سيكلفه إقدام ذلك الصباح. لكن حسابهم لم يكن الحساب الذي نجريه وفق راحة حياتنا اليومية. 

لقد كانوا، داخل شعب يقتله الحصار قليلًا كل يوم، مستعدين للمخاطرة ليس بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل بالحياة الحرة أيضًا. ولم يدفعوا ثمن نضالهم كي يجعلوا الآخرين يدفعونه، بل دفعوه بوضع حياتهم هم على المحك.

ثم تقدمت إسرائيل بكل قوتها على غزة. وهدمت مدينة حجرًا حجرًا، وشارعًا شارعًا. وقصفت المنازل والمستشفيات والمدارس ودور العبادة؛ وأجبرت الناس على النزوح والجوع والبحث عن أقاربهم تحت الأنقاض. 

وأفادت وزارة الصحة في غزة، في بيان صادر في 4 أكتوبر، بأن أكثر من 74 ألف فلسطيني قتلوا، وأصيب أكثر من 175 ألفًا منذ بداية الهجمات. 

وحتى خلال فترة وقف إطلاق النار، استمرت الوفيات. لا يمكن إدراج أي من هذه الأرقام في حساب نصر. فكل واحد منها اسم إنسان، وضوء منزل، وحياة عائلة لم تكتمل.

كلما ازداد الدمار الذي تعرضت له غزة، تقلص النصر الذي روته إسرائيل للعالم. لأنها لم تجد أمامها شعبًا راكعًا على ركبتيه. 

فبعد كل قائد قتلته، خرج شاب جديد؛ وبعد كل صوت أسكتته، ارتفعت آلاف الأصوات. وما عجزت عن إخضاعه كان إرادة لا تقاس بعدد الأسلحة. 

كان لدى الجيش الإسرائيلي طائرات وقنابل واستخبارات؛ أما غزة، فكان لديها أمهات ينهضن من جديد بعد أن يوارين أبناءهن الثرى، وآباء يقرؤون القرآن عند الأنقاض، وأطفال يقولون «لن نرحل من هنا» حتى وهم جرحى. ولم تكن هاتان القوتان الشيء نفسه على ميزان العالم.

وتسجل البيانات الرسمية الإسرائيلية نفسها التكلفة العسكرية للحرب أيضًا: إذ يعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 970 من جنوده وإصابة 6 آلاف و424 جنديًا. لكن خسارة إسرائيل الحقيقية تتجاوز هذه الأرقام بكثير. فقد انهارت أسطورة الأمن التي جرى تلميعها لسنوات. وتحطمت في غضون ساعات صورة الدولة التي ترى كل شيء وتسيطر على كل شيء. ولم تتمكن السنوات الثلاث التالية من إعادة بناء هذه الأسطورة. فكلما عظّمت إسرائيل قوتها، لم تعزز أمنها، بل زادت الغضب؛ وكلما عمقت احتلالها، لم تعزز هيمنتها، بل زادت المقاومة.

وكانت أكبر الخسائر هي الحصانة التي مُنحت لها. فقد غطت إسرائيل احتلالها لعقود بلغة الأمن؛ وتركت كل كلمة تتعلق بفلسطين تحت ظل تهديد بالاتهام، لإسكات المعترضين. وقد بددت صور غزة ذلك الظل. وخرج شباب العالم إلى الساحات؛ ورفعت الجامعات والنقابات والفنانون والأكاديميون والناس العاديون أصواتهم في وجه صمت حكوماتهم. وأصبح العلم الفلسطيني ليس علم فلسطين وحدها، بل علم كل من يعترض على الاستعمار والعنصرية والهيمنة.

أظهرت غزة للبشرية جمعاء من جديد ما هي الحرية. فالحرية ليست مجرد إذن يمنحه الأقوياء. بل هي، على العكس من ذلك، إصرار شعب محاصر، حين يحين الوقت، على أن تكون له كلمة في تقرير مصير حياته، رغم كل الاستحالات. وأحيانًا تكون القدرة على الجلوس فوق أنقاض منزلك وقول «أنا هنا». وأحيانًا أخرى تكون التمسك بأرضك والاستمرار في الضحك، بينما لا يعرض عليك أقوياء العالم سوى الصمت والرحيل.

إن أثقل جوانب هذه الملحمة هو أن ثمنها دُفع بأرواح البشر. وتجاهل ذلك، أو قياس ذلك الثمن من بعيد وطرح سؤال «هل كان الأمر يستحق؟»، كلاهما يعني عدم فهم غزة. فلا يمكن قياس إرادة شعب غزة وفق راحة الشعوب الأخرى. لقد أرادوا، في مكان يأتي فيه الموت إلى أبوابهم كل يوم أصلًا، أن يحددوا بأنفسهم ليس فقط متى سيموتون، بل كيف سيعيشون أيضًا.

بعد ثلاثة أعوام، ما لدينا ليس نصرًا مكتملًا، بل نضال لم ينته بعد. فما زالت إسرائيل تقتل وتهدم وتحاصر. وما زال الشعب الفلسطيني يحزن، ويداوي جراحه، ويحاول العودة إلى أرضه. لكن العالم لم يعد قادرًا على مواصلة طريقه من دون أن يرى وجود هذا الشعب ومطالبته بالحرية.

إن الثغرة التي فتحها «طوفان الأقصى» لم تُغلق؛ بل اتسعت. لقد أظهر شعب، بتضحيته بنفسه، أفقًا جديدًا للبشرية جمعاء. ومهما كان الظلم عظيمًا، فإنه لا يستطيع أن يحاصر رغبة الإنسان في الحرية بالكامل.

وبشكل أكثر تجسيدًا، فقد حدث ما قلناه في بداية مقالنا. لقد انتهى عصر. وبدأت موازين القوى العالمية تُعاد صياغتها تحت تأثير هذه الحروب. وبفعل موجات «طوفان الأقصى»، سقط نظام القمع الذي حكم سوريا لمدة 14 عامًا. وأقيم نظام يستند إلى شعبه. 

واضطرت إيران وحزب الله، للمرة الأولى منذ 40 عامًا، إلى خوض حرب حقيقية مع عدو غير المسلمين، أي مع إسرائيل، وبسبب هذه الحرب شهد وعي أمة المسلمين في العالم تحسنًا. واليوم انهارت الهيمنة الأخلاقية التي تستخدمها الولايات المتحدة وأوروبا على المسلمين وبقية أنحاء العالم إلى أقصى حد. وانكشفت العنصرية والرغبة في الاستغلال الكامنتان تحت الهيمنة التي أقامتها على العالم بأسره باسم حقوق الإنسان. 

واتضح بجلاء أن النظام العالمي الصهيوني، الذي يحمّل العالم بأسره عبئًا من الديون يتعذر سداده ويزداد مع كل ما يدعي أنه إبادة جماعية عاشها، لا يمكن أن يكون مقياسًا ولا مصدرًا لأي قيمة أخلاقية. وفي المقابل، أظهرت غزة، من خلال مظلوميتها، ومن دون أن تنتج عبئًا من الديون على العالم، أن عالمًا آخر، وحياة أخرى، ونمطًا آخر من الوجود، أمور ممكنة.

ولعل أحد مظاهر العصر الجديد الذي فتحته أمواج «طوفان الأقصى» كان تقارب الدول المسلمة من بعضها بعضًا. ولا شك أن تحالف مكة الذي تشكل اليوم يحمل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أثر هذا الطوفان.

لكن آه.. ليت تحالف مكة كان قد تشكل قبل هذه المرحلة بكثير، وباسمه هذا، في مواجهة العدوان الإسرائيلي الإبادي وتهديده المحتوم، وغطرسته، وتجاوزه كل الحدود.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق